شباب يفرون من جحيم غزة إلى أوروبا ليلاقيهم الموت في {المتوسط}

والدة مهاجر لـ(«الشرق الأوسط») : ابني في السجن وزوجته بين الحياة والموت وأحفادي مفقودون

لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
TT

شباب يفرون من جحيم غزة إلى أوروبا ليلاقيهم الموت في {المتوسط}

لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)

لم يكن ينقص الفلسطينيين في قطاع غزة، أي موت آخر صعب، حتى يقضي أبناؤهم الذين نجوا من مئات أطنان القنابل خلال 50 يوما من الحرب الإسرائيلية على غزة، غرقى وسط المياه الإقليمية للدول العربية والغربية.
ويصل كثير من الأهالي في القطاع الليل بالنهار في متابعة مصير أبنائهم الذين هربوا من غزة بداية الشهر الحالي، على أمل العيش في بلاد أخرى، بعد الكشف المفاجئ عن وجود عدد كبير من الغزيين كانوا على متن قوارب وسفن غير شرعية غرقت في 3 حوادث قبالة مصر وإيطاليا وليبيا.
ولا توجد حتى الآن أرقام دقيقة لأعداد المهاجرين الذين خرجوا عبر الأنفاق، كما لا توجد تفاصيل حول الغرقى بسبب عمليات الإنقاذ المتواصلة، ولأنهم عادة يسافرون من دون وثائق ثبوتية.
وقال محمود بارود، مدير الإدارة العامة للشباب بوزارة الشباب والرياضة في غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأوضاع المعيشية الصعبة وانتشار البطالة وارتفاع أعداد الخريجين العاطلين عن العمل، كلها أسباب تؤدي إلى هجرة الشباب، ومما زاد الأمر سوءا العدوان الأخير على غزة الذي أفقدهم الكثير، مما جعلهم في حالة يئس أدت إلى تنامي فكرة الهجرة لديهم».
واتضح أن الهجرة لم تبدأ بعد الحرب، وأن كثيرين نجحوا في مغادرة القطاع والوصول إلى دول أوروبية أثناء الحرب نفسها التي استمرت من 8 يوليو (تموز) وحتى 26 أغسطس (آب) الماضي، وهو ما شجع آخرين، بينهم عائلات بأكملها، على اتخاذ قرار مماثل.
وقالت والدة أحد الشبان، ويدعى سلامة، كان يفترض أن يصل إلى السويد مع أسرته قبل أن يغرق قاربه قبالة سواحل الإسكندرية الخميس الماضي، إن نجلها لم يجد مناصا من الهجرة بعدما فقد مصدر رزقه الوحيد عبر العمل في الأنفاق. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «ضاقت بابني كل السبل، ولم يجد ما يقيت به أطفاله، ففكر في الهجرة. ولو كان وجد البديل في غزة لكان في حضني ولم يجلس الآن في السجن بمصر». وأنقذت البحرية المصرية عددا من المهاجرين، غير أن السلطات أودعتهم في السجن بصفتهم مهاجرين غير شرعيين.
وتابعت: «لم أعد أعرف للنوم سبيلا، فأقضي وقتي بالاطمئنان من أي جهة أشعر بأن لديها خبرا عن أحفادي المفقودين، ناهيكم بحالة زوجة ابني، إنها بين الحياة والموت».
وكان عشرات على ظهر مركب غرقوا، قضى منهم 15 فلسطينيا على الأقل. لكن الحادثة الأكثر بشاعة، كانت قبالة سواحل إيطاليا يوم الأربعاء الماضي، إذ ما زال مئات، بينهم عائلات فلسطينية كاملة، في عداد المفقودين.
وكانت منظمة الهجرة العالمية أعلنت أن نحو 500 أصبحوا في عداد المفقودين في غرق سفينة مهاجرين بالبحر المتوسط الأسبوع الماضي، وذلك بعد غرق سفينة قبالة ساحل ليبيا.
ويحمل المركب، الذي يزعم شهود عيان، أنه أغرق عن عمد، عائلات فلسطينية كاملة كانت تقيم بالعريش، بالإضافة إلى سوريين وسودانيين ومصريين، وانطلق من ميناء الإسكندرية باتجاه الشواطئ الإيطالية، قبل أن يتعرض «لاصطدام متعمد». ومن بين المفقودين 15 فلسطينيا من عائلة واحدة، بحسب أحد أقاربهم.
وقال الرجل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن «15 شخصا من عائلة المصري، من بينهم شقيقان وامرأة واثنان من أطفالهم، غادروا القطاع للهجرة إلى بلد أوروبي عبر وسيط، واستقلوا مركبا من الإسكندرية متوجهين إلى إيطاليا». وأضاف: «لم تصلنا أخبار منهم، ولا نعلم ما إذا كانوا غرقوا أو نجوا».
وقالت سفارة فلسطين في العاصمة اليونانية (أثينا)، أمس، إن سفينة المهاجرين، التي كانت تقل أكثر من 400، أغلبهم من الفلسطينيين، «تعرضت للإغراق عمدا مساء الأربعاء الماضي، في إطار تنافس عصابات الموت والمهربين».
وأكدت السفارة في بيان، أن «سفينة مصرية، تحمل اسم سفينة الحاج رزق، ارتطمت بسفينة المهاجرين وأغرقتها في حدود المياه الإقليمية المالطية (على بعد 120 ميلا بحريا من الشواطئ الإيطالية) بعد أن كانت انطلقت من شواطئ الإسكندرية في مصر بترتيبات من مجرم مهرب».
وأشارت السفارة إلى أن النجدة وصلت للسفينة من إيطاليا ومالطا صباح السبت، مما يعني أنهم مكثوا في المياه نحو 3 أيام، إذ وصلت سفينة يونانية تجارية وأنقذت 3 فلسطينيين أحياء، وهم الآن في خانيا بجزيرة كريت.
ووصفت منظمة الهجرة الدولية الحادثة بأنها «الأسوأ منذ سنوات» وبأنها تمثل «جريمة قتل جماعية».
والتقت «الشرق الأوسط» عائلات شبان كانوا على متن السفينة، وقالوا إنهم لا يعلمون شيئا عن مصير أبنائهم.
وقالت عائلة مجد، وهو خريج بكالوريوس تمريض عاطل عن العمل، ويبلغ من العمر 25 سنة وكان على متن السفينة التي غرقت بالقرب من اليونان، إنه ليست لديهم أي معلومات عنه، وإن آخر اتصال معه كان يوم 6 سبتمبر (أيلول) في الإسكندرية، إذ أبلغهم أنه وكثير من العائلات ينتظرون أن يقلهم المركب لتجهوا إلى إيطاليا.
وقال شقيق الشاب محمد، الذي أنهى دراسته الجامعية ثم سافر بطريقه غير رسمية إلى مصر، إنهم يحاولون بكل السبل التأكد إذا ما كان من بين الناجين أو لا.
ورغم ما تحمله هذه الرحلات من موت محقق وصعب، ما زال شبان في غزة يخططون لمثل هذه الرحلات.
وقال أحمد حسين لـ«الشرق الأوسط»: «حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة إنجليزية منذ 10 سنوات ولم أجد فرصة عمل، ولا يوجد مخرج من الوضع الراهن سوى التفكير في الهجرة، أنا أفكر فعلا في ذلك».
وحسب مصادر مختلفة، فإن قصة الهجرة تبدأ باتفاق في غزة عبر دفع مبلغ لا يقل عن 3 آلاف دولار أميركي، يغادر بعدها صاحب المبلغ بطريقة مشروعة إن استطاع، أو تهريب من خلال البحر أو الأنفاق إلى مصر، ومن هناك عبر قوارب إلى شواطئ دول أوروبية.
وقال أحد أقرباء من نجحوا في الهجرة: «هناك أشخاص مكلفون تسهيل وتأمين عبور المهاجرين غير الشرعيين من خلال الأراضي المصرية، وصولا للمركب التي ستقلهم إلى أوروبا، وبمجرد وصول المجموعة الراغبة في الهجرة إلى الأراضي المصرية، يدفع كل منهم أجرة النفق أولا، ثم مبلغ ألفي دولار للشخص المذكور، الذي يخرجهم من شبه جزيرة سيناء، ومن ثم ينقلهم عبر قناة السويس، حيث يعبرون المياه من خلال مركب تسمى (معدية)، ويتجنبون السير عبر جسر السويس، لتلافي المرور عبر نقاط أمنية مصرية».
وتابع: «المهاجرون يضطرون إلى قطع كل مصر من شرقها وحتى غربها، فبعضهم يصل مدينة الإسكندرية الساحلية، وآخرون يواصلون مسيرهم إلى ليبيا، ليستقلوا من إحدى النقاط الساحلية في البلدين مركبا، قد يكون باليا وقد يكون متينا، ومن ثم يركبون البحر أياما، حتى يصلون - إن حالفهم الحظ - إلى السواحل الإيطالية، ومن هناك يلتقطهم أشخاص متخصصون بالهجرة، ويخيرونهم إلى أي بلد يرغبون في التوجه إليه، وبالطبع لكل بلد تسعيرة خاصة».
وأثارت سهولة مغادرة القطاع تساؤلات عدة حول الدور الرقابي للحكومة الفلسطينية هناك.
وحذرت فصائل فلسطينية ومسؤولون من خطورة استمرار «ظاهرة الهجرة» على الفلسطينيين، ودعت منظمات حقوقية للتحقيق في ظاهرة «الهجرة غير الشرعية ومحاسبة المهربين الذين يبطشون بالمهاجرين».
وتساءل نافذ غنيم، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، عن سبب غض طرف الجهات المسؤولة في قطاع غزة عما يجري، ويضيف: «هناك ما يشبه عصابات مافيا التهريب معروفة للجميع، كما يتحدث البعض عن تسهيل بعض الجهات مهمة الخروج للراغبين في الهجرة».
وهاجمت حركة فتح بشدة حركة حماس، وطالب المتحدث باسم حركة فتح، أحمد عساف، جماهير الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية باتخاذ موقف حازم من «المتورطين من حماس» في تسهيل «تهجير أهلنا في قطاع غزة عبر الأنفاق وقذفهم إلى المجهول في البحر».
وأضاف عساف: «إن من يستسهل المتاجرة بالدين وبالدم الفلسطيني يتاجر اليوم بالبشر وهم أحياء ويقذفهم إلى عرض البحر ليواجهوا الموت بلا ضمير ومن غير أي وازع أخلاقي».
ووصف عساف ما يقوم به جهاز أمن حماس بـ«الخيانة العظمى»، لأنه ينفذ وبطريقة رخيصة مخطط «الترانسفير» والتهجير الإسرائيلي الذي طالما سعت دولة الاحتلال إلى تنفيذه.
وردت حركة حماس، متهمة فتح باستغلال حادثة الغرق للإساءة إليها. ودعا المتحدث باسم الحركة، سامي أبو زهري، في تصريح مكتوب، حركة فتح إلى التوقف عن «إيذاء الفلسطينيين في غزة وتشويه صورة المقاومة من خلال الحملة المنظمة على لسان ناطقيها».
وقال أبو زهري: «إن تعرض الكثير من أبناء شعبنا لعملية غرق في عرض البحر - لهو أمر يسيء إلى شعبنا، ويمثل عقابا لهم بدلا من مكافأتهم بالحفاظ على الوحدة الوطنية»، داعيا فتح إلى حل القضايا الخلافية عبر الحوار الوطني.
وكانت وزارة الداخلية في غزة قالت إن الأجهزة الأمنية ضبطت بعض المهربين في القطاع الذين ساعدوا بعض الشباب على الخروج مقابل مبالغ مادية. وأشار الناطق باسم الداخلية، إياد البزم، إلى اتصالات مستمرة مع الجهات المختصة والسلطات المصرية للكشف عن تفاصيل جديدة بخصوص أعداد الضحايا والمفقودين والناجين من غرق المركب في عرض البحر المتوسط.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.