سيندي تشاو... فنانة دخلت مجوهراتها المتاحف والمزادات

اقتحمت عالماً ذكورياً وتفوقت فيه بالفن

سيندي تشاو... فنانة دخلت مجوهراتها المتاحف والمزادات
TT

سيندي تشاو... فنانة دخلت مجوهراتها المتاحف والمزادات

سيندي تشاو... فنانة دخلت مجوهراتها المتاحف والمزادات

لا يُمكن تصور تكاليف الحراسة في معرض «ماستربيس» الذي شهدته منطقة «تشيلسي» الراقية بلندن مؤخرا. فالمعرض احتضن كل غال ونفيس في مجال الفن، من لوحات إلى منحوتات وأنتيكات ومجوهرات تُقدر بالملايين. فهذه الفعالية نخبوية موجهة للأثرياء فقط وعشاق اقتناء كل ما هو فريد. السؤال عن السعر غير وارد، بل يمكن اعتباره منافيا للإتيكيت. السبب أن قطعة مجوهرات، مثلا، استغرقت 5 سنوات لتنفيذها لم تعد مجرد قطعة للزينة. هذا على الأقل ما تؤكده أعمال الفنانة التايوانية الأصل، سيندي تشاو، التي أصبحت وجها مألوفا في مثل هذه المعارض، إن لم نقل إحدى نجومها. فقد حصلت على جائزة عن تصميم عقد «وينتر ليفس» أي أوراق الشتاء في عام 2016 باعتباره أفضل قطعة مجوهرات في معرض «بينالي باريس» الذي كانت فيه أول مصممة مجوهرات آسيوية تُدعى رسميا للمشاركة فيه. وفي هذه المرة أيضا دُعيت إلى معرض «ماستربيس لندن» حيث فازت بجائزة مماثلة عن بروش يحمل اسم «بيوني». كانت المرّة الأولى التي يُسلّم فيها المعرض هذه الجائزة إلى قطعة مجوهرات، لما يُجسّده من حرفيّة معاصرة وروعة في التصميم.
ما يجعل وجود سيندي تشاو في هذه المحافل، واعتراف صناعة الترف بها كواحدة من أهم مصممي المجوهرات في العالم مفهوما حيث إن إبداعاتها لا تُباع في المحلات، بل فقط في المعارض المتخصصة والمزادات العالمية. في المعرض اللندني الأخيرة، أطلقت على مجموعتها «فن المجوهرات» لتؤكد أنها فن أولا قبل أن تكون مجرد أحجار كريمة وتصاميم فريدة. في لقاء جانبي تشرح لـ«الشرق الأوسط»: «طبعا مجموعة (بلاك لايبل) هي طفلي الذي أصب فيه كل الحب وأطلق فيه العنان لخيالي وجنوحي للفن بكل أشكاله، لكني سعيدة أيضا بخطي الثاني (وايت لايبل). هو الآخر لا أبخل عليه بالفنية، لأني أدرك أنه هو الذي يمنحني ترف الإبداع بالطريقة التي أحلم بها».
كل قطعة في المجموعة الأولى، بلاك لايبل، تستغرق ما لا يقل عن 10 آلاف ساعة، وأحيانا قد تمتد إلى سنوات. السبب أن سيندي تُؤمن بأن الفن يجب أن يكون مثاليا. وربما هذا ما يجعلها تعيد عرض القطعة أكثر من مرة، تماما مثلما يُعاد عرض لوحة لـ«مونيه» أو فان كوغ في معارض متفرقة من العالم. قلادتها «وينتر ليفز» التي حصلت على جائزة الإبداع في عام 2016 في معرض «بينالي باريس»، كانت حاضرة في معرض «ماستربيس» اللندني الأخير. تفسير سيندي أن المناسبة لم تكن استعراضا للمجموعة فحسب، بل سردا لقصتها في عالم كان الرجل هو السيد المُطلق فيه. «لم تكن المرأة تلعب دورا كبيرا في عالم المجوهرات، وأتذكر أني وجدت محاربة شرسة في البداية من قبل العاملين في هذا المجال. لم يكونوا يتصورون أن تزاحمهم امرأة فيما توارثوه أبا عن جد، لكني استطعت أن أفرض نفسي، وهو ما أريد أن أحتفل به الآن». تقول هذا وهي تنظر إلى القلادة التي صاغتها بـ240 قيراطا من الماس الصافي وبأشكال وتقنيات تجعلها تبدو مثل أوراق غطاها الثلج لكن تنبض بالحركة والديناميكية، ما جعل رجال المهنة يستسلمون ويعترفون بموهبتها. تنتقل بعد ذلك إلى جديدها، مشيرة إلى «سكالتورا دي جيغليو» وهو سوار عريض يُجسد حبها للطبيعة، كما يُخلّد، حسب اسمه، الفنان مايكل أنجلو، مهندس عصر النهضة. استغرق ابتكاره ستّ سنوات كي يأخذ شكل لوحة مستوحاة من أجواء الربيع. استَخْدَمت فيه عدداً سخياً من الأحجار الكريمة الملوّنة، إذ إنه يتألّف من سبع وحدات تُشبه الأوراق الحقيقية، فيما رصعته بـ4428 ألماسة وألماسة ملوّنة وحجر سافير وزنها الإجمالي يفوق 180 قيراطا. تستكين بين الأحجار الكريمة الملوّنة 255 قطعة ألماس على شكل وردة تُضفي على التصميم الحياة.
من القطع الجديدة التي كشفت عنها وكانت متحمسة لإبرازها، بروش «وردة دمشق» Damask Rose، التي استلهمتها حسب قولها من رحلة قامت بها إلى عمان «انبهرت بماء الورد المعطِر الذي يستخرج من الوردة الدمشقية». بعد عودتها، كان أول ما قامت به هو رسمها وردة ببتلات متعددة ساعدها الحرفيون على صياغتها بتقنية صبّ الشمع، التي كانت شائعة في القرن الثامن عشر. والنتيجة كانت بروش يتوسّطه حجر سافير وردي مربّع وزنه 8 قراريط، تُحيط به 65 سداة مطليّة بطلاء اللكّ الفرنسي بألوان تتراوح بين الأصفر والمشمشي والوردي والوردي الفاتح والأحمر، بينما تكسو البتلات قرابة الألفَي ألماسة وأكثر من 1500 قطعة من حجر السافير الوردي بـ18 تدرّجاً لونياً. معالجة البتلات المصنوعة من التيتانيوم تمّت باستعمال أكسيد الألمنيوم حتى تتألّق بطيف غني من الألوان، يتدرّج من الوردي إلى الذهبي فالبرتقالي. أما أحدث ابتكاراتها فكانت من مجموعة Ribbon وهو بروش تتوسّطه زمرّدة كولومبية خضراء نادرة بثمانية أضلاع وزنها 38.68 قيراط. تشمل هذه القطعة أربعة شرائط مرصّعة بنحو 2600 حجر كريم، مع حواف مرصّعة بالسافير والسافير الأخضر وأحجار الألكساندريت التي تتبدّل ألوانها. هي الأخرى تمّت معالجة قاعدتها المصنوعة من التيتانيوم بأكسيد الألمنيوم لتسطع بطيف غني من التدرّجات اللونية. ليس هذا وحده مكمن جمال البروش، فالطبقة العليا منه تتمتع بآلية مرنة، تجعله يتمايل ويرتجف بشكل واقعي كلما تم لمسه. كانت سيندي، البالغة من العمر 45 عاما، تشرح خاصية كل قطعة وأهميتها بالنسبة لها وهي لا تُخفي عدم تصديقها أنها تحتفل بـ15 عاما على انطلاقتها في عالم دخلته بمحض الصدفة. تقول: إنها تُرحب بتراكم السنوات، لأنها تعني تراكم خبرتها وزيادة ثقتها بنفسها «فثقتي بنفسي زادت في السنوات الأخيرة... أصبحت أكثر جُرأة، وأشعر بحرية أكبر واستعداد أقوى لخوض أي تحديات قد تواجهني» لكن نجاح الفنانة ليس وليد السنوات الأخيرة. فقد استطاعت بعد سنوات قليلة من بدايتها أن تقتحم أعمالها المزادات العالمية، لتُباع قطعة من مجموعتها «بلاك لايبل» بنحو 10 ملايين دولار أميركي في عام 2007 أي بعد ثلاث سنوات فقط من انطلاقها.
رغم النجاح الذي حققته وقدراتها الإبداعية، لم تدرس سيندي تشاو تصميم الجواهر. كان حلمها أن تصبح معمارية مثل جدها، زي زينان، الذي صمم الكثير من المعابد في آسيا. والدها أيضا كان نحاتا معروفا ورثت عنه حب الرسم وصياغة الصور في أشكال فنية. عندما كان جدها يصحبها معه إلى المعابد التي كان يبنيها، أو تراقب والدها وهو ينحت لساعات طويلة من دون كلل تحفا فنية، كانت تقف مبهورة بأحجامها وأبعادها الثلاثية. منهما تعلمت كيف تنظر إلى الأشياء من كل الزوايا. لكن والدتها رفضت أن تمتهن ابنتها مهنة الهندسة رفضا باتا. كانت لا تزال مهنة ذكورية، تتعارض مع التقاليد والطقوس الاجتماعية الآسيوية. بل رفضت حتى فكرة أن تعمل ابنتها في مجال الديكور المنزلي الذي درسته في نيويورك. لكنها تركتها تعمل في تصميم المجوهرات. لم تكن تعرف أن ابنتها ستدخل هنا أيضا عالما استحوذ عليه الرجل لقرون من الزمن، لكنه بالنسبة لها كان أكثر نعومة. لم تندم سيندي، فقد وجدت نفسها في عالم جديد لكنه مثير ويمكنها أن تحقق فيه كل أحلامها. وهكذا بدأت تُروض الأشكال الطبيعية والكائنات البرية والمائية، مستعينة بما خزنته ذاكرتها من طرق في النحت أو بناء مبان ضخمة بأبعاد ثلاثية. «لقد توصلت إلى المعادلة التي تُسعدني». معادلة تنحت فيها قطع مجوهرات أصغر من المباني والمعابد، وأكبر من قطع مجوهرات بالمفهوم التقليدي.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.