الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

يضم مهارات محددة تشمل قدرات العقل والتعلم والخطط لحل المشاكل

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء
TT

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

هل الذكاء شيء ما، أنت ولدت وتمتلكه؟ أم أنه مهارة يمكنك صقلها وتطويرها طوال الحياة؟ هل أن الشخص الذي يكون دماغه مليئاً بالحقائق أكثر ذكاءً من فنان يناشد الناس لرؤية العالم بشكل مختلف، أو من عالم رياضيات يصمم تصاميم خوارزمية تمكن الكومبيوتر من التغلب على الإنسان في لعبة الشطرنج؟ هل الكومبيوتر أذكى من الإنسان؟
- جوانب غامضة
الذكاء هو مفهوم غامض حتى أن كتب علم النفس حول موضوع الذكاء مليئة بالأساطير والأخطاء. مع ذلك، فإن البحوث الحديثة تشير إلى أننا توصلنا أخيراً إلى السيطرة على بعض الأسئلة الرئيسية حول الذكاء.
الذكاء هو سرعة في الفهم والبديهة، ونشاط فكري ومعرفي يقوم به العقل، وليس شرطاً أن يكون الذكاء مرتبطاً مع التحصيل الأكاديمي أو المنهجي كما هو معروف عند البعض، فقد يتعدّاه إلى جوانب أخرى كالذكاء الاجتماعي، واللغوي، والرياضي، فيتميز كل شخص بنوعٍ أو أكثر من أنواع الذكاء. ويقول يون في كتابه الموسوم «معجم الحقيقة» Truth lexicon المنشور عام 2017، إن الحقيقة حول الذكاء هي أن الذكاء لا يتحرك أبداً... بل إنه ترقب لكل حركة، وبالتالي فهو خالٍ من أي حركة. لا يمكن أبداً أن يتحرك ولا يحتاج إلى التحرك. الأفكار والمشاعر والعواطف تتحرك دائماً، وبالتالي هي ليست ذكية.
ويعرف جاستن باريسو، مؤلف «الحاصل العاطفي» emotional quotien EQ في مجلة «نيويورك تايمز» الأميركية في يوليو (تموز) 2019، الذكاء العاطفي على أنه قدرة الإنسان على التعرف على العواطف وإدارتها، سواءً كانت عواطفه الخاصة، أو عواطف الأشخاص المُحيطين به،، أما الذكاء الصناعي فهو قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري وطريقة عمله، مثل قدرته على التفكير، والاكتشاف والاستفادة من التجارب السابقة.
- مفهوم الذكاء
عندما يتحدث الباحثون عن الذكاء فإنهم يشيرون إلى مجموعة محددة من المهارات التي تشمل قدرات العقل والتعلم والخطط لحل المشاكل. الشيء المثير للاهتمام هو أن الناس الذين يجيدون واحدة من تلك المهارات يجيدون بقية المهارات. يبدو أن هذه المهارات تعكس قدرة عقلية واسعة لُقّبت بالذكاء العام.
يقول ستيوارت ريتشي، باحث في الذكاء من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة في بحثه المنشور في سبتمبر (أيلول) 2019 في مجلة Intelligence، إن هذا لا يعني أن الناس لا يمكن أن يتخصصوا في مجالات مختلفة؛ فبعضهم جيدون بشكل خاص في حل المشاكل الحسابية، والبعض الآخر لديهم قدرات لفظية أو قدرات فضائية، أي التعرف على الفضاء المحيط بهم، وهكذا.
جادل عالم النفس هاورد غاردنر من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة في كتابه الموسوم «نظرية غاردنر في الذكاء المتعدد» Gardner›s Theory of Multiple Intelligence المنشور في يوليو 2019 حول الذكاء المتعدد بما في ذلك القدرة الحركية والقدرة على حل المسائل الحسابية أو حتى القدرة الموسيقية. ومع ذلك، فإن معظم الباحثين يعتقدون أن هذه الفئات من الناس تعكس مزيجاً مختلفاً من القدرات والمهارات والسمات الشخصية ولا ترتبط جميعها بالقدرة المعرفية. وبطريقة مماثلة تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ما يسمى الذكاء العاطفي هي القدرة على تنظيم عواطف شخص ما وربطها بأشخاص آخرين هو مجرد مزيج من الذكاء العام والشخصية.
أما ريكس جونغ، من جامعة نيومكسيكو، في بحثه المنشور عام 2018 في مجلة «الذكاء» أيضاً فيقول إن فكرة أنك تكون خلاقاً دون أن تكون ذكياً هي أسطورة، فهناك حاجة إلى مستوى معين من الذكاء لاكتساب البيانات الخام لكي تكون خلاقاً. إن ارتفاع معدل الذكاء لدى بعض الناس يبدو أنه يستخدم طاقة أقل عند أداء المهام العقلية، وأن خلاياهم العصبية تنقل الإشارات العصبية أسرع ربما لأن الأدمغة الذكية هي أكثر كفاءة. فكرة أخرى، هي أن الناس الأذكياء لديهم ذكريات أكثر في العمل؛ لذلك يمكن أن يتعاملوا مع المزيد من المعلومات في وقت واحد.
- شحذ الذكاء
هل يمكن أن أكون أكثر ذكاءً؟ البحوث التي نشرت في التسعينات من القرن الماضي في مجلة «نيتشر» أشارت إلى أن أداء الطلاب كان أفضل في اختبارات الذكاء عند استماعهم للموسيقى الكلاسيكية، لكن ذلك لم يقنع الباحثين الآخرين، بل إن دراسات ألعاب الكومبيوتر التي تهدف إلى تحسين العقلية أنتجت نتائج مختلطة جداً، كما يقول ستيورت ريتشي.
في دراسة أخرى، يضيف ريتشي وجماعته، أن استحداث سنة دراسية إضافية من التعليم قد عزز معدل الذكاء من 1 - 5 نقاط، ولا يعني ذلك أننا إذا تركنا الطلاب في المدرسة إلى الأبد سوف يصبحون جميعاً عباقرة في مرحلة ما. لكن بالنظر إلى التباين في التعليم في الوقت الحاضر فإنه يوفر درجه من الدعم؛ إذ إن دراسة الرياضيات وتراكم المعرفة العامة هو تدريب جيد لهذا النوع من التفكير يحتاج إليه الطالب لأداء جيد في اختبارات الذكاء.
التعليم قد يساعد الأطفال أيضاً في الحفاظ على تركيزهم. لكن تأثير ذلك غير واضح تماماً في الكبار؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون التعليم في قاعة الدراسة، ففي إحدى الدراسات التي قارنت درجات ذكاء الناس في الأعمار بين سن 11 و70 وجدت أن وجود الشخص في وظيفة أكثر تعقيداً سوف يكون أكثر ذكاء في وقت لاحق حتى لو لم يكن الشخص ذكياً في بداية عمله.
- قياسات واختبارات الذكاء
> هل يمكن قياس مستوى الذكاء؟ أمضى رسل ويم في بحثه المنشور في 2018 في مجلة «أرشيفات علم وظائف الأعضاء العلمية» Archives of Scientific Physiology وقتاً طويلاً في التدقيق في الكتب الجامعية لعلم النفس بصفته أستاذاً لعلم النفس في جامعة يوتا فالي في الولايات المتحدة، وهو لم يكن يبحث عن البصيرة، بل عن الأخطاء. ووجد الكثير منها ثم توصل إلى قناعة بأن من الصعب قياس مستوى الذكاء لدى أي شخص.
• هل تصلح اختبارات الذكاء في الحصول على وظيفة؟ واجهت التطبيقات الخاصة لاختبارات الذكاء أيضاً تفحصاً دقيقاً من الباحثين، وانتقدت كثيراً عند استخدامها لفحص المتقدمين للعمل، حيث يتم اختبار مجموعة فرعية من المهارات المعرفية، فمثلاً لأنها لا تقيس الإبداع ولا السمات البارزة في الشخصية، مثل الاجتهاد أو الضمير أو القدرة على المضي قدماً مع الأشخاص الآخرين. وبناءً على ما تقدم، يفضل إعطاء المتقدمين للعمل فحص اختبار الشخصية وتمريناً عملياً لتقييم مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة.
• ما الذي يجعل شخصاً أكثر ذكاءً من الآخر؟ من أسباب عدم مناقشة الكثير من الناس للذكاء هو الاعتقاد بأنه شيء أنت ولدت هكذا معه، ولا تستطيع فعل شيء للتأثير عليه، وهو ما يضعف المساواة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن الهرب من حقيقة أن الذكاء موروث إلى حد ما، فقد وجد الباحثون أن معدل ذكاء الأطفال المتبنين عند الولادة قليلي الارتباط مع والديهم بالتبني، لكنهم يرتبطون بعلاقة قوية بوالديهم الحقيقيين، وما هو أكثر من ذلك تصبح هذه العلاقة أقوى كلما كبر الأطفال. وهذا غير بديهي بالنسبة لمعظم الناس.
يقول روبرت بولمن من كينغز كوليدج - لندن في بحثه المنشور في عام 2019 في مجلة «بحوث التوائم والوراثة» Twin Research and Human genetics، إن الناس يعتقدون مع تقدم العمر بمفهوم فظيع، وهو أن الاختلافات البيئية تصبح أكثر أهمية لاعتقادهم أن الجينات تؤثر فقط على ما يحدث أثناء الحمل، وهذا غير صحيح بالطبع. وفي الحقيقة، تشير مئات الدراسات إلى الاتجاه نفسه، وهو أن 50 في المائة من الفرق في الذكاء بين الناس هو بسبب الوراثة.
• هل أصبحت الإنسانية أكثر غباءً؟ على العكس، يبدو أن البشر أصبحوا أكثر ذكاءً، وهي ظاهرة معروفة باسم «تأثير فلين» Flynn effect بعد الدراسة التي أنجزت عام 2015 والتي تم فيها فحص نتائج الاختبار من 48 دولة، وجد أن معدل الذكاء زاد بمعدل 20 نقطة منذ عام 1950، وأكبر المكاسب كانت في البلدان النامية بما فيها الهند والصين. هذا يشير إلى أن تأثير فلين يرتبط بتحسن في الظروف الاجتماعية بما في ذلك التغذية والتعليم.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.