البدانة في البلدان العربية ضعف المعدل العالمي

البدانة في البلدان العربية ضعف المعدل العالمي
TT

البدانة في البلدان العربية ضعف المعدل العالمي

البدانة في البلدان العربية ضعف المعدل العالمي

تعتبر السمنة واحدة من أكثر مشكلات الصحة العالمية انتشاراً في الوقت الحاضر، ولكن لا يلتفت كثيرون إليها، لأن الحديث عن «سوء التغذية» غالباً ما ينحصر في قضايا الجوع، وضعف القدرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية.
وفيما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى معاناة 462 مليون إنسان بالغ حول العالم من نقص الوزن، فإن عدد من يواجهون مشكلات زيادة الوزن والسمنة بين البالغين كان 1.9 مليار شخص.
ويضع تقرير «التغذية العالمي 2018»، الصادر عن منظمة «مبادرات التنمية»، زيادة الوزن والسمنة لدى البالغين والأطفال بين مؤشرات التغذية الأساسية التي لا تتفق مع التوجهات العالمية السليمة، وذلك إلى جانب نقص نمو الأطفال وهزالهم، وارتفاع الضغط الشرياني لدى البالغين، وفقر الدم الحاد، وزيادة استهلاك ملح الطعام.

- السمنة إلى ازدياد عالمياً
تُعرّف زيادة الوزن بأنها تراكم غير طبيعي أو مفرط للدهون قد يُلحق ضرراً بصحة الإنسان. وهي حالة معقدة، لها أبعاد اجتماعية ونفسية خطيرة، تؤثر على جميع الفئات العمرية والاجتماعية والاقتصادية تقريباً، وتهدد بإرهاق البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.
ومن الشائع استخدام مؤشر كتلة الجسم لتصنيف الوزن الزائد والسمنة لدى البالغين، ويجري تحديده بقسمة وزن الشخص بالكيلوغرام على مربع طوله بالمتر، فإذا تجاوز ناتج القسمة 30 كان الشخص يعاني من السمنة، وإذا تراوح الناتج ما بين 25 و30، فإن الشخص ذو وزن زائد. أما ما يتعلق بالأطفال، فإن زيادة الوزن ترتبط أيضاً بالعمر، حيث توجد قيم وسطية مرجعية تحددها منظمة الصحة العالمية.
وتنتج زيادة الوزن والسمنة عن اختلال التوازن بين زيادة استهلاك الأطعمة الغنية بالطاقة، من دون زيادة مقابلة في النشاط البدني. كما أن انخفاض مستوى النشاط البدني مع الحفاظ على معدل تغذية مستقر يؤدي إلى خلل في حرق الطاقة، ويتسبب بزيادة الوزن.
ويشهد العالم سنة بعد سنة ارتفاعاً لافتاً في معدلات الوزن الزائد، إذ تضاعف انتشار السمنة 3 مرات تقريباً بين عامي 1975 و2016، وأصبح 39 في المائة ممن تزيد أعمارهم عن 18 سنة يعانون زيادة في الوزن، ونحو ثلثهم
يعانون من السمنة، بينما يعاني 340 مليون طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 5 و19 سنة من زيادة الوزن أو السمنة.
وفي جميع أنحاء العالم، تؤدي زيادة الوزن والسمنة إلى ارتفاع عدد الوفيات أكثر مما يتسبب به نقص الوزن، فمؤشر كتلة الجسم المرتفع عامل خطر رئيسي للأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية وداء السكري والاضطرابات العضلية الهيكلية وبعض أنواع السرطان. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن ارتفاع الوزن فوق المعدل مسؤول عن 2.8 مليون وفاة حول العالم سنوياً.
وتؤدي السمنة لدى الأطفال إلى زيادة احتمالات الوفاة المبكرة والإعاقة في مرحلة البلوغ. وإلى جانب زيادة المخاطر المستقبلية، يعاني الأطفال المصابون بالسمنة من صعوبات في التنفس، وزيادة خطر الإصابة بالكسور، وارتفاع ضغط الدم والعلامات المبكرة لأمراض القلب والأوعية الدموية ومقاومة الأنسولين والآثار النفسية.
وبينما تكافح البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل للتعامل مع مشكلات الأمراض المعدية ونقص التغذية، فإنها تعاني أيضاً من ارتفاع سريع في عوامل خطر الإصابة بالأمراض غير السارية، مثل السمنة وزيادة الوزن، خصوصاً في المناطق الحضرية. ومن الشائع أن نجد مشكلات نقص التغذية والسمنة مترافقة معاً في البلد الواحد، وضمن المجتمع عينه، بل وداخل الأسرة ذاتها.
ومن المعروف أن الأطفال في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أكثر عرضة لنقص التغذية في مراحل ما قبل الولادة والرضاعة والفطام. وفي الوقت نفسه، يتعرض هؤلاء الأطفال لأطعمة غنية بالدهون وعالية السكر وعالية الملح وكثيفة بالطاقة والمغذيات الدقيقة المنخفضة التكلفة وذات الجودة الغذائية المنخفضة. وتؤدي هذه الأنماط الغذائية، جنباً إلى جنب مع انخفاض مستويات النشاط البدني، إلى زيادة حادة في سمنة الأطفال، في حين تبقى مشكلات نقص التغذية من دون حل.

- معدلات قياسية في العالم العربي
وتسجّل زيادة الوزن في العالم العربي معدلات مرتفعة للغاية، مقارنة بالنسب العالمية، لا سيما في الدول الخليجية، كما تشهد المنطقة زيادة مرتفعة في هذه المعدلات على مر الزمن تفوق الاتجاه العالمي. ووفقاً لتقديرات سوء التغذية بين الأطفال ما دون الخامسة، الصادرة في مارس (آذار) 2019 عن منظمة الصحة العالمية و«اليونيسيف» والبنك الدولي، نجد أن نسبة زيادة الوزن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفعت من 7.9 في المائة في سنة 1990 إلى 11.2 في المائة (5.4 مليون طفل) في سنة 2018، أي بمعدل نمو تجاوز 40 في المائة، في حين كانت النسب العالمية المقابلة هي 4.8 و5.9 على التوالي، بمعدل نمو يقترب من 23 في المائة. ولا يتفوق على المنطقة العربية في معدلات انتشار زيادة الوزن بين الأطفال ما دون الخامسة سوى دول أفريقيا الجنوبية، حيث بلغت نسبة زيادة الوزن في سنة 2018 نحو 13 في المائة.
واللافت أن زيادة الوزن بين الأطفال ما دون الخامسة في العالم العربي هي الظاهرة الأكثر بروزاً بين حالات سوء التغذية الأخرى، إذا ما جرت المقارنة مع النسب العالمية. وفي سنة 2018، كانت نسبة الأطفال العرب الذين يواجهون ضعفاً في النمو 14.7 في المائة (7.1 مليون طفل)، وهي تقل عن المعدل العالمي الذي يبلغ 21.9 في المائة. كما كانت نسبة الأطفال العرب الذين يعانون من الهزال المتوسط والشديد 7.7 في المائة (3.7 مليون طفل)، وهي تزيد قليلاً عن المعدل العالمي الذي يصل إلى 7.3 في المائة.
ولا يقتصر الأمر على الأطفال، إذ إن زيادة الوزن بين من تجاوز الثامنة عشر في العالم العربي تعد أيضاً لافتة. ومقارنة بالمعدل العالمي الذي يبلغ 39 في المائة في سنة 2016، نجد أن انتشار زيادة الوزن في الدول العربية، باستثناء جيبوتي وموريتانيا والسودان وجزر القمر والصومال، يتجاوز هذا المعدل ليقفز فوق 70 في المائة في الكويت وقطر، وفوق 60 في المائة في السعودية ولبنان والأردن والإمارات وليبيا والبحرين وتونس ومصر والجزائر.
أما تاريخياً، فإن البلاد العربية التي شهدت أكبر زيادة في معدلات السمنة وزيادة الوزن خلال السنوات بين 1975 و2016 هي التي تسجل حالياً أقل المعدلات، مثل موريتانيا والسودان وجزر القمر والصومال، حيث تضاعفت نسب السمنة وزيادة الوزن ما بين 2.6 و3.8 أضعاف.
وفيما يتساوى الرجال والنساء عالمياً في المعدل الوسطي لانتشار السمنة وزيادة الوزن، نجد أن النساء في العالم العربي يعانين أكثر من هذه المشكلة، خصوصاً بين مواطني الدول الأقل دخلاً، مثل جيبوتي ومصر والصومال والسودان وجزر القمر، في حين نجد أن الفوارق أقل بين مواطني الدول الأعلى دخلاً، مثل لبنان والدول الخليجية. وهذا الاتجاه في الدول العربية ينسجم مع الاتجاه العالمي، حيث يبدو أن النساء يحظين بفرصة أكبر للاهتمام بوزنهن، مقارنة بالرجال في الدول ذات الدخل المرتفع، وينعكس الوضع كلما انخفض معدل الدخل.

- كيف يمكن تخفيض الوزن؟
تعد البيئات والمجتمعات الداعمة أمراً أساسياً في تشكيل اختيارات الأشخاص، ويمكن تقليل زيادة الوزن والسمنة من خلال الاعتماد على الأغذية الصحية، وتحسين النشاط البدني المنتظم. على المستوى الفردي، يجب الحد من استهلاك الأغذية ذات السعرات الحرارية المرتفعة، كالدهون والسكريات، وزيادة استهلاك الفواكه والخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات، وممارسة النشاط البدني بانتظام (60 دقيقة في اليوم للأطفال، و150 دقيقة موزعة على مدار الأسبوع للبالغين).
أما على المستوى المجتمعي، فمن المهم دعم الأفراد في اتباع هذه التوصيات، عبر سياسات تجعل النشاط البدني المنتظم والخيارات الغذائية الصحية متاحة بسهولة وبأسعار معقولة، ولا سيما للأفراد الأكثر فقراً. ويمكن أيضاً فرض ضريبة على المشروبات المحلاة بالسكر، كما يمكن أن تلعب صناعة الأغذية دوراً في تعزيز النظم الغذائية الصحية، عن طريق تقليل نسب الدهون والسكر والملح في الأطعمة المصنّعة، مع توفير خيارات صحية ومغذية، وبأسعار مقبولة لجميع المستهلكين.
لا تزال الدول العربية تواجه مشكلة زيادة الوزن والسمنة بخطى خجولة لا تتجاوز في كثير من الأحيان التشجيع على التنقل مشياً أو باستخدام الدراجات، وتنظيم مسابقات الجري في أيام محددة سنوياً للتوعية بأهمية النشاط البدني. ولا تضع الدول العربية قيوداً مؤثرة على تسويق الأغذية والمشروبات للأطفال واليافعين، وإن كانت بعض الشركات العالمية العاملة في دول الخليج قد تعهدت طوعياً بعدم تسويق منتجاتها للأطفال دون الثانية عشرة، في حال عدم استيفاء هذه المنتجات لشروط غذائية محددة.
كما أن قلة من الدول العربية تضع ضوابط لتسويق المواد الغذائية التكميلية للأطفال الذين يقل عمرهم عن 3 سنوات. وفي حال كانت هذه الضوابط موجودة، فإن متابعة تطبيقها لا تلقى الاهتمام المطلوب. ومن الخطوات الإيجابية في هذا المجال التشريعات الصادرة في لبنان والكويت لحظر ترويج المنتجات التكميلية الموجهة للرضع، بما فيها أساليب الدعاية والإعلان عند نقاط البيع وعلى العبوات وخلال الفعاليات العامة.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».