هل المدير الفني للشباب هو الأقدر على قيادة الفريق الأول؟

15 مديراً فنياً من أصل 20 في الدوري الإنجليزي الممتاز بدأوا مسيرتهم التدريبية مع الناشئين

TT

هل المدير الفني للشباب هو الأقدر على قيادة الفريق الأول؟

هناك ثلاثة أندية في الدوري الإنجليزي الممتاز اعتمدت مديرين فنيين مؤقتين لفرقها الأسبوع الماضي، علما بأن كل مدرب منهم بدأ مسيرته من خلال قيادة فريق الشباب بالنادي.
الاسكوتلندي دونكان فيرغسون بدأ مسيرته التدريبية من خلال العمل كمدير فني متطوع في أكاديمية إيفرتون للناشئين تحت قيادة ديفيد مويز. وكان هايدن مولينز يعمل كمدير فني لفريق واتفورد تحت 23 عاماً عندما تمت إقالة كيكي سانشيز فلوريس الأسبوع الماضي، كما بدأ السويدي فريدي ليونغبيرغ مسيرته التدريبية مع فريق آرسنال تحت 15 عاماً في عام 2006، قبل أن يعود إلى النادي لقيادة فريق تحت 23 عاماً.
ويعني تصعيد كل من فيرغسون وليونغبيرغ ومولينز لقيادة الفريق الأول لكل فريق من الأندية التي يعملون بها أن 15 ناديا في الدوري الإنجليزي الممتاز سيقودها مديرون فنيون بدأوا مسيرتهم التدريبية مع فرق الشباب أو الرديف أو من خلال العمل بدوام جزئي.
وقد بدأ كل من بريندان رودجرز (واتفورد وتشيلسي) ودين سميث (ليتون أورينت) وإيدي هاو (بورنموث) وشون دايك (واتفورد) ورالف هاسينهول (أونترهاخينج) وجوزيه مورينيو (فيتوريا دي سيتوبال)، مسيرتهم التدريبية من خلال العمل في فرق الشباب.
كما حصل كل من كريس وايلدر ودانييل فارك على فرصة العمل لأول مرة في مجال التدريب مع أندية شبه محترفة (بدأ وايلدر مع ألفريتون في دوري المقاطعات الشمالية الشرقية، في حين بدأ فارك مسيرته في دوري الدرجة السادسة بألمانيا). وخاض روي هودجسون تجربة لا تقدر بثمن مع نادي أوديفولد بدوري الدرجة الثالثة في السويد، بعدما نجح في قيادة نادي هالمشتاد الصغير للحصول على لقبين للدوري السويدي في أول تجربة تدريبية له.
وبدأ غراهام بوتر مسيرته التدريبية بتدريب الطلاب في هال سيتي. وحصل أولي غونار سولسكاير على أول وظيفة له في مجال التدريب في أكاديمية الناشئين بنادي مانشستر يونايتد. كما تعلم جوسيب غوارديولا قواعد التدريب مع فريق الرديف بنادي برشلونة.
ويعني هذا أنه لا يشذ عن هذه القاعدة في الدوري الإنجليزي الممتاز سوى ستيف بروس، ومانويل بيليغريني، ويورغن كلوب، ونونو إسبيريتو سانتو (الذي بدأ كمدرب لحراس المرمى في نادي ملقه)، وفرانك لامبارد - على الرغم من أنه عمل هو الآخر مع فريق الشباب قبل أن يخوض أول تجربة له في عالم التدريب مع نادي ديربي كاونتي.
وتجب الإشارة إلى أن المديرين الفنيين الذين يعملون في أكاديميات الناشئين لديهم نقاط قوة مختلفة، فبعضهم يصبح خبيرا في كيفية الدفع باللاعبين الشباب وتصعيدهم للفريق الأول، وبعضهم يتعلم فن تدريب مجموعة من الشخصيات المختلفة ومساعدتهم على تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب وخارجه، في حين يكون البعض الآخر خبيرا في النواحي الخططية والتكتيكية وكيفية إعداد الفريق للمباريات وإدارة اللاعبين بشكل جيد أثناء المباريات نفسها.
ويميل النوع الأول إلى الحصول على وظيفة في أكاديميات الناشئين، والعمل في وظائف تتمتع بالاستقرار والاحترام داخل اللعبة، وعدم التعرض للضغوط الإعلامية الكبيرة التي يتعرض لها المدير الفني للفريق الأول. ويعد بول درايفر مثالا جيدا على ذلك، فبعدما تولى تدريب فرق الشباب في روشدين آند دياموندز، ولوتون تاون، ودونكاستر روفرز، كان درايفر سعيدا برؤية أحد لاعبيه السابقين في فريق الشباب بنادي لوتون تاون، جيمس جاستن، وهو يلعب أول مباراة له في الدوري الإنجليزي الممتاز مع ليستر سيتي الأسبوع الماضي.
أما النوعان الآخران من المديرين الفنيين فيسعيان للحصول على فرصة لتدريب الفريق الأول، والحصول على مميزات أفضل ورواتب أعلى، وإن كان العمل في قيادة الفريق الأول قد لا يدوم كثيرا في بيئات شديدة التقلب تشهد إقالة الكثير من المديرين الفنيين. لكن هناك شيء واحد مشترك بين جميع هؤلاء المدربين، وهو أنهم يستفيدون جميعاً من تعلم كيفية أن يصبحوا مديرين فنيين بعيدا عن الأضواء؛ حيث تكون عواقب الأخطاء التي يتم ارتكابها أقل والإخفاقات غير ملحوظة بشكل كبير بعيدا عن وسائل الإعلام.
في الحقيقة، هناك تغير واضح في طبيعة العمل في مجال التدريب، فحتى وقت قريب كان جميع المديرين الفنيين تقريبا من اللاعبين المحترفين السابقين على المستوى الاحترافي، أو من المحاضرين السابقين، أو كليهما. وكانت هناك بعض الاستثناءات القليلة للغاية. وكان هؤلاء المديرون الفنيون يعرفون كل تفاصيل اللعبة ويمكنهم الاتصال باللاعبين الشباب وقادرين على تنظيم وتقديم دروس لعدد كبير من الأشخاص.
وبعد ما يقرب من عشر سنوات على إطلاق ما يسمى بخطة أداء لاعبي النخبة، فإن أكاديميات الناشئين في الأندية من الفئة الأولى (أندية الدوري الإنجليزي الممتاز) تضم أكثر من 30 موظفاً. أما أندية الفئة الثانية (دوري الدرجة الأولى) فتضم أكثر من نصف هذا العدد، مع وجود أكثر من عشرة موظفين في أندية الفئة الثالثة (الدوريات الأدنى). وفي كل مستوى من هذه المستويات، يكون معظم الموظفين من الرجال في العشرينات من العمر، ويعملون ساعات طويلة للغاية ويتقاضون أجوراً أقل من نظرائهم في وظائف يفترض أنها أقل بريقاً. ويشمل ذلك المديرين الفنيين، الذين لم يلعب معظمهم كرة القدم على المستوى الاحترافي أو لم يعملوا كمحاضرين في مجال كرة القدم.
ويوجد الآن العشرات من المديرين الفنيين في أكاديميات الناشئين، بعضهم يعمل مع فرق تحت 18 عاما أو حتى تحت 23 عاماً، رغم أنهم لم يلعبوا من قبل في هذه المستويات، ناهيك عن الفريق الأول. وتجب الإشارة إلى أن هذا الأمر لا يجعلهم مديرين فنيين سيئين، لكنه يجعلهم مديرين فنيين مختلفين. وكل ما يعرفونه هو أنهم يسيرون على طريق من المرجح أن يؤدي إلى حصولهم على فرص لتدريب أندية في القمة - إذا أمكنهم البقاء هناك لفترات كافية.
وقد احتل حارس المرمى ديفيد مارتن عناوين الصحف في نهاية الأسبوع الماضي عندما ساعد وستهام يونايتد على الفوز على تشيلسي في أول مباراة له في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره. وخلال العام الماضي، كان مارتن يحرس مرمى ميلوول ويلعب مع فريق النادي تحت 23 عاما! لقد مر مارتن بالكثير من التجارب المختلفة؛ حيث بدأ مسيرته الكروية كمدافع مع فريق الشباب بنادي توتنهام هوتسبر قبل أن يتحول لمركز حراسة المرمى مع نادي ويمبلدون، ثم لعب مع الفريق الأول بنادي ميلتون كينز دونز. وقام مارتن بانتقال مفاجئ إلى ليفربول عام 2006، لكنه كان يلعب بشكل أساسي مع فريق الرديف بالنادي. وبعد خروجه من ليفربول معارا أكثر من مرة، عاد إلى ميلتون كونز دونز لكي يصبح الحارس الأساسي للفريق. وبعد فترة ناجحة مع نادي ميلوول، انتقل مارتن إلى وستهام يونايتد الصيف الماضي، ثم رأينا جميعا مع حدث بعد ذلك وقيادته لوستهام يونايتد للفوز على تشيلسي، ومن يعلم فربما نراه يوما ما مديرا فنيا لأحد الأندية الكبرى!.
وقد أثبتت التجارب أن الدعم النفسي الذي يبثه المدربون الصاعدون من فرق الشباب للاعبين يفوق بدرجات كبيرة الدور الذي يقوم به مدرب جديد ليس له دراية بأجواء هذا النادي. واتضح ذلك في الاختبار الأول لدنكان فيرغسون مع إيفرتون، حيث لم يتوقف عن الصراخ من المنطقة الفنية خلال أغلب فترات مباراته الأولى أمام تشيلسي بملعب جوديسون بارك التي فاز بها 3 – 1، وعلت ابتسامة عريضة وجه المدرب الاسكوتلندي عقب الفوز وجال الملعب رافعا قبضته في الهواء.
واحتضن فيرغسون أحد جامعي الكرات الشبان وجاء رد جماهير أصحاب الأرض على أفضل ما يمكن لأحد أساطير النادي الذي قدم عرضا مقنعا لفريق ظهر بشكل متواضع خلال الهزيمة المذلة 5 - 2 في قمة المدينة أمام ليفربول الأسبوع الماضي.
وبث فيرغسون الحماس في نفوس اللاعبين الذين كانوا فاقدي الثقة، وانعكس ذلك في حماس المشجعين بالمدرجات ليقتنص الفريق فوزا مهما دفعه مؤقتا بعيدا عن منطقة الهبوط.
وجاء تعليق من الجناح ثيو والكوت لتوضيح التأثير الذي أحدثه فيرغسون منذ توليه المسؤولية عقب إقالة ماركو سيلفا يوم الخميس الماضي بعد الهزيمة المذلة في أنفيلد.
وقال والكوت: «جاء دنكان والنادي في قلبه. هذا أسلوب إيفرتون. نحن نلعب من أجل بعضنا، ودومينيك كان رائعا. أردنا أن نلعب بقوة وأن نضغط عليهم وأن نستغل المساحات خلف خطوطهم(تشيلسي)، لقد وضعناهم تحت ضغط وأرغمناهم على ارتكاب أخطاء. دنكان قال العبوا بأسلوبكم واستمتعوا بالأمر. ورغم أنه يبدو طلبا مكررا، فإن هذا ما فعلناه».
ويدرك فيرغسون أنه يقوم بعمله بشكل مؤقت وبدافع حب للنادي الذي صنع شهرته، ولكن في ظل ما أظهره من حماس في الفريق وغياب بديل واضح في الأفق، فربما هو الشخص الأنسب للمنصب بشكل دائم.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.