عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب

وزير الدفاع التونسي في السباق لخلافة قائد السبسي

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب
TT

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب

تولى وزير الدفاع والمرشح البارز للرئاسة التونسية الدكتور عبد الكريم الزبيدي مسؤوليات عليا في المؤسسات العلمية والإدارة التونسية منذ عام 1981 في عهد كل رؤساء تونس، من الحبيب بورقيبة، وزين العابدين بن علي، إلى الباجي قائد السبسي، مروراً بفؤاد المبزّع، والمنصف المرزوقي، بعد الانتفاضة الشبابية الاجتماعية التي فجّرت ثورات ما عُرف بـ«الربيع العربي» مطلع 2011. وكان الزبيدي، وهو طبيب، قد عيّن لأول مرة عضواً في حكومة بن علي مكلفاً بالبحث العلمي عام 1999، ثم عيّن وزيراً للصحّة في 2001 عندما كان محمد الغنوشي رئيساً للوزراء، بيد أنه ارتقى في سلم المسؤوليات خلال السنوات الأربعين الماضية، ليتصدر قائمة المترشحين لرئاسة تونس خلال السنوات الخمس المقبلة.
عبر الرحلة من مهنة الطب إلى عالم السياسة، تولّى الدكتور عبد الكريم الزبيدي مسؤوليات كثيرة، معظمها في قطاعات الطب والتعليم العالي والبحث العلمي. وتفيد السيرة الذاتية للزبيدي الطبيب والجامعي أنه ولد عام 1950 في مدينة الرجيش، بمحافظة المهدية السياحية، على بُعد 200 كلم جنوبي العاصمة تونس.
وحقاً، نشأ الزبيدي في جهة الساحل، بين محافظات المهدية والمنستير وسوسة، التي ينحدر منها الرئيسان السابقان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، اللذان حكما تونس ما بين 1955 و2011. وكذلك غالبية كبار المسؤولين في الدولة والحزب الحاكم.
ومِثل كثيرين من طلبة النخبة التونسية، تمكّن الزبيدي من إكمال دراساته العليا في أوروبا، فحصل على شهادة دكتوراه في الطب من جامعة كلود برنار - ليون 1 المرموقة في مدينة ليون بفرنسا. كما أنه حصل من الجامعة نفسها على شهادة الماجستير في علم وظائف الأعضاء البشرية، وأيضاً الماجستير في علم الصيدلة الإنسانية، إضافة إلى شهادة الدراسات المعمقة في علم وظائف الأعضاء البشرية، وشهادة دراسات وبحوث في علم الأحياء البشري.
ولقد نجح الزبيدي بفضل تفوقه العلمي في أن يتولى مبكراً مسؤوليات إدارية في الجامعة والمستشفيات التونسية. وعيّن منسقاً لتدريب كبار الفنيين الصحيين في كلية الطب بمدينة سوسة، خلال الفترة بين 1981 و1988. وتحمّل في الفترة ذاتها الكثير من المسؤوليات الرسمية والمناصب داخل الجامعة، بينها رئيس قسم العلوم الأساسية بين 1982 و1989. وحاز رتبة أستاذ في المستشفيات الجامعية العمومية منذ 1987.
بعدها، عيّن الزبيدي رئيساً لخدمة الاختبارات الوظيفية في مستشفى فرحات حشّاد الجامعي في مدينة سوسة بين 1990 و1999. وعيّن منذ 1992 مسؤولاً عن بعثات الخبراء في مجال التطبيقات الطبية النووية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وترأس الزبيدي كلية علم وظائف الأعضاء والاختبارات الوظيفية التابعة لوزارة الصحة العمومية بين 1994 و1997، ثم عيّن رئيساً لجامعة الوسط برتبة عضو في الحكومة بين 1995 و1999. وبعد مغادرته الحكومة «لأسباب صحية وعائلية» عيّن عميداً لكلية الطب في جامعة الوسط بسوسة بين 2005 و2008.

العودة إلى الحكم
عاد الدكتور الزبيدي إلى الحكومة بعد أسبوعين فقط من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 عندما أسندت إليه حقيبة وزارة الدفاع في الحكومة الثانية التي شكّلها رئيس الحكومة محمد الغنوشي يوم 27 يناير، وسقطت بعد نحو شهر. وبعد الإطاحة بحكومة الغنوشي الثانية وتعيين السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي (الرئيس الراحل) رئيساً جديداً للحكومة، بقي الزبيدي في منصبه وزيراً للدفاع.
كذلك ظل الزبيدي وزيراً للدفاع في أعقاب الانتخابات التعدّدية الأولى التي نظمت في تونس يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وهي الانتخابات التي أوصلت الدكتور المنصف المرزوقي إلى قصر قرطاج الرئاسي، والأمين العام لحزب «حركة النهضة» حمادي الجبالي إلى قصر الحكومة. واحتفظ الزبيدي بالمنصب مجدداً حتى مارس (آذار) 2013، إلا أنه انسحب في أعقاب الاحتجاجات والاضطرابات السياسية التي عقبت اغتيال الناشط السياسي اليساري شكري بلعيد، ثم استقالة رئيس الحكومة حمادي الجبالي، وتعويضه بوزير الداخلية آنذاك علي العريّض.

رفض رئاسة الحكومة وحقيبة الداخلية
وعُين الزبيدي من قبل رئيس الحكومة الجديد علي العريّض (مارس 2013 - يناير 2014) مستشاراً لوزير الصحة عبد اللطيف المكي برتبة وزير، إلا أنه اختار الانسحاب، وبرّر موقفه بأسباب صحية وعائلية. كذلك رفض الزبيدي طوال 4 سنوات عروضاً كثيرة قدّمها الرئيس الباجي قائد السبسي، من بينها رئاسة الحكومة الأولى في عهده بعد انتخابات 2014. ولقد حاول صديقه الوزير المخضرم الحبيب الصيد إقناعه بقبول عرض قائد السبسي، لكنه تمسك بموقفه الرافض.
وفي المقابل، يؤكد المقرّبون منه أنه لعب دوراً كبيراً في إقناع الصيد بالموافقة على اقتراح تولي رئاسة الحكومة، بحكم تجربته الطويلة في الإدارة، وعلى رأس مؤسسات استراتيجية في الدولة، من بينها الداخلية والتنمية المحلية والفلاحة والبيئة.
وبعد إسقاط حكومة الحبيب الصيد في أغسطس (آب) 2016، تلقّى الزبيدي عروضاً لتشكيل الحكومة الجديدة، أو دخول حكومة يوسف الشاهد الأولى وزيراً للداخلية والأمن، لكنه اعتذر.

في حكومة الشاهد
واصل الزبيدي رفض العودة إلى الحكومة حتى سبتمبر (أيلول) 2017 عند تشكيل حكومة يوسف الشاهد الثانية، وذلك بعد مفاوضات شملت معظم الأحزاب السياسية والنقابات، وأسفرت عمّا سُمّي بـ«وثيقة قرطاج»، وعن إدخال تغييرات شملت حقائب وزارات الدفاع والعدل والداخلية.
ولقد أكد يوسف الشاهد أنه عرض على الزبيدي حقيبة الداخلية والأمن، إلا أنه رفضها وقبل بحقيبة الدفاع، التي تشرف على تأمين حدود تونس وأمنها الخارجي والمشاركة في الحرب على الإرهاب، ولكن دون التورط مباشرة في الملفات الأمنية والسياسية الداخلية المعقّدة.
وبالفعل، بقي الزبيدي في هذا المنصب طوال سنتين بعيداً عن الانخراط في المعارك السياسية، مكرّساً مواقف المؤسسة العسكرية التونسية منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وثوابتها؛ الجيش في الثكنات، وتثبيت الحياد السياسي، والتفرغ للملفات الوطنية المشتركة.

علاقته بقائد السبسي
استفاد الزبيدي من دستور تونس الجديد، الصادر في يناير 2014، الذي يجعل وزراء السيادة - وبينهم وزير الدفاع - تحت إشراف مباشر من رئيس الجمهورية، على الرغم من انتمائهم إلى الفريق الحكومي الذي يقوده رئيس الحكومة، وعلى الرغم من مشاركتهم في اجتماعات مجلس الوزراء بإشرافه، وخضوعهم لمراقبة مباشرة من البرلمان.
هذه العلاقة المميزة بمؤسسة رئاسة الجمهورية، مكّنت وزير الدفاع الزبيدي من أن يكون أحد أكثر الوزراء تواصلاً مع الرئيس ومستشاريه، وبينهم مستشاروه في قطاعات الأمن والدفاع. ومكّنه هذا الموقع من أن يتابع مباشرة تطورات التنسيق الأمني والعسكري الإقليمي والدولي في مجالات مكافحة الإرهاب، والتطورات الأمنية والسياسية في ليبيا ومناطق التوترات الأمنية في شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء، بما فيها ما يتعلق بالحرب ضد تنظيمات مسلحة مثل «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«داعش» وعصابات التهريب للأسلحة والسلع والأموال والمهاجرين غير القانونيين.
وبالتالي، مع دعم قائد السبسي دور مؤسسة الرئاسة في متابعة الملفات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، اقترب الزبيدي أكثر من مؤسسة الرئاسة والتأثير في بعض قراراتها.

خلافات رأسي السلطة
ولكن، قبل سنة ونصف السنة، عندما اندلعت الخلافات بين قائد السبسي والشاهد، وتطوّرت إلى أزمة مفتوحة بين رأسي السلطة التنفيذية في قصري الرئاسة والحكومة... بل إلى صراع سياسي علني داخل الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام، التزم الزبيدي الحياد، وحاول مراراً الانسحاب من المشهد واعتزال السياسة والتفرّغ لحياته الخاصة والعائلية.
وبالفعل، ينقل مقربون من الشاهد والسبسي أن الطرفين كانا يحرصان على وساطته في عدد من الملفات. وعندما استفحل «الخلاف الرئاسي» عام 2018 وفشلت جهود قائد السبسي لإسقاط رئيس الحكومة، عرض الزبيدي مجدداً استقالته، لكن الرئيس تمسك به وقرّبه أكثر.
وهكذا، بقي الزبيدي في منصبه، لكنه كان يؤكد للمقربين منه موقفه المتمسك بحياد المؤسسة العسكرية، المعارض للاصطفاف ضد رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة... أو ضد رئيس الحكومة الذي يمنحه الدستور والبرلمان أكبر الصلاحيات في تسيير شؤون الدولة ومؤسسات الحكم.

شعبية المؤسسة العسكرية
لقد استفاد الزبيدي من شعبية الجيش التونسي نتيجة تحاشي قياداته التورط مباشرة في قضايا الرشوة والفساد والاستبداد طيلة السنوات الـ60 الماضية، خلافاً لبعض القيادات الأمنية المدنية و«لوبيات» المال والأعمال والسياسة.
وعندما تدهورت الحالة الصحية للرئيس قائد السبسي يوم 27 يونيو (حزيران) الماضي إلى درجة استحالة نقله للعلاج في الخارج، طلب الزبيدي مع أطبائه نقله إلى المستشفى العسكري الكبير في العاصمة تونس؛ حيث تتوفر نخبة من الأطباء العسكريين والمدنيين والتجهيزات الطبية المتقدمة. ونُقل السبسي إلى المستشفى العسكري في اليوم الذي كانت فيه قوات الجيش والأمن الوطني تتصدّى لمجموعة إرهابية هاجمت مركز إرسال إذاعي وتلفزيوني في جنوب تونس على الحدود مع الجزائر، ولمجموعة إرهابية نظّمت عمليتين انتحاريتين وسط العاصمة تونس. ويومها كانت الأولى أمام مقر إدارة مكافحة الإرهاب، والثانية بالقرب من وزارة الداخلية والسفارة الفرنسية بتونس.
وأدى التعاطف الشعبي مع الرئيس المريض الذي يُعالج في المستشفى العسكري، ومع القوات التي تحارب الإرهابيين، إلى ترفيع التعاطف الشعبي مع المؤسسة العسكرية ومع وزير الدفاع الذي اختاره السبسي وأفراد عائلته صباح اليوم الموالي، ليكون الشخصية الرسمية التي أجرى معها اتصالاً هاتفياً لطمأنة الشعب وتفنيد إشاعة وفاته.
كذلك كان الزبيدي آخر مسؤول في الدولة قابله قائد السبسي صباح يوم الاثنين 22 يوليو (تموز) قبل 3 أيام فقط من نقله مريضاً للمرة الثالثة إلى المستشفى العسكري، ثم الإعلان عن وفاته. وأفاد الزبيدي أن المقابلة شملت الحديث عن الوضع الأمني والعسكري في البلاد.
بعد تلك المقابلة، التي بدا فيها السبسي منهكاً ولم يخاطب الشعب، التقى وزير الدفاع رئيس البرلمان محمد الناصر والسفير الأميركي لدى تونس دونالد بلوم، وأوردت وسائل الإعلام التونسية أن قائد السبسي كلّفه بذلك، في خطوة فهم المراقبون أنها محاولة جديدة من الرئيس وعائلته ومستشاريه لتهميش دور رئيس الحكومة و«ابنه الروحي» المتمرد عليه يوسف الشاهد، وإبراز الزبيدي بصفته «رجل ثقة الرئيس والأب الكبير».

الجيش ومراسم التشييع
ويوم وفاة قائد السبسي فوجئ العالم والتونسيون بسلاسة نقل السلطات من الرئيس الراحل إلى رئيس البرلمان، وفق ما ينص عليه الدستور. ونقلت وسائل الإعلام موكب أداء الرئيس الجديد في البرلمان، بعد ساعات من إعلان وفاة قائد السبسي، بعد جلسة عمل جمعته برئيس الحكومة الشاهد، ومشاورات مع وزيري الدفاع والداخلية، أُعلن في أعقابها أن جنازة وطنية ستنظم للرئيس الراحل بعد يومين فقط. وبعد مراسم التشييع فهم الجميع أن قادة الجيش ووزير الدفاع شخصياً كانوا وراء النجاح الأمني والسياسي، لأن كبار الضباط من القوات البحرية والبرية والجوية كانوا في صدارة المشهد طوال مراسم الدفن التي تواصلت نحو 5 ساعات.

دعوات للترشيح
ونوّهت المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام المختلفة بنجاح المؤسسة العسكرية، وتوالت بسرعة الدعوات إلى ترشيح وزير الدفاع لرئاسة الجمهورية. وانخرط في حمّى المساندة لترشيح الزبيدي عائلة قائد السبسي، بزعامة نجله الأكبر حافظ، رئيس حزب «نداء تونس»، ثم قيادات حزبية وسياسية علمانية، بينها ياسين إبراهيم ورفاقه في حزب «آفاق».
أيضاً، صدرت تصريحات بالجملة مساندة لمبدأ ترشيح الزبيدي من داخل حزب «حركة النهضة»، قبل أن تقرر قيادته الموسّعة في اجتماع جديد ترشيح النائب الأول لرئيس الحركة ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو.

مرشح الحداثة
واليوم، بعد حسم «النهضة» موقفها بترشيح زعيمها التاريخي الثاني عبد الفتاح مورو لخوض السباق، فإنه من بين الأسئلة المطروحة؛ هل سينجح الزبيدي وأنصاره في إقناع غالبية المرشحين للرئاسة المحسوبين على تيار الحداثة بالانسحاب لصالحه، كي يتزعم «جبهة التحديثيين» المعارضة لمرشح الإسلاميين؟
ثم كيف سيتفاعل الزبيدي وأنصاره مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، المرشح بدوره للرئاسة، مدعوماً من قبل حزب كبير، انخرط في قياداته المركزية والمحلية عدد كبير من كوادر الدولة والحزب الحاكم قبل انتفاضة 2011 وبعدها.
في أي حال، فإن ترشح وزير دفاع للرئاسة، واستقالته في اليوم نفسه من الحكومة للتفرغ لحملته الانتخابية، حدث يحصل لأول مرة في تونس. إذ بات القانون الانتخابي يسمح فيها للعسكريين والأمنيين بالمشاركة في الاقتراع العام - أي في الحياة السياسية - بحجة المساواة في الحقوق والواجبات مع المدنيين.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.