نجاح كأس العالم للسيدات لا يكفي لجذب المزيد نحو ممارسة كرة القدم

منتخب إنجلترا يلهم المشجعين... لكن هناك ضرورة لتوحد الجهود لإنعاش المنافسات النسائية

لاعبات منتخب إنجلترا حصدن المركز الرابع ونجحن في حشد الجماهير لتشجيعهن
لاعبات منتخب إنجلترا حصدن المركز الرابع ونجحن في حشد الجماهير لتشجيعهن
TT

نجاح كأس العالم للسيدات لا يكفي لجذب المزيد نحو ممارسة كرة القدم

لاعبات منتخب إنجلترا حصدن المركز الرابع ونجحن في حشد الجماهير لتشجيعهن
لاعبات منتخب إنجلترا حصدن المركز الرابع ونجحن في حشد الجماهير لتشجيعهن

قدمت بطولة كأس العالم لكرة القدم للسيدات نماذج رائعة، لكن نجاح النخبة ليس كافياً لدفع مزيد من الأشخاص نحو ممارسة رياضة يسيطر عليها الرجال.
مع استحواذ بطولة كأس العالم للسيدات، التي فاز بها المنتخب الأميركي، على مزيد من القلوب والعقول، ترسخ في نفوس كثيرين الافتراض بأن الأداء الذي قدمته إنجلترا سيغير وجه كرة القدم النسائية على مستوى البلاد، مع تشجيع النجاح الذي حققه المنتخب أعداداً ضخمة، خصوصاً الفتيات، على لعب الكرة والنشاط بها. للوهلة الأولى، يبدو هذا الاعتقاد منطقياً، ذلك أن المؤكد أن لوسي برونز وميغان رابينو وويندي رينارد يمثلن جميعاً نماذج جديرة بالاحتذاء. ومع هذا، توجد مشكلة واحدة في هذا الأمر: لا توجد أدلة على أرض الواقع تدعم ما يصفه الأكاديميون بـ«الاحتذاء بالقدوة» أو «التأثير الانتشاري».
هل تذكرون عندما نجح بوريس بيكر وشتيفي غراف ومايكل ستيتش في اجتذاب أعداد غير مسبوقة من الألمان وغيرهم لمشاهدة انتصاراتهم في بطولات التنس الكبرى؟ في الواقع، أعقب ذلك تراجع في أعداد أعضاء الاتحاد الألماني للتنس. وبالمثل، نجد أنه خلال الفترة السابقة مباشرة لانعقاد دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في لندن عام 2012، وعد أفراد مثل كولين موينيهان، الذي كان يترأس حينها الاتحاد الأولمبي البريطاني، بأن تنظيم دورة الألعاب الأولمبية «سيحفز جيلاً كاملاً من الشباب الساعين لمحاكاة أبطالهم الرياضيين». إلا إن هذه الصورة الوردية لم تترك انعكاساً على الواقع، فقد خلص مسح حديث أجرته مؤسسة «سبورت إنغلاند» إلى أن واحداً من كل 3 أطفال يمارس نشاطاً رياضياً لمدة تقل عن 30 دقيقة يومياً ـ مثل المشي أو استخدام «سكوتر» أو لعب رياضة ما ـ الأمر الذي وصفته وزيرة الرياضة، ميمز ديفيز، بأنه «ببساطة أمر غير مقبول».
ومع ذلك، ينبغي ألا نفاجأ بمثل هذه النتيجة، فقبل دورة الألعاب الأولمبية عام 2012 بفترة طويلة عكف باحثون على تفحص النتائج التي خلفتها دورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها أستراليا وذلك خلال الفترة من 1976 حتى 1996، وخلصوا إلى عدم وجود علاقة ارتباط بين الإنجازات الرياضية الوطنية ومعدلات الاستمرار في ممارسة الرياضة بين السكان بوجه عام.
في الوقت ذاته، فإن المؤشرات الصادرة عن عقد مراجعة ممنهجة لمبادرات الصحة العامة بعد دورة سيدني للألعاب الأولمبية عام 2000، توحي بأنه لا توجد أدلة على أن حالة البهجة العامة التي أحاطت المنافسات الأولمبية تحولت إلى زيادة في النشاط الرياضي، رغم كل الخطابات والوعود الوردية.
وتوصلت أبحاث أخرى إلى وجود علاقة ارتباط سلبي طفيفة بين النجاح الأولمبي والمشاركة العامة في المجال الرياضي. وأوجز القائمون على دراسة أخرى هذا الأمر على النحو التالي: «ثمة افتراض شهير بأن نجاح الرياضيين المحترفين يعزز المشاركة في الرياضة داخل بلدانهم. ومع هذا، فإن الدلائل النظرية الداعمة لهذه العلاقة والأدلة العملية هشة للغاية».
ودعونا نعيد قراءة هذه العبارة الأخيرة مراراً، ودعونا ننشرها قدر المستطاع، خصوصاً أنه بمختلف أرجاء العالم يلجأ السياسيون والسلطات العامة إلى التأثير المفترض لرياضة النخبة بين جموع المواطنين ذريعةً لتبرير الاستثمارات التي يضخونها بهذا المجال. إلا إن الأدلة على وجود هذا التأثير الانتشاري للنجاح الرياضي على مستوى النخبة، هشة وواهية.
بالطبع يشعر بعضنا بالإلهام والحماس تجاه المشاركة في رياضة معينة لدى مشاهدة منافساتها عبر التلفزيون، لكن دراسات علمية تشير إلى أن جزءاً كبيراً من ذلك ينبع من «تأثير الإحلال»، مع تنقل الأشخاص النشطين بالفعل من رياضة لأخرى. أما التحدي الحقيقي هنا فيتمثل في دفع أعداد أكبر من الأفراد إلى أن يصبحوا نشطين رياضياً لفترة أطول.
والآن، ماذا عن كرة القدم للسيدات؟ الواضح أنها تزداد شعبية يوماً بعد آخر، لذا ربما يكون من الصعب الفصل بين المشاركة المتنامية في هذا المجال ونجاحات المنتخب الإنجليزي. ومع ذلك، نجحت دراسة أجريت حول تداعيات فوز اليابان ببطولة كأس العالم للسيدات عام 2011، في إنجاز هذه المهمة العسيرة. في إطار الدراسة، تولى الباحث الأكاديمي هيدياكي إيشيغامي فحص جميع النشاطات غير المدرسية التي سجلتها 1.5 مليون طالبة يابانية خلال السنوات السابقة مباشرة للبطولة والأخرى اللاحقة مباشرة بها، وعاونه في هذه المهمة أن اتحاد نيبون للثقافة الرياضية بالمدارس الثانوية (كيان تنظيمي وطني) يحتفظ ببيانات تسجل لـ99 في المائة من المدارس داخل اليابان تبعاً لنمط الرياضة.
ولاحظ إيشيغامي أن أعداداً أكبر من الفتيات لعبن كرة القدم في اليابان بعد عام 2011، لكنه توصل إلى نتيجة أخرى مهمة: هذه الزيادة «لا تتجاوز المتوقع نتيجة لعامل الحظ» لدى الأخذ في الاعتبار تنامي مستويات المشاركة بالفعل قبل تنظيم بطولة عام 2011. وأوجز إيشيغامي الأمر على النحو التالي: «لم نجد دليلاً كمياً يدعم تأثير الاحتذاء بقدوة. ويشير هذا ضمنياً إلى أن الزيادة التي شهدتها مشاركة الفتيات في كرة القدم في أعقاب بطولة كأس العالم للسيدات عام 2011، كانت لتتحقق بغض النظر عما فوز اليابان بالبطولة». وأشار إيشيغامي إلى أن النوع يلعب دوراً واضحاً هنا.
من جهتها، أجرت شركة «دياتشي» للتأمين على الحياة دراسات مسحية سنوية على الأطفال البالغين 13 عاماً داخل اليابان منذ عام 1989. وتبعاً للنتائج التي توصلت إليها، تضمنت الوظائف التي تحلم بها الفتيات باستمرار: التدريس والطب وخدمات المطاعم، بينما لم تظهر الرياضة قط في القائمة، حتى بعد بطولة كأس العالم عام 2011. ويتناقض ذلك على نحو صارخ مع قوائم أمنيات الفتيان في العمر نفسه، والتي تضمنت باستمرار كرة البيسبول أو كرة القدم. وظهر هذا التباين بين النوعين فيما يخص النماذج الرياضية في دول أخرى، أيضاً.
ثمة رسالة يحملها هذا الأمر إلى اتحاد الكرة والحكومة. من الواضح أن كرة القدم للسيدات في بريطانيا تسير في الاتجاه الصحيح ـ بالنظر إلى الأعداد القياسية للجماهير في مباراة نهائي بطولة كأس الاتحاد للسيدات، وعقد الرعاية الجديد من جانب «بنك باركليز» لبطولة الدوري الممتاز للسيدات بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني وبطولة كأس العالم المثيرة الماضية. ومع هذا؛ مثلما تعلمنا عندما أنجزت إنجلترا بطولة كأس العالم للسيدات في كندا في المركز الثالث عام 2015، فإن كل ما سبق ليس كافياً. لقد ألهم نجاح منتخب إنجلترا للسيدات الأمة بأكملها، لكن المهمة الأصعب تبدأ الآن.
الواضح أن كرة القدم للسيدات بحاجة إلى رعاية وتعزيز جذورها ـ وتعد الاستراتيجية الوطنية الجديدة لاتحاد الكرة المعنية بالفتيات من عمر الخامسة حتى الـ11 خطوة في الاتجاه الصحيح ـ إضافة إلى النضال لتحقيق معدلات أكثر تناغماً للمشاركة في المباريات والمنافسات.
يذكر أن متوسط الحضور الجماهيري خلال مباريات الدوري الممتاز للسيدات الموسم الماضي كان أقل من ألف. ولك أن تتخيل تأثير إذاعة مباراة من الدوري الممتاز للسيدات خلال ظهيرة أيام الأحد عبر قناة «بي بي سي الثانية».
في هذه الأثناء، تبقى النقطة المحورية أن نجاح النخبة الرياضية ليس كافياً لدفع مزيد من الأشخاص نحو النشاط الرياضي.
يذكر أنه بعد فوز بريطانيا بميدالية أولمبية وحيدة خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في أتلانتا عام 1996، حدثت ثورة في التمويل الحكومي دفعت بالفريق الأولمبي لبريطانيا العظمى وشمال آيرلندا نحو رأس القائمة. فهل نأمل في ثورة مشابهة تدفع بالباقي نحو اقتحام الحقل الرياضي، أيضاً؟



مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (تويتر)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.