دلالات مقتل البغدادي... هل تتراجع الانتقادات لإدارة ترمب؟

TT

دلالات مقتل البغدادي... هل تتراجع الانتقادات لإدارة ترمب؟

لم تنم الدوائر السياسية في واشنطن منذ تواترت أنباء مقتل أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» في غارة ناجحة. وتبدلت المعادلة، فبعد إعلان الرئيس ترمب في مارس (آذار) الماضي القضاء بنسبة 100 في المائة على تنظيم داعش، واجه انتقادات من كل صوب وجهة حول قدرات «داعش» في إعادة تنظيم صفوفه، وأن القضاء العسكري على بعض مقاتلي «داعش» لا يعني القضاء نهائيا على التنظيم أو أفكاره الآيديولوجية.
ويأتي نجاح حملة قتل البغدادي في ليل السبت ليعيد لإدارة ترمب الكثير من الدعم والتقدير في قدرات إدارته على مواجهة التنظيم الإرهابي حيث يشكل مقتل البغدادي نقطة تحول بارزة وصفها السيناتور الأميركي ليندسي غراهام بأنه تغيير في قواعد اللعب في مسار المواجهة مع «داعش» ومع كافة التنظيمات الإرهابية بصفة عامة.
ويقول المحللون بأن مقتل البغدادي سيفرض تداعيات مباشرة سواء على تماسك التنظيم من الداخل، أو على نمط تفاعلاته مع المعطيات الجديدة التي ستنتج في مرحلة ما بعد البغدادي. وهناك أسئلة كثيرة حول توقيت الغارة الجوية والموقع الذي قتل فيه البغدادي وماذا سيحل بداعش ومقاتليه ومناصريه بعد مقتل قائده.
من جانب آخر، قارن الكثير من الخبراء والمحللين بين إعلان الرئيس السابق باراك أوباما مقتل أسامة بن لادن في غارة جوية للقوات الأميركية في أفغانستان عام 2011 وهو زعيم تنظيم القاعدة الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وبين إعلان الرئيس دونالد ترمب مقتل أبو بكر البغدادي في غارة كوماندوز أيضا للقوات الأميركية شمال غربي سوريا وهو التنظيم الذي قام بقتل وذبح العديد من الأميركيين في مشاهد بثها عبر شاشات التلفزيون. وما بين تأثير مقتل بن لادن على إرث أوباما وسياساته الخارجية وتأثير مقتل أبو بكر على إرث ترمب وحظوظه في التغلب على الخلافات والاتهامات الداخلية التي تواجهه.
ويقول تحليل لمركز المستقبل بأن اللافت في مقتل البغدادي هو أن المكان الذي أُعلن أن البغدادي قتل فيه، وهو محافظة إدلب السورية بدا بدوره مثيراً لتساؤلات لا تقل أهمية، باعتبار أن النفوذ الأكبر في إدلب، حسب كثير من التقديرات، لا يعود إلى «داعش» وإنما إلى «جبهة النصرة» (تنظيم القاعدة) التي يمثل التنافس والتوتر سمة رئيسية في العلاقة بينهما، على نحو يوحي بأن وصول البغدادي إلى تلك المنطقة قد لا يكون منذ فترة طويلة، وربما اعتبرها التنظيم محطة انتقالية للوصول إلى مقر آخر يمكن السيطرة عليه وتعزيز إجراءات تأمينه بشكل أكبر، بعد أن فقد القسم الأكبر من المناطق التي سيطر عليها في الأعوام الخمسة الأخيرة.
ويطرح الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم داعش في هذا التوقيت دلالات عديدة، ترتبط بالانتقادات الداخلية التي تعرض لها الرئيس دونالد ترمب بسبب قراره سحب جزء من القوات الأميركية الموجودة في سوريا، والتحذيرات التي أطلقتها اتجاهات عديدة من احتمال أن يدفع ذلك تنظيم داعش إلى محاولة ملء الفراغ الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، بالتوازي مع تصاعد المخاوف من هروب عدد من قادة وكوادر التنظيم من مراكز الاحتجاز التي كانت تسيطر عليها ميليشيا قوات «سوريا الديمقراطية» الكردية (قسد)، على ضوء شن تركيا عمليتها العسكرية لتأسيس منطقة آمنة في شمال سوريا وإبعاد الميليشيا الكردية عن الحدود. وتتمثل أهم هذه الدلالات في:
1 - احتواء احتمالات عودة التنظيم: كان لافتاً أن عدداً ليس قليلاً من المراقبين لم يستبعد أن يحاول تنظيم داعش العودة من جديد إلى الساحة، بعد مرحلة التراجع التي مر بها، مستغلاً في هذا السياق بعض التطورات الإقليمية التي طرأت في الفترة الأخيرة. وقد استندوا في هذا السياق إلى التسجيل الصوتي للبغدادي، الذي بثه التنظيم في 16 سبتمبر الفائت، وزعم فيه الأخير أن التنظيم لا يزال موجوداً رغم الضربات التي تعرض لها في مناطق مختلفة، داعياً أتباعه إلى «القيام بأفعال»، في إشارة منه إلى عناصر التنظيم لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة، لا سيما في الدول الغربية.
وبمعنى آخر، فإن هذا التسجيل اعتبر بمثابة ضوء أخضر من جانب زعيم «داعش» للأفرع المختلفة التي أعلنت ولاءها له بالتحرك في المناطق التي توجد بها، سواء لتوسيع نطاق نفوذها أو لتنفيذ عمليات نوعية يحاول من خلالها التنظيم تأكيد أن الهزائم التي مني بها في الفترة الماضية لم تؤدِ إلى انهياره أو تراجعه بشكل كبير.
ويقول التقرير من هنا، تأتي أهمية الخطوة الأخيرة، التي تمثل رسالة من جانب الولايات المتحدة الأميركية بأنها معنية بمتابعة تطورات الحرب ضد التنظيم وأن إعلان الانتصار عليه لا يعني انتهاء المواجهة معه. ويتماهى ذلك، من دون شك، مع التصريحات التي أدلى بها قائد القوات المركزية الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال فرانك ماكينزي، في 13 يونيو (حزيران) 2019. التي قال فيها بأن «داعش في أفغانستان ما زال يشكل تهديداً للمصالح الأميركية»، مشيراً إلى أن «الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأميركية لمكافحة الإرهاب لم تحد بعد من طموحات «داعش» المتطرفة».
2 - مواجهة الانتقادات الداخلية: لا تستبعد اتجاهات عديدة أن تعزز خطوة مقتل البغدادي من موقع الرئيس ترمب في مواجهة الانتقادات والضغوط الداخلية التي يتعرض لها، خاصة لجهة مقارنتها بخطوات نوعية اتخذها رؤساء أميركيون سابقون فيما يتعلق بالمواجهة مع التنظيمات الإرهابية، مثل الرئيس السابق باراك أوباما الذي أعلن مقتل زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، في 2 مايو (أيار) 2011. وحظي عبر ذلك بتأييد واسع في الداخل، والرئيس الأسبق جورج دبليو بوش الذي أعلن مقتل زعيم تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» أبو مصعب الزرقاوي، في 8 يونيو 2006. حيث اعتبر ذلك «تطوراً كبيراً ونوعياً من الناحية العملانية والرمزية».
3 - تداعيات العملية التركية في شمال سوريا: ربما لا يمكن فصل توقيت الإعلان عن مقتل البغدادي عن المعطيات الجديدة التي فرضتها العملية العسكرية التركية، التي توقفت بمقتضى التفاهمات التي توصلت إليها كل من تركيا والولايات المتحدة الأميركية، في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، خلال الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى تركيا، باعتبار أن استمرار تلك العملية كان من الممكن أن ينتج تداعيات مختلفة ربما كانت ستؤثر على تنفيذ تلك الخطوة من الأساس.
وقد يكون ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت واشنطن بالفعل إلى التدخل من أجل وقف تلك العملية، التي أثارت انتقادات قوية من جانب الدول الغربية، باعتبار أنها يمكن أن تدعم مساعي «داعش» للعودة من جديد إلى الساحة وتهديد أمنها ومصالحها عبر دفع بعض العناصر التي هربت بالفعل من مراكز الاحتجاز الكردية إلى محاولة التسلل إلى الدول الأوروبية لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة.
ويقول تقرير مركز المستقبل إن ما سبق في مجمله يشير إلى أن مقتل البغدادي سوف يفرض معطيات جديدة سواء فيما يتعلق بالمسارات التي سوف تتجه إليها الحرب على التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم داعش، أو فيما يتصل بمدى تماسك التنظيم من الداخل، باعتبار أن غياب البغدادي يمكن أن يؤدي إلى انقسامه لمجموعات فرعية أصغر، أو ما يرتبط بنمط تفاعلاته مع التنظيمات الإرهابية الأخرى، وفي مقدمتها تنظيم «القاعدة» الذي سوف يسعى، في الغالب، إلى استغلال تلك الخطوة في تعزيز نشاطه وتصدر خريطة تلك التنظيمات خلال المرحلة القادمة.


مقالات ذات صلة

ممداني يسعى إلى التهدئة بعد هجوم فاشل في نيويورك

الولايات المتحدة​ رسم لإبراهيم كيومي وأمير بالات خلال جلسة المحكمة في نيويورك (رويترز)

ممداني يسعى إلى التهدئة بعد هجوم فاشل في نيويورك

سعى رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني إلى تهدئة المخاوف، ولا سيما بعدما أظهرت التحقيقات أن الشابين اللذين نفذا هجوماً فاشلاً قرب منزله استلهما أفكارهما من «داعش».

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة تظهر شميمة بيجوم الشابة الصغيرة قبل سفرها للانضمام إلى «داعش» (أ.ف.ب)

قضاة يحكمون بإعادة بريطانيا النظر في حظر عودة أم معاقة وابنها من مخيم سوري

أمر قضاة بريطانيون وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود بإعادة النظر في قرار منع عودة أم معاقة بشدة محتجزة حالياً بمخيم سوري مع ابنها الصغير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا تعزيزات أمنية مكثفة في سوسة إثر الحادث الإرهابي الذي تعرضت له المدينة ( أ.ف.ب)

تونس تعلن عودة 1715 مقاتلاً من بؤر التوتر

كشفت بيانات لوزارة الداخلية التونسية عن عودة 1715 مقاتلاً تونسياً من مناطق النزاع في الخارج.

«الشرق الأوسط» (تونس)
خاص عناصر الخلية التابعة لتنظيم «داعش» الذين أُلقي القبض عليهم في محافظة ريف دمشق والمتورطون في تفخيخ سيارة (الداخلية السورية)

خاص هل كبحت السلطات السورية فورة «داعش» الأخيرة؟

مع إعلان السلطات السورية، الخميس، إحباط مخطط إرهابي لخلية من «داعش» كانت تعتزم تنفيذ عمل تخريبي يستهدف دمشق، بات السؤال: هل تمكنت أجهزة الأمن من كبح التنظيم.

موفق محمد (دمشق)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.