هل هناك مؤامرة ضد الشعر؟

شعراء ونقاد مصريون: نفتقد الناشر المثقف صاحب الدور الثقافي

أمجد ريان  -  محمد أبو زيد  -  عبير عبد العزيز  -  نجاة علي
أمجد ريان - محمد أبو زيد - عبير عبد العزيز - نجاة علي
TT

هل هناك مؤامرة ضد الشعر؟

أمجد ريان  -  محمد أبو زيد  -  عبير عبد العزيز  -  نجاة علي
أمجد ريان - محمد أبو زيد - عبير عبد العزيز - نجاة علي

لم يغادر الشعر موقعه في حياتنا، رغم مزاحمة فنون أخرى له، حاولت أن تنفرد بالمشهد. هذا على الأقل ما يقوله الشعراء المشاركون في هذا التحقيق، الذين يروون أن هناك «حراكاً قوياً للشعر»، مقابل إحجام قسم كبير من دور النشر عن طبع المجموعات الشعرية، لأنها «لا تبيع». ما حقيقة الأمر؟ هل هناك «حملة ضد الشعر يقوها كثيرون، منهم نقاد وناشرون وصانعو جوائز»؟
هنا آراء عدد من الشعراء المصريين:
- أمجد ريان: زمن تعدد الفنون الأدبية
في مراحل سابقة، كان الناشر مفكراً، وكان صاحب دور ثقافي مهم، وصاحب أهداف ثقافية يسعى لنشرها وإيصالها للناس، بل كان يناضل من أجل ذلك. ولكن المسألة اليوم انهارت انهياراً مريعاً، وأصبح بعض الناشرين تجاراً، يحسبون بدقة ما يمكن أن يجنونه من أرباح مادية سريعة تعود عليهم من نشر الكتاب، بل أصبح بعض الناشرين يطلبون من الشاعر مبالغ أكبر من تكلفة الكتاب، حتى يضمنوا مكسبهم قبل عملية البيع، أو كما يقولون «دوشة» البيع. ليس هذا فحسب، بل رأيت بعيني رأسي كيف يأخذ ناشر مبلغاً يساوي أضعاف التكلفة من شاعر يعمل في بلد عربي أو خليجي، أو يحسب الخدمات التي يمكن أن يقدمها شاعر يعمل في منصب كبير في مقابل نشر الكتاب، وأيضاً رأيت ناشراً بعد أن أخذ أضعاف التكلفة الفعلية، سأل الشاعر عن مهنته، فقال له إنه من عائلة تتاجر في البلح والتمور، فاشترط عليه في زيارته القادمة أن يحضر معه «شوال بلح»، فوافق الشاعر، إما عن طيب خاطر أو مضطراً، لأنه متلهف على نشر ديوانه!
ورأيت وتعجبت كيف أن ناشراً أخذ من كاتبة أكثر من التكلفة مقدماً، وأعطاها 25 نسخة من كتابها، وزعتها على الأصدقاء، وعادت للناشر مرة أخرى مضطرة، لأنها تحتاج إلى 100 نسخة إضافية، فباعها لها بمبلغ أكبر بكثير من التكلفة الحقيقية للنسخ... وهكذا.
هناك قضية كبيرة تخص هذا الموضوع، وهي أن شعراء من حقبة السبعينات في القرن الماضي كتبوا القصيدة التي تعتمد على المجازات والاستعارات المركبة، وصارت القصيدة صعبة في تلقيها، مما جعل قسماً كبيراً من الجمهور يهرب من فن الشعر لصعوبته آنذاك... ولكن الحال تغير الآن تغيراً جذرياً، وهناك أعداد كبيرة جداً من كتاب الشعر وقرائه، وأعداد من القراء بشكل عام لا يستغنون عن قراءة الشعر. ولا أوافق الرأي الذي يقول إننا صرنا في زمن الرواية، وهو الرأي الذي تحمس له عدد من النقاد، وعلى رأسهم د. جابر عصفور الذي كتب عدداً كبيراً من المقالات حول هذه المسألة، ونظّر لها بحماسة منقطعة النظير. وأعتقد أننا الآن في زمن تتعدد فيه الفنون الأدبية التي يتعامل معها جمهور القراء، ومن الصعب أن يتفوق فن أدبي على غيره لأن الفنون الأدبية تشبع مجموعة مختلفة من الحاجات الجمالية الضرورية بكليتها لدى الناس.
- محمد أبو زيد: إنه زمن الشعر
لا يكتب الشاعر لأنه ينتظر النشر، ولا بحثاً عن جائزة، ولا انتظاراً لمجد مالي، رغم أهمية كل هذا كداعم نفسي له؛ هو يكتب ببساطة لأنه لا يستطيع أن يحيا دون الشعر، لأن الشعر يسري منه مسرى الدم في العروق، هو دافع للحياة، ومُفسّر لها، وطارح لأسئلتها، ومسبب لدهشتها، ومعين على احتمالها. الشعر يكتب لذاته، وليس لأي شيء آخر، ولذا كنت أرى الكلام الذي يقال دائماً عن الشعراء الذين تحولوا للرواية، وأنهم فعلوا ذلك بحثاً عن الجوائز، مسيئاً لهم، لأن «الكتابة» ليست تجارة، ولأن الشعر لا «يُهجر»، بل الشعر هو من يفعل ذلك. قد يجد الكاتب في الرواية طريقاً لمشروع داخله، لكنه لا يفعل ذلك لأن «الرواية» تربح والشعر يخسر. أو هكذا أتخيل كيف تسير الأمور لدى جميع من مسّه وميض البرق الذي اسمه الشعر، كما عرّفه جبران. وكان بورخيس يقول: «إذا قُرئ النص كأنه يخاطب العقل فهو نثر، ويكون شعراً إذا قُرئ كأنه يخاطب الخيال». والحملة التي قادها كثيرون، منهم نقاد وناشرون وصانعو جوائز، ضد الشعر، تحت عنوان «زمن الرواية»، ليست محاولة لاغتيال الشعر فحسب، بل اغتيال الخيال إذا طبقنا مقولة بورخيس. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغتال الخيال، حتى لو قال الناشرون إن الشعر لا يبيع، وحتى لو قال النقاد إن هذا ليس زمن الشعر، وحتى لو هجر البعض الشعر إلى الرواية، وحتى لو هاجمت المناهج التعليمية في المدارس الشعر. لا يمكن أن يموت الخيال لأنه لا حياة بلا خيال. الخيال يمنحنا حياة ثانية وثالثة وعاشرة تعيننا على احتمال واقعنا المأساوي.
ويتابع صاحب «سوداء وجميلة»: ما أكده الزمن - والزمن هو أكبر مصفاة - أن الشعر لا يموت، الشعر بالأساس ليس في معركة مع الرواية، من ينتصر فيها يتم تنصيبه ملكاً، لأن الشعر خارج المقارنة مع أي صنف آخر. الشعر أسمى من كل صنوف الكتابة الأخرى لأنه ينطلق من مستوى وعي وكتابة مختلفين، ويتوجه إلى قارئ مختلف بالأساس.
ربما أثرت الحملات السابقة على وجود الشعر في المكتبات، لكنه باقٍ في صدور الشعراء، وقد وجد فرصته التي أتاحها له ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح الشعراء يملأون حوائطهم بمئات آلاف القصائد، كأنهم يتحدون من استبعدهم، كأنهم يعلنون الحرب، دفاعاً عن الخيال والحيوات التي سعى البعض لوأدها. لم يعد الشعراء ينتظرون موافقة مسؤول صفحة أدبية في صحيفة محدودة التوزيع على نشر قصائدهم، أو انتظار دورهم الذي لا يجيء في مجلات تتكبر عليهم، لأن المواقع الإلكترونية الكثيرة التي أصبحت تحتفي بالشعر، ومواقع التواصل الاجتماعي، أغنتهم عن ذلك. لم يعودوا يحتاجون إلى موافقة دور النشر الخاصة على نشر دواوينهم، فبعضهم صار ينشر دواوينه إلكترونياً، لا ينتظرون جوائز من مؤسسات ثقافية غير معنية بالشعر، فجائزتهم الحقيقية هي أن يُقرأوا، وهو ما صار يحدث بالفعل.
أعتقد أن الشعر تجاوز عثراته التي وضعها أمامه نقاد وناشرون ومسؤولون، وصار يعرف طريقه جيداً، والدليل عشرات، بل مئات، الشعراء الذين أصبحنا نقرأ لهم يومياً. كانوا يقولون إنه زمن الرواية، لكني أقول إنه زمن الشعر.
- نجاة علي: التجارة... والشعر
إن الحس التجاري يقف كثيراً حاجزاً أمام نشر الشعر، باعتباره مادة أدبية غير قادرة على تحقيق مبيعات كالتي تحققها الرواية مثلاً، وكذلك كتب الشعر المترجم، في مقابل الروايات المترجمة. فهناك هُوة بين الانتعاش في كتابة الشعر من جهة، وبين ما ينشر حقاً. وأتذكر في هذا الصدد الدور الراقي الذي كانت تقوم به دار «شرقيات» في دعم الشعر في التسعينات. ولكن في ظل عزوف دور النشر الخاصة حالياً عن النشر، فإن الدور الأكبر يكون لدور النشر الحكومية التي بالفعل تقوم بدور جيدـ خصوصاً أنها لا تبحث عن الربح، على حد تعبيرها.
لقد ارتبطت الرواية بسياق، ربما لم يتح للشعر، جعل من نشرها أولية للجوائز الأدبية المتاحة، وظواهر مروجة كـ«البست سيللر»، وهو ما لا يتاح للشعر. ومع ذلك، أتصور أن الشعر يستعيد دوره، لأنه في النهاية الألوان الأدبية تتأثر بتغير موجات التلقي، والشاعر الحقيقي يكتب الشعر بعيداً عن كل تلك الحسابات.
- عبير عبد العزيز: دعم الشعر
نشر الشعر يعاني من أزمات في العالم كله، لي أصدقاء من فرنسا يواجهون مشكلة نشر الشعر، وربما يميل الناشرون لطباعة 300 نسخة تجريبية للشاعر، ولا يطبعون نسخاً أكثر إلا للشعراء الكبار المعروفين. أما في مجتمعاتنا، فلا يمكن قراءة مشهد نشر الشعر إلا برؤية أوسع للمحيط المجتمعي الذي يحيا فيه. نحن نعيش أزمة ثقافية بشكل عام، الشعر عادة ما ارتبط صعوده بصعود مستوى التلقي والتأمل، ورغم أن هناك حراكاً كبيراً في قصيدة النثر، ألاحظه حتى بين أجيال أحدث، وألاحظ به تماساً أعلى مع الذات، وشجاعة، مما يجعل هناك تجارب ناضجة جداً. وقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تقديم شعراء كثيرين، وكذلك المجلات والمواقع الإلكترونية، بسبب ضعف حركة النشر. كما أصبح هناك من يلجأون لوسيط إلكتروني صوتي لإلقاء قصائدهم، كما يتيح «ساوند كلاود»، وهذا كله حراك مطلوب، فالقضية في الشعر هي مخاطبة الجمهور قبل بحث أزمة الشعر، فالناشر مهما كان مستنيراً ينتظر الربح، مما يجعله يسأل نفسه عن الجمهور المحتمل لشراء الديوان، بعكس الرواية التي لها جمهور كبير، لذلك عندما أسست مبادرة «ادعم شعر»، كنت أنظر للأمر باعتباره مشروعاً لدعم الشعر، وليس مشروعاً لدعم النشر، وكنت أتمنى أن أجد تكاتفاً أكبر من الشعراء لتحقيق حلم ازدهار الشعر من جديد في المجتمع، فمن خلال تلك المبادرة كنت أزور مدارس لأتحدث للطلاب، خصوصاً في المرحلة الثانوية، عن الشعر، وكنت أخرج مصدومة من شعوري بأن الشعر غير محبوب بسبب انطباعاتهم عن النصوص المقررة عليهم، وهي قديمة وغير جذابة بالنسبة لهم.
الشعراء محبطون، ولديهم مشكلاتهم الخاصة، ولكنني مؤمنة أنه لو توحدت جهود عدد من الشعراء الجادين في تبني مشروع لمخاطبة الجمهور بالشعر، سيستطيع هذا الحراك أن يجذب الجمهور، ثم سيجذب هذا الجمهور موجة ثانية من التأثير، أو التي يطلق عليها التفاعل بالعدوى. لقد مللنا من التحدث إلى أنفسنا في قاعات الندوات والأمسيات وحفلات التوقيع المحدودة، وقد قمت من قبل وعدد من الشاعرات بعمل أمسيات شعرية في بعض المراكز والمكتبات الحديثة، وكنا نلمس أثراً طيباً، فالشعر ينطق، وله روح يجب أن تُحلق، وعندما يشعر الناشر ويدرك أن الجمهور بدأ يألف الشعر الراقي، وتتسع دائرته، ربما يتحمس للنشر.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.