امرأة غير مرئية

مذكرات «إيميلي دو» الأميركية ذات الأصول الآسيوية

امرأة غير مرئية
TT

امرأة غير مرئية

امرأة غير مرئية

طرحت «شانيل ميللر»، وهو اسمها الحقيقي، في مذكراتها رؤية جديدة للمعاملة التي شهدتها من النظام القانوني الأميركي. وتقول إن تخفيها وراء اسم مستعار أتاح الفرصة أمام الجميع لكي يشهدوا حقيقة أنفسهم عبر ثنايا قصتها.
عندما نشر بيان «إيميلي دو» الضحية على موقع «باز - فيد» في يونيو (حزيران) من عام 2016، تمكنت من قراءته في عجالة. وفي اليوم السابق، كانت قد قرأت بيانها بنفسها في جلسة النطق بالحكم على بروك تيرنر، الذي أدين باتهامات ثلاثة على جناية الاعتداء الجنسي، من هيئة المحلفين في ولاية كاليفورنيا. والعقوبة القصوى لمثل هذه الجريمة تبلغ 14 عاماً من السجن. غير أن القاضي آرون بيرسكي حكم على السيد تيرنر بستة أشهر فقط في سجن المقاطعة. ولقد أمضى منها ثلاثة أشهر فقط.
لقد انتشر بيان «إيميلي دو» انتشار النار في الهشيم، وتمت قراءته بصوت مرتفع على أرضية مجلس النواب، كما أُذيع على شبكة «سي إن إن» الإخبارية، وأثار سخط الرأي العام الأميركي بشأن الحكم القضائي المخفف للغاية على السيد تيرنر. وفي وقت لاحق من ذلك العام، فرضت ولاية كاليفورنيا عقوبات الحد الأدنى الإلزامية على جرائم الاعتداء الجنسي.
خلال الشهر الجاري، كشف السيدة شانيل ميللر عن نفسها لتكون هي «إيميلي دو» الضحية الحقيقية التي نشرت مذكراتها عن الحادثة تحت عنوان «اعرفوا اسمي».
عندما عرفت أن السيدة ميللر بيضاء البشرة وأنها أميركية من أصول صينية، أدركت على الفور أن افتراضي الأول لشخصية «إيميلي دو» المستعارة أنها امرأة بيضاء البشرة كان صائباً. وتمثل السيدة ميللر أكثر مما يعكسه لون بشرتها أو هويتها العرقية وحدها، غير أن معرفة أنها مواطنة أميركية من أصول آسيوية تستدعي فهماً جديداً لما مرت به والطريقة التي استوعب الناس بها قضيتها، كامرأة ملونة البشرة، فهي ليست ناصعة البياض، تتعرض لاعتداء من رجل أبيض، ثم تحاول نيل حقها وإحقاق العدالة في قاعة للمحكمة يترأسها قاضٍ ذو بشرة بيضاء.
عند إصدار الحكم على بروك تيرنر، الذي كان طالباً جامعياً في جامعة ستانفورد في أثناء المحاكمة، وضع النظام القانوني في حسبانه إنجازات المتهم الرياضية والأكاديمية. وفي بيانها، تحدّت السيدة ميللر هذا المنهج وقالت: «إذا وُجِّهت الاتهامات الثلاثة إلى أحد الجناة من ذوي الخلفيات المتواضعة والذي لم يكن مسؤولاً مسؤولية كاملة عن أفعاله بخلاف تناول الكحوليات، فماذا سوف تكون عقوبته؟».
تحولت معاملة بروك تيرنر في أثناء سريان المحاكمة، إلى جانب الحكم المخفف للغاية الذي ناله، إلى رمز للامتيازات التي يحظى بها العديد من نخبة الذكور البيض في المجتمع الأميركي. ووُجهت الانتقادات إلى القاضي بيرسكي، وهو نفسه من خريجي جامعة ستانفورد، لأنه أعرب عن اعتقاده في الإنجازات الواعدة التي يمكن لبروك تيرنر تحقيقها في مستقبله المهني. وعلى النقيض من ذلك، فإن السيدة ميللر، التي لم تتخرج في جامعة ستانفورد، لم يلقِ أحد بالاً إلى إنجازاتها الشخصية وتعرضت حياتها السابقة للهجوم الشديد، ولم يلتفت أحد إلى «إمكاناتها الضائعة» في قاعة المحكمة.
كتبت السيدة ميللر تقول في مذكراتها، كيف أن نشأتها الأميركية الآسيوية جعلتها تعتاد الشعور بأنها إنسانة غير مرئية، وغير معروف وجودها بالأساس. ولم تدرك أنها قد تكون مناصِرة لقضية ما في يوم من الأيام. تتداخل حياة النساء الأميركيات من الأصول الآسيوية مع العنصرية، والتمييز الجنسي بطرق تتشارك فيها النساء من أعراق أخرى وبطريقة فريدة من نوعها للغاية. ومن المحال الاعتراف بنزع الصفة الإنسانية عن وممارسة العنف ضد النساء الآسيويات –بما في ذلك الإفراط في الممارسات الجنسية، والغواية، والإيذاء الجنسي– من دون ربط ذلك على الفور بتاريخ طويل من الاستعمار الأميركي السياسي والعسكري للبلدان الآسيوية المختلفة. العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الجنسي يقعان على الدوام ضمن خطوط عرقية وإثنية متقاطعة، فضلاً عن وجودها بشكل شائع داخل المجتمعات العرقية نفسها.
كشفت دراسة أجراها «معهد آسيا والمحيط الهادئ» حول العنف القائم على النوع، أن هناك نسبة تتراوح بين 21 و55% من النساء الأميركيات الآسيويات يعانين من تجارب العنف البدني أو الجنسي من الشريك الحميم، كما خلصنا إلى أن الإبلاغ عن حوادث الاغتصاب وسواها من أنماط العنف الجنسي يكون أقل لدى النساء من الأعراق والأقليات الأخرى. ويمثل الافتقار إلى الموارد المالية فضلاً عن الصدمات النفسية المريعة، ووضعية الهجرة، ومخاوف التغريب والإقصاء من العائلات والطوائف، إلى جانب فقدان الثقة بنظام العدالة الجنائية... بعض الأسباب التي تدفع المرء إلى التزام الصمت وعدم الإبلاغ عن حوادث الاعتداء أو الإعلان عن شخصية المعتدي على الملأ.
لكن على العكس من الصور النمطية المعهودة للمواطنين الأميركيين من أصول آسيوية بالتزامهم الصمت والإذعان للأمر الواقع، لا نزال نواصل الحديث ضد العنف الجنسي، من السيدات شانيل ميللر، وأماندا نغوين، وليه لاكشمي، وإيما سولكوفيتش، إلى شخصيات بارزة من أمثال كوني تشونغ، والكثير من الناجيات الأخريات، داخل الولايات المتحدة وخارجها، والذين يفتقرون إلى المنصة العامة المناسبة.
اعتمد النظام القانوني والمؤسسات الأكاديمية الأميركية، من الناحية التاريخية، على حماية الأثرياء وتفوق العنصر الأبيض، وسيادة النزعة الأبوية الحاكمة على مجريات الأمور. والنساء، من صغار السن أو المتحولات جنسياً، يتأثرن بصورة غير متناسبة بحوادث العنف الجنسي. وفي حين أنه يتم الإبلاغ عن الغالبية العظمى من حالات الاغتصاب في الولايات المتحدة من جانب النساء البيض، فإن النساء الأخريات من صاحبات البشرة الملونة، ولا سيما الأميركيات من أصول أفريقية، أكثر عرضة للاعتداء والعنف. وبصفة عامة، لم يتم إبلاغ الأجهزة القانونية في البلاد عن كل ثلاث من أصل أربع حالات اعتداء جنسي، وعلى الرغم من أن السجن ليس مرادفاً للعدالة، أو المساءلة، أو إعادة التأهيل في مثل هذه الجرائم، فإن خمسة فقط من كل ألف جانٍ ينالون عقوبة السجن الرادعة على جرائمهم.
ويفشل الناجون من حوادث العنف الجنسي، خصوصاً المنتمين إلى الفئات المهمشة من المجتمع، في الحصول على العدالة من النظام القانوني والمجتمعي المتحيز ضدهم منذ البداية. ويقول نصف الذين أبلغوا عن هذه الجرائم إنهم يعانون بعد ذلك من الصدمات النفسية الشديدة من جانب المؤسسات القانونية التي تلقي باللائمة عليهم في الاعتداءات التي وقعت بحقهم.
تقول السيدة شانيل ميللر إنها تمكنت من خلال خلق هوية «إيميلي دو» المستعارة من إيجاد «مساحة فارغة» لالتئام الجروح والتعافي النفسي، وخلق مكان متاح للناجين للحديث بصوت مرتفع والصراخ بصوت عالٍ عن حقائقهن الثقيلة للغاية، ولإعادة النظر في مراحل من ماضي حياتهن، بصرف النظر تماماً عن الخلفيات الاجتماعية: كيف يمكن أن تأتي بعدي أو قبلي والأمطار تتساقط على رؤوسنا جميعاً؟
يتعين علينا مواصلة الاستماع إلى الناجيات، بغض النظر عن هوياتهن المختلفة، وسواء اخترن الإعلان عن مصابهن أو التزمن الصمت المطبق. يجب علينا الدعم، والمواجهة، والعمل معاً للقضاء على النزعات الممنهجة للذكورية السامة، وثقافة الاغتصاب، والعنف الجنسي، والتي يعمل على تكريسها واستدامتها حتى أولئك القابعون خلف أسوار البيت الأبيض والمحكمة العليا الأميركية.
تقول السيدة ميللر في مذكراتها: «لست أنا ضحية بروك تيرنر. ولا أمثل له أي شيء. إنني لا أنتمي إليه. كما أنني نصف صينية ونصف أميركية. واسمي الصيني هو شانغ شياو شيا، والذي يعني في اللغة الإنجليزية الصيف البسيط». وعبر التذكير بهويتها وبنفسها، تفرض السيدة ميللر شروطها الخاصة على سرد قصتها مع إفساح مساحة أكبر للآخرين الذين يختارون أن يحذوا حذوها. فهي لم تعد مستعارة الهوية، وتكمن قوة ذلك في خلق شعور راسخ بالتضامن مع الذات ومع الجميع.

* خدمة: «نيويورك تايمز»



حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
TT

حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)

قال الفنان المصري حمادة هلال إنّ الجزء السادس من مسلسل «المدّاح» يُعد الأصعب لجهتَي التنفيذ والتصوير، مؤكداً أنّ معظم مَشاهده تحمل مجهوداً بدنياً ونفسياً كبيراً، خصوصاً المَشاهد الخارجية التي صُوِّرت في المغرب، وتحديداً في مدينة شفشاون وسط الجبال والشلالات.

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»: «الوصول إلى بعض مواقع التصوير تطلَّب السير لأكثر من ساعة وربع الساعة داخل مناطق جبلية شديدة الوعورة، بالإضافة إلى الطقس البارد، وهي أمور استطاع فريق العمل التغلُّب عليها لحماستهم للتجربة».

حماده هلال شدَّد على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية (حسابه في «فيسبوك»)

وعن عنوان الجزء الجديد «أسطورة النهاية»، أوضح هلال أنّ «كلّ جزء من أجزاء العمل حمل اسم أسطورة مختلفة، مثل (أسطورة العهد)، و(أسطورة العشق)، و(أسطورة العودة)، بينما تأتي (أسطورة النهاية) ذروة المسار الدرامي للحكاية، إذ تتجمَّع الخيوط الكبرى للصراع وتُطرح الأسئلة المصيرية عن التحولات الكبرى للشخصيات، وهو ما سيتكشَّف تباعاً في الحلقات».

وعلَّق على عودته لتقديم جزء سادس بعد الإعلان سابقاً أنّ الجزء الخامس سيكون الأخير، فقال إنّ «القرار كان حقيقياً في وقته»، موضحاً أنّ «الفريق أراد التوقف قليلاً لالتقاط الأنفاس وتجديد الطاقة والبحث عن أفكار جديدة»، لكنه أشار إلى أن «الضغط الجماهيري الكبير، إلى جانب حماسة قناة (إم بي سي مصر)، والمنتجَيْن صادق الصباح وأنور الصباح، لعبا دوراً أساسياً في إعادة إحياء المشروع وتقديم الجزء الجديد هذا العام».

هلال في لقطة من كواليس «المدّاح» (حسابه في «فيسبوك»)

وأضاف أنّ «صناعة جزء سادس بعد 5 أجزاء ناجحة تُعد تحدّياً شديد الصعوبة كتابةً وتنفيذاً، نظراً إلى طبيعة العمل والصراعات والأحداث فيه بشكل رئيسي»، مشيراً إلى أنّ «طبيعة العمل يفترض أن تجعل تصويره يستمر لأكثر من عام، وتحضيرات أطول، لكن إتقان الفريق، بالإضافة إلى الجهد المُكثَّف للمخرج أحمد سمير فرج، جعلا المسلسل يُنجَز في وقت قياسي رغم كل العقبات».

وتحدَّث هلال عن تأثير شخصية «صابر المدّاح» فيه فنياً، مشيراً إلى أنها نقلته إلى منطقة أكثر نضجاً في الأداء والوعي بالتمثيل، لكنها لم تؤثّر في حياته، لكونه يتعامل مع الشخصية على أنها عمل فنّي له بداية ونهاية، مع قدرته على الفصل الكامل بينها وبين حياته الخاصة، وقدرته على تقديم أدوار أخرى مختلفة.

وعن تحضيراته للجزء الجديد، أشار إلى أنه «كان دائم النقاش مع المؤلفين حول ضرورة تكثيف الأحداث والاعتماد أكثر على الصورة والإيقاع السريع»، مشيراً إلى أنّ «جمهور (المدّاح) يميل إلى التشويق البصري والحركة والتصاعد الدرامي المستمر، من دون الإغراق في الحوارات الطويلة، رغم أهميتها الدرامية».

وتوقّف عند عودة عدد من النجوم الذين غابوا عن أجزاء سابقة، فقال هلال إنها عودة أسعدته كثيراً، فالمسار الدرامي فرض عودة بعض الشخصيات المحورية لاستكمال الصراع بشكل منطقي ومتوازن، والشخصيات العائدة هذه المرّة تحمل تحوّلات مختلفة وصراعات أكثر حدّة، الأمر الذي ارتبط بالسيناريو المُحكم المكتوب للأحداث.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب في ملصق ترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وأكد هلال أنه لا يؤمن بفكرة «البطل الأوحد»، مشدّداً على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية، وأنّ نجاح العمل يعود إلى تكامل أداء جميع العناصر، من ممثلين وصنّاع، وليس إلى فرد واحد فقط، لافتاً إلى أن فريق العمل في «المدّاح» أسرة واحدة.

ووعد حمادة هلال الجمهور بأن يشاهدوا في الجزء الجديد صورة مختلفة على مستوى التنفيذ البصري، وأفكاراً جديدة في بناء الشر والصراع الدرامي، إلى جانب مستوى إنتاجي أكثر طموحاً بشكل متصاعد بالحلقات المقبلة، مشيراً إلى «دور المخرج أحمد سمير فرج الذي ينجز العمل في زمن قياسي، بينما التنفيذ يفترض أن يستغرق وقتاً مضاعفاً».

وعن ارتباط الجمهور بشخصية «المدّاح» وتأثير ذلك على خياراته الفنية، قال هلال إنّ «هذا الارتباط يمثّل مسؤولية كبيرة وضغطاً مضاعفاً، لكنه في الوقت عينه يشعر بالامتنان لكون العمل أصبح علامة مميزة في مسيرته الفنّية»، مؤكداً أنه يسعى دائماً إلى التنوّع في أدواره من دون التفريط في هذا النجاح.


«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
TT

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

أطلقت منظّمة «كير» الدولية في لبنان حملة «كرامة بلا مساومة» في محاولة لإعادة طرح قضايا حسّاسة مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، والأمان في السكن، والوصول إلى المساعدة، بلغة أكثر اتصالاً بتجارب الناس اليومية، وبما يُعيد وضعهم في مركز الخطاب الإنساني.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يضع ممثل «كير» الدولية في لبنان، سيريل باسيل، الحملة في سياق أوسع من فيديوهات وأرقام. يقول إنّ دور المنظّمة «أن تُغني الخطاب الإنساني باستمرار عبر مبادرات مُبتكرة تخلق مساحات جديدة للنقاش حول القضايا الاجتماعية المُلحّة»، ويضيف أنّ الهدف الدائم هو «إبراز حاجات المجتمعات التي نعمل معها، والدفع نحو إجراءات جماعية تُسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وشمولاً». خلف هذه العبارات يبرز التحدّي الأساسي الذي واجهته الحملة، المتمثّل في إيجاد لغة قادرة على تناول قضايا حسّاسة، مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، وحماية النساء والفتيات، وآليات الإبلاغ، بطريقة تحافظ على وضوحها وقوتها، من دون أن تنزلق إلى خطاب تعليمي جاف أو تفقد معناها وسط كثافة المنشورات اليومية.

خلف كلّ حركة يد معنى يبحث عن طريقه إلى مَن حُرموا طويلاً من الوصول (منظّمة «كير»)

يشرح باسيل أنّ اللغة المعتادة وطرق التواصل المألوفة «تصل إلى حدودها»، خصوصاً في زمن تحكمه المنصّات الرقمية. ومن هذا المنطلق، اتجهت «كير» إلى مقاربة تقوم على سرد إنساني قريب من الناس لكسر إرهاق الجمهور الذي يمرّ سريعاً فوق المحتوى المُتشابه. كانت الحملة، وفق ما يوضح، بحثاً عن «أساليب ديناميكية» قادرة على الوصول إلى فئات جديدة، مع وضع الشمولية في صميم الرسالة لضمان وصول المعلومات إلى المجتمعات المهمَّشة التي لا تصلها الرسائل عادة عبر القنوات التقليدية.

هذا المنطق انعكس في اختيار الإعلامية اللبنانية نسرين الظواهرة لتكون وجهاً أساسياً في المواد المرئية. باسيل يرى أنّ حضورها في الحملة لم يكن تفصيلاً. يقول إنها مِمّن يملكن قدرة على مخاطبة جمهور «من مختلف الفئات العمرية والخلفيات»، مع مساحة ثقة لافتة يتشاركها «نساء ورجال»، وهو ما يمنح الرسائل الحسّاسة فرصة لعبور الحواجز النفسية قبل الحواجز المعرفية. ويضيف أنّ قدرتها على الإيصال «بوضوح وثقة وتأثير» ضرورية عندما تُناقش قضايا اجتماعية معقّدة، خصوصاً أنها تستخدم منصاتها للحديث عن حقوق النساء والفئات المهمَّشة وحاجاتها، بما ينسجم مع جوهر الحملة.

أما الظواهرة فتقرأ مشاركتها من زاوية شخصية ومهنية تتقاطع مع مرحلة جديدة في مسارها. في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، تقول إنها تعلَّمت منذ بداياتها أنّ الإعلام «رسالة مرتبطة بالضمير»، ولا ترى المهنة مساحة للتسلية أو للاستثمار في العلاقات العامة. تصف موقع الإعلامي بما يشبه «المسؤولية الأخلاقية» التي تتجاوز نقل الخبر، وتضيف: «أحبُّ أن يكون لي أثر وأترك بصمة. هذه رسالتي، ولا أريد أن أمرَّ مثل مَن لا يقولون شيئاً». في هذا المنعطف من نضجها الإعلامي، بدا لها أنّ الانخراط في حملة حقوقية امتداد طبيعي لالتزامها.

تتوقّف الظواهرة عند تفاصيل تُضيء ما تحاول الحملة الاقتراب منه، مشيرةً إلى أنّ العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان. تتحدَّث عن منازل لا خصوصية فيها، عن غياب الأقفال، وازدحام يُنتج واقعاً يومياً مُثقلاً بالانكشاف، وعن نساء وفتيات يحتجن إلى معرفة حقّهن في الرفض. تقول: «اشتغلنا على معنى كلمة (لا). كلمة كاملة، لا تحتاج صاحبتها إلى أن تُبرِّر ما بعدها». وتضيف أنّ العمل جرى «بمباشرة وجرأة من دون ابتذال»، مع الحرص على تقديم الرسالة بطريقة جاذبة تبتعد عن الصياغات النمطية.

في امتداد هذا التوجُّه، جاءت مشاركة نادرة سماحة، خبيرة لغة الإشارة وامرأة من ذوي الإعاقة السمعية، لتضيف طبقة أخرى إلى معنى الوصول. سماحة تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها وافقت فوراً عندما طُلبت منها المشاركة، مع اعتقاد أولي بأنّ دورها سيقتصر على ترجمة الكلام داخل «مربّع صغير» في زاوية الشاشة كما يحدث غالباً. لكنها فوجئت بأنّ الحملة تمنحها حضوراً أوسع: «هنا شعرتُ بالمساواة. جميل أن يتساوى الصمّ مع مَن يسمعون كلّ شيء». وتشرح أنّ المساحة ليست تفصيلاً بصرياً، فـ«المربّع الصغير قد يُتعب المتابعين الصمّ»، بينما حضورٌ أوسع يمنحهم إحساساً حقيقياً بالمشاركة ويجعلهم جزءاً من الرسالة منذ البداية.

مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء (منظّمة «كير»)

تربط سماحة هذا الخيار بصورة أشمل عن الدمج. تؤكد أنّ إشراك الأشخاص الصمّ في العمل والحياة العامة ضروري، لأنّ كثيرين ما زالوا ينظرون إليهم بعين الشفقة أو يفترضون عجزهم. تقول إنّ التكنولوجيا ساعدت في تغيير الواقع، وهذه المُشاركات «زادت الوعي وعمَّقت فكرة الدمج»، فلم يعد مجتمع الصمّ هامشياً أو منفصلاً. وتلفت إلى حقّ الوصول إلى المعلومات: «نحن أفراد صمّ لدينا حقوق مثل أيّ إنسان»، وتضيف أنّ الترجمة بلغة الإشارة شرط للفَهْم والمشاركة، مع التوقّف عند نقص عدد مترجمي لغة الإشارة في لبنان وأملها في سدّه مستقبلاً.

على هذا الخطّ، يعود باسيل ليؤكد أنّ الشمولية في عمل «كير» مشاركة فعلية ذات معنى، موضحاً أنّ إشراك سماحة وجهاً أساسياً كان خياراً مقصوداً لضمان «التمثيل الحقيقي والملكية المشتركة للرسالة». وربما يفسّر ذلك كيف خرجت الحملة من إطارها التنظيمي إلى مساحة تداول أوسع عبر 5 مواد مرئية تناولت الرضا والموافقة، والسكن الآمن ودور المساعدات النقدية، وأثر انعدام الأمن الغذائي، وآليات المساءلة وسبل الإبلاغ الآمن، مع الترويج لخطّ الطوارئ 1745 على هيئة قناة موثوقة لتقديم الشكاوى وطلب الدعم. بعض الفيديوهات تجاوز 200 ألف مشاهدة عضوية، وانتشر تلقائياً عبر مُشاركات من أطباء وخبراء لغة إشارة ومؤسّسات إعلامية وفنانين وشخصيات عامة، في مؤشّر على أنّ الرسالة وجدت طريقها إلى الناس، وفتحت مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء.


دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً

السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
TT

دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً

السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)

تشير أبحاث علمية حديثة إلى أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) لدى الأطفال في سن مبكرة لا ينبغي أن يُفسَّر تلقائياً بوصفه مؤشراً دائماً على خطر الإصابة بالسمنة لاحقاً، في نتائج قد تخفف من قلق كثير من الأسر، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

فقد خلصت دراسة أجراها باحثون من جامعة كوينزلاند في أستراليا إلى أن العوامل الجينية التي تؤثر في حجم جسم الرضيع قد تختلف عن تلك التي تتحكم في حجم الجسم خلال مرحلة المراهقة؛ ما يعني أن مسار النمو أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

واعتمد الباحثون على تحليل بيانات 6291 طفلاً مشاركين في دراسة «أطفال التسعينات» التابعة لـجامعة بريستول، مستخدمين نماذج تحليلية متقدمة لاستكشاف دور العوامل الوراثية في اختلاف مسارات الوزن بين عمر عام واحد و18 عاماً. وأظهرت النتائج أن الإسهام الجيني في هذه التغيرات يظل محدوداً نسبياً، ولا يتجاوز نحو الربع.

وقال الدكتور غينغ وانغ: «إن كثيراً من الآباء يشعرون بقلقٍ مشروع عندما يلاحظون زيادة مبكرة في وزن أطفالهم أو نمواً مختلفاً عن أقرانهم»، مضيفاً أن النتائج تشير إلى أن التباين الجيني قد يكون أحد أسباب هذه الفروق الطبيعية. وأوضح أن العوامل الجينية المرتبطة بحجم جسم الرضيع ليست بالضرورة هي نفسها التي تحدد حجم الجسم في مرحلة المراهقة، مؤكداً أن اختلاف حجم الجسم في الطفولة المبكرة لا يعكس حتماً خطراً دائماً للإصابة بالسمنة.

رجل يعاني من السمنة (رويترز)

ومع ذلك، تلفت الدراسة الانتباه إلى أن مؤشر كتلة الجسم عند حدود سن العاشرة، إضافةً إلى معدل النمو الكلي بين عمر سنة و18 عاماً، قد يكونان أكثر دلالةً من الناحية الصحية، نظراً لارتباطهما الأقوى بمخاطر الإصابة بالسكري وارتفاع الكوليسترول وأمراض القلب في مراحل لاحقة من الحياة.

من جانبها، قالت الدكتورة نيكول وارينغتون، من جامعة كوينزلاند، إن النتائج المنشورة في مجلة «Nature Communications» تُظهر أن الاعتماد على المتوسطات السكانية وحدها في تقييم نمو الأطفال قد يؤدي إلى إغفال معلومات مهمة. وأضافت أن ثمة حاجةً إلى مزيد من الأبحاث لتحديد الأعمار الأكثر فاعليةً للتدخل الوقائي، بما يحقق فائدةً صحيةً طويلة الأمد.

بدوره، أوضح البروفسور نيكولاس تيمبسون، الباحث الرئيسي في دراسة «أطفال التسعينات»، أن النتائج تكشف عن علاقات جينية مهمة في كيفية تغير مؤشر كتلة الجسم بين عمر عام واحد و18 عاماً، وكذلك في المستويات المتوسطة عند أعمار مختلفة، مشيراً إلى أن هذه المعطيات تساعد على فهمٍ أعمق للأنماط المتغيرة والعواقب الصحية المرتبطة بحجم الجسم عبر مراحل الحياة.

وتفتح هذه النتائج باباً لقراءةٍ أكثر هدوءاً وإنسانيةً لنمو الأطفال، بعيداً عن القلق المبكر، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية المتابعة الصحية المتوازنة في المراحل العمرية المفصلية.