بان كي مون يعلن من غزة انطلاق إعادة الإعمار.. وإسرائيل تؤكد أنها عملية تجريبية

600 طن من الإسمنت وعشرات شاحنات الحديد تدخل القطاع تحت الرقابة

شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)
شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)
TT

بان كي مون يعلن من غزة انطلاق إعادة الإعمار.. وإسرائيل تؤكد أنها عملية تجريبية

شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)
شاحنات محملة بالإسمنت تدخل قطاع غزة لبدء عملية إعمار القطاع (أ.ف.ب)

أعلن بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، من قطاع غزة، أمس، انطلاق عملية إعادة إعمار القطاع مع دخول أول شاحنة محملة بمواد البناء إلى غزة، داعيا مرة أخرى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل استمرار العملية وبناء «غزة أفضل»، وحذر في الوقت ذاته من اندلاع جولة عنف جديدة، في وقت أكدت فيه إسرائيل دخول شاحنات إلى غزة محملة بمواد البناء في عملية تجريبية.
وقال بان كي مون، في مؤتمر صحافي عقده في غزة، بعد أن تفقد مشاهد الدمار، إنه يسره أن يبشّر سكان قطاع غزة بأن أول شاحنة محملة بمواد البناء دخلت القطاع اليوم. كما أعلن أن موظفي القطاع العام في الحكومة السابقة (حماس) سيتلقون قريبا هبات مالية. لكنه أكد أن ذلك ليس كافيا، وأنه يجب حل مشاكل المعابر، في إشارة إلى تسلم السلطة الفلسطينية لهذه المعابر من أجل الاستمرارية.
وقال بان كي مون بهذا الخصوص «إن إدارة المعابر في قطاع غزة أمر مهم جدا، وهذه العملية ستمكن من التحكم والتبادل التجاري بين الضفة وقطاع غزة.. أنا ركزت في حواراتي مع الحكومة الإسرائيلية على أنه لا يمكن حل مشاكل قطاع غزة دون حل هذه المشاكل، وهذا سيشمل لاحقا رفع الحصار عن قطاع غزة، وفق الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، ويجب على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي العودة إلى المفاوضات وحل كل هذه المشاكل، وإلا سيعود العنف مرة أخرى».
وعبر بان كي مون عن الحزن مما شاهده من دمار في غزة بعد زيارته حي الشجاعية، وقال متأثرا «أنا هنا في مهمة ثقيلة على قلبي، الدمار الذي رأيته هنا يفوق الوصف. هذا الدمار الذي رأيته أكثر بكثير من الدمار الذي رأيته في 2009 عندما أتيت إلى غزة».
وكان بان كي مون قد تفقد أحياء في غزة تهدمت بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. كما وجه تعازيه إلى أهالي الضحايا، مشددا على تعاطفه وتعاطف المجتمع الدولي مع القطاع وأهله وما حل به من دمار. وقال بان كي مون بهذا الخصوص «أنا هنا لكي أقول للشعب الفلسطيني: أنتم لستم وحدكم أنا أقف بجانبكم.. وأعضاء وموظفو الأمم المتحدة سيقفون إلى جانبكم دائما، بل كل المجتمع الدولي يقف معكم». وأضاف «أريد أن أوجه تعازي الحارة لكل العائلات التي فقدت أبناءها ولكل الذين فقدوا أحباءهم، وأتمنى الشفاء العاجل لكل الذين أصيبوا».
وعد بان كي مون نجاح مؤتمر الإعمار في جلب وعود بتمويل غزة بمبلغ 5.4 مليار دولار يمثل رسالة مهمة لغزة. وقال في هذا الشأن «هناك إشارات من الأمل أطلقها المجتمع الدولي بعد أن تعهد بتمويل القطاع.. لقد وجه المجتمع الدولي رسالة مهمة مفادها أنه يتعاطف مع فلسطين، هذه الرسالة كانت عبر المنح بقيمة 5.4 مليار دولار، وأرسلت رسالة قوية للعالم، وهناك رسالة مهمة جدا من حكومة الوفاق، التي عقدت اجتماعا هنا برئاسة رئيس الحكومة رامي الحمد الله. أنتم تبنون فلسطين واحدة، وهذا مهم جدا». وأضاف موضحا «المجتمع الدولي يساند الحكومة الفلسطينية لعودة الاستقرار والأمن في قطاع غزة، وهذه فرصة مهمة لإعادة الوحدة تحت قيادة فلسطينية واحدة.. وأنا هنا لأعبر عن تضامنا الكبير مع الشعب الفلسطيني في سبيل مستقبل أفضل واقتصاد أفضل، دعونا نبن غزة للأفضل، وكل شخص يعيش بطمأنينة كبيرة».
ووصل بان كي مون إلى قطاع غزة عبر معبر بيت حانون «إيرز»، شمال القطاع، قادما من إسرائيل التي التقى فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومسؤولين آخرين، ومن ثم غادر في جولة على مدن وتجمعات إسرائيلية في غلاف غزة. وقال بان كي مون إنه أجرى خلال جولته عدة مباحثات، خصوصا مع الجانب الإسرائيلي، من أجل تخفيف الحصار عن قطاع غزة وتقديم تسهيلات أكثر للفلسطينيين.
من جهتها، أعلنت إسرائيل، أمس، أنها سمحت بإدخال أكثر من ألف طن من مواد البناء لغزة في إطار الاتفاق الذي جرى مع الأمم المتحدة على إدخال مواد الإعمار، إذ قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي «بدأت عملية تجريبية لإدخال مواد بناء مخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة». وأضاف «إدخال مواد البناء يأتي وفقًا للآلية الدولية للإشراف والمراقبة المتفق عليها، وبالتنسيق مع إدارة ممثلي الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية وفقا لما تم الاتفاق عليه مع الميجور جنرال يوآف مردخاي، منسق أعمال الحكومة في المناطق. والآلية الدولية تهدف إلى التأكد من أن مواد البناء ستستعمل لإعادة إعمار البيوت والمنشآت العامة لصالح سكان قطاع غزة، مع الحفاظ على أمن دولة إسرائيل».
وأوضح أدرعي أن «الآلية الدولية للإشراف والمراقبة تشتمل على خطة مفصلة لمواد البناء والعتاد الهندسي، ورجال الأعمال المختصين الذين ستنقل إليهم المواد لإعادة إعمار المباني السكنية والبنية التحتية، بالإضافة إلى فرق إشراف ومراقبة تابعة للأمم المتحدة ستشرف في الميدان».
ودخلت إلى غزة أمس 600 طن من الإسمنت، و50 شاحنة محملة بالحصمة، وعشر شاحنات محملة بالحديد. وأكد أدرعي أنه في إطار «سلسة خطوات مدنية اقتصادية لسكان قطاع غزة والضفة الغربية، ستبدأ في الأسابيع المقبلة عملية تصدير منتجات زراعية من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. وسيتم في المرحلة الأولى تسويق 15 طنا من المنتجات الزراعية، خاصة التمر والبطاطا الحلوة. وفي المراحل المقبلة سيتم إصدار أنواع أخرى من المنتجات الزراعية وحتى السمك».
وأكد رائد فتوح، رئيس لجنة إدخال البضائع إلى قطاع غزة، أن مواد البناء المخصصة لإعادة الإعمار دخلت إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم)، وفق الآلية الدولية المتفق عليها وبالتنسيق مع الأمم المتحدة. أما حسين الشيخ، وزير هيئة الشؤون المدنية في حكومة التوافق الفلسطينية، فقد أعلن في تصريح مكتوب أن مواد البناء ستوزع من خلال القطاع الخاص، وفقا لآليات متفق عليها. كما قالت مصادر فلسطينية إن جزءا من مواد البناء قد تم شراؤه من إسرائيل.
من جهتها، دعت حركة حماس بان كي مون إلى اتخاذ خطوات جادة لإنهاء معاناة أهالي قطاع غزة، وعدم الاكتفاء بزيارة القطاع والاطلاع على معاناته، إذ قال الناطق باسم الحركة سامي أبو زهري في بيان «المطلوب عدم الاكتفاء بالزيارات وإنما اتخاذ خطوات جادة لإنهاء معاناة غزة».
واتهم أبو زهري، الأمين العام للأمم المتحدة، بالمشاركة «في التغطية على مجزرة الاحتلال في رفح»، مطالبا إياه «بالتكفير عن تصريحاته ومواقفه التي أدلها بها أثناء الحرب على غزة، وذلك من خلال تحمل المسؤولية تجاه ضحايا العدوان الصهيوني، والتوقف عن ازدواجية المعايير وسرعة تنفيذ ما تعهد به من خطوات للتخفيف عن شعبنا».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.