مانيفستو سنكارا... خريطة طريق لبناء مجتمع اشتراكي بنكهة أميركية

مجلة «الإيكونومست» البريطانية تتساءل عن معنى عودة «موضة الاشتراكية»

سنكارا
سنكارا
TT

مانيفستو سنكارا... خريطة طريق لبناء مجتمع اشتراكي بنكهة أميركية

سنكارا
سنكارا

لم تعد «الاشتراكية» ومشتقاتها تثير كثيراً من الاستهجان بين الأميركيين هذي الأيام. وهذا تطور كبير بما خص طبيعة الجدل السياسي في الدولة العظمى التي كانت قد جعلت من ذلك المفهوم الغامض حول نظام بديل للرأسمالية، وطوال فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، نوعاً من كفر بواح، وخيانة وطنية للمشروع الأميركي المستحوذ بحكم الواقع على نصيب الأسد من مقدرات الكوكب. لكن الأجيال الأميركية الجديدة تبدو وكأنها قد تجاوزت دوغمائيات الحرب الباردة. فاليوم، يمتلك بيرني ساندرز، الذي يصف نفسه بالاشتراكي، فرصة حقيقية للمنافسة على بطاقة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة (2020)، بمواجهة الرئيس الحالي دونالد ترمب، بينما كان منافساً قوياً لهيلاري كلينتون في الصراع داخل الحزب الديمقراطي على بطاقة الترشيح للانتخابات الرئاسية السابقة (2016). ونجمة الكونغرس الأولى بلا منازع هي الشابة اليسارية أليكسندرا أوكاسيو - كورتيز، بينما تضاعف عدد منسوبي منظمة الديمقراطيين الاشتراكيين الأميركية ست مرات منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2016، ليصلوا إلى رقم الـ60 ألفاً الآن، وهم في ازدياد مطرد على نحو دفع مجلة «الإيكونومست» البريطانية العريقة إلى التساؤل حول معنى عودة موضة «الاشتراكية» إلى الولايات المتحدة الأميركية.
يحاول باسكار سنكارا، في كتابه «المانيفستو الاشتراكي» الصادر حديثاً، تجاوز تاريخ التجربة المكلفة للقرن العشرين، في محاولة بناء جنة اشتراكية على الأرض، عاداً أن تلك كانت تنويعاً سوفياتياً محملاً بالأوهام. ومن ثم، يقدم نوعاً من خريطة طريق لبناء مجتمع اشتراكي، هذه المرة بنكهة أميركية.
وسنكارا شاب أميركي لمّا يصل إلى الثلاثين من عمره بعد، تنحدر جذوره من تيرينداد وتوباغو بالكاريبي، وقد لمع مبكراً في صفوف اليسار الأميركي، لا سيما بعد أن أصدر مجلة «جاكوبين» التي أصبحت خلال وقت قصير أحد أهم الأصوات البديلة الرصينة للإعلام الأميركي التقليدي، رغم تحفظ بعض دكاكين اليسار عليها. وقد وضع كتابه هذا لحاجة لمسها لدى الجيل الجديد الذي يجد معظمه صعوبة في التواصل مع أدبيات اليسار الكلاسيكية، ومناخاتها المتقادمة، ولا يكاد يكون قادراً على تصور شكل مجتمع بديل عن الرأسمالية المعاصرة.
وينطلق «المانيفستو» مستهلاً بمفاضلة بين «الاشتراكية الاجتماعية»، التي هي نموذج دولة الرفاه في أوروبا الاسكندنافية، على الأقل خلال فترة السبعينات من القرن الماضي، وما يسميه «الاشتراكية الديمقراطية» التي وحدها عنده تضمن تحقق فكرة الديمقراطية بمعناها الشامل داخل المجتمع البشري، من خلال تطبيقها راديكالياً في فضاءات الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، دون اقتصارها على ساحة السياسة فحسب. وهو إذ يتحسر على تراجع فكرة دولة الرفاه أمام الهجمة النيوليبرالية القاسية في ثمانينات ريغان - ثاتشر، فإنه يشير إلى أن الطريق الوحيد للترقي بتلك التجربة كان بالانتقال تحديداً إلى نموذج «الاشتراكية الديمقراطية»، وإلا انتهت عاجلاً أو آجلاً إلى مجرد وجه مجمل للنيوليبرالية «الشمطاء».
ويتطلب تطبيق نموذج «الاشتراكية الديمقراطية» الذي يريده سنكارا انخراط كتل واسعة من المواطنين في العمل السياسي، وإدارة مركزية الطابع للنشاط الاقتصادي العام. لكن الواقع العملي وخبرة القرن العشرين معاً يقولان إن القطاع الأغلب من الجمهور لا يرغب حقيقة بالانخراط في أنشطة القيادة والسياسة على نحو دائم، وأفراده يفضلون غالباً الانصراف إلى رعاية عوائلهم، أو تزجية الوقت في هواياتهم الغريبة، بدلاً من الانخراط الدائم في عمليات صنع القرار. وبينما لا ينكر أحد اليوم الصعوبات الهائلة التي عانت منها تجربة التخطيط المركزي في عدد من الأنظمة السياسية المنقضية قبل نهاية القرن الماضي بقليل، بما فيها الاتحاد السوفياتي نفسه، فإن مجرد افتراض أن الاشتراكيين الأميركيين سيكونون أفضل حظاً في تطبيق نموذج مركزي مختلف يكاد يكون أقرب إلى الأماني السعيدة منه إلى الموضوعية.
وللحقيقة، فإن علماء السيكولوجيا والأنظمة السياسية المعاصرين يدركون فضائل مجتمع اشتراكي النزعة لمجموعة أعضاء مرتفعي التعليم، وفي إطار عددي محدود (ألف إنسان مثلاً)، كما في مصنع صغير نسبياً أو جامعة متقدمة أو إدارة متخصصة (تجربة إدارة جامعة هارفارد مثلاً)، لكن متطلبات العمل الاشتراكي تصبح غير عملية ومتعذرة لأسباب موضوعية محضة في أجواء التنظيمات البشرية الضخمة (خذ مثلاً شركة مثل «آي بي إم»، حيث أكثر من 350 ألف موظف)، هذا سوى المصاعب الناتجة عن توزع أنشطة الأعمال على رقعة العالم بأجمعه. ولذلك، فإنه يمكن وصف «مانيفستو» سنكارا بأنه شديد المثالية ونظرياً في تبشيره بالحل الاشتراكي.
سنكارا، وعلى نهج اليسار الأميركي، يلجأ لاقتراح حلول نظرية راديكالية صارمة، لا يمكن تحقيقها بالفعل دون تغيير نوعي شامل على مستوى الولايات المتحدة بأجمعها، وتجاهل تجربة الصين المعاصرة التي مزجت بين إدارة مركزية قوية واقتصاد حر، لتنجح خلال عقود قليلة بالتحول إلى ثاني أهم اقتصاد في العالم، مع انتشال أكثر من 500 مليون إنسان تحت خط الفقر المدقع، وكذلك تحقيق ارتفاع عام ملموس في مستويات المعيشة لكل الصينيين (1.2 مليار نسمة). ولذلك، فإن «المانيفستو» لن يقنع غير المقتنعين أصلاً بالفكرة الاشتراكية.
وبالطبع، فإن بضاعة المؤلف لا تقدم تصوراً كافياً عن الديناميكية التي سيتم بها تحديد أسعار السلع والخدمات في المجتمع الاشتراكي الذي يتصوره، ذلك إلى جانب غموض مريب بشأن كيفية منع تغول الأكثرية على الأقليات، في ظل ديمقراطية الأصوات أو هيمنة النخبة الثورية على عمليات اتخاذ القرار، كما حدث في الاتحاد السوفياتي حين أجهضت تجربة مجالس العمال الديمقراطية الطابع (كانت تسمى السوفيات)، لمصلحة البلاشفة الثوريين المحترفين وحزبهم (الشيوعي) المنفرد بالحكم.
لا شك بأن المقاصد وراء «المانيفستو» إيجابية نبيلة، فهو يأتي من عباءة ثقافة نيتشوية الطابع، تسعى لمنح البشر الفرصة للعيش بكرامة تليق بإنسانيتهم، عبر منحهم الفرصة للتحول إلى أنسان خارق (سوبرمان) جديد. لكن الأحلام الطوباوية شيء، والواقع الموضوعي شيء آخر تماماً. ولا يبدو جدال سنكارا بقادر على طرح أي معطيات جديدة لتقديم تجربة أفضل من تجربة نصف العالم في القرن المنصرم، أو على الأقل الإتيان باقتراحات محددة لمنع تكرار حدوث المآسي التي كانت قد تسببت بها تلك التجربة لمجتمعات القرن العشرين.
«مانيفستو» سنكارا إذن لا يُحسن من حظوظ الأميركيين، وبالتبعية معظم المجتمعات الإنسانية، بالحصول على نظام أكثر عدالة، بديل للمشروع الرأسمالي المستشرس في صيغته المتأخرة. وهو بذلك يبدو على نحو ما أقرب إلى رسالة تشاؤمية منه إلى بشارة بقيام مجتمع فاضل، إذ إن فشل اليسار الأميركي تحديداً يقصي أي فرصة لكسر الطابع الإمبراطوري لدولة العالم العظمى، وبالتالي تعثر تحقيق تغيرات حقيقية في معظم مجتمعات البشر الأخرى. عقم «مانيفستو» سنكارا يشير بالضرورة إلى أنه لا مفر لليسار الأميركي، قبل غيره، من البحث بعقل منفتح في أسرار التجربة الصينية، بدل الوقوع السهل في صف منتقديها، يميناً ويساراً. ومن ثم، بناء مشروع نظري جديد للقرن الحادي والعشرين، يستهدف إطلاق الجمهورية العادلة القادرة على أن تزيح دولة النخبة، في إطار الواقع الاجتماعي والتكنولوجي الذي أنتجته 500 سنة من الرأسمالية.



الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».