الأسواق تتحدى تحذيرات الركود

اقتصاديون أميركيون ينتقدون سياسة التعريفات... وترمب يقلل من مخاوف الانكماش

على عكس المتوقع ارتفعت وول ستريت أمس رغم تحذيرات قوية من دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة ركود (أ.ب)
على عكس المتوقع ارتفعت وول ستريت أمس رغم تحذيرات قوية من دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة ركود (أ.ب)
TT

الأسواق تتحدى تحذيرات الركود

على عكس المتوقع ارتفعت وول ستريت أمس رغم تحذيرات قوية من دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة ركود (أ.ب)
على عكس المتوقع ارتفعت وول ستريت أمس رغم تحذيرات قوية من دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة ركود (أ.ب)

رغم التحذيرات الأقوى من نوعها من مخاوف حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة والتي وصلت إلى توقع ثلث الاقتصاديين الأميركيين حدوث ركود العام المقبل، خالفت الأسواق العالمية أمس حركة الانخفاض المبني على المخاوف، مدفوعة بحسب مراقبين بارتفاع شهية المخاطرة نظرا لعوامل إيجابية تمثلت في أنباء تحفيز صينية وألمانية، وترجع حدة التراشقات الأميركية الصينية الخاصة بالحرب التجارية.
لكنّ كثيرا من المحللين يرون أن الأسواق حاليا واقعة في مصيدة من التخبط الحاد، خاصة أن الارتباكات العالمية صارت أكبر من قدرة الكثير على توقعها أو تحليلها.
وفي مثال على ذلك، فقد أشارت «سي إن بي سي» الأميركية أمس إلى مذكرة بنك «جي بي مورغان» التي توصي بإرجاء شراء الأسهم خلال شهر أغسطس (آب) الجاري، وتفضيل الشراء في سبتمبر (أيلول) المقبل، حين يتضح المزيد من الصورة حول توجهات الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى، ونتائج المباحثات التجارية بين أميركا والصين... إلا أن الأسواق أمس اندفعت بكاملها نحو شراء الأسهم والارتفاع، والتقليص من الذهب من الملاذات الآمنة، رغم قوة مثل هذا التقرير.
وفتحت الأسهم الأميركية على ارتفاع أمس بعدما عززت خطط الصين بخصوص إصلاح أسعار الفائدة الآمال بتحرك الاقتصادات الكبرى لمواجهة أثر التوترات التجارية العالمية المتصاعدة. وزاد المؤشر داو جونز الصناعي 134.05 نقطة أو 0.52 في المائة إلى 26020.06 نقطة. وصعد المؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 24.80 نقطة أو 0.86 في المائة إلى 2913.48 نقطة. وارتفع المؤشر ناسداك المجمع 110.19 نقطة أو 1.40 في المائة إلى 8006.18 نقطة.
كما ارتفعت أغلب الأسواق الأوروبية، وفي الساعة 15:25 بتوقيت غرينتش كان «يوروفيرست 300» مرتفعا 1.08 في المائة، و«داكس» الألماني مرتفعا 1.36 في المائة، و«كاك 40» الفرنسي مرتفعا 1.29 في المائة، و«فوتسى 100» البريطاني مرتفعا 1 في المائة.
وآسيويا، أغلق المؤشر نيكي على صعود 0.7 في المائة إلى 20563.16 نقطة، بينما زاد المؤشر توبكس الأوسع نطاقا 0.6 في المائة إلى 1494.33 نقطة.
كما انخفضت أسعار الذهب أكثر من واحد في المائة أمس لتنزل عن المستوى النفسي المهم البالغ 1500 دولار للأوقية (الأونصة)، مع انحسار المخاوف من حدوث ركود مما عزز إقبال المستثمرين على المخاطرة وقلل من جاذبية المعدن الأصفر باعتباره ملاذا آمنا.
ونزل الذهب في التعاملات الفورية 1.1 في المائة إلى 1496.90 دولار للأوقية بحلول الساعة 13:57 بتوقيت غرينيتش، في حين هبط المعدن الأصفر في العقود الأميركية الآجلة واحدا في المائة إلى 1507.70 دولار للأوقية.
وقال جيف كليرمان، مدير محافظ لدى غرانيت شيرز: «هناك بعض الانحسار للمخاوف من خطر حدوث ركود. ربما كان رد فعل السوق على أحداث الأسبوع الأخير مبالغا فيه، لذا كان هناك بعض التصحيح الإيجابي في أسواق الأسهم وضغوط نزولية على الذهب». لكنه أضاف أن «الأمور أساسا لم تتغير حقيقة في الوقت الراهن؛ فالعوامل الأساسية ما زالت تدعم الذهب، وهي سياسات التيسير التي تتبناها البنوك المركزية في العالم والمخاوف من تباطؤ النمو العالمي والتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين».

توقعات ركود غير مسبوقة
وتأتي تلك الارتفاعات رغم أن نحو ثلث الاقتصاديين في الولايات المتحدة، توقعوا أن تدخل أميركا في ركود اقتصادي بحلول نهاية عام 2021 وفقاً لاستطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصادات الأعمال، وتم نشره أمس الاثنين. وتوقع 34 في المائة من الاقتصاديين، الذين شملهم الاستطلاع، أن يبدأ الركود بحلول عام 2021 فيما قال 2 في المائة من الاقتصاديين إن الركود سيبدأ هذا العام، و28 في المائة توقعوا أن يبدأ الانحسار عام 2020.
وأعرب الاقتصاديون عن قلقهم من سياسة التعريفات التي يتبعها الرئيس ترمب مع الصين وغيرها من الدول، مشيرين إلى أن ارتفاع عجز الموازنة الأميركي يمكن أن يضر الاقتصاد بشكل كبير إذا لم يتم وضع ضوابط لذلك بشكل سريع. وقال 5 في المائة فقط من الاقتصاديين، الذين شملهم الاستطلاع، إن التوصل إلى صفقة تجارية شاملة مع بكين يمكن أن ينتج عن الجولة الأخيرة من المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين. فيما ذكر 4 في المائة أن التوصل إلى اتفاق سطحي أمر ممكن، واستبعد ما يقرب من 25 في المائة من الاقتصاديين الذين شملهم الاستطلاع أن يتم التوصل إلى اتفاق أصلا.
من جانبه، قلل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من مخاوف حدوث انحسار اقتصادي، وأكد ثقته في قوة الاقتصاد الأميركي، ملقيا باللوم على وسائل الإعلام فيما يحدث للاقتصاد. بل إنه حذر من أن عدم إعادة انتخابه تعني دمارا اقتصاديا، قائلاً لحشد من مؤيديه في ولاية نيو هامبشاير الأسبوع الماضي: «سواء كنتم تحبونني أو تكرهوني، يجب أن تصوّتوا لي». ولطالما أكد ترمب أن الرسوم الجمركية لا تؤثر على المستهلك الأميركي وأنها تضر فقط بالاقتصاد الصيني، مدعيا أن هذه الرسوم أدت إلى تدفق ملايين الدولارات إلى خزينة الولايات المتحدة. وقال ترمب للصحافيين يوم الأحد قبل مغادرته مدينة نيوجيرسي عائدا إلى البيت الأبيض بعد قضاء عطلة 10 أيام: «لا أعتقد أننا نشهد ركوداً. إننا نقوم بعمل جيد للغاية».

دفاع إدارة ترمب
ورفض المسؤولون في إدارة ترمب التحذيرات الاقتصادية واسعة النطاق بشأن احتمال حدوث ركود اقتصادي. كما رفضوا المزاعم القائلة بأن التعريفات الجمركية تلحق الضرر بالمزارعين والمستهلكين الأميركيين، مؤكدين أنها تضر الصين فقط، على الرغم من شكاوى عدد كبير من المزارعين الأميركيين الذين تضرروا من الحرب التجارية مع الصين.
وسعى المستشارون الاقتصاديون والتجاريون للرئيس إلى تهدئة المخاوف من الركود الذي يلوح في الأفق بعد أسبوع من الاضطرابات في الأسواق التي كانت من الناحية التاريخية سبقت الركود الاقتصادي. وقلل وزير التجارة الأميركي ويلبر روس يوم الاثنين من المخاوف بشأن ركود اقتصادي يلوح في الأفق بعد أن انقلب منحنى عائد سندات الخزانة الأميركية مؤقتاً الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ 12 عاماً. وقال روس في مقابلة مع شبكة فوكس للأعمال أمس: «في النهاية، سيكون هناك ركود، لكن هذا الانقلاب ليس موثوقاً به، كما أعتقد، كما يظن الناس».
وردد كبير المستشارين التجاريين للبيت الأبيض بيتر نافارو، ما قاله وزير التجارة الأميركي، قائلا: «قبل مجيئي إلى البيت الأبيض، أمضيت الجزء الأفضل من 20 عاماً في التنبؤ بدورات الأعمال وأسواق البورصة، وما يمكنني قوله لكم بيقين هو أنه سيكون لدينا اقتصاد قوي حتى عام 2020 وما بعده».
في الوقت نفسه، أطلق المرشحون الديمقراطيون للرئاسة ناقوس الخطر على الاقتصاد صباح يوم الأحد، مشيرين إلى الآثار التي سيتركها على حياة الأميركيين. وقال المرشح بيت بيتيجيج إن الركود سيحدث على الأرجح، مشيرا إلى أن القضية الأكبر كانت أنه حتى في فترة التوسع الاقتصادي «لم يستطع معظم الأميركيين المضي قدماً... وقد أوضح الرئيس بجلاء أنه لا يهتم». وقال النائب السابق بيتو أورورك (تكساس)، أحد المرشحين للرئاسة، إن الركود يلوح في الأفق، مشيرا إلى أن ترمب «يقود الاقتصاد العالمي واقتصادنا إلى ركود». وانخفضت عائدات سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل إلى أقل من عائدات السندات طويلة الأجل، خلال تعاملات الأسبوع الماضي، وهو تطور يُعرف بانعكاس منحنى العائد الذي يشير تاريخياً إلى احتمالية حدوث ركود اقتصادي. شهد الأربعاء الماضي تعرض سوق الأسهم الأميركي لأسوأ خسائرها خلال العام، حيث انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 800 نقطة.
وعلى مدى العامين الماضيين، جعل الرئيس ترمب من قوة الاقتصاد وتراجع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، محور رئاسته، وبدأ يسوق لنفسه على أنه تنفيذي ناجح، إلا أن المخاوف المتزايدة من أن الاقتصاد الأميركي قد يتجه إلى ركود، العام المقبل، بسبب الحرب التجارية مع الصين، ومخاوف أيضا من أن يؤدي ذلك إلى كساد اقتصادي على مستوى العالم، وضعت أسطورة النجاح الاقتصادي لترمب على المحك. وينظر ترمب إلى نجاحاته الاقتصادية على أنها الضمانة الأساسية لإعادة انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 ويرى البعض أن قرار الرئيس بتأخير فرض الرسوم الجمركية التي كان يخطط لفرضها على 300 مليار دولار من الواردات من الصين، يشير إلى قلقه.
ويقول الاستراتيجي الجمهوري دوغ هيي إن «ترمب يدرك تماماً علامته التجارية أكثر من أي رئيس آخر لدينا، وسوف يتعارض التراجع الاقتصادي مع علامته التجارية كمدير تنفيذي ناجح»، مشيرا إلى أن حدوث انكماش اقتصادي في 2020 سوف يعرض فرص إعادة انتخاب ترمب للخطر الشديد.



كيف اقتنصت الصناديق التحوطية مكاسب يونيو رغم خسائر النفط؟

متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

كيف اقتنصت الصناديق التحوطية مكاسب يونيو رغم خسائر النفط؟

متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يراقب تحرك الأسعار في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أنهت الصناديق التحوطية التي تتداول الأسهم تعاملات شهر يونيو (حزيران) الماضي محققةً عوائد قياسية مكونة من رقمين منذ بداية العام الحالي؛ حيث نجحت في التنقل بمرونة داخل المراكز الاستثمارية المزدحمة.

جاء هذا الأداء القوي مدفوعاً بزيادة الرهانات الكبرى، والاستثمار في قطاع الرعاية الصحية، والانضمام إلى الصفقات التي تمتلك زخماً صاعداً قويّاً، وفقاً لمذكرة عملاء صادرة عن مصرف «غولدمان ساكس».

ورغم هذه المكاسب، فإن الصناديق واجهت ضغوطاً ناجمة عن التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق خلال الشهر، لا سيما مع التداول في السوق الكورية الجنوبية الصاعدة، والوقوع في شرك مراكز «البيع المكشوف (Short Bets)» التي تراهن على هبوط الأسعار. وشهد الربع الثاني أفضل أداء على الإطلاق لـ«مؤشر أشباه الموصلات (SOX)» الأميركي، في حين سجّل يونيو الماضي أسوأ شهر لـ«مجموعة السبع الكبار (Magnificent Seven)»؛ حيث تراجع صندوق المؤشرات المتداول الخاص بها بنسبة 9 في المائة، وهذه أكبر خسارة شهرية له في أكثر من عام.

عوائد قياسية لأسهم التكنولوجيا

تزامنت هذه التحركات مع عودة أسعار النفط إلى مستوياتها السابقة على فترة الحرب مع إيران، ووسط توقعات الأسواق برفع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل بحلول نهاية العام، على الرغم من أن بيانات الوظائف الأميركية الأخيرة هدّأت من حدة هذه التوقعات.

وفي هذا المشهد، حققت الصناديق، التي تعتمد على التحليل الأساسي لتقييم الملاءة المالية للشركات، عائداً بلغ 18.4 في المائة خلال الربع الماضي، وهو أقوى أداء فصلي يسجله «غولدمان ساكس» في تاريخه، لتصل عوائدها الإجمالية منذ بداية العام وحتى الآن إلى 17.4 في المائة.

في المقابل، اكتفت الصناديق التحوطية التي تعتمد على النماذج الكمية والنظامية لتقييم ديناميكيات السوق، بتحقيق مكاسب محدودة بلغت 1.1 في المائة خلال يونيو الماضي، بعد أن تعرضت لخسائر مفاجئة في نهاية الشهر؛ مما قلص عوائدها منذ بداية العام إلى 11.3 في المائة.

وأشارت مذكرة منفصلة صادرة عن صندوق «وينتون» التحوطي، البالغة قيمته 18 مليار دولار، إلى أن خسائر هذه الفئة نجمت عن التداولات المتأرجحة في أسهم الشركات الأميركية الكبرى والشركات الصينية، فضلاً عن المراكز البيعية القصيرة في أدوات الدخل الثابت، خصوصاً السندات الحكومية الأميركية طويلة الأجل، التي أثرت سلباً على الأداء الكلي.

تداولات العملات والسلع

وعلى صعيد السلع والعملات العالمية، تمكنت «صناديق تتبع اتجاهات الأسواق ومستشاري تداول السلع (CTAs)» من تحقيق أرباح عبر الاستثمار في الدولار الكندي والين الياباني. ومع ذلك، فإن الخسائر الأفدح التي تكبدتها في الدولار الأسترالي، والجنيه الإسترليني، والكرونة النرويجية، غطت على تلك الأرباح.

وبشأن أسواق السلع، فقد تغلبت الخسائر المسجلة في النفط والمعادن والسلع اللينة (مثل المنتجات الزراعية) على المكاسب المحققة من تداولات الرصاص، والذرة، والماشية. وأوضحت المذكرة أن استراتيجيات التداول السريعة كانت الأقدر على التعامل مع الأسواق المتقلبة مقارنة بالاستراتيجيات ذات المدى الزمني المقيد.


إندونيسيا وسنغافورة تتحركان لحماية مضيق ملقا من ارتدادات أزمة «هرمز»

الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
TT

إندونيسيا وسنغافورة تتحركان لحماية مضيق ملقا من ارتدادات أزمة «هرمز»

الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو يشير بيده بالقرب من رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

تعهدت إندونيسيا وسنغافورة بالعمل المشترك لضمان بقاء مضيق ملقا ممرّاً مائياً مفتوحاً، وآمناً، وحراً أمام حركة الملاحة والتجارة العالمية، واضعتين أمن الممرات البحرية في صدارة أولوياتهما الاستراتيجية لمواجهة موجة عدم اليقين الجيوسياسي وارتدادات أزمة الطاقة الحالية في الشرق الأوسط.

وجاء هذا الالتزام الحاسم عقب قمة ثنائية جمعت الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو ورئيس الوزراء السنغافوري لورانس وونغ في العاصمة جاكرتا، وذلك بالتزامن مع تزايد قلق دول جنوب شرق آسيا من قفزات أسعار النفط، واضطراب حركة الشحن في مضيق هرمز عقب إعلان طهران عزمها فرض رسوم جمركية على السفن العابرة للمضيق باستثناء الدول «الصديقة».

وتكمن الأهمية القصوى لمضيق ملقا في كونه الحلقة الجغرافية الأهم التي تضمن الربط المباشر بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، ما يجعله الشريان الرئيسي الأوحد لحركة التجارة المتدفقة بين قارات العالم، بدءاً من أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، وصولاً إلى الأسواق المستهلكة الضخمة في شرق آسيا وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتنبع خطورة هذا الممر من كونه صمام أمان الطاقة الآسيوية؛ إذ تعبره يومياً أكثر من 23 مليون برميل من النفط الخام والوقود، ما يعادل نحو 29 في المائة من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وإلى جانب كونه شرياناً رئيسياً للطاقة، يمثل المضيق عنق زجاجة حرج للتجارة العالمية يمر عبره ربع إجمالي البضائع المشحونة بحراً في العالم، مما يعني أن أي إغلاق أو تعطل في حركته سيجبر السفن الناقلة على الدوران حول قارة أستراليا أو سلوك ممرات إندونيسية بديلة وأكثر عمقاً، وهو ما يرفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل جنوني يغذي معدلات التضخم العالمي. ومع الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط، تحول مضيق ملقا تاريخياً إلى خط الدفاع الأول لاستقرار حركة الطاقة؛ حيث تبحث الأسواق بشكل حثيث عن تأمين الممرات الحرة لمنع حدوث صدمة مزدوجة تضرب مفاصل الاقتصاد الدولي.

وكان المشهد الإقليمي قد شهد لغطاً وتصحيحاً للمعلومات بعد أن طُرحت سابقاً فكرة فرض رسوم على السفن من قِبل مسؤولين إندونيسيين، إلا أن الحكومة الإندونيسية سارعت إلى سحب المقترح رسمياً وجددت التزامها التام بحرية الملاحة الدولية.

ناقلة غاز طبيعي مُسال في مضيق ملقا (إ.ب.أ)

تنسيق إقليمي لصد «فلسفة الرسوم»

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، خلال مؤتمر صحافي مشترك، أن لبلاده وسنغافورة مصلحة حيوية مشتركة بصفتها دولاً مشاطئة للمضيق، مشدداً على مواصلة التنسيق والعمل الوثيق مع ماليزيا وتايلاند لضمان بقاء المضيق مفتوحاً للجميع ومتاحاً دون قيود، فضلاً عن حمايته من مخاطر التلوث والحوادث والقرصنة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

من جهته، أكد رئيس الوزراء السنغافوري أن سنغافورة وإندونيسيا ملتزمتان بدعم حرية الملاحة وحقوق العبور بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مشدداً على ضرورة أن «يبقى المضيق آمناً ومفتوحاً ومتاحاً للجميع». وربط بين أمن مضيق ملقا والتطورات الجارية في الشرق الأوسط، موضحاً أن التوترات الأخيرة خنقت حركة المرور في مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً لخُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً، وهو ما يستدعي يقظة وتوافقاً استراتيجياً متكاملاً في جنوب شرق آسيا لمنع تكرار السيناريو، لافتاً إلى أن مصالح البلدين متطابقة تماماً لحماية خطوط الاتصال البحرية وتأمين سلاسل الإمداد العالمية.

وكان السفير الإيراني لدى الصين قد صرَّح يوم الأحد بأن طهران ستفرض رسوماً على السفن العابرة لمضيق هرمز، مع منح معاملة تفضيلية للدول «الصديقة».

الرئيس الإندونيسي برابو سوبيانتو ورئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ يسيران بعد حفل ترحيب قبل الاجتماع في قصر ميرديكا في جاكرتا (رويترز)

ما بعد أمن البحار

ولم تقتصر القمة السنغافورية-الإندونيسية على الملف الأمني والبحري؛ بل وظفت الدولتان هذا التوافق السياسي للدفع بقرارات اقتصادية نوعية تستهدف صياغة مشهد الطاقة المستقبلي في المنطقة. وجاء في مقدمة هذه المخرجات إطلاق مشروع رائد لتوليد الطاقة الشمسية في جزيرة «سولاويزي» الإندونيسية بالتعاون مع شركات سنغافورية، بهدف تعظيم الاستفادة من المقومات الطبيعية الكبيرة لإندونيسيا في قطاع الطاقة المتجددة.

وعلى صعيد الربط الكهربائي عابر الحدود، قاد صندوق الاستثمار السيادي الإندونيسي الجديد «دانانتارا» توقيع حزمة من الاتفاقيات مع شركات سنغافورية كبرى تشمل «كيبل إلكتريك» و«سيمبكورب للصناعات»، لوضع خريطة طريق تجارية وفنية واضحة لتصدير الكهرباء النظيفة من إندونيسيا إلى سنغافورة. واعتبر القادة أن مشروع الربط الكهربائي بين البلدين يمثل حجر الأساس الفعلي نحو بناء شبكة طاقة موحدة وشاملة لدول رابطة «آسيان»، بما يضمن تعزيز أمن الطاقة المشترك ومواجهة تقلبات الأسواق.

وفي الشأن الصناعي والتنموي، أعلن الجانبان عن نجاح مجمع «كيندال» الصناعي الواقع في جاوا الوسطى في الوصول إلى طاقته الاستيعابية الكاملة بالتزامن مع مرور 10 سنوات على تأسيسه، مع إقرار خطة توسع عاجلة تمتد على مساحة ألف هكتار إضافية لتوفير مزيد من الوظائف وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

واختتم رئيس الوزراء السنغافوري القمة بتجديد ثقة بلاده الكاملة في المستقبل الاقتصادي الواعد لإندونيسيا، مؤكداً التزام سنغافورة بالشراكة طويلة الأجل وتطوير البنية التحتية الرقمية، الأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، مع اقتراب البلدين من الاحتفال بمرور 60 عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما.


الين يتراجع قرب أدنى مستوياته في 40 عاماً مع ازدياد احتمالات التدخل

عملة نقدية فئة ألف ين فوق علم اليابان (رويترز)
عملة نقدية فئة ألف ين فوق علم اليابان (رويترز)
TT

الين يتراجع قرب أدنى مستوياته في 40 عاماً مع ازدياد احتمالات التدخل

عملة نقدية فئة ألف ين فوق علم اليابان (رويترز)
عملة نقدية فئة ألف ين فوق علم اليابان (رويترز)

تراجع الين الياباني قرب أدنى مستوياته في 4 عقود يوم الاثنين، وسط ازدياد مخاطر التدخل، بينما استقر الدولار مع ترقب المستثمرين توقعات أسعار الفائدة الأميركية، بعد أن أدى تقرير ضعيف عن الوظائف إلى تراجع توقعات رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة على المدى القريب.

وبلغ سعر صرف الين 162.11 مقابل الدولار، وهو ليس بعيداً عن أدنى مستوى له في عام 1986 عند 162.84 الذي سجله الأسبوع الماضي؛ حيث ظل المتداولون قلقين بشأن التدخل المحتمل، بعد ارتفاع مفاجئ في عمليات الشراء رفع العملة لفترة وجيزة يوم الخميس.

وبلغ سعر اليورو 1.1429 دولار، محافظاً على استقراره قرب أعلى مستوى له في أسبوعين، بينما بلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.3338 دولار. أما مؤشر الدولار الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل 6 عملات أخرى، فقد بلغ 100.97 نقطة. وانخفض سعر الوون الكوري الجنوبي في اليوم الأول من تداوله الفوري التاريخي على مدار 24 ساعة في السوق المحلية؛ حيث بلغ 1531 ووناً للدولار الواحد.

مراقبة الين مستمرة

وبقي الين محط الأنظار، بينما كان قرب أدنى مستوى له في 40 عاماً؛ إذ يُبقي التهديد بالتدخل الرسمي المتداولين في حالة ترقب، على الرغم من تشكيك المحللين في قدرة أي خطوة من طوكيو على تقديم دعم دائم. وقال موه سيونغ سيم، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي»: «السوق لا يزال يواجه مخاطر السياسة النقدية المتشددة من جانب «الاحتياطي الفيدرالي»، وهو ما يُعد عاملاً سلبياً للين. ومع ذلك، فإن المخاوف بشأن التدخل المحتمل من جانب السلطات اليابانية حدّت من المزيد من الضعف في العملة... وأتوقع على المدى القريب أن يبقى الين تحت ضغط».

كما يساور المستثمرين قلقٌ من تخلي المسؤولين اليابانيين عن نهجهم المعتاد في التلميح إلى المخاطر، وتوجههم بدلاً من ذلك نحو حملة أكثر تركيزاً للضغط على المضاربين، ورفع تكلفة المراهنة ضد الين.

ويتوقع بن بينيت، رئيس استراتيجية الاستثمار في آسيا لدى شركة «إل آند جي» لإدارة الأصول، أن تتدخل السلطات اليابانية إذا زادت تقلبات العملة، ولكنه قال: «إن اتجاه السوق يعتمد على السياسة المالية المحلية المتساهلة، والفارق الكبير في أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة»، متابعاً: «لا أعتقد أن التدخل سيغير ذلك».

الدولار يكافح

ومن جانبه، كافح الدولار للحفاظ على استقراره، بعد تسجيله أسوأ أداء أسبوعي له منذ أبريل (نيسان) الماضي، متأثراً بتقرير الوظائف الأميركية الذي أظهر تباطؤاً حاداً في نمو الوظائف في يونيو (حزيران)، مما حدّ من توقعات السوق برفع أسعار الفائدة. ويتجه تركيز المستثمرين الآن إلى محضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشهر يونيو، المقرر صدوره يوم الأربعاء، بحثاً عن مؤشرات حول آراء صُنَّاع السياسة النقدية بشأن توقعات أسعار الفائدة. ومن المتوقع أن يكون تقرير التضخم الأسبوع المقبل أهم البيانات الاقتصادية للأسواق؛ إذ سيقدم رؤية جديدة لمسار الأسعار والتحركات المحتملة لسياسة «الاحتياطي الفيدرالي».

وقال محللون استراتيجيون في بنك الكومنولث الأسترالي، إن المحضر قد يكون أقصر أو أقل تفصيلاً من المعتاد، نظراً لرأي رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفن وارش، بأن البنك المركزي قدَّم توجيهات مفرطة في الماضي.

ويتوقع سيم من بنك الكومنولث الأسترالي ارتفاع الدولار بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المائة بحلول نهاية هذا العام، ولكنه أوضح أن «التوقعات على المدى القريب تشير إلى أن الدولار قد يتوقف مؤقتاً، وقد نشهد عودة بعض عمليات المضاربة على فروق أسعار الفائدة لصالح عوائد مرتفعة... وأتوقع أن يستقر الدولار على المدى القريب».

وفي سياق متصل، انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.35 في المائة، ليصل إلى 0.5686 دولار أميركي قبيل اجتماع البنك المركزي النيوزيلندي هذا الأسبوع؛ حيث من المتوقع على نطاق واسع أن يرفع بنك الاحتياطي النيوزيلندي سعر الفائدة لأول مرة منذ أكثر من 3 سنوات.