قراءة في مناخ انتخابات تونس... «الفيسبوكيّون» ينقلبون على الأحزاب التقليدية

ترجمتها أطراف سياسية على أرض الواقع

وسائل الاتصال الحديثة مثلت إحدى أهم أدوات التأثير على نتائج الانتخابات في تونس (أ.ف.ب)
وسائل الاتصال الحديثة مثلت إحدى أهم أدوات التأثير على نتائج الانتخابات في تونس (أ.ف.ب)
TT

قراءة في مناخ انتخابات تونس... «الفيسبوكيّون» ينقلبون على الأحزاب التقليدية

وسائل الاتصال الحديثة مثلت إحدى أهم أدوات التأثير على نتائج الانتخابات في تونس (أ.ف.ب)
وسائل الاتصال الحديثة مثلت إحدى أهم أدوات التأثير على نتائج الانتخابات في تونس (أ.ف.ب)

أبرزت نتائج الانتخابات التونسية، بشقيها الرئاسي والبرلماني، أن الاعتماد على المشاركة السياسية التقليدية لم يعد يمثل طريقاً وحيداً لنجاح الأحزاب السياسية وفوزها أمام خصومها، فقد تمخضت العملية الانتخابية عن تنظيم شبابي مختلف عما ساد خلال انتخابات2011 و2014. وعمدت فئات من الشباب التونسي إلى المرور من مرحلة المجال الافتراضي إلى المجال الواقعي، من خلال ترجمة النقاشات والخلافات على وسائل الاتصال الحديثة، إلى قائمات انتخابية ائتلافية، شاركت فعلياً في الانتخابات، وتمكنت من هزم الأحزاب التقليدية التي كانت مرشحة بقوة للبقاء في السلطة لسنوات مقبلة.
وكانت هذه النتائج بمثابة «الصدمة» التي خلفت تساؤلات عميقة حول مدى تأثير وسائل الاتصال الحديثة، خاصة منها «فيسبوك»، على توجهات الناخبين التونسيين وصناعة الرأي العام المحلي في بلد يستخدم فيه نحو 7.4 مليون تونسي هذه الشبكة، من إجمالي نحو 11 مليون تونسي.
فهل انتقلت الصراعات السياسية بالفعل من الفضاء الواقعي، أي الشارع والفضاءات العمومية من مقاهٍ وحدائق عمومية كانت محطات للدعاية السياسية في صيغتها التقليدية، إلى فضاء افتراضي تدار فيه صراعات و«حروب» تبدو وهمية لأول وهلة، ولكنها قد تتحول إلى ترجمة على أرض الواقع؟
خلال انتخابات الرئاسة التونسية في دورها الأول، تشكلت صفحات وتكونت مجموعات وأنشئت حسابات مجهولة وبرزت صفحات إشهارية مدفوعة الأجر، كان هدفها الأساس الانتصار لأحد المرشحين. واختلطت الرؤى، إلى درجة أن الناخب العادي لم يعد يفرق بين الأخبار ذات المصداقية والأخبار الزائفة، لكن النتيجة كانت مذهلة، فقد أفرزت شخصيتان تونسيتان لم يعد كثير من المتابعين للشأن التونسي يمنحهما كثيراً من الحظوظ، فقيس سعيد أستاذ القانون الدستوري لم تكن وراءه جهة سياسية أو آلة انتخابية قادرة على زعزعة المرشحين التقليديين الذي ضخوا أموالاً ضخمة لصناعة بهرج انتخابي على الطريقة التقليدية، أما نبيل سعيد مرشح حزب «قلب تونس» الذي تأسس قبل أشهر قليلة، فلم يكن أحد يُمكنه من حظوظ الفوز نتيجة وجود شبهة فساد أدخلته لاحقاً إلى سجن المرناقية (غربي العاصمة التونسية).
غير أن ما كان يَخفى على الطبقة السياسية أن «جيشاً فيسبوكياً» - إن صحت العبارة - كان يحضر لـ«انقلاب سياسي» حقيقي، دونما استعمال للأدوات التقليدية والجيوش المدججة بالسلاح. وكانت النتيجة مفاجئة للجميع، لتتكثف التساؤلات عمن يقف وراء فوز مترشحين غير معروفين بالطرق التقليدية، لمعرفة المتقدمين لمثل هذه المناصب السياسية العليا، والهزيمة المدوية للمرشحين الذين كانوا يعتقدون أن النجاح على مرمى حجر بالنسبة لهم.
وفي هذا الشأن، قالت الإعلامية التونسية أسماء سحبون، إن وسائل الاتصال الحديثة مثلت إحدى أهم أدوات التأثير على نتائج الانتخابات في تونس، فقد كان تأثيرها على توجهات الناخبين كبيراً، وباتت المصدر الرئيسي للمعلومة السياسية بالنسبة للشباب التونسي.
وفي السياق ذاته، قال الصادق الحمامي الخبير التونسي في مجال الميديا الاجتماعية في مقال حمل عنوان «مواقع التواصل الاجتماعي... الفضاء البديل»: «إن الزيادة المسجلة على مستوى حسابات (فيسبوك) في تونس بأكثر من 52 في المائة خلال 5 سنوات، تؤكد أن هذا الفضاء بات يمثل جزءاً من ثقافة الشباب التونسي، وهو مؤثر للغاية، في طرح ومناقشة مواضيع هامة مفصلية على غرار الحريات الفردية والجماعية ومكافحة الفساد، وبات أكثر تأثيراً، مقارنة بوسائل الاتصال التقليدية، من صحف وتلفزات وقنوات إذاعية عادية».
وعلى مستوى الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، فقد حصل حزب نداء تونس، وهو الحزب الفائز في انتخابات 2014 على 3 مقاعد برلمانية، بعد أن كان متصدراً للمشهد السياسي بـ86 مقعداً، وبرزت للعيان أحزاب سياسية أخرى لم يكن لها وجود فعلي في السابق، على غرار حزب «قلب تونس» لنبيل القروي الذي أصبح ينافس حزب حركة النهضة ذات القاعدة الانتخابية الهامة. كما اعتبر أكثر من مراقب أن ائتلاف «الكرامة» الذي يقوده المحامي التونسي الشاب سيف الدين مخلوف كان نتيجة لعمل «فيسبوك»، فهو الذي أثر بشكل كبير في الناخبين وجعلهم يختارون تشكيلة سياسية ائتلافية، تمثل مختلف جهات الجمهورية، وذلك على حساب التنظيم التقليدي داخل الأحزاب السياسية.
وفي السياق ذاته، أوضح سيف الدين مخلوف خلال تقديمه للائتلاف الذي تحصل على 21 مقعداً في البرلمان التونسي، وهو رقم قياسي لم يسجل في السابق، أن الحملة الانتخابية انطلقت من وسائل التواصل الاجتماعي بالأساس، وأنه «يعمل على نقل الوعي السياسي والاجتماعي من منصات (فيسبوك) إلى مجلس نواب الشعب (البرلمان)»، على حد تعبيره.
وبيّن في مؤتمر صحافي إثر الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية التونسية، أن النتيجة التي حققها ائتلاف «الكرامة» تعد إنجازاً مفاجئاً للتونسيين، رغم أن طموحات الائتلاف كانت أكبر، وسبّبت نتائجه «حالة هلع في الطبقة السياسية»، على حد قوله.
وانتقد مخلوف النخبة السياسية الحالية، معتبراً أنها تتصور السياسة صالوناً للأغنياء، وقال: «نحن التعبير الأرقى لشباب الثورة، ونحن ضد احتكار الشأن السياسي». كما انتقد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المشرفة على العملية الانتخابية، قائلاً إنها لم تطبق القانون الانتخابي التونسي، وغضّت النظر عن مجموعة من التجاوزات ومستعملي المال السياسي المفضوح خلال الانتخابات.
يذكر أن بعض من حققوا نتائج انتخابية غير مسبوقة قد تهكموا على مرشحي الأحزاب التقليدية التي أنفقت المليارات من أجل اجتذاب الناخبين التونسيين، وذلك بقولهم إنهم لم يصرفوا سوى بعض قوارير الماء المعدني والقليل من القهوة ليجنوا نتائج لم تكن على البال.
وفي انتظار استساغة الصفعة السياسية التاريخية التي عرفتها الطبقة السياسية التقليدية في تونس، فإن عدة تساؤلات ما زالت تدور في أذهان كثير من التونسيين من مختلف التيارات السياسية، خاصة منها التيارات الضاربة في القدم مثل اليسار التونسي الذي فقد بريقه بصفة مفاجئة، وهي كيف أمكن للشباب التونسي المختفي وراء أسماء مستعارة في معظمها والمتهم بالكسل السياسي والعزوف عن المشاركة السياسية، أن يحقق مثل هذه النتائج في فترة زمنية وجيزة؟ وهل يمكن التساؤل مع أطراف سياسية خاسرة في السباق الانتخابي، حول تدخل أجنبي محتمل في نتائج الانتخابات التونسية عبر توظيف منصات إلكترونية نشطت من أجل صناعة رأي عام مختلف عن السائد.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».