«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (8): حفلة ختام مهرجان القاهرة... جوائز محقة

أنهى أنجح دوراته وتقدم خطوة كبيرة إلى الأمام

«شارع حيفا» لمهند حيال
«شارع حيفا» لمهند حيال
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (8): حفلة ختام مهرجان القاهرة... جوائز محقة

«شارع حيفا» لمهند حيال
«شارع حيفا» لمهند حيال

برهنت الدورة الحادية والأربعون من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي التي كانت انطلقت في العشرين من هذا الشهر وانتهت يوم أول من أمس بأن التغيير الذي هدف إليه القائمون على المهرجان في الدورة الماضية ولم يُنجز بكامله، تمّ له هذا الإنجاز في هذه الدورة، لافتةً الانتباه مجدداً إلى موهبة رئيسه محمد حفظي وحرصه على تحقيق النجاح من دون النظر إلى أي معيقات يمكن له أن يواجهها في سبيل ذلك.
هذه الدورة، في المقام الأول، هي التي تثبت للمسؤولين، الذين ترددوا سابقاً بتوفير الدعم المالي الكافي لإنجاح المهرجان، أن هذا الحدث ليس مجرد حفل ترفيهي يقع على مدار تسعة أيام يحضره النجوم والجمهور ويصفقون لما يقع فوق منصّته، بل هو واقع متقن يفيد لا السينما المصرية وحدها ولا العاملين فيها وصانعي أفلامها، بل مصر بكاملها.
لم تكن كلمات جوفاء وابتسامات فارغة تلك التي عبّرت عن مشاعر الإعجاب بمصر وتاريخها وحسن الاستقبال الذي وجدوه بين أبنائها. كل من صعد المنصة من الضيوف غير العرب (بمن فيهم مدير التصوير الفذ فيتوريو ستورارو، أشاد بكلمات سديدة وبإيمان واضح بذلك الاستقبال، وبما شهده وشاهده من معالم مصر، والإعجاب الذي لم يكن يتوقعه.
هذه شهادات لا يمكن أن تُحسب بمال وإعلام صحيح لا يمكن تقديره مادياً. إنها الدليل الذي يثبت أن المهرجان ليس ترفيهاً تشمله اللقاءات والمشاهدات ثم ينتهي مندثراً تحت ركام الأيام إلى أن تأتي دورته الجديدة بجديدها، بل فعل اقتصادي وإعلامي وثقافي يساوي أضعاف ما تدخره الدولة من ميزانية له.
- دهشة
إذا ما كان هدف رئيس المهرجان محمد حفظي وضع الحدث على سكتَيْ حديد ودفعه إلى الأمام، فقد نجح، لكن الهدف الأكبر هو سد الثغرات التي سادت عقوداً من العمل بعض سنواتها أفضل من بعضها الآخر. هذا الطموح لا ريب كان في بال بعض من ترأسه، مثل سعد الدين وهبة وحسين فهمي وسمير فريد وماجدة واصف وعلي الشوباشي، لكن كل واحد من هؤلاء كان لديه مفهومه الخاص لما يريد تحقيقه وصولاً للنجاح وخبرته الشخصية لتحقيق هذا النجاح. رئيسه الجديد يبدو كما لو اختمر كل هذه الأهداف والخبرات، وأضاف إليها رؤية عصرية تتوازى و- في أحيان كثيرة - تتجاوز أعلى نقطة بلغها هذا المهرجان من إطلاقه وحتى اليوم.
والمرء قد يدهش من التقدم السريع الذي صاحب هذه الدورة في مجالات التنظيم والإدارة العامة. صحيح ما زال هناك بعض ما يشكو منه الاقد إذ يلاحظه من موقعه، مثل عدم وجود صالة مخصصة للصحافة والنقاد في حفلتين يومياً يشاهد فيهما أفلام المسابقتين الرئيسيتين (المسابقة الرسمية ومسابقة «آفاق السينما العربية»)، إلا أن الصحيح أيضاً هو أن المهرجان لم ينعم، على هذا النحو، بنجاح كفعل إداري مدروس وكمنصة إعلامية راقية لكثير من الأفلام التي عرضها منذ سنوات بعيدة، وربما منذ بدايته.
حفل الختام كان أفضل من حفل افتتاحه. ذاك استثمر وقتاً طويلاً نال من حماس من جاء ليحضر رائعة مارتن سكورسيزي «الآيرلندي»، فغادر القاعة بعد نحو ساعتين من «التكريمات» وصعود المنصات لإلقاء كلمات الترحيب. الحفل الاختتامي كان ذا وتيرة سريعة عموماً ومنضبطة باحتراف.
قبل وصول المرء لاحتلال كرسيه في الصالة التي يُقام فيها الاحتفال (قاعة الأوبرا الرئيسية) يلحظ تلقائية وتعاون ثلاث شابات جميلات توزعن في أركان البهو الفسيح فوق البساط الأحمر يلتقطن القادمين لإجراء أحاديث تتباين من توقعات الحاضرين إلى تصاميم ملابس السهرة.
‫نعم، كلمة كلمة وحركة حركة هذا منوال مقتبس من حفلات الأوسكار والغولدن غلوبز وسواهما من الأحداث السينمائية الغربية، ونعم، الحديث عن التصاميم الجميلة أمر لا علاقة له البتة بالسينما والأفلام، إلا أنه ضروري لجمهور كمن في منزله ليشاهد (على شاشة محطة «DMC» التي هي واحدة من داعمي المهرجان) ويستمتع به كاستعراض، وهذا من حقه أيضاً.‬
طبعاً تبقى الأسئلة والإجابات مكررة في الغالب، وهي تطنيب للمهرجان من دون سرد الدواعي الفعلية لذلك، وتبادل ابتسامات وكلمات إعجاب من نوع و«إنت زي القمر» و«نوّرت الحفل»، لكنها احتوت أيضاً على بعض الصراحة عندما أعلن أكثر من ضيف عابر على البساط الأحمر بأنه لم يشاهد الكثير من الأفلام بسبب انشغاله. نعلم أن بعضهم لم يشاهد فيلماً واحداً، لكن ذلك - ضمن حالة الترويج - مطلوباً كونه ينضم إلى باقي ما تفرزه هذه المقابلات السريعة من اهتمام من قِبل البعض وتروّجه للمهرجان حاشدة عناصر الترويج الإعلامي كما يجب.
- في بغداد
الجوائز كثيرة وتوزعت على أكثر من نحو وفازت باقة متنوعة من الأفلام. على ذلك، فإن فيلم «بيك نعيش» لمهدي البرصاوي و«شارع حيفا» لمهند حيال التقطا أكثر من جائزة خلال هذا الحفل النهائي.
إذ تحدثت عن الفيلم المغربي «بيك نعيش» وعناصر قوّته وإجاداته، لم يكن مفاجئاً أن يحصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة في قسم «آفاق السينما العربية» وأن يجد قبولاً لدى جائزة الأمم المتحدة فتمنحه جائزتها السنوية كذلك.
«بيك نعيش» هو واحد من الأفلام التي تطرح قضيتها الاجتماعية عبر لغة سينمائية متقدّمة وحسنة التنفيذ. البون الشاسع بين مفاهيم الشرق والغرب ينفجر حال يكتشف الزوج أن من كان يعتقد أنه ابنه ليس كذلك بالفعل. شعور الخديعة والحرمان من ناحيته والذنب والندم من ناحية الأم يتوازى وسعي كل منهما المنفصل إلى إنقاذ حياة ابنهما المسجى في المستشفى بانتظار إتمام عملية خطرة. تتسارع الأحداث هنا ثم تتسرّع في النهاية وتوصلنا إلى نهاية تلم شمل ما حدث. هذا صحيح، لكن ما حدث على الصعيدين الشخصي والعام لأبطال الفيلم وتعرض العمل لتجارة الأعضاء البشرية وسقوط الأولاد كضحايا لدى جماعات لم تعد تنتمي إلى الإنسانية بصلة يؤمنّان أرضية صلبة للفيلم، بالإضافة إلى أن كل هذا مصنوع بدراية فنية جيدة تلتقط ما هو مطلوب وتحققه.
أما «شارع حيفا» الذي خرج بجائزتي «أفضل فيلم روائي» و«أفضل أداء تمثيلي من المسابقة ذاتها، فحاله لا يقل أهمية.
«شارع حيفا» في بغداد واحد من الشوارع التي تشكل صلب المدينة، وشهد معارك حاسمة خلال الاقتتال الطائفي قبل بضع سنوات كانت فيها القوات الأميركية ما زالت تجوب المدينة. المخرج الجديد مهند حيال يستلهم من ذلك الواقع مساحة محدودة جغرافياً كما درامياً وحدثياً ليحكي قصّة متشابكة إلى الحد الكافي لإثراء الدراما، ولو بناء على حكاية محدودة الأحداث.
هناك حجرة يسكنها قناص ورجل ملقى في وسط الشارع (شارع ضيق يشكل، في غالب الاعتقاد، جزءاً من الشارع الذي يحمل الفيلم اسمه) ومنزل فيه امرأة وأمها ورئيس جماعة منتمية إلى القاعدة، وتلك الثقوب التي في جدران الحجرة التي يصطاد منها القناص تآمر كل من يحاول مساعدة رجل جاء يطلب زواج المرأة التي لا يود القناص اقتراب أحد منها. سيخيف من تسوّل له نفسه كذلك الاقتراب من الرجل الذي أصابه في ساقه، والذي ينزف دماً. بذلك يثير القناص (علي تامر الذي فاز بجائزة أفضل ممثل) الخوف في المكان. لا أحد يستطيع التصدي له ولا تغيير موقفه، ناهيك بقتاله.
هو خوف ينجح المخرج في تبريره وتقديمه كذلك في تقديم الشخصية التي تجسده. فالقناص شاهد فظاعات سجن أبو غريب، وخرج بروح تنزف ألماً. لذلك لن نراه في غير هذا الضوء طوال الوقت. بذلك، أيضاً، لا تتقدّم الشخصية كثيراً في هذه الدراما والتجسيد الجيد الذي تبدأ به يتحول، لاحقاً، إلى تكرار مواقف.
يتفادى المخرج، بمهارة، وقوع الفيلم طريح الحبكة الصغيرة التي يعرضها بأسلوب مداهم من التصوير والتنفيذ. هو ليس هنا للحديث عن أعماق الوضع وسياساته، بل لاستعراضها بالشكل الذي ينقل الخراب النفسي والإنساني إلى حضن المشاهد، على نحو مداهم ومؤثر في بعض الحالات. وإذ تبقى الكاميرا في إطار موقعين أو ثلاثة، يتجاور الفيلم ضيق المساحة ومحدودية الإمكانيات المادية ويسبر غور بعض شخصياته بمهارة. على ذلك، تقف الهنات مثل أسلاك تقطع الطريق أمام استجابة كاملة. الحوار كثيف وغالبه صراخاً (مع صعوبة نطق لدى بعض الشخصيات). الممثلة التي لعبت دور الأم (إيمان عبد الحسن) تنظر إلى البعيد كلما أرادت أن تخبرنا بأنها تفكر. في الواقع هناك اجتهادات شتّى من ممثلي معظم الأدوار ولو أن علي تامر يحسن إدارة نفسه وتأكيد سلوكها العدائي جيداً.
جائزة مهمّة أخرى في نطاق مسابقة «آفاق السينما العربية»، وهي جائزة أفضل فيلم غير روائي، ذهبت إلى الفيلم اللبناني «بيروت المحطة الأخيرة» لإيلي كمال، وقد استعرضناه بإيجاز سابقاً، ووجدناه يحمل ما له وما عليه.
إنه لوحات مصوّرة بجماليات واقع حزين لا يتحدث عن مصير قطارات لبنان المتوقفة منذ عقود بقدر ما يتحدث عن تلك العقود ذاتها التي شهدت الحرب الأهلية. وما يسرده حزين كالصور التي لا تظهر بشراً بل أراضي وجدراناً وخطوط سكة مهملة وقطارات مهشّمة.
تعليق صوتي للمخرج يسرد فيه موقعه من كل ذلك، وهو موقع ذكرياتي كونه عانى من التهجير، ثم مرّت الحرب الأهلية عليه، كما على سواه، مفرزة أبناء الوطن إلى فريقين متحاربين وبيروت إلى منطقتين.
كل ذلك جيد لولا أن منوال الحديث يتحوّل إلى قدر من التكرار. يشبه في ذلك تكرار النظر إلى لوحة معلقة في متحف دون سواها، أو الاستماع إلى مقطوعة كلاسيكية مرّة تلو المرّة طوال ساعات.
- الجوائز الرسمية
بالانتقال إلى المسابقة الرئيسية، التي عادة ما تأتي في نهاية كل ما يسبقها من جوائز، فاز الفيلم المأسوي «ميندانا» للبريلانتي مندوزا (فيليبين) بجائزتي أفضل إسهام فني وأفضل ممثلة لجودي آن سانتوس التي لعبت دور أم تشقى في سبيل متابعة علاج ابنتها الصغيرة من السرطان.
بالنسبة لجائزة التمثيل الرجالي نراها ذهبت إلى جوان دانيال غارسيا تريفيو عن دوره في «لم أعد هنا»، وهو الفيلم المكسيكي الذي فاز كذلك بـ«الهرم الذهبي»، أرفع جوائز المهرجان المصري.
دراما آسرة وجميلة في الروح والمعالجة حول مكسيكي شاب يهوى الموسيقى وفضاء الحرية لكنهما من المنالات الصعبة في حياته، إذ يحاول البحث عن هوية جديدة خارج بلاده.
«الجائزة الفضية» ذهبت لفيلم «شبح مدار» لمخرجه باس ديفوس، الذي تناولناه ملياً في رسالة سابقة. دراما عن عاملة تنظيف من أصل عربي متقدمة في السن تنام في المترو، فينقلها إلى آخر محطاته في حي لا تعرفه وعليها أن تعود ماشية إلى حيث منزلها. الليل مداهم والشخصيات حولها، تشي بأوجه التناقض بين المجتمعات.
في موضوعه هو قريب من «أبناء الدنمارك» لعلاوي سليم الذي فاز بجائزة «فيدرالية نقاد السينما الدوليين» عن استحقاق.
ثلاثة أفلام عربية فقط شاركت في المسابقة الرسمية خرج منها واحد بجائزة.
فيلم أحمد غصين «جدار الصوت» لم يلق بالاً من لجنة تحكيم، وإن اعترفت بأن الأعمال الخمسة عشر التي شاهدتها في هذه المسابقة كانت كلها جيدة. كذلك الحال مع فيلم «احكيلي» لماريان خوري الذي خرج بجائزة الجمهور، وكان الفيلم المصري الوحيد في المسابقة. والحديث هنا هو عن أنه دخل المسابقة لأن السينما المصرية افتقدت ما تقدّمه.
الفيلم الثالث هو «بين الجنة والأرض» للفلسطينية نجوى النجار، وهو الوحيد الذي خرج بجائزة رسمية إذ فاز بجائزة أفضل سيناريو (كتبته المخرجة بنفسها).
واحتفى المهرجان بسينمائيين هما المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي ومدير التصوير فيتوريو ستورارو.
تلقف المهرجان دعماً معنوياً مهماً من معظم النقاد والكتّاب الذين أمّوه. هذا يجب أن يُحسب للمهرجان ويُحسب لهم لأن الجادين منهم هم عماد المهرجان الأساسي، كما هم عماد مهرجانات أخرى حول العالم.
برمّته، تقدم المهرجان خطوة كبيرة إلى الأمام، وكما لم يفعل منذ سنين طويلة. اكتفى بلعب دور المهرجان المسلي واللقاء الجمعي بين المعنيين وحفلات الليل اليومية، وعزز مكانته بين تلك التي تحمل كلمة «العالمية» بثقة وبنجاح.
خُطَب الفائزين مالت إلى السياسة مباشرة: ماريان خوري حثت الشباب المصري على التمرد. المخرجان إيلي كمال ونادين لبكي باركا الحراك الثوري في بيروت وعموم لبنان. المخرج العراقي مهند حيّال لم يتأخر عن مباركة الثورة العراقية الجديدة داعياً للصمود.
ربما هي كلمات تحمل الرغبة الطموحة لعالم أفضل يخرج من متاهات الحاضر، لكنها صادقة وتعبر عن الرغبة الحارة في تحقيق ذلك العالم الأفضل حيث يسود السلام والوئام ويندثر الخصام. لتعود البلاد العربية منتجة فاعلة للثقافات والفنون كما كانت يوماً.


مقالات ذات صلة

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)

«معركة بعد أُخرى»… فيلم أندرسن يواصل حصد الجوائز

الفيلم يستحق فنياً ما حصده من إقبال وثناء وإلا لما تجاوز كونه فيلم «أكشن» تقليدياً

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)

جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

الصحافة الأكثر تأثيراً لا تنبع من الحياد البارد، بل من الانخراط والتعاطف والصدق.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

«لماذا أراك في كل شيء؟»... وثائقي بلجيكي عن صورة الرجل العربي

في فيلمها الطويل الأول «لماذا أراكِ في كلِّ شيء؟»، لا تذهب المخرجة السورية رند أبو فخر إلى الوثائقي بوصفه تسجيلاً للواقع، بقدر ما تتعامل معه مساحةً للتأمل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق قناع «بافتا» بعد إعلان الترشيحات في لندن عام 2011 (أ.ب)

ترشيحات «بافتا» و«سيزار» 2026... أبرز الأفلام والنجوم المتنافسين

هذا العام تتقاطع ترشيحات جوائز «بافتا» البريطانية مع «الأوسكار» في أبرز الفئات، في حين تبرز الجوائز الفرنسية «سيزار» السينما المحلية، والوثائقية بمنافسة مستقلة.

محمد رُضا (بالم بسبرينغز (كاليفورنيا))

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».