امرأة غير مرئية

مذكرات «إيميلي دو» الأميركية ذات الأصول الآسيوية

امرأة غير مرئية
TT

امرأة غير مرئية

امرأة غير مرئية

طرحت «شانيل ميللر»، وهو اسمها الحقيقي، في مذكراتها رؤية جديدة للمعاملة التي شهدتها من النظام القانوني الأميركي. وتقول إن تخفيها وراء اسم مستعار أتاح الفرصة أمام الجميع لكي يشهدوا حقيقة أنفسهم عبر ثنايا قصتها.
عندما نشر بيان «إيميلي دو» الضحية على موقع «باز - فيد» في يونيو (حزيران) من عام 2016، تمكنت من قراءته في عجالة. وفي اليوم السابق، كانت قد قرأت بيانها بنفسها في جلسة النطق بالحكم على بروك تيرنر، الذي أدين باتهامات ثلاثة على جناية الاعتداء الجنسي، من هيئة المحلفين في ولاية كاليفورنيا. والعقوبة القصوى لمثل هذه الجريمة تبلغ 14 عاماً من السجن. غير أن القاضي آرون بيرسكي حكم على السيد تيرنر بستة أشهر فقط في سجن المقاطعة. ولقد أمضى منها ثلاثة أشهر فقط.
لقد انتشر بيان «إيميلي دو» انتشار النار في الهشيم، وتمت قراءته بصوت مرتفع على أرضية مجلس النواب، كما أُذيع على شبكة «سي إن إن» الإخبارية، وأثار سخط الرأي العام الأميركي بشأن الحكم القضائي المخفف للغاية على السيد تيرنر. وفي وقت لاحق من ذلك العام، فرضت ولاية كاليفورنيا عقوبات الحد الأدنى الإلزامية على جرائم الاعتداء الجنسي.
خلال الشهر الجاري، كشف السيدة شانيل ميللر عن نفسها لتكون هي «إيميلي دو» الضحية الحقيقية التي نشرت مذكراتها عن الحادثة تحت عنوان «اعرفوا اسمي».
عندما عرفت أن السيدة ميللر بيضاء البشرة وأنها أميركية من أصول صينية، أدركت على الفور أن افتراضي الأول لشخصية «إيميلي دو» المستعارة أنها امرأة بيضاء البشرة كان صائباً. وتمثل السيدة ميللر أكثر مما يعكسه لون بشرتها أو هويتها العرقية وحدها، غير أن معرفة أنها مواطنة أميركية من أصول آسيوية تستدعي فهماً جديداً لما مرت به والطريقة التي استوعب الناس بها قضيتها، كامرأة ملونة البشرة، فهي ليست ناصعة البياض، تتعرض لاعتداء من رجل أبيض، ثم تحاول نيل حقها وإحقاق العدالة في قاعة للمحكمة يترأسها قاضٍ ذو بشرة بيضاء.
عند إصدار الحكم على بروك تيرنر، الذي كان طالباً جامعياً في جامعة ستانفورد في أثناء المحاكمة، وضع النظام القانوني في حسبانه إنجازات المتهم الرياضية والأكاديمية. وفي بيانها، تحدّت السيدة ميللر هذا المنهج وقالت: «إذا وُجِّهت الاتهامات الثلاثة إلى أحد الجناة من ذوي الخلفيات المتواضعة والذي لم يكن مسؤولاً مسؤولية كاملة عن أفعاله بخلاف تناول الكحوليات، فماذا سوف تكون عقوبته؟».
تحولت معاملة بروك تيرنر في أثناء سريان المحاكمة، إلى جانب الحكم المخفف للغاية الذي ناله، إلى رمز للامتيازات التي يحظى بها العديد من نخبة الذكور البيض في المجتمع الأميركي. ووُجهت الانتقادات إلى القاضي بيرسكي، وهو نفسه من خريجي جامعة ستانفورد، لأنه أعرب عن اعتقاده في الإنجازات الواعدة التي يمكن لبروك تيرنر تحقيقها في مستقبله المهني. وعلى النقيض من ذلك، فإن السيدة ميللر، التي لم تتخرج في جامعة ستانفورد، لم يلقِ أحد بالاً إلى إنجازاتها الشخصية وتعرضت حياتها السابقة للهجوم الشديد، ولم يلتفت أحد إلى «إمكاناتها الضائعة» في قاعة المحكمة.
كتبت السيدة ميللر تقول في مذكراتها، كيف أن نشأتها الأميركية الآسيوية جعلتها تعتاد الشعور بأنها إنسانة غير مرئية، وغير معروف وجودها بالأساس. ولم تدرك أنها قد تكون مناصِرة لقضية ما في يوم من الأيام. تتداخل حياة النساء الأميركيات من الأصول الآسيوية مع العنصرية، والتمييز الجنسي بطرق تتشارك فيها النساء من أعراق أخرى وبطريقة فريدة من نوعها للغاية. ومن المحال الاعتراف بنزع الصفة الإنسانية عن وممارسة العنف ضد النساء الآسيويات –بما في ذلك الإفراط في الممارسات الجنسية، والغواية، والإيذاء الجنسي– من دون ربط ذلك على الفور بتاريخ طويل من الاستعمار الأميركي السياسي والعسكري للبلدان الآسيوية المختلفة. العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الجنسي يقعان على الدوام ضمن خطوط عرقية وإثنية متقاطعة، فضلاً عن وجودها بشكل شائع داخل المجتمعات العرقية نفسها.
كشفت دراسة أجراها «معهد آسيا والمحيط الهادئ» حول العنف القائم على النوع، أن هناك نسبة تتراوح بين 21 و55% من النساء الأميركيات الآسيويات يعانين من تجارب العنف البدني أو الجنسي من الشريك الحميم، كما خلصنا إلى أن الإبلاغ عن حوادث الاغتصاب وسواها من أنماط العنف الجنسي يكون أقل لدى النساء من الأعراق والأقليات الأخرى. ويمثل الافتقار إلى الموارد المالية فضلاً عن الصدمات النفسية المريعة، ووضعية الهجرة، ومخاوف التغريب والإقصاء من العائلات والطوائف، إلى جانب فقدان الثقة بنظام العدالة الجنائية... بعض الأسباب التي تدفع المرء إلى التزام الصمت وعدم الإبلاغ عن حوادث الاعتداء أو الإعلان عن شخصية المعتدي على الملأ.
لكن على العكس من الصور النمطية المعهودة للمواطنين الأميركيين من أصول آسيوية بالتزامهم الصمت والإذعان للأمر الواقع، لا نزال نواصل الحديث ضد العنف الجنسي، من السيدات شانيل ميللر، وأماندا نغوين، وليه لاكشمي، وإيما سولكوفيتش، إلى شخصيات بارزة من أمثال كوني تشونغ، والكثير من الناجيات الأخريات، داخل الولايات المتحدة وخارجها، والذين يفتقرون إلى المنصة العامة المناسبة.
اعتمد النظام القانوني والمؤسسات الأكاديمية الأميركية، من الناحية التاريخية، على حماية الأثرياء وتفوق العنصر الأبيض، وسيادة النزعة الأبوية الحاكمة على مجريات الأمور. والنساء، من صغار السن أو المتحولات جنسياً، يتأثرن بصورة غير متناسبة بحوادث العنف الجنسي. وفي حين أنه يتم الإبلاغ عن الغالبية العظمى من حالات الاغتصاب في الولايات المتحدة من جانب النساء البيض، فإن النساء الأخريات من صاحبات البشرة الملونة، ولا سيما الأميركيات من أصول أفريقية، أكثر عرضة للاعتداء والعنف. وبصفة عامة، لم يتم إبلاغ الأجهزة القانونية في البلاد عن كل ثلاث من أصل أربع حالات اعتداء جنسي، وعلى الرغم من أن السجن ليس مرادفاً للعدالة، أو المساءلة، أو إعادة التأهيل في مثل هذه الجرائم، فإن خمسة فقط من كل ألف جانٍ ينالون عقوبة السجن الرادعة على جرائمهم.
ويفشل الناجون من حوادث العنف الجنسي، خصوصاً المنتمين إلى الفئات المهمشة من المجتمع، في الحصول على العدالة من النظام القانوني والمجتمعي المتحيز ضدهم منذ البداية. ويقول نصف الذين أبلغوا عن هذه الجرائم إنهم يعانون بعد ذلك من الصدمات النفسية الشديدة من جانب المؤسسات القانونية التي تلقي باللائمة عليهم في الاعتداءات التي وقعت بحقهم.
تقول السيدة شانيل ميللر إنها تمكنت من خلال خلق هوية «إيميلي دو» المستعارة من إيجاد «مساحة فارغة» لالتئام الجروح والتعافي النفسي، وخلق مكان متاح للناجين للحديث بصوت مرتفع والصراخ بصوت عالٍ عن حقائقهن الثقيلة للغاية، ولإعادة النظر في مراحل من ماضي حياتهن، بصرف النظر تماماً عن الخلفيات الاجتماعية: كيف يمكن أن تأتي بعدي أو قبلي والأمطار تتساقط على رؤوسنا جميعاً؟
يتعين علينا مواصلة الاستماع إلى الناجيات، بغض النظر عن هوياتهن المختلفة، وسواء اخترن الإعلان عن مصابهن أو التزمن الصمت المطبق. يجب علينا الدعم، والمواجهة، والعمل معاً للقضاء على النزعات الممنهجة للذكورية السامة، وثقافة الاغتصاب، والعنف الجنسي، والتي يعمل على تكريسها واستدامتها حتى أولئك القابعون خلف أسوار البيت الأبيض والمحكمة العليا الأميركية.
تقول السيدة ميللر في مذكراتها: «لست أنا ضحية بروك تيرنر. ولا أمثل له أي شيء. إنني لا أنتمي إليه. كما أنني نصف صينية ونصف أميركية. واسمي الصيني هو شانغ شياو شيا، والذي يعني في اللغة الإنجليزية الصيف البسيط». وعبر التذكير بهويتها وبنفسها، تفرض السيدة ميللر شروطها الخاصة على سرد قصتها مع إفساح مساحة أكبر للآخرين الذين يختارون أن يحذوا حذوها. فهي لم تعد مستعارة الهوية، وتكمن قوة ذلك في خلق شعور راسخ بالتضامن مع الذات ومع الجميع.

* خدمة: «نيويورك تايمز»



«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
TT

«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تحيي الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية أمسية غنائية تكريماً للموسيقار محمد عبد الوهاب، تحمل عنوان «في حبّ موسيقار الأجيال عبد الوهاب والخلود». وتتولى إحياء الأمسية الفنانة نادين عواد، التي تؤدي على مسرح كازينو لبنان باقة من روائع الموسيقار الراحل. وتُسجِّل نادين بهذه المناسبة سابقة فنية، إذ ستكون أول فنانة لبنانية تؤدي أغنية «من غير ليه» كاملة على المسرح.

ويشير المايسترو أندريه الحاج، قائد الأوركسترا الوطنية والمشرف على البرنامج الموسيقي للأمسية، إلى أن اختياره صوتاً نسائياً جاء انطلاقاً من اقتناعه بموهبة نادين عواد، وما تمتلكه من نضج غنائي يؤهلها لخوض هذه التجربة. ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «نادين هي ابنة الموسيقي الراحل فؤاد عواد، وقد سبق أن تعاونّا قبل نحو سنتين في حفل غنائي. يومها أدَّت أغنية (أنا لك على طول) لعبد الوهاب، فلفتني صوتها. وانتظرت الوقت المناسب لتقف منفردة على المسرح وتقدّم باقة من أغنياته».

المايسترو أندريه الحاج يدعو المدارس لإدراج هذه النشاطات في مناهجها التربوية (المايسترو أندريه الحاج)

ويؤكد الحاج أن أداء «من غير ليه» كاملة بصوت نسائي لبناني يشكّل تجربة لافتة، موضحاً أنها المرة الأولى التي تؤدي فيها امرأة هذه الأغنية كاملة على المسرح. ويقول: «أعدّها فرصة سانحة لنادين لإبراز موهبة غنائية مميزة. وكان دوري أن أكشف عن هذه الموهبة، لا سيما أنني أقوم بذلك انطلاقاً من حبي لاكتشاف أصوات تمتلك هذا المستوى من التميّز».

ويرى الحاج أن لبنان يزخر بمواهب غنائية كثيرة لم تحظَ بفرصة الظهور، مشدداً على أهمية البحث الدائم عن أصوات جديدة قادرة على مواصلة مسيرة الأغنية الأصيلة التي تركها كبار الفنانين. ويضيف أن الأمسية تستند إلى ثلاثة عناصر فنية أساسية لا غنى عنها في أي أمسية غنائية، هي الموسيقى والصوت والكلمة، وهي عناصر يراها ضرورية لنجاح أي عمل غنائي. ويقول: «حرصنا على حضورها مجتمعة، وهي قاعدة كان الرحابنة يعتمدونها على الخشبة لإنتاج أعمال مسرحية رفيعة المستوى».

وتُفتتح الأمسية بموسيقى أغنية «أنا وحبّي»، قبل أن تؤدي نادين عواد أغنيتَي «لا مش أنا اللي أبكي» و«يا مسافر وحدك». وفي منتصف الحفل، يقدّم الحاج مع الأوركسترا المقطوعة الموسيقية الشهيرة «النهر الخالد»، التي لحّنها عبد الوهاب عام 1954، من كلمات الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل، باللغة العربية الفصحى، وعلى مقام الكورد، وتتغنى بنهر النيل الخالد، وترتبط بوجدان المواطن والفلاح المصري، إذ تصف جمال ضفافه وأشجار النخيل المحيطة به بلغة شعرية وموسيقية رفيعة، تعبّر عن ارتباط المصريين بنهرهم.

ويتضمن البرنامج مجموعة من الأعمال الموسيقية والغنائية لعبد الوهاب، تمتد معها الأمسية لأكثر من ساعة. ويلفت الحاج إلى الإقبال الذي تشهده هذه الحفلات، مشيراً إلى نفاد بطاقات الدخول منذ اليوم الأول للإعلان عنها. وتأتي الأمسية في إطار التعاون بين المعهد الوطني للموسيقى وكازينو لبنان.

ومن بين الأغنيات التي تؤديها نادين عواد «إمتى الزمان»، من كلمات أمين عزّت الهجين، وهي واحدة من أشهر الطقاطيق الرومانسية الخالدة في تاريخ الموسيقى العربية.

يقام الحفل بالتعاون بين الكونسرفاتوار الوطني وكازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

أما ختام الأمسية، فيكون مع «من غير ليه»، التي تؤديها نادين عواد كاملة على مدى نصف ساعة متواصلة، في تجربة تُعدّ الأولى من نوعها بصوت نسائي لبناني. ويعلّق الحاج: «لم يسبق أن قُدّمت الأغنية بهذا الشكل في لبنان، وأعدّ ذلك حدثاً فنياً من شأنه تعزيز مكانة لبنان الثقافية والفنية».

ويُفتح الحفل مجاناً أمام الجمهور، في خطوة تتيح للبنانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية المشاركة في هذه الأمسية الموسيقية. وفي هذا السياق، يشدد الحاج على ضرورة توسيع قاعدة جمهور الحفلات الموسيقية، وعدم حصرها بفئة عمرية أو اجتماعية معينة. ويقول: «علينا الإكثار من هذا النوع من الحفلات، وتشجيع تلامذة المدارس على حضورها. فبرأيي، تبدأ التربية الفنية من البيت والمدرسة. هناك جيل بأكمله يجهل أغنيات عمالقة الفن في لبنان والعالم العربي. ومن هنا، أدعو المدارس إلى إدراج الحفلات الموسيقية الكلاسيكية ضمن مناهجها التربوية، لتعزيز هذا الجانب لدى التلامذة واصطحابهم إلى الأمسيات كي يتعرّفوا إلى الموسيقى الأصيلة».

ويشير الحاج إلى أن الأوركسترا الوطنية تحيي 4 حفلات من هذا النوع شهرياً، مما يتيح للمدارس إدراجها ضمن نشاطاتها الفنية. ويضيف: «ما الفائدة من أن يحضر هذه الحفلات الأشخاص أنفسهم ومن جيل معيّن؟ من الضروري توسيع آفاقها وإشراك جيل الشباب، ليتمكّن من التعرّف إلى تراثه الفني العربي. وأتفاجأ اليوم بوجود جيل لم يسبق له أن سمع بفيروز وفريد الأطرش ووديع الصافي وصباح، أو أم كلثوم وعبد الوهاب. وأعدّ ذلك نقصاً في الثقافة الفنية العامة. فالأوركسترا الوطنية ليست حكراً على أحد، بل هي حق من حقوق الشعب اللبناني، ومن واجبها أن تتيح له الاستفادة ثقافياً من كل ما تقدّمه من حفلات».


بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
TT

بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)

عُثر على خمسة أشخاص في دولة كيريباتي الواقعة جنوب المحيط الهادئ، بعدما أمضوا ثلاثة أشهر تائهين في عرض البحر على متن قارب صغير لا يتجاوز طوله 20 قدماً (نحو 6 أمتار)، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأفاد خفر السواحل الأميركي في غوام بأن القارب، الذي كان على متنه تسعة أشخاص، فُقد أثره في 30 يوليو (تموز)، بعدما لم يصل إلى جزيرة «رو» التابعة لميكرونيزيا.

كانت السلطات قد أوقفت عمليات البحث عقب إخفاق فرق الإنقاذ في العثور على أي أثر للقارب أو ركابه، رغم تمشيط مساحة بلغت 85 ألفاً و700 كيلومتر مربع على مدى 10 أيام.

لكن سكان قرية في جزيرة «جنوب تاراوا» التابعة لجمهورية كيريباتي رصدوا القارب الصغير الأسبوع الماضي، وتمكنوا من إنقاذ خمسة من ركابه.

ووفقاً للتقارير، عُثر على القارب على بُعد نحو 5400 كيلومتر من الموقع الذي شوهدت فيه المجموعة للمرة الأخيرة.

وقال خفر السواحل الأميركي لوكالة «أسوشييتد برس»: «إنها أخبار مذهلة ورائعة؛ فقد عُثر على هؤلاء الأشخاص الخمسة، وهم يتلقون الرعاية حالياً».

وأضاف: «نتقدم بخالص تعازينا إلى عائلات وأصدقاء أولئك الذين لم يصلوا معهم».

رحلة مدتها ساعة تتحول إلى محنة استمرت أشهراً

كان الأشخاص التسعة في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو، عندما باغتتهم عاصفة حوّلت رحلتهم القصيرة إلى محنة امتدت لأشهر، عانوا خلالها الجوع وفقدوا عدداً من رفاقهم.

وحسب آرثر آيرونز الثاني، وهو مسؤول في ميكرونيزيا، فقد نفد وقود القارب في أثناء رحلة العودة، مما أدى إلى انحرافه عن مساره.

وأوضح آيرونز لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الركاب شاهدوا سفناً وطائرات في الأفق، ولوّحوا طلباً للمساعدة، لكن المسافة التي كانت تفصلهم عنها كانت كبيرة جداً.

وبعد نحو 100 يوم في عرض البحر، لمح الركاب جزيرة في الأفق، قبل أن يجنح قاربهم الصغير ويستقر على الشاطئ.

واهتدى الناجون الخمسة، وهم ثلاثة رجال ومراهقان، إلى البلدة مسترشدين بأصوات أجراس الكنيسة.

وفي البداية، اعتقد سكان القرية أن القادمين كانوا في حالة سُكر، بعدما شاهدوهم يترنحون في أثناء دخولهم البلدة.

ووفقاً للتقرير، توفي أربعة من ركاب القارب، بينهم طفل، خلال الأشهر التي قضوها تائهين في عرض البحر.

جفاف شديد وسوء تغذية حاد

وقال المشرّع كاو تيتاكي راكوروا، من دولة كيريباتي، إن الناجين يتلقون الرعاية حالياً على يد قسّ في الجزيرة.

من جانبها، أفادت الممرضة بوكين تورورو بأن الناجين الخمسة كانوا يعانون من جفاف شديد وسوء تغذية حاد. وأوضحت أنهم يخضعون للعلاج باستخدام المحاليل الوريدية، وأن علامات التعافي بدأت تظهر عليهم.

وأفادت: «إنهم يبتسمون، ويُبدون رغبتهم في تناول الطعام».

من جهته، أعلن حاكم ولاية تشوك في ميكرونيزيا، ألكسندر ناروهن، أنه بدأ محادثات مع حكومة كيريباتي لترتيب عودة الناجين إلى وطنهم.

وقال الحاكم: «كان على متن القارب المفقود تسعة أشخاص. نشكر الله على محبته ورحمته، إذ تم العثور على خمسة منهم».

وأضاف: «نواصل الدعاء لرفاقهم الأربعة الآخرين».


صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
TT

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)

قضى المصوِّر بريندان لارسن ساعات طويلة في التقاط مئات الصور للسماء فوق أحد الجبال في نيوزيلندا. وتجلَّت ثمرة هذا المجهود في صورة تظهر فيها آلاف المسارات التي خلّفتها الأقمار الاصطناعية، وهي تتقاطع في سماء الليل، إلى درجة جعلت الصورة تبدو استثنائية جداً، ودفعته إلى خوض معركة للدفاع عن عمله ضدّ اتّهامات بأنه صُنِع بالذكاء الاصطناعي.

وذكرت «الغارديان» أنه لإنتاج هذه الصورة المذهلة، التي شاهدها ملايين الأشخاص عبر الإنترنت، قضى لارسن (51 عاماً) ساعتين خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، يلتقط مئات الصور لسماء الليل فوق جبل تاراناكي في الجزيرة الشمالية.

وقال إنه ضبط كاميرته لالتقاط عدد غير محدود من الصور، مدّة كل منها 8 ثوانٍ، مع فاصل زمني مدته ثانيتان بين كلّ صورة وأخرى. وأضاف: «تركتُ الكاميرا تعمل لمدة ساعتين، والتقطت 578 صورة... وكان ذلك الجزء السهل».

أما الجزء الصعب فجاء لاحقاً، عندما قضى لارسن نحو 40 ساعة في دمج الصور الفردية بعضها فوق بعض، باستخدام برنامج «أدوبي فوتوشوب»، وأمضى وقتاً طويلاً في محو النجوم بعناية لإظهار مسارات الأقمار الاصطناعية.

وقال: «بدأتُ أرى النمط يتشكّل، وقلتُ في نفسي: (يا له من أمر رائع!)، وكنت أعلم أنه كلما واصلت العمل، سيبدو الأمر أفضل وأكثر إبهاراً لجهة عدد الأقمار الاصطناعية».

وتُظهر الصورة السماء وقد امتلأت بمسارات نحو 1400 قمر اصطناعي، بلغ عددها نحو 14 ألف مسار، شكّلت نمطاً متشابكاً وكثيفاً فوق الجبل.

منح ساعتين من الليل في صورة (فيسبوك المصوِّر)

وعندما نشر لارسن الصورة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، انتشرت بسرعة فائقة، وأكسبته 15 ألف متابع جديد، وحصدت عشرات الملايين من المشاهدات، وأثارت آلاف التعليقات.

وكانت المفاجأة أن بعض المشاهدين شكّكوا في حقيقة الصورة، معتبرين إياها من صنع الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تقبّل لارسن الأمر، قائلاً إن برمجيات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي أصبحت شديدة التطوّر، إلى درجة يصعب معها التمييز بين الصور الحقيقية والزائفة، خصوصاً لمَن لا يعرفون المكان أو لا يملكون دراية بالتصوير الفلكي، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأمر «محبِط».

وأوضح كذلك أنه يشعر بالاستياء عندما يرى صورته تُحمَّل ويُعاد إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ظهور عيوب واضحة فيها.

وتحسّباً لموجة الاتّهامات وردود الفعل الغاضبة، وثَّق لارسن عملية إنتاج صورته في مقطع فيديو، ويأمل في أن يمكّن ذلك المشاهدين من بناء ارتباط عاطفي بالمشهد الطبيعي الظاهر فيها.

في طفولته، كان لارسن مندهشاً جداً من عدد النجوم التي تملأ السماء في أجزاء من الريف النيوزيلندي، لكنه لاحظ زيادة في التلوث الضوئي وعدد الأقمار الاصطناعية خلال الأعوام الستة التي قضاها في تصوير السماء.

وقال: «من المثير والمذهل رؤية الأقمار الاصطناعية، لكنه أمر يبعث على القلق»، مضيفاً: «لدي نحو 10 آلاف تعليق على صفحتي في (فيسبوك)، و9 من كلّ 10 تعليقات تقول: (يا لها من صورة بديعة، لكنه أمر مرعب ومخيف ويثير القلق حقاً حيال ما يحدث لسماء الليل)».

يُذكَر أن نحو 16 ألف قمر اصطناعي عامل تدور حول كوكب الأرض، إلى جانب عشرات الآلاف من المركبات الفضائية المُعطّلة وأجزاء الصواريخ والحطام الناتج عن تفكّك الحمولات الفضائية.

وقد حذَّرت دراسات بالفعل من أن جزيئات المعادن الناتجة عن الأنشطة الفضائية، مثل عمليات إطلاق الصواريخ وعودة الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوّي، قد تؤثر في كيمياء الغلاف الجوي وطبقة الأوزون، بينما حذَّرت الأمم المتحدة من أن زيادة الأنشطة الفضائية تشكّل مخاطر على السلامة على الأرض وظلام السماء والرصد الفلكي.

وفي حين أن الأقمار الاصطناعية لا تملأ السماء تماماً للعين المجرّدة حتى الآن، يساور لارسن القلق إزاء الحالة المستقبلية لسماء الليل، ويأمل في أن تثير صورته نقاشات وتأملات حول كيفية استخدام الأقمار الاصطناعية بمسؤولية.

وختم: «يمكننا تعزيز الوعي، ومن خلال ذلك نحقّق زخماً شعبياً لدعم الجهود الرامية إلى حماية سماء الليل».