«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (3): هيفاء المنصور تعود لفينيسيا بـ {المرشحة المثالية»

هيفاء المنصور مع بطلتي فيلمها «المرشحة المثالية» (إ.ب.أ)
هيفاء المنصور مع بطلتي فيلمها «المرشحة المثالية» (إ.ب.أ)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (3): هيفاء المنصور تعود لفينيسيا بـ {المرشحة المثالية»

هيفاء المنصور مع بطلتي فيلمها «المرشحة المثالية» (إ.ب.أ)
هيفاء المنصور مع بطلتي فيلمها «المرشحة المثالية» (إ.ب.أ)

هيفاء المنصور مخرجة سعودية بأجندة. في فيلمها الأول «وجدة» (2012) سجّـلت رغبة الفتاة الصغيرة وجدة (عشر سنوات) في ركوب الدراجة وسعيها الحثيث لتحقيق هذا الحلم على الرغم من المحاذير التي تمنع الفتيات، في ذلك الحين على الأقل، من القيام بمثل هذا الفعل. آنذاك، لم تعِ وجدة أنها كانت تواجه تقاليد صارمة، وأنها بذلك تتحدى مفاهيم قديمة العهد ومتشددة.
في فيلمها الجديد «المرشحة المثالية» تنتقل المنصور لتحكي قصة امرأة مثقفة اسمها مريم (ميلا الزهراني) تعمل طبيبة في مستشفى طوارئ يقع في ضاحية ما زالت الطريق صوبها غير معبّدة. سيارات الإسعاف التي تعمل على نقل المرضى والمصابين عليها أن تغوص في الوحول والدروب غير المزفّتة لكي تصل إلى مدخل المستشفى.
لا تستطيع مريم أن تقنع المسؤولين الحكوميين في منطقتها بأهمية تعبيد الطريق، وهذا جزء من مشاكل عملها، ولو أنه الطموح الأكبر في الوقت ذاته. المشكلة الأخرى هي أن رئيسها في المستشفى مستعد لمعاملتها كأنثى وليس كطبيبة إذا ما اقتضت الحاجة.
والحاجة تقتضي عندما يصل رجل عجوز بصحبة حفيده ليدخل حالة الطوارئ بعدما صدمته سيارة. حين يرى العجوز مريم يصرخ في وجهها، مطالباً إياها بتركه وشأنه واستبدالها بطبيب ذكر.
ويخرج المدير من مكتبه بسبب صراخ المريض ويلومها على أنها لم تمتثل لطلب المصاب.
لمريم شقيقتان وأب عازف في فرقة تراث موسيقية. تحتاج مريم إلى موافقة والدها لحضور مؤتمر في دبي خلال إجازتها.
في تلك الأثناء كان الأب ينتهز فرصة دعوته لأول عرض أمام الجمهور بعدما أمضى سنوات يعزف في الأفراح. هو بدوره يسعى لتحقيق ذاته ورسالته الفنية، لكن المصاعب تختلف وستتبدد لتنتهي بنجاح. أما مريم فستجد أن سفرها ممنوع فتحاول الاستنجاد بأحد مديري الأقسام الرسمية، ولكي تقابله تدعي أنها تريد الترشح كرئيس مجلس البلدية.
هنا سرعان ما يتبدّل وضعها وتجد نفسها تدخل التنافس مع عدد من المرشحين الرجال. عليها أن تثبت للآخرين بأنها تصلح لأن تكون رئيس البلدية ولو أن غايتها استخدام الوصول إلى المنصب لغاية واحدة تشير إليها في كل تصريحاتها وهي تعبيد تلك الطريق المهملة.

إيجابيات
كتبت هيفاء المنصور سيناريو فيلم هادف يتمحور حول حق المرأة في اكتساب الفرص الموازية لفرص الرجل في السفر وفي المناصب الرسمية.
لكن المنصور لا تؤمن بأن عليها أن تعمد إلى المطالبة بأكثر مما هو متاح. فيلماها ينتهيان بفوز محدود وبأمل كبير في التغيير المنشود. ومنوالها في هذا الصدد لا يشكل عبئاً عليها؛ لأنها تترك لشخصياتها النسائية بلورة ما في بالها من رسائل اجتماعية. لذلك؛ نجد أن قيمة ما تعرضه من مضامين منحصرة في تلك الشخصيات الساعية للتغيير أكثر مما هو في وجهة نظرها، أو في أسلوب فني تعتمده لتحريك أقوى للدوافع النبيلة التي تحتضنها هي وبطلتها.
«وجدة» كان له النصيب الكبير من الاهتمام؛ كونه الفيلم الأول لمخرجة سعودية. وحينها كانت المملكة في أولى خطوات التغيير ما جعل «وجدة» عملاً مواكباً وفي وقته المناسب. هذا الفيلم هو أيضاً مواكب للمرحلة وفي وقته المناسب، لكنه لا يتجاوز «وجدة» في معالجته الفنية. السيناريو يرتكز على الأساسيات التقليدية في السرد. يعرف مثلاً متى يحرّك عائقاً أمام بطلته ثم يتجاوزه (على الطريقة الهوليوودية في الأفلام الدرامية والكوميدية التقليدية)، كما تعلم متى تمنح بطلتها الشعور بالاكتفاء بعدما استطاعت - على الأقل - تأمين تعبيد الطريق إلى المستشفى التي تعمل فيه.
إنه فيلم إيجابي الرسالة يؤمن بأن الأمور عليها أن تتم بالتدرّج ولا يؤمن بالنقد في سبيل تحقيق الغاية. لذلك؛ فإن الفيلم يمر عبر مناطق ساخنة بيسر ومن دون حدّة. الشخصيات بأسرها إيجابية أو هي تصل إلى قناعات إيجابية تؤيد منحى مريم بمن فيها شخصية المصاب العجوز الذي يخبرها، بعدما عارض بشدة أن تشرف عليه امرأة، بتقديره لها وأنه شخصياً صوّت لها على أمل فوزها.
هذا تبسيط سعياً لنهاية سارّة، لكن المثير في العمل هو المقارنات التي تقوم بها بين سعي بطلتها وسعي والدها للوصول بفنه وبفن فرقته إلى مرحلة نجاح جديدة (وهو ما يتحقق له عندما توافق الجهات المسؤولة على ضمّه بصفته فريقاً فنياً وطنياً في عداد الفرق الموسيقية التراثية في المملكة).
تقوم المخرجة بفعل المقارنة بين وضع المرأة ووضع الرجل بذكاء. وفي الوقت ذاته تنتهز الفرصة لتقديم وصلات فنية من العزف لدرجة أن الناقد كان يتمنى لو أخرجت الفيلم بأسره كميوزيكال، خصوصاً أن المخرجة تستعين أيضاً بمغنيات تشتركن في بعض المناسبات. بل نرى كذلك مريم ذاتها وهي تصدح بالغناء في بعض المشاهد الأخيرة.
رسالة الفيلم في الختام هي أقوى من أسلوب المخرجة الفني. تعمد لتصوير مشاهدها بالمتوقع من زوايا وأحجام واختيارات؛ لذلك تجتاز طريقها بيسر وسهولة، وتترك للمشاهد كل البراهين على أن المرأة تستطيع أن تنجز ما تطمح لإنجازه ولو بالتدرج المريح.
لا أرى أنها ستخرج بجائزة لأن بعض التحدي الذي تضعه في شخصية بطلتها كان مطلوباً في صياغة الفيلم فنياً وأسلوبياً.

رومان بولانسكي تحت المجهر بسبب تاريخه
> احتج منتجو فيلم «ضابط وجاسوس» بسحب الفيلم من المسابقة إذا لم تعتذر رئيس لجنة التحكيم لوكرزيا مارتل عما كانت صرحت به قبل يومين عندما قالت إنها لن تحضر حفلة عرض فيلم رومان بولانسكي لأنها «لا تريد تهنئته أو إهانة ضحايا (اعتداءاته) الجنسية».
وردت عباراتها التي اعتبرها المنتجون مهينة في لقاء صحافي قبل بدء لجنتها أعمالها يوم أول من أمس. في ذلك اللقاء أشارت إلى أنها راجعت ملفات وأمضت وقتاً طويلاً في البحث عن خلفية القضية التي وجدته المحكمة الأميركية مُداناً سنة 1977.
وأضافت «أنا مخرجة أرجنتينية وأرى نفسي أمثل الكثير من النساء اللواتي لن يرغبن مني مصافحة أو تهنئة مخرج بصرف النظر عن مستوى فيلمه. لن أستطع أن أصفق له حين يصعد على المسرح في ليلة افتتاح الفيلم».
على ذلك، قالت المخرجة الأرجنتينية إنها لا ترى أن المهرجان أخطأ في قبول فيلم رومان بولانسكي الجديد في دورته هذه.
نتيجة ذلك أن انبرى أحد منتجي الفيلم، الإيطالي لوكا بارباريشي، بالتهديد بسحب الفيلم من المسابقة إلا إذا اعتذرت مارتل عن تصريحاتها. ومساء الخميس أعلنت أن بعض الصحف حرّفت أقوالها، بل اقترحت أنها سترفض مشاهدة الفيلم. قالت «هذا ليس حقيقياً، ولو أنني لا أستطيع فصل الفيلم عن صاحبه، لكني أؤمن أن فيلم بولانسكي له الحق في أن يكون في المسابقة».
كلامها كان له وقع إيجابي على منتجي الفيلم الذين تراجعوا عن تهديداتهم على الرغم من أنها لم تتأسف أو تعتذر لما قالته.
لكن أحدهم ذكر، بالنيابة عنهم، بأنهم اعتبروا كلماتها تلك اعتذارا و«لهذا السبب سوف يبقى الفيلم داخل المسابقة».
فعلياً، لا أحد من المخرجين حول العالم عانى في حياته من وضع مماثل على الإطلاق.
كانت هناك تهم عدة في الماضي (بينها تهمة اغتصاب وجهت إلى الكوميدي فاتي أرباكل)، وأكثر منها في السنوات الأخيرة، لكن الإدانة التي وجهت إلى بولانسكي قبل فراره من الولايات المتحدة طالته بعنف. لجانب إنه وجد نفسه غير قادر على السفر إلى نحو نصف دول العالم بسبب اتفاقية تبادل مطلوبين بين الولايات المتحدة والكثير من الدول، شعر، حسب ما ذكره مؤخراً بأن وسائل الإعلام اتخذت موقفها ضده إذعاناً لقرار المحكمة حتى من قبل قدرته على نقضه. إلى ذلك، خسر فرص العمل في الولايات المتحدة تلك التي كان بدأها بنجاح قبيل نهاية الستينات. بعد ذلك، كان هناك ذلك الصيت الذي وصمه طوال حياته (هو في السادسة والثمانين من العمر الآن) والتجاذب حول موقفه والحكم عليه.
اثنتان وأربعون سنة من هذا القفص الذي يحيط به والذكريات المؤلمة على إثر تراكمات من التجارب التي تعرض إليها من معاناته صغيراً أيام احتلال ألمانيا النازية لبولندا إلى معاناته كمخرج هرب من السوط الستاليني لاجئاً إلى الغرب وصولاً إلى مقتل زوجته شارون تايت (بعض الصحف الأميركية اتهمته بأنه هو من تسبب في موتها إلى أن ألقى البوليس الأميركي القبض على القاتل تشارلز مانسون).
لكن نزوات بولانسكي الجنسية ليست محط خلاف كبير. الرجل أخطأ بحق تلك الفتاة التي كانت في الثالثة عشر عندما تعرضت لاعتدائه وهو هرب من الحكم لأنه أدرك أنه سيمضي نحو عشر سنوات من حياته في السجن، وسيخرج منه محطماً.
فيلمه الجديد «ضابط وجاسوس» سيحمل الكثير مما ذكرناه هنا من انعكاسات متاعبه الشخصية؛ إذ يتحدث عن الضابط ألفرد دريفوس الذي أدانته المحكمة بالتجسس لصالح الألمان.
الفارق هو أن المحكمة آنذاك أدانت دريفوس ونفذت فيه الحكم. أما بولانسكي فقد قدر له أن يواصل كل من المعاناة والعمل بنتائج مختلفة القيمة.
يقول: «كل ذلك يطاردني حتى اليوم. أي شيء وكل شيء. إنه أشبه بكرة ثلج كبر في كل موسم».

سكارلت جوهانسن لـ «الشرق الأوسط» : ما زلت في طور التعلم
> استأجرت شركة «نتفلكس» الغرفة رقم 662 في فندق إكسلسيور لكي يمضي فريق فيلم «قصة زواج» (Marriage Story) وهم سكارلت جوهانسن، وأدام درايفز، والمخرج نواه بومباك، معظم وقت يوم أول من أمس (الخميس) لإجراء مقابلات الصحافة. وكالمتوقع انصب الزخم الأكبر من طلبات اللقاءات الصحافية على جوهانسن لأسباب معروفة ليس شهرتها سوى أحد تلك الأسباب.
بطبيعة الحال، فإن الوقت المتاح لكل لقاء محدد بالثواني يحرسه الفريق الإعلامي للفيلم ويمارسه بكل صرامة. ينهض الصحافي من أمام الممثلة ليأخذ المكان آخر. وبين كل مجموعة من اللقاءات تغادر الممثلة الغرفة لكي تستعيد نشاطها. الأمور ليست براقة على الدوام بالنسبة لنجوم الفن السابع. رغم ذلك، لا تغيب الابتسامة عن وجه الممثلة إلا عندما تبدأ الإجابة عن الأسئلة. وهذا كان أولها:
> يبدو لي أن «قصة زواج» هو مناسبة للخروج من ملابس شخصية «بلاك ويدو» التي تقومين بها في الأفلام ذات الأجزاء مثل «كابتن مارڤل» و«أفنجرز». هل هذا هو السبب الذي من أجله قمت بتمثيل الفيلم؟
- هو السبب فعلاً، لكن هذا المشروع ليس الوحيد المتاح للتنفس بعيداً عن تلك الأفلام، ولا أعتقد أني أهملت سابقاً الخروج من هذه الدائرة كلما كانت هناك فرصة مواتية.
> تتنفسين بعيداً عن متطلبات الأفلام الكبيرة وغالبها تقني. أليس كذلك؟
- نعم. الفيلم الصغير، أو ما نسميه صغيراً ولو أن الكلمة ليست مثالية ولا حتى صحيحة، هو فرصة كل الممثلين المشتركين في تلك الأفلام ذات الأجزاء للعودة إلى المواضيع الواقعية مثل موضوع هذا الفيلم.
> موضوع الطلاق الذي يثيره «حكاية زواج» شائك ومعقد، خصوصاً عندما يتدخل فيه المحامون من كلا الطرفين. أعتقد إنك مررت مؤخراً بهذه التجربة.
- نعم. فعلت. في الأساس كنت في طور الترتيبات النهائية للطلاق عندما اتصل بي (المخرج) نواه وسأل إذا ما كان يستطيع مقابلتي لهذا المشروع. وافقت على المقابلة من دون أن أعرف ما هو المشروع الذي يود التحدث فيه. وحتى بينما كنا نجلس في أحد المطاعم كنت ما زلت أجهل المشروع ولماذا عليّ أن أوافق عليه. لكن عندما ذكر لي المخرج بأن الفيلم سيدور حول مصاعب الطلاق أدركت أنني أحتاج للتعبير عن أزمتي الشخصية في هذا المجال. وافقت ضمنياً على الدور وطلبت أن أقرأ السيناريو. حين قرأته ازدادت رغبتي في تمثيل هذا الفيلم.
> هل اختارك المخرج لأنك كنت تمرين بمراحل الطلاق؟
- لا. مطلقاً. لم يكن يعرف ذلك عني. فوجئ بالأمر كما فوجئت بدوري بأن الفيلم يدور عن الطلاق.
> حين تنظرين إلى أدوارك في أفلام «أفنجرز» و«كابتن مارڤل» ثم إلى أدوارك في أفلام مختلفة مثل هذا الفيلم أو مثل «مرحي، سيزار» أو «دون جوان» هل تفصلين بين هذين النوعين شبه المتناقضين من الأفلام؟
- لا، لأن النوعين منفصلان أساساً. أعتقد أن الممثل عليه أن يعمد إلى الأدوار التي تثير اهتمامه. وأنا دائماً ما أقول إنني ما زلت في طور التعلم. كنت في حاجة إلى أفلام الكوميكس لأكثر من سبب ولا أمانعها مطلقاً. لكني في الوقت ذاته ألبي الرغبة في تمثيل أفلام مستقلة حتى وإن كان من المعروف إنها أقل نجاحا من الأفلام الكبيرة.
> هي حاجة الممثل إلى التناوب بين الأفلام الناجحة تجارياً والأفلام الهادفة فنياً. صحيح؟
- نعم، وإلى حد كبير.
> لكنك ستقومين ببطولة فيلم مخصص لشخصية «بلاك ويدو» (Black Widow)…
- نعم... في الواقع هو الآن في طور التصوير وحال عودتي إلى وطني سأكمل تصوير دوري في الفيلم.
> هل تطمحين لاستكماله في أجزاء لاحقة؟ وكيف ترين الأفلام التي تقوم الممثلات فيها بأدوار المرأة المقاتلة؟
- يعتمد ذلك على الفيلم نفسه. في السنوات القريبة كثرت هذه الأفلام التي تقودها المرأة لتحارب بالقدرات ذاتها التي يحارب بها الرجال. وهي شهدت نجاحاً كبيراً هيأ الجو للمزيد منها. نعم، أطمح لأن يحقق «بلاك ويدو» غاياته ويتم تحقيق أجزاء لاحقة، لكنني منشغلة دائماً. في الغالب عند خروج هذا الفيلم سأكون منشغلة في تمثيل فيلم آخر بعيد تماماً عن كل ما يمثله «بلاك ويدو».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».