«متحف الفن الحديث» في نيويورك يغلق أبوابه للتغيير

نقّاد الفن والعمارة يلقون نظرة على الأعمال الفنية المفضلة والشهيرة

متحف الفن الحديث في نيويورك
متحف الفن الحديث في نيويورك
TT

«متحف الفن الحديث» في نيويورك يغلق أبوابه للتغيير

متحف الفن الحديث في نيويورك
متحف الفن الحديث في نيويورك

يتجه متحف الفن الحديث صوب الإغلاق اعتباراً من 15 يونيو (حزيران) الحالي، حتى يتسنى استكمال أعمال التوسع الأخيرة التي هي في حقيقتها محاولة للإصلاح. ومع اقتراب المتحف من حافة التغيير، انتهز نقاد الفن والعمارة في صحيفة «نيويورك تايمز» الفرصة لإعادة النظر في الأعمال الفنية المفضلة (والشهيرة)، وإلقاء نظرة على المعارض التي لم تبدأ بعد، والتأمل في الآثار المترتبة على حالة الوعي الافتراضي، التي أسفرت عن فقدان متحف الفنون الشعبية الأميركية المجاور الذي أصبح الآن جزءاً من «متحف الفن الحديث» الجديد.
خلال الشهور الأربعة المقبلة، سيفتح المتحف ستة منافذ في الجدار الغربي لربط الطوابق الثلاثة من المعارض الجديدة بالمعارض الحالية، وسيُثبّت أكبر مساحة عرض على الإطلاق للمجموعة الدائمة الكبيرة، وهو الإنجاز الذي كان يخطط له أمناء المتحف منذ سنوات.
وعلمنا أنه مع إعادة افتتاح المتحف في 21 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بعد استكمال عمليات الإصلاح بتكلفة 450 مليون دولار، سيكون المتحف في صورته الجديدة أكثر راحة للزائرين، ويسمح بتدفق أفضل للحركة داخله، ويوفر وصولاً سهلاً إلى الطابق الأرضي ومعارضه الجديدة، ويضيف نحو 40 ألف قدم مربعة من المعروضات الدائمة، ولكن الأكثر أهمية من ذلك أن قصة الحداثة، كما نعرفها، التي يهيمن عليها العباقرة من الذكور الأوروبيين، سوف تخضع لتنقيح كبير، وتوسّع شامل، لجعلها أكثر شمولاً عن ذي قبل.
واستعداداً للإغلاق، فكّك متحف الفن الحديث صالات العرض الدائمة في الطابق الرابع، وأعاد توزيعها بصورة طفيفة في الطابق الخامس بأسلوب يشير إلى التغييرات الكبيرة المقبلة. ومن واقع تقييم ما تبقى من العرض، مثالاً بأوراق الشاي، فإنه يسمح بلحظة تأمل في ماضي وحاضر ومستقبل «متحف الفن الحديث»، وقبل كل شيء التحديات التي تواجه المتحف في الأيام المقبلة.
حتى قبل الدخول إلى صالات العرض في الطابق الخامس، هناك لَفْتات كبيرة وصغيرة ينبغي الانتباه إليها. وفي منتصف أبريل (نيسان) الماضي، أي قبل أقل من شهرين على الإغلاق، واجه «متحف الفن الحديث» معضلة تركيب جدارية «رابسودي» من أعمال الفنانة جنيفر بارتليت لعام 1975 - 1976، في القاعة. وهي بالنسبة لفريق الإعداد من الكوابيس الكبيرة في صورة 987 بلاطة من الصلب، مقاس 12 بوصة، التي تتناسب تماماً مع الجدران الطويلة في تلك المساحة الممتدة، وتستغرق هذه المعركة البهيجة من الأنماط الفنية والعقلية التجريدية نظاماً هندسيّاً بالغ الصرامة والواقعية المعبرة عن الطلاء والأرقام، وكل ما يتمازج بينهما. وهي تبدو أكثر استبصاراً من أي وقت مضى، وتجسّد في بعض النواحي حالة التعددية الفنية التي يحتاج «متحف الفن الحديث» إلى استهدافها في مشواره الفني المقبل.
ويمكن التنبه إلى لمحة بسيطة للإمكانات بقرب مصعد الطابق الخامس، حيث تستقر لوحة بعنوان «أبراهام لينكولن، المحرر العظيم، يعفو عن الحارس» للفنان هوراس بيبين، الرسام الأميركي الأفريقي العصامي الكبير، وهي معلّقة إلى جوار لوحة «كريستينا وورلد»، من أعمال الفنان الأميركي الواقعي الأبيض أندرو وايث، وهي واحدة من أبرز اللوحات المعبرة عن الفن الحديث. ومن شأن ذلك أن يبشر بالخير بالنسبة إلى الرؤية الواضحة والمكانة المتساوية للفنانين الأميركيين الذين يحظون بالشهرة والمعرفة الكبيرتين والذين لعبت أعمالهم الفنية الدور الأكبر في السنوات الأولى من عمر «متحف الفن الحديث». ولقد حان الوقت كذلك لإنهاء حالة التهميش التي تعتري الفن الأميركي لما قبل الحرب العالمية الثانية، لأنه ينبغي أن تمتزج مع الفنون من داخل أوروبا وخارجها سواء بسواء.
وتعبر المجموعة، التي يجري تثبيتها الآن في صالات العرض بالطابق الخامس، عن التدابير المؤقتة المتخَذة بعناية لخدمة الوقت الضيق المتبقي، التي تبدأ بالآثار المعيارية لما بعد الانطباعية والتكعيبية والتحررية، لتنتهي مع راية غاسبر جونز لعام 1958، حتى تتلمس المنهج الأكثر شمولية من الفنانين الأفارقة وغير الذكوريين من حيث النزعة الفنية. وهي لقطة عابرة للمجموعة في حالة تغير مستمرة، ونظرة واحدة مليئة بالاحتمالية مع القليل من البؤس.
وفي بعض الأماكن، سترى «متحف الفن الحديث» وهو يحاول تجاوز نظرته الخطية للتاريخ ميمماً شطر العدالة والواقعية لهذه النظرة الأكثر تعقيداً. ولكن الأمر سوف يتطلب بعض الوقت والجهد.
ومن الأمور المثيرة للاستغراب، غياب الأعمال الفنية النسائية من صالات العرض الأولى في المتحف. وكان الاستثناء الوحيد للنزعة الذكورية المهيمنة لوحة «السوق البرتغالية»، من أعمال الفنانة سونيا ديلوناي تيرك لعام 1915، التي حصل المتحف عليها في عام 1955.
وفي الانطلاق التالي للمجموعة، هناك وعود بمزج الوسائط التي تساعد في تغطية الندرة الواضحة في أعمال الفنانات. على سبيل المثال، وفقاً للمجموعة المدرَجة على الإنترنت، ليس لدى «متحف الفن الحديث» أي لوحات للفنانة ماري لورينسن، ولكن المتحف لديه كثير من مطبوعاتها ورسوماتها التي يمكن عرضها ضمن الترتيب الجديد للمعروضات. ولا يملك متحف الفن الحديث أي لوحات للفنانة الألمانية التعبيرية الموهوبة غابرييل مونتر، كما هو واضح من موقعه الإلكتروني. وقد يحاول المتحف بيع أو مقايضة بعض من لوحات الفنان بيكاسو في مقابل الحصول على أعمال الفنانات اللامعات من هذه الفترة الفنية الحاسمة، وربما يُعد هذا أكبر التحديات التي يواجهها المتحف حتى الآن. وقد يبدو بيع لوحات بيكاسو من قبيل التجديف الفني، إلا أنه لن يؤدي فقط إلى تحقيق التوازن الفني ما بين الجنسين، ولكنه سيضبط المقاييس في المجموعة الفنية التي تميل لصالح بيكاسو بشكل كبير (يعرض متحف الفن الحديث 1241 عملاً من أعمال بيكاسو على الإنترنت، مقارنة بـ385 عملاً للفنان هنري ماتيس، و46 عملاً من أعمال الفنان بارك). وبيع لوحات بيكاسو لن يكون بدعة مستحدثة، فهناك «كتالوغ» مخصص للأعمال التي يمكن بيعها من جمع الفنان مايكل آشر، وهي تشير إلى أن «متحف الفن الحديث» قد باع من قبل 20 لوحة من لوحات بيكاسو بين عامي 1929 و1998.
لن يرى الزائر أي لوحة من أعمال لنساء حتى الوصول إلى صالة العرض السابعة، حيث لوحة «فيجر» من أعمال الفنانة الروسية البنائية فارفارا ستيبانوفا لعام 1921 (التي حصل المتحف عليها في عام 1941)، والتي تتقاسم الركن الجداري مع لوحة «تكوين الدوائر والزوايا المتداخلة» للفنانة التجريدية صوفي توبر أربس لعام 1930 (وحصل المتحف عليها في عام 1983). ويغادر العرض القارة الأوروبية بلوحة «كولوريثم 1»، من أعمال الفنان الفنزويلي أليخاندرو أوتيرو لعام 1955، وهي لوحة فنية خشبية تم الحصول عليها سريعاً في عام 1956، ولوحة أخرى بعنوان «مساحات على سطح مدرج 4» للفنانة البرازيلية ليجيا كلارك. وبدأت أعمالها من خشب الفورميكا والطلاء الصناعي على الأخشاب في عام 1957، ولكنها لم تصل إلى المتحف حتى عام 1983.
وفي صالات العرض الأخيرة من الطابق الخامس، المخصصة في المقام الأول للسريالية التي تعود إلى خمسينات وستينات القرن العشرين، تعطلت قافلة الإبداع الذكوري على أيدي لي كرازنر، وهيلين فرانكنهالر، وميريت أوبنهايم، وفريدا كاهلو، ولويز بورغوا، مع الاستحواذات الأخيرة على أيدي الفنانين الأفارقة أمثال نورمان لويس، وبيوفورد ديلاني. وهناك لوحة بالطلاء الأحمر الزاهي الذي يشبه الحمم البركانية من أعمال الفنان كازيو شيراغا لعام 1964، المعروف أنه يرسم اللوحات بقدميه. ولقد تمكن المتحف من الحصول عليها خلال العام الحالي، وهي تجعل لوحة «فير هيرويكاس سابليميس» لفنان الكلاسيكية التعبيرية بارنيت نيومان، تبدو باهتة للغاية.
ومن أبرز المعالم الأكثر جذباً للانتباه في هذا المكان، لوحة «القمر» التجريدية للفنانة البرازيلية الحداثية تارسيلا دو أمارال لعام 1928، ولكنها تسبق زمانها بعقود ممتدة. ولم يتمكن المتحف من الحصول عليها إلا العام الحالي فقط. وخارج صالات العرض، لا يمكنك تفويت لوحة الفنانة فيث رينغولد بعنوان «سلسلة الشعب الأميركي العشرينية: الوفاة»، لعام 1967، وهي تصوّر عاماً كاملاً من أعمال الشغب العرقية واسعة الانتشار في الولايات المتحدة الأميركية. ولقد حصل المتحف عليها بعد 50 عاماً من الانتهاء منها.
يلقى الإغلاق الوشيك وإعادة الافتتاح المنتظرة لـ«متحف الفن الحديث» الاهتمام الكبير الآن من أي وقت مضى، إذ يمكنك أن ترى المستقبل يحلق في أفق ماضي المتحف المتلألئ الزاهي، وهو الماضي الذي يحاول المتحف تمديده وإطالة عمره وإعادة ترتيبه. وينبغي للكيفية والعمق والفعالية التي سيجري بها الأمر أن تبقي مسامعنا وأذهاننا في حالة من الترقب الشديدة طوال الصيف الحالي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».