سبايا «داعش».. غنائم أبو بكر البغدادي ورفاقه في العراق

في تحقيق تنشره الشقيقة «المجلة».. سعر الجارية في أسواق «داعش» يبدأ من 10 دولارات

لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)
لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)
TT

سبايا «داعش».. غنائم أبو بكر البغدادي ورفاقه في العراق

لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)
لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)

أن تتحدى مصيرا محتوما ليس بالأمر السهل، وأن تعلن في قرارة نفسك أنك لن تستسلم وأن هناك حظا في أن تغير الأحداث، وفي أن تعلن عدم رغبتك في الاستسلام لما فرض عليك، مع الإصرار على أن تستمر في الحياة، رغم هول الفاجعة بهذه الكلمات اختصرن تجربتهن.. هن سبايا، ولكن عائدات إلى الحياة.
وفيما يلي تحقيق ميداني نشر في عدد الشهر الحالي من الشقيقة «المجلة». بشأن سبي وبيع تنظيم «داعش» للنساء في العراق.
عمشة (19 عاما) أم لطفل لم يكمل عامه الثاني بعد، وجنين في رحمها ما زال أمامه 4 أشهر ليرى النور، وهو يتيم الأب الذي ذبح على أيدي تنظيم «داعش»، وأم أجبرت على خوض تجربة مريرة تحت عنوان «السبايا».
تتحدث عمشة التي نجحت في الفرار من رجل مسن من أهالي الموصل، (كان ينوي اصطحابها معه إلى سوريا لبيعها هناك) قالت: «نحن كنا من بين الذين فشلوا في الهروب إلى جبل سنجار، والذي فر إليه مئات الآلاف من الإيزيديين بعد مهاجمة (داعش) مناطقنا»، مضيفة: أنني «شاهدت بأم عيني كيف كان يذبح الرجال والعجزة من الرجال والنساء، وحتى الأطفال ممن تجاوزا الـ10 أعوام». وبحسرة تتابع: «ومن بين من ذبح زوجي وعائلته، وجرى اقتيادنا نحن النساء في سيارة (بيك أب) إلى قاعة كبيرة في مدينة موصل».

وتستأنف سردها بأن «عددنا كان كبيرا، يزيد على الألفين، جميعنا كنا من الإيزيديات اللاتي جرى اختطافهن»، نافية «وجود أي من المسيحيات أو التركمانيات في القاعة»، مضيفة: «كانت تجربة مريرة، لقد رأيت بأم عيني كيف أن الفتيات الإيزيديات كان يجري بيعهن فقط بـ10000 أو 15000 دينار عراقي، أي ما يعادل 10 دولارات أميركية، لليلة الواحدة، وهكذا تباع لأكثر من مرة، وعلى مرات متتالية يجري اغتصابهن، وفي بعض الأحيان كان هناك أنصار من التنظيم من مختلف الجنسيات يقصدون المكان الذي احتجزن فيه، حيث إنهم كانوا يشترون الإيزيديات بـ10000 أو 15000 دينار عراقي ثم يجري بيعهن في سوريا وبلدان أخرى بـ200 دولار»، مؤكدة أنه كان يجري إجبارهن على اعتناق الإسلام ليجري تزويجهن بعناصر من التنظيم فيما بعد، ومن يمتنعن يجري تهديدهن بذبح أطفالهن أو ذبحهن، وفي كثير من الأحيان كان يطلب من بعضهن الحديث لعائلاتهن وسرد ما يتعرضن له من اغتصاب وعنف.
كانت عمشة إحدى الضحايا التي اختطفت مع مئات الإيزيديات الأخريات بعد هجوم «داعش» في 3 من الشهر الماضي ناحية القحطانية أو ما يعرف بـ«بمجمع القحطانية» الذي يقطنه أبناء الطائفة الإيزيدية بالقرب من ناحية سنجار (محافظة نينوى) بشمال العراق، والتي لها تجارب مريرة مع المتطرفين، ففي 14 أغسطس (آب) 2007 شهدت هجوما عد آنذاك الأكثر دموية خلال سلسلة بصهريج وقود و3 شاحنات محملة بمواد تفجيرية وقنابل، والعقل المدبر للتفجيرات كان المدعو أبو محمد العفري من أهالي تلعفر، على بعد عدة كيلومترات كانت دنيا من قرية كوجو التي تبعد 15 كم عن سنجار تلاقي نفس المصير، فقد حاصر التنظيم القرية وأمهلوا أهلها بضع سويعات لإعلان إسلامهم وفيما بعد أخبروهم بأنه صدر عفو عن أهالي القرية. دنيا 22 عاما كانت وأخواتها الـ4 سبايا لدى «داعش» ووصلت فقط قبل يومين إلى ذويها بعد هروبها وإخوتها الـ4. تقول دنيا: «لقد جرى جمع الأهالي في مدرسة القرية وفصل الرجال عن النساء، فيما بعد سمعنا أصوات طلقات وحتى الآن لا نعرف ماذا حصل لهم، وبقيت النساء فقط داخل المدرسة وطلبوا منا وضع الهواتف والحلي والذهب وما نحمله من النقود وإلا سوف يجري ذبح من تخبئ أي شيء مما ذكرته».
وتتابع: «لقد أخذونا إلى معهد تلعفر، وهناك طلبوا أن تنفصل الأبكار عن النساء المتزوجات، إلا أننا لم نقبل وأمي رفضت بشدة فصلنا عنها، وعندما حاول أحدهم التحرش بأختي ونزع غطاء رأسها قام بذبح أمي وأخي أمام أعيننا». تضيف وهي تجهش بالبكاء: «أخذونا بسيارات (بيك أب) إلى بيت في موصل. كنا نحو 500 إيزيدية، كان أعضاء التنظيم يطلبون منا الوقوف ليجري اختيار من سيجري تزويجها ولدى اعتراض أي واحدة يجري الاعتداء عليها بالضرب، حيث كانت تؤخذ الفتيات خاصة الأبكار على دفعات ولم نعرف أين كانت وجهتهم»، مستأنفة: «ولكن أحيانا كانت تعود فتيات كن قد اغتصبن من قبل أعضاء التنظيم، وإحداهن كانت قاصرا، أي 15 عاما، وقد جرى اغتصابها من قبل 4 داعشيين، وما زلت أتذكر آثار الضرب بالسلاح على جسدها»، مضيفة: «كانت صغيرة لا تعرف أصلا ماذا يعني الزواج، حتى إنها كانت غير قادرة على وصف ما جرى لها هناك، حيث كان يجري اغتصاب الفتيات». وتكشف عن أن غالبية أعضاء التنظيم الذين اختطفوا الإيزيديات وهاجموا قريتها كانوا عراقيين، وكلهم «عافرة»، أي تلعفر.

* مساع مستعصية
* وفي الوقت الذي تتمنى فيه الكثيرات من أبناء جلدة عمشة ودنيا، نهاية تشبه نهاية تجربتهما المريرة مع السبي، فقد تواردت أنباء حول شراء شيوخ عشائر في قضاء الحويجة 55 كلم غرب مدينة كركوك، نساء إيزيديات جرى جلبهن من محافظة نينوى، وإن مفاوضات مع تنظيم «داعش» في القضاء، تجري لإطلاق سراحهن.
والحديث عن أن مئات النساء الإيزيديات جرى جلبهن إلى الحويجة، المدينة ذات الغالبية العربية السنية، والتي يفرض تنظيم داعش سيطرته عليها، منذ أكثر من 3 أشهر ويحكم قبضته على مركز القضاء و5 نواح أخرى هي الزاب الأسفل والعباسي والرياض والرشاد والملتقى.
ويكشف مصدر فضل عدم ذكر اسمه أن عددا من شيوخ العشائر وغيرهم قاموا بشرائهن، بـ800 دولار، وأن أبناء أحد الشيوخ قد اشترى بـ3 منهن الإيزيديات»، مضيفا أن «المفاوضات عصية ولم يجر التوصل إلى إطلاق سراح النساء وأنه لم يستطع التوصل إلى جهة تعلن استعدادها للتعاون بشكل فعلي من العشائر حول هذا الأمر، وأن عدد النساء الإيزيديات اللاتي جرى جلبهن إلى مناطق جنوب غربي كركوك يتراوح بين 500 و600 امرأة».
وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان أعلن أن تنظيم «داعش»، «وزع على عناصره في سوريا، خلال الأيام والأسابيع الماضية نحو 300 فتاة وسيدة من أتباع الديانة الإيزيدية، ممن اختطفن في العراق قبل عدة أسابيع، وذلك على أساس أنهن سبايا من غنائم الحرب»
وأكد المرصد قيام «عناصر التنظيم ببيع تلك المختطفات لعناصر آخرين من التنظيم بمبلغ مالي قدره ألف دولار أميركي للأنثى الواحدة، بعد أن قيل إنهن دخلن الإسلام».
وفي حالة مماثلة وبهدف إنقاذ ضحايا النساء من الإيزيديات في سوريا فقد حاول بعض وجهاء العرب والكرد دفع الأموال من خلال وسطاء لعناصر تنظيم داعش بحجة أنهم يريدون الزواج من الإناث الإيزيديات المختطفات، وذلك ضمن عملية التفاف من أجل تحريرهن وإعادتهن إلى ذويهن، ولكن المحاولة لم تظهر نتائجها حتى الآن.
من جهتها، طالبت بخشان زنكنة، الأمين العام للمجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان، الجهات الدولية والعربية والإسلامية بأن تلعب دورها من أجل إنقاذ هؤلاء الفتيات، عادة أن «تحرير المختطفات وإنقاذهن والمحافظة على حياتهن وكرامتهن واجب إنساني».
وتحث زنكنة في حديثها لنا على «ضرورة احتضانهن والاهتمام بهن من أجل تجاوز هذه النكسة التي تعرضن لها، وأن هناك خططا لمساعدتهن على تجاوز هذه المحنة والأهوال التي تفوق قدرة تحمل البشر»، مشيرة إلى «الدور الإيجابي الذي لعبته المرجعية الدينية والشيوخ الإيزيديون في هذا المجال»، كاشفة عن بيان صدر من شيخ الديانة الإيزيدية يوصي بحسن معاملة النسوة الإيزيديات ضحايا الممارسات الإجرامية لـ«داعش».
وتنتقد زنكنة صمت المنظمات النسوية العربية إزاء سبي النساء الإيزيديات من قبل مسلحي «داعش»، التي عدتها جرائم حرب، مضيفة أن «على المجلس الأعلى لشؤون المرأة بتحديد أولياته، لإغاثة المناطق المنكوبة، العمل مع الجهات المختصة في الإقليم لمعرفة مصير المفقودين وتحرير الأسرى الذين ما زالوا على قيد الحياة، والضغط على المجتمع الدولي لاستصدار قرار خاص بالممارسات الوحشية التي قام بها الإرهابيون بحق الأطفال والنساء، وإعلان حملة وطنية لجمع المساعدات الإنسانية للنازحين، وخصوصا المتعلقة باحتياجات النساء والأطفال».
وتؤكد زنكنة أن «اللاتي جرى اختطافهن من قبل الجماعات الإرهابية هن ضحايا حرب، وعلى المجتمع التعامل معهن بكل احترام والعمل على معالجة الأضرار النفسية التي ألحقت بهن».

* حكم جبري
* خالد دخيل سيدو حمو باشا، زعيم قبيلة الفقراء الإيزيديين وأحد شيوخ الديانة الإيزيدية، كشف لنا عن قصص مروعة للنازحين من أبناء الطائفة الإيزيدية الذين فروا من ملاحقة مسلحي «داعش» ووصلوا إلى دهوك، ومنهم فتيات إيزيديات ألقين بأنفسهن من فوق جبل سنجار تجنبا لاختطافهن على أيدي الجهاديين وأخذهن سبايا وأبناء تركوا أمهاتهم في مغارات الجبل لعدم قدرتهن على مواصلة رحلة النزوح إلى مكان آمن. في حين روى صحافي أنه شاهد الكلاب تتغذى على جثث الموتى.
ويؤكد دخيل أن الشيوخ الإيزيديين أصدروا بيانات بمعاملة الفتيات الفارات من «داعش» بكل احترام، وأن ما تعرضن له هو حكم جبري، وأن هؤلاء الفتيات لسن من اخترن خوض هذه المحنة أو أنهن بإرادتهن غيرن دينهن وعقيدتهن.
ونفى وجود أي مفاوضات مع أمراء «داعش» لتحرير الإيزيديات قائلا، إن «دورنا يقتصر على علاقاتنا الشخصية مع بعض من رؤساء العشائر العربية، ولكن ليس لدينا أي علاقة مع أمرائهم وليس هناك سبيل للتدخل».
ويكشف عن «وجود تشكيلات عسكرية من أبناء الإيزيديين في سبيل استعادة مناطقهم وحمايتها»، مؤكدا أن هناك «قوة تتشكل حاليا من قبل الإقليم من أبناء الإيزيديين، وتوجد قوة من وحدات الحماية الشعبية الـ«ypG» من الإيزيديين تتولى حماية مناطقنا التي جرى تحريرها إلى أن يجري تحرير سنجار عندها سنطالب بتشكيل قوة رسمية من الإقليم تتكون من أهالي المنطقة.
وينتقد دخيل الحكومة العراقية المركزية وقدرتها على حمية أبناء العراق، مؤكدا أن عدد الإيزيديات يتجاوز 4000 امرأة، إضافة إلى أعداد كبيرة يعتبرن مفقودات.

* العودة إلى الحياة
* مراد علي، أخو عمشة يقول: «في الثانية والنصف بعد منتصف الليل هجم (داعش) على ناحية القحطانية، واستمرت مقاومتنا 4 ساعات، في السادسة صباحا. فر غالبية سكان المجمع إلى جبل سنجار، وكل من كان لديهم عربات نقل استطاعوا الهروب في حال لم يحالفهم الحظ ولم تصادفهم عناصر (داعش) التي كانت تتقدم من الغرب من جبل سنجار من الحدود السورية العراقية باتجاه هذه المجمعات، أما كل من لم تكن لديهم حافلات جرى أسرهم، وعمشة كانت ضمن من حاصرهم (داعش) ومنعت فرارهم إلى جبل سنجار».
ويتابع قائلا: «لقد استطاعت أختي الهرب من الرجل الذي اشتراها، وهو من أهالي موصل، وكان ينوي بيعها في سوريا، إلا أنها استطاعت الهرب منهم، فعلت المستحيل لتنقذ ابنها ورغم خوفها استطاعت الهرب وسارت الليل وحيدة في شوارع الموصل وهي تبحث عن أحد ينقذها، إلى أن لجأت إلى إحدى العائلات التي منحتني فرصة اللقاء بها مجددا بعد إنقاذها ومساعدتها في الوصول إلى منطقة (برده رش) بين شيخان أربيل وبمجرد لقائي بها شعرت أنني ولدت من جديد».
من جهته، بكى أبو تركي خال الضحية دنيا، إلا أنه ممتن إلى الله لاستطاعة دنيا الهروب مع أخواتها والعودة إلى عائلتها التي لم يبق منهم ألا أبو تركي.
ويقول: «يكفيني أنني الآن مع بنات أختي، فلم يتبق أحد من أفراد عائلتنا ارتكبت مجازر بحقنا. معاناتنا مستمرة، ليس لدينا كسرة خبز، لكن نشكر الله على عودة دنيا وأخواتنا وأفتخر بدنيا التي لم تيأس». ويتابع أبو تركي قائلا: «لطالما كانت دنيا ذكية، فقد أوهمتهم بأنها متزوجة وأختها رغم أنهم لم يصدقوا وهددوها بأنهم سيجرون فحصا لأختها، إلا أنها أصرت على أنها مستعدة لمرافقة أختها وإجراء فحص اختبار الحمل»، مضيفا: «فقد ماطلت في موضوع زواجها من اليد اليمنى للبغدادي متحججة بأنها لا يمكن أن تقبل الزواج، ولن تتزوج إلا بعد مرور 40 يوما على وفاة أمها، وهكذا جرى بيعها وأخواتها إلى رجل من التنظيم، وجرى حجزهن في منزل، إلا أن الرجل على ما يبدو كان من المقاتلين لا يأتي إلا متأخرا في الليل، ولم يمر أسبوع إلا واستطاعت دنيا الهرب، وطلبت المساعدة من سائق تاكسي أوصلها إلى خارج المدينة، وهناك لجأت هي وأخواتها إلى رجل فقير معدم الحال، إلا أنه لم يمانع في مساعدتهن والتواصل معنا في سبيل تسليمهن إلينا، وبالفعل فقط ليلة أول من أمس جرى تسليمهن لنا في كركوك».
ويذكر أنه في الثالث من أغسطس الماضي بسط تنظيم «داعش» سيطرته على مناطق واسعة في محافظة نينوى ومن ضمنها قضاء سنجار 124 كلم غرب الموصل، والذي تقطنه أغلبية من الإيزيديين، الأمر الذي تسبب بعملية نزوح غير مسبوقة بينهم، فضلا عن قتل وخطف وسبي ما يزيد على 3000 من النساء الإيزيديات. والإيزيديون هم مجموعة دينية يعيش أغلب أفرادها قرب الموصل ومنطقة جبال سنجار في العراق، ويقدر عددهم بنحو 600 ألف نسمة، وتعيش مجموعات أصغر في تركيا وسوريا وإيران وجورجيا وأرمينيا. وبحسب باحثين، تعد الديانة الإيزيدية من الديانات الكردية القديمة، وتتلى جميع نصوصها في مناسباتهم وطقوسهم الدينية باللغة الكردية.



«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
TT

«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)
السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)

يؤجل المصري الثلاثيني عمر طارق قرار الارتباط حتى يستطيع الحصول على شقة، ولو عن طريق الإيجار، في ظل ظروفه الاقتصادية التي لا تسمح له بتملك واحدة، لكن حتى الإيجار الشهري ليس سهلاً في ظل ارتفاع قيمة الإيجارات بشكل لا يتناسب مع الأجور.

يعمل طارق، المقيم حالياً مع والدَيه وأشقائه في حي المعادي (جنوب القاهرة)، موظفاً في شركة خاصة، ولا يتعدى راتبه الشهري الحد الأدنى للأجور، والذي يبلغ 8 آلاف جنيه (نحو 157 دولاراً)، في حين أن إيجار «أقل شقة 3 آلاف جنيه، في مناطق متوسطة مثل حدائق المعادي أو طرة أو حلوان»، مشيراً إلى أنه لا يجرؤ على البحث عن شقق في حي المعادي الذي ترعرع فيه؛ إذ تتضاعف الإيجارات في تلك المنطقة المميزة.

ولا تدور أزمة السكن في مصر حول نقص المعروض بشكل عام، فعلى العكس «توجد وفرة مقارنة بحجم الطلب»، وفق عضو «شعبة الاستثمار العقاري» في «غرفة القاهرة التجارية» علاء فكري، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأزمة «تتلخص في تركز هذه الوفرة في نوعية وحدات موجهة للطبقات العليا، في حين تعاني الطبقة الوسطى وما دونها من إيجاد وحدات تتناسب مع قدراتها المادية».

ولفت فكري إلى أنه «مع ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، اتجه أبناء الطبقة الوسطى والدنيا إلى الإيجار، وأدت زيادة الطلب إلى ارتفاع الأسعار بشكل لا يتناسب مع الدخول».

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطوّرين في القاهرة الجديدة بعد حديث الرئيس (وزارة الإسكان المصرية)

ودُشنت أكثر من 212 ألف وحدة سكنية، سواء من قبل المطوّرين العقاريين أو الدولة، خلال 2025/2024، باستثمارات قدرها 245.3 مليار جنيه (الدولار بنحو 51 جنيهاً)، وفق مركز الإحصاء.

ويربط مراقبون بين ارتفاع أسعار الإيجارات وزيادة الطلب عليها من قبل الوافدين من جنسيات مختلفة، ما أدى إلى قفزات في أسعارها، في بعض المناطق، لكن اللافت أنه رغم تراجع أعداد الوافدين المتمركزين في «منطقة فيصل» كمثال، ما زالت أسعار الإيجارات مرتفعة.

وبعيداً عن الوافدين، يرى الباحث العمراني ومدير «مرصد العمران» يحيي شوكت، أن أزمة السكن هي في الأساس أزمة في القدرة الشرائية؛ نظراً لارتفاع أسعار العقارات بالنسبة إلى مستويات الدخل، خاصة للفقراء ومتوسطي الدخل، عبر عقود من الزمن.

ويضيف مؤسس «مرصد العمران» أن «غالبية المصريين المتملكين مسكناً تملكوه من خلال البناء الذاتي وليس الشراء، سواء بالبناء في الريف أو المدن الجديدة، فالبناء يتم عبر سنوات حسب قدرة ومدخرات الملاك. إنما التملك عبر الشراء من السوق محدود نسبياً، ولم يتعدَّ الثلث حسب تعداد 2017، وهذا نتيجة ضعف قدرة الشراء».

وجه آخر من أزمة السكن في مصر يكمن في «لجوء قطاع واسع من المصريين إلى العمل في الخارج وتحويل مدخراتهم لشراء عقار، مما أحدث سوقين للعقارات، وتنافساً غير عادل بين قدرتين شرائيتين»، حسب شوكت الذي أضاف: «هذا بالإضافة إلى سياسة الحكومة في تشجيع تدويل السوق العقارية المصرية لجلب العملة الصعبة، ما زاد التأثير السلبي على القدرة الشرائية المحلية».

ولم تعرف الأربعينية رباب محمد معنى الاستقرار والاطمئنان في سكن منذ زواجها قبل نحو 10 سنوات، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تنقلت خلال هذه الفترة بين 4 شقق مختلفة كلها في «منطقة أرض اللواء» بمحافظة الجيزة.

وتعمل رباب في إحدى الصالات الرياضية بمنطقة الهرم، وزوجها كان نادلاً في مطعم قبل أن يقعده المرض، ليقتصر دخل الأسرة التي لا تضم أطفالاً على راتب الزوجة. وتقول: «راتبي 4 آلاف جنيه، أدفع 3500 جنيه، ونعيش على الاقتراض»، لافتة إلى أنه قبل 3 سنوات كان الإيجار يبلغ تقريباً ثلث دخلها، لكن الآن يبتلع راتبها كله.

ويعتبر الخبير الاقتصادي عاطف وليم أن أزمة السكن من أعمق الأزمات في مصر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «بالنظر إلى القيم الإيجارية وأسعار الوحدات وتكاليف المعيشة، فالحد الأدنى الذي يوفر كرامة للمواطن يجب ألا يقل عن 20 ألف جنيه».

سوق العقارات تتسع في مصر لكن أزمة السكن مستمرة (وزارة الإسكان المصرية)

بدأ مشروع «الإسكان الاجتماعي» في مصر، والقائم على تقديم دعم للشباب والأسر للحصول على وحدة سكنية عبر تقسيط قيمتها على فترات طويلة، في عام 2014، ورغم تدشين أكثر من 600 ألف وحدة لمحدودي الدخل، لكن ذلك لم يحل أزمة السكن لكثيرين، ومن بينهم عمر طارق ورباب محمد، اللذان لا يستطيعان تحمل تكلفة مقدمة الحجز، والتي وصلت الآن إلى 50 ألف جنيه.

ومؤخراً، أعلنت الدولة طرح شقق بنظام الإيجار، مع وجود فرصة للتملك فيما بعد، وتطرح الدولة 30 ألف وحدة قريباً كشريحة أولى. ويرحب شوكت بهذا الطرح الحكومي، معتبراً أنه «خطوة تصحح النفاذ للوحدات؛ لأن الوحدات المبيعة بالتمويل العقاري تعتبر لمتوسطي الدخل فعلياً؛ نظراً إلى تطلب حد أدنى للدخل والثروة أو المدخرات للوفاء بالمقدم».

لكن عضو «شعبة الاستثمار العقاري» علاء فكري، يرى أن «هذا ليس حلاً فعالاً بالنظر إلى حجم الأزمة الكبير، وضآلة الأعداد المطروحة»، متشككاً في أن تستطيع الدولة تكرار هذه التجربة بشكل دوري في ظل أن أموال هذه الشقق تعتبر غير مستردة لها على الأقل في المدى القريب، ما سيخلق أزمة تمويلية. في المقابل، رأى أن الحل في «منح تسهيلات للمطوّرين من أجل البناء وطرح وحدات للإيجار تتناسب مع قدرات أقل الشرائح»، وعلق قائلاً: «الحكومة مطالبة بالتفكير في حلول لوضع حد للأزمة».

التدخل الحكومي بحلول جديدة يدعمه أيضاً شوكت، قائلاً: «كنا قد اقترحنا في (مرصد العمران)، وقت تعديل قانون الضرائب العقارية، تحفيز الإيجار من خلال إعفاء الملاك من الضريبة حال تأجير وحداتهم بشكل اجتماعي؛ أي بأسعار أقل من سعر السوق بضوابط تضعها الحكومة».

الأمر نفسه يؤكده الباحث الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة صاحبة الأرض، وهي المخولة بطرح حلول لأزمة السكن، والتي لا يوجد أمد قريب لحلها تلقائياً دون تدخل رسمي، في ظل تراجع القوة الشرائية»، لافتاً إلى أن «العقارات موجودة بشكل كبير، وحالها يكاد يتسم بالركود، ويتم التعامل معها على أنها مخزن للقيمة، لا بيوت للسكن، وهذا يعمّق التفاوت الطبقي والأمان المجتمعي».


هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
TT

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)
مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)

لا يبدو الهجوم الحوثي الواسع على جبهات الساحل الغربي لليمن مجرد محاولة جديدة لاختبار خطوط التماس، في ظلِّ اتساع نطاق العمليات بين جنوب الحديدة وجنوب غربي تعز، واستخدام الجماعة في وقت متزامن الهجمات البرية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.

فبعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022، اختار الحوثيون المدعومون من إيران منطقة شديدة الحساسية جغرافياً وعسكرياً لشنِّ واحدة من أعنف هجماتهم منذ ذلك الحين، مستهدفين مواقع القوات الحكومية في البرح والكدحة ومقبنة والأحطوب وجبل غباري، بالتزامن مع قصف طال المخا والخوخة والوازعية ومناطق أخرى في الساحل الغربي.

وتشير طبيعة التحرك وتوزع الهجمات إلى أن الجماعة تريد تحقيق أكثر من هدف ميداني في آن واحد؛ في مقدمتها الضغط على مدينة تعز من جهة الغرب، وقطع أو تهديد الطريق الذي يربطها بميناء المخا، ودفع القوات الحكومية إلى توزيع قدراتها على جبهة واسعة تمتد من ريف تعز إلى جنوب الحديدة، مع إبقاء الممرات البحرية في دائرة التهديد.

مسيّرة حوثية أطلقها الحوثيون في وقت سابق لاستهداف مدينة المخا ومينائها (أ.ف.ب)

استعادت القوات المسلحة اليمنية، الجمعة، تبة الخزان في مديرية جبل حبشي، غرب محافظة تعز وهو موقع استراتيجي خلال مواجهات عنيفة مع الجماعة الحوثية، بالتزامن مع اشتداد المعارك في جبهتي مقبنة والكدحة، ووصول تعزيزات عسكرية إلى القوات الحكومية، في وقت صعّد فيه الحوثيون قصفهم للمناطق المدنية في محيط المخا المطلة على البحر الأحمر.

باليستي يستهدف مطعما

قالت مصادر عسكرية رسمية إن القوات المسلحة تواصل خوض مواجهات عنيفة مع الحوثيين في جبهتي مقبنة والكدحة، ضمن العمليات الرامية إلى التصدي لهجمات الجماعة وتحركاتها في جبهات غرب المحافظة.
وأضافت المصادر أن المواجهات تأتي بالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية للقوات الحكومية، في ظل استمرار التحركات الحوثية ومحاولات الجماعة تعزيز مواقعها في جبهات غرب تعز.
وفي موازاة التصعيد الميداني، استهدف الحوثيون، الجمعة، بصاروخ باليستي مطعماً في منطقة مفرق المخا غرب محافظة تعز، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، فضلاً عن أضرار مادية كبيرة لحقت بالمطعم والممتلكات المجاورة.
وأفادت مصادر رسمية بأن الصاروخ أصاب المطعم الذي يرتاده المدنيون في منطقة مفرق المخا، متسبباً في سقوط ضحايا وإلحاق أضرار بالمكان والمنشآت المحيطة به، بينما باشرت الفرق المختصة إجراءات إسعاف المصابين وحصر الأضرار الناجمة عن القصف.

مقتل 80 شخصا

أفادت مصادر من الجانبين، الجمعة نقلا عن «وكالة الصحافة الفرنسية» بمقتل أكثر من 80 شخصاً في الاشتباكات منذ الخميس، بينما لم تصدر حصيلة رسمية موحدة من الحكومة اليمنية أو الحوثيين.

وقال مسؤول عسكري يمني إن 24 من القوات الحكومية قُتلوا، بينما تحدث مسؤول عسكري آخر عن مقتل 15 من قوات محور تعز، بينما قالت مصادر طبية في مناطق خاضعة للحوثيين إن المستشفيات استقبلت 42 قتيلاً.

ويأتي التركيز على جنوب غربي تعز في منطقة تمثل حلقة وصل بين المدينة والساحل. ولذلك فإن السيطرة على مواقع متقدمة في الكدحة والبرح ومقبنة لا تعني، في الحساب العسكري، الاستحواذ على أراضٍ إضافية فحسب، وإنما الاقتراب من إحدى أهم خطوط الحركة والإمداد بين تعز والمخا.

وكانت القوات الحكومية قد قالت إن الهجوم الحوثي استهدف السيطرة على الطريق الرابط بين تعز والمخا، وهو ما يمنح هذا الطريق أهمية مركزية في فهم أهداف التصعيد الأخير.

فالضغط على هذا المسار يمكن أن يضع مدينة تعز أمام مزيد من الضغوط من الجهة الغربية، كما يمكن أن يربك حركة القوات الموجودة في الساحل، ويجبرها على التعامل مع تهديد بري متزامن بدلاً من التركيز على حماية الموانئ والمناطق الساحلية.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق لاستهداف الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

ومن هنا تبدو جبهات البرح والكدحة ومقبنة متصلة، في الحساب الحوثي، بما يجري جنوباً في اتجاه الساحل، وليس بوصفها قطاعات منفصلة من خطوط القتال.

وقد أحبطت القوات الحكومية والمقاومة الوطنية ومحور تعز محاولات التسلل والهجمات الحوثية، قبل أن تنتقل إلى هجمات مضادة بإسناد مدفعي وتعزيزات مشتركة. وأعلنت القوات الحكومية مقتل وإصابة وأسر عدد من الحوثيين وتدمير آليات عسكرية، كما تحدثت مصادر عن مقتل 3 قيادات ميدانية بارزة في صفوف الجماعة.

لكن الأهم أن الحوثيين لم يكتفوا بالضغط على الخطوط البرية. فقد أطلقوا نحو 14 صاروخاً باليستياً باتجاه مناطق في المخا والخوخة والساحل الغربي، بينها صاروخ استهدف جسر الوازعية الرابط بين الساحل وتعز، كما استهدفت الجماعة مدرسة كريم في الوازعية، ما أدى إلى أضرار في المبنى دون تسجيل ضحايا.

جنوب الحديدة وعين على البحر

لا تتوقف أهمية الهجوم عند حدود تعز والمخا. فالمواجهات امتدت إلى جنوب الحديدة، لا سيما في اتجاه حيس والخوخة، وهي جغرافيا تفتح مباشرة على الساحل الغربي وتقترب من خطوط الملاحة في جنوب البحر الأحمر.

ويمنح هذا الانتشار الحوثيين فرصة للضغط على القوات الحكومية من مساحة أوسع، كما يتيح للجماعة إبقاء تهديد البحر جزءاً من المعركة البرية. وقد ظهر ذلك بوضوح في استخدام الزوارق المفخخة بالتوازي مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأحبطت القوات البحرية هجوماً بزورق مفخخ حاول استهداف ميناء المخا، بينما أعلنت القوات الحكومية إسقاط 3 طائرات مسيّرة حوثية خلال المواجهات.

الهجمات الحوثية على ميناء المخا تسببت في أضرار كبيرة (أ.ف.ب)

ولا يسيطر الحوثيون بصورة مباشرة على المناطق الساحلية المطلة على باب المندب، لكنهم يسيطرون على مدينة الحديدة شمال المخا، وسبق أن استخدموا البحر الأحمر منصةً لمهاجمة السفن وتعطيل حركة الملاحة منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023.

ولذلك فإن أي توسُّع بري حوثي في المناطق المطلة على الساحل يكتسب أهميةً تتجاوز الجغرافيا اليمنية الداخلية، وينسجم مع التصعيد الإيراني في مضيق «هرمز» وفي بقية المنطقة.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذَّرت خلال أغسطس (آب) من خطط حوثية للسيطرة على ساحل باب المندب، الأمر الذي يضفي على التصعيد الحالي بُعداً إقليمياً، خصوصاً أن باب المندب يمثل ممراً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن.

اختبار قواعد الاشتباك

إلى جانب المكاسب الجغرافية المحتملة، يحمل الهجوم هدفاً آخر يتمثل في اختبار قدرة القوات الحكومية على التعامل مع عملية واسعة ومنسقة، بعد سنوات من جمود نسبي على معظم خطوط التماس.

فالجماعة لم تفتح محوراً واحداً، بل دفعت بهجمات متزامنة في عدد من القطاعات، وعززتها بقصف صاروخي ومسيرات وزورق مفخخ، في محاولة لإرباك القرار العسكري وتوزيع الجهد الدفاعي على أكثر من هدف.

كما دفعت، وفق مصادر عسكرية، بتعزيزات كبيرة باتجاه البرح، في مؤشر على أنها لم تتعامل مع الهجوم بوصفه عملية محدودة تستهدف موقعاً عسكرياً بعينه.

قوات الجيش اليمني تخوض مواجهات ضارية مع الحوثيين في جبهات تعز (إعلام عسكري)

لكن الهجوم اصطدم باستعداد القوات الحكومية والمشتركة. وقالت المصادر إن القوات امتصت الضربة الأولى وشنَّت هجمات مضادة، بينما أعلنت القوات الحكومية إسقاط مسيّرات وتدمير آليات حوثية وأسر عدد من عناصر الجماعة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية بالنسبة إلى حسابات الحوثيين؛ إذ إن نجاحهم في فتح ثغرة في هذه الجبهة كان يمكن أن يمنحهم زخماً ميدانياً وسياسياً، بينما يفرض فشل الهجوم، أو تحوله إلى معارك استنزاف، تكلفة بشرية وعسكرية مرتفعة عليهم.

وقد أظهرت المواجهات بالفعل خسائر في صفوف الجماعة، بينها 3 قيادات ميدانية بارزة، في وقت تحدثت فيه مصادر عسكرية عن سقوط نحو 50 عنصراً بين قتيل وجريح وأسير في جبهتَي مقبنة والكدحة.

في المقابل، دفعت المعارك سكان قرى في مقبنة والكدحة، بمَن فيهم نازحون في المخيمات، إلى النزوح مجدداً، وسط حالة من الخوف نتيجة القصف والمواجهات.

تأكيد على الرد الحازم

على المستوى السياسي، عكست تحركات القيادة اليمنية تقديراً بأن التصعيد الحوثي يتجاوز كونه هجوماً محدوداً على مواقع متقدمة، إذ أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، اتصالات مع عدد من القادة العسكريين، بينهم عضو مجلس القيادة الفريق أول ركن طارق صالح؛ للوقوف على تطورات الموقف في جبهات تعز والحديدة، ومستوى الجاهزية لمواجهة الهجوم.

طائرة مسيّرة حوثية أسقطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام عسكري)

وأكد العليمي، وفق ما أوردته المصادر الرسمية، أن القوات المسلحة بمختلف تشكيلاتها قادرة على التعامل مع التصعيد وإفشال أهداف الحوثيين، مشيداً بمستوى الجاهزية والروح المعنوية للقوات المرابطة في الجبهات. وعدَّ أن الهجمات الحوثية المتواصلة لن تغير معادلة القوة والردع التي راكمتها القوات الحكومية، ولن تتيح للجماعة تحقيق مكاسب جديدة على الأرض.

وحمل حديث رئيس مجلس القيادة بُعداً سياسياً إلى جانب رسالته العسكرية، إذ أكد أن المواجهة، من وجهة نظر الحكومة، لا تتعلق فقط بالدفاع عن مواقع عسكرية أو خطوط تماس، وإنما باستعادة مؤسسات الدولة وحماية المدنيين والممرات والمنشآت الحيوية.

كما شدَّد على أن الدولة سترد بحزم على التصعيد، عادّاً أن حرصها السابق على تجنب توسيع دائرة القتال وحقن دماء اليمنيين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ضعفاً أو تراجعاً عن حماية مناطق سيطرة الحكومة.

ودعا العليمي أبناء القبائل في مناطق سيطرة الحوثيين إلى عدم الدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال، محذراً من تحويلهم إلى وقود لمعارك الجماعة، في رسالة تعكس محاولة الحكومة الفصل بين الحوثيين والبيئات الاجتماعية التي تستقطب منها الجماعة مقاتليها، خصوصاً مع ارتفاع الخسائر البشرية التي أفرزتها المواجهات الأخيرة.


الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
TT

الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)
الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)

تواجه الجماعة الحوثية خسائر بشرية متزايدة في صفوف مقاتليها، بالتزامن مع استمرار التصعيد العسكري على خطوط التماس مع القوات الحكومية اليمنية، خصوصاً في جبهات الساحل الغربي وتعز والضالع ومأرب، إلى جانب جبهات أخرى.

وتشير أحدث الخسائر المعلنة إلى مقتل أكثر من 35 عنصراً حوثياً خلال أقل من أسبوعين، معظمهم من حملة الرتب العسكرية، دون أن تكشف الجماعة عن أماكن أو توقيت مقتلهم.

ووفقاً لما أوردته قناة «المسيرة» التابعة للحوثيين، شيّعت الجماعة في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها عدداً من قتلاها، بينهم اللواء حسن علي مطهر، والعقيد محمد محسن الغاثي، والعقيد عبد الله عبد اللطيف الكبسي، والعقيد محمد علي جحاف، والعقيد يوسف دومان اليماني، والعقيد عمر مطهر الدعير.

وبحسب القناة، شيّعت الجماعة كلاً من يوسف إبراهيم الموساي، والنقيب نجيب حسين الحرثي، وعبد الله سعيد أبو سرعة، وعباد عبد الخالق المخاج، وعلاء الدين حميد السعيدي، ومحمد يحيى المرواح، وعمار حسين الأحوس، وأحمد علي جراد، وبشار عبد الله موانس، إلى جانب عدد آخر من القيادات والعناصر.

انقلابيو اليمن يشيعون عدداً من قتلاهم في شمالي محافظة الضالع (إعلام حوثي)

وأفادت وسائل إعلام حوثية بأن مراسم تشييع معظم القتلى جرت في صنعاء ومحافظات الحديدة وحجة وتعز وإبّ وريمة وعمران وصعدة ومناطق أخرى، دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

160 قتيلاً خلال 45 يوماً

في سياق متصل، أظهرت إحصائية يمنية حديثة تكبُّد الحوثيين خسائر بشرية كبيرة خلال نحو شهر ونصف الشهر، غالبيتهم من العناصر الذين ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، في ظل استمرار المواجهات مع القوات الحكومية.

وبحسب إحصائية أعدها ونشرها موقع «يمن فيوتشر»، شيّعت الجماعة أكثر من 160 من عناصرها في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، خلال الفترة من 15 يوليو (تموز) حتى نهاية أغسطس (آب) الماضي.

جانب من مشاركة عناصر حوثية في تشييع قيادات ميدانية بمدينة ذمار (إكس)

وضمت القوائم 82 ضابطاً وقيادياً يحملون رتباً عسكرية مختلفة، بينها لواء وعميد وعقيد ومقدم ورائد ونقيب وملازم أول وملازم ثانٍ ومساعد، مع حضور لافت لحاملي رتبتَي العقيد والعميد، مقابل 78 عنصراً لم تُذكر لهم رتب عسكرية.

وتوزعت مراسم التشييع على محافظات صنعاء وصعدة وحجة وعمران وذمار وإبّ والحديدة وتعز والضالع والمحويت والبيضاء وريمة. وسجلت الجماعة أكبر دفعة من مراسم التشييع المعلنة في 16 أغسطس، عندما شيّعت 37 من عناصرها، بينهم 7 برتبة عميد و9 برتبة عقيد.

375 قتيلاً

في مؤشر آخر على حجم الخسائر، كشفت مراجعة أجرتها منصة «شيبا إنتليجنس»، وهي منصة استخباراتية رقمية مستقلة متخصصة في رصد التطورات الأمنية والتهديدات وشبكات التهريب في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، عن مقتل ما لا يقل عن 375 عنصراً من جماعة الحوثيين خلال شهرَي يوليو وأغسطس الماضيين، بينهم 133 عنصراً أُعلن عنهم برتب عسكرية مختلفة.

وبحسب المراجعة، ارتفع عدد حالات التشييع المعلنة من 93 قتيلاً في يوليو إلى 282 قتيلاً في أغسطس، بزيادة تجاوزت 300 في المائة. كما ارتفع عدد القتلى من حملة الرتب العسكرية من 29 إلى 104 خلال الفترة نفسها.

وضمت قائمة القتلى 133 قيادياً، بينهم ضابط برتبة لواء، و9 برتبة عميد، و38 برتبة عقيد، و72 برتبة رائد، وفق بيانات المنصة.

جانب من تشييع الحوثيين قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأشارت «شيبا إنتليجنس» إلى أن الارتفاع الحاد في الخسائر البشرية جاء بالتزامن مع تصعيد عسكري متواصل للحوثيين في جبهات مأرب والجوف وتعز والساحل الغربي والضالع، موضحة أن استمرار العمليات القتالية فرض تكلفة متزايدة على الجماعة، خصوصاً على مستوى القوى البشرية والقيادات الميدانية.

وذكر التقرير أن ضربات جوية بطائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية استهدفت مواقع وثكنات ومراكز قيادة وتجمعات وتعزيزات للحوثيين في محافظات مأرب والجوف وتعز وحجة والحديدة والضالع.

ووفقاً للمراجعة، استحوذت صنعاء ومحافظات ذمار وحجة وصعدة وعمران على 289 قتيلاً، بما يمثل نحو 77 في المائة من إجمالي القتلى الذين أُعلن عنهم خلال يوليو وأغسطس.

وتشير هذه البيانات، رغم اختلاف الأرقام التي ترصدها المصادر المختلفة، إلى تصاعد ملحوظ في حجم الخسائر البشرية المعلنة في صفوف الحوثيين، ولا سيما بين القيادات والعناصر الحاملة رتباً عسكرية، بالتزامن مع استمرار التصعيد على عدد من جبهات القتال اليمنية.