نفايات في الفضاء... تلوث خطير تعززه الشركات الناشئة

صورة افتراضية لمخلفات فضائية
صورة افتراضية لمخلفات فضائية
TT

نفايات في الفضاء... تلوث خطير تعززه الشركات الناشئة

صورة افتراضية لمخلفات فضائية
صورة افتراضية لمخلفات فضائية

خلال قيامهم بمهمة لصالح وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، تعرض رواد فضاء لسلسلة من الحوادث الكارثية بعد إطلاق صاروخ روسي لتدمير قمر اصطناعي قريب منهم. تسبب الحطام الفضائي الناتج عن الانفجار بإلحاق ضرر كبير بالمركبة الأميركية، مما أجبر الرواد على مغادرتها، والالتحاق بمحطة فضاء دولية تابعة للصين من أجل العودة إلى الأرض.
هذه الحادثة هي من فيلم أميركي بعنوان «جاذبية»، ولكن هذا النوع من الدراما المثيرة التي تقوم على الخيال العلمي ربما يصبح قريباً واقعاً مأساوياً، مع ازدياد مخاطر النفايات الفضائية التي يتسبب بها البشر.

- شركات ناشئة تغزو الفضاء
قبل أيام قليلة، نجحت شركة «سبيس إكس» في إطلاق الصاروخ «فالكون 9» الذي عمل على نقل 60 قمراً اصطناعياً مخصصاً للاتصالات إلى مدار خارجي يبعد ألفي كيلومتر عن سطح الأرض. هذه الشركة الخاصة التي يديرها رائد الأعمال المعروف إيلون ماسك، رئيس شركة «تيسلا» للسيارات الكهربائية، تخطط في نهاية المطاف لإطلاق نحو 12 ألف قمر اصطناعي لتشكيل شبكتها الخاصة بالاتصالات التي تغطي الكوكب.
ولا يقتصر الأمر على شركة «سبيس إكس»؛ ذلك أن شركات ناشئة أخرى تبذل مساعيها لاقتحام سوق الاتصالات الفضائية التي تعتمد على الأقمار الاصطناعية، مثل شركة «وان ويب» التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، وشركة «أمازون» عملاق تجارة التجزئة عبر الإنترنت، لكن طموح هذه الشركات يجعل من قضية السلامة في الفضاء مثار قلق.
في مطلع يونيو (حزيران) 2019، كان في الفضاء نحو 2200 قمر اصطناعي، بما فيها 45 قمراً تملكه أو تستثمره هيئات عربية. ويشير ذلك إلى زيادة بمقدار 15 في المائة خلال سنة واحدة، ومن المتوقع أن تصل إلى 30 في المائة سنوياً، قبل أن يتراجع المعدل مرة أخرى. ويخشى المختصون من أن وجود هذه الأقمار ضمن ما يمكن وصفه بـ«الطرق المدارية السريعة» قد يؤدي إلى حصول تصادم وإنتاج حطام فضائي يؤدي إلى مزيد من الحوادث الكارثية.
وتحاول شركة «سبيس إكس» التقليل من هذه المخاوف بإضافة تقنية جديدة إلى أقمارها تمنحها القدرة على تتبع الحطام المداري وتجنبه. وتشير الشركة إلى أن مجمل مكونات الأقمار الخاصة بها جرى تصنيعها من مواد تحترق بسرعة عند إيقاف تشغيلها وعودتها إلى الغلاف الجوي، وذلك وفقاً لتصاميم تتفوق على معايير السلامة الحالية.
وتمثل الأجسام التي يصنعها البشر ويرسلونها إلى الفضاء مصدر قلق دائم منذ إطلاق القمر الاصطناعي الأول «سبوتنك 1» عام 1957. وعلى أثر هذه المهمة الروسية الناجحة، بدأت قيادة دفاع الفضاء الجوي الأميركية الشمالية في بناء قاعدة بيانات (كاتالوغ الأجسام الفضائية) لجميع إطلاقات الصواريخ المعروفة والأجسام التي تصل إلى الفضاء، بما فيها الأقمار الاصطناعية والدروع الواقية وأجزاء الدفع الصاروخي.
كان العاملون في تسجيل البيانات على دراية بمعطيات أخرى تحصل في المدار، لا سيما حوادث الاصطدام المدمرة. بعض هذه الحوادث كان متعمداً في أثناء اختبار الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية في الستينات، وبعضها حصل خلال مراحل إطلاق الصواريخ وتحرير خزانات الوقود.
خلال السبعينات، كان من الشائع الاعتقاد أن انحدار الحطام الفضائي إلى المدارات الأرضية الأدنى سيؤدي إلى زواله بسرعة، لكن العالم دونالد كيسلر من وكالة «ناسا» أطلق عام 1978 نظريته التي تربط بين زيادة أعداد الأقمار الاصطناعية في الفضاء وازدياد فرصة اصطدام بعضها ببعض، مما يؤدي إلى تكون غيوم من الشظايا تتسبب بدورها في مزيد من التصادمات.
وأنتجت المهمات الفضائية خلال الأعوام الستين الماضية، وفقاً لمعطيات نشرتها وكالة الفضاء الأوروبية في مايو (أيار) 2019، نحو 130 مليون قطعة حطام في الفضاء، يتراوح حجمها بين بضعة ملليمترات وعدة أمتار. وتعتبر الوكالة أن أكثر من 900 ألف قطعة هي من الحجم الذي يكفي لإلحاق ضرر أو تدمير مركبة فضائية في حال التصادم معها. ويمكن لحادث كهذا أن يترك آثاراً خطيرة على الخدمات اليومية القائمة على الأقمار الاصطناعية، مثل الملاحة والاتصالات ومراقبة الطقس والمناخ.

- حوادث اصطدام خطرة
مع ازدياد أعدادها، باتت المخلفات الفضائية تهدد سلامة المركبات والأجسام الفضائية، لا سيما محطة الفضاء الدولية. وفي مارس (آذار) 2009، جرى إخلاء المحطة إثر اقتراب جسم فضائي بصورة خطيرة منها.
وفيما قُدّر طول الجسم بأقل من سنتيمتر واحد، كانت له قدرة تخريبية تكفي لتهديد مستقبل المحطة الدولية التي تقدّر قيمتها بنحو 100 مليار دولار. ونتيجة لتأخر إبلاغ رواد المحطة بالجسم، لم يعد بمقدورهم المناورة حوله، مما اضطرهم إلى إخلاء المحطة، ولجوئهم إلى كبسولة الإنقاذ «سويوز»، كإجراء احترازي.
وفي السنة ذاتها، حصل أول اصطدام بين قمرين اصطناعيين، عندما تصادم القمر الروسي «كوسموس 2251» مع القمر الأميركي «إيريديوم 33» على ارتفاع 800 كيلومتر فوق شمال سيبيريا، وقد أدى الاصطدام إلى تدمير القمرين، وتشكيل حطام فضائي.
وفي سنة 2017، أجرت «ناسا» 21 مناورة لمنع حدوث ارتطام فضائي بمركبات غير مأهولة، 4 منها كانت لتجنب مخلفات قمر دمرته الصين سنة 2007 في اختبار للصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية، واثنتين لتفادي الارتطام ببقايا المحطة «إيريديوم 33».
أما أسوأ الحوادث المتعلقة بدخول المخلفات الفضائية إلى المجال الجوي، فكان في شهر يوليو (تموز) 1979، عندما اخترقت المحطة الأميركية «سكاي لاب» المجال الجوي للأرض قبل الموعد المحدد لها، وسقطت أجزاؤها التي تزن 78 طناً على مواقع متفرقة من أستراليا.
وفي سنة 2001، سقطت وحدة الحمل المساعد للقمر الاصطناعي «ستار 48»، الخاص بتحديد الموقع الشامل (جي بي إس)، على بعد 240 كيلومتراً من العاصمة السعودية الرياض. وكانت هذه الوحدة قد أنجزت عملها في سنة 1993، حيث استغرقها الأمر 8 سنوات، لتسقط عائدة إلى الأرض بعد مسارها المداري.
وفي مارس (آذار) 2019، انضمت الهند إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين في سباق التسلح الفضائي، بعد تدميرها لقمر اصطناعي يتبع لها بصاروخ أرضي. وعلى أثر ذلك، أعلنت وكالة الفضاء الأميركية أن التجربة الهندية أنتجت 400 شظية تدور حول الأرض، وأكدت زيادة احتمال خطر اصطدام المخلفات بمحطة الفضاء الدولية بنسبة 44 في المائة خلال الأيام العشرة التي تلت التجربة.
ويتعاون كثير من وكالات الفضاء والهيئات المعنية على تعقب الحطام الفضائي لتجنّب أضراره. وقبل أيام، وقّعت «الهيئة المصرية للاستشعار عن بعد» اتفاقيتي تعاون مع روسيا والصين للحصول على برمجيات وتلسكوب ليزري لرصد الحطام الفضائي من خلال كاميرات موزعة في مناطق القطامية وحلوان والسويس. ونتيجة لحوادث التصادم المتكررة ومخاطرها المتزايدة، بسبب التنافس المحموم باتجاه الفضاء، يعمل حالياً فريق مشترك من معهد ماساشوستس التقني ووكالة الفضاء الأوروبية على وضع نظام مستقل لتقييم قرارات المشغلين عند إطلاق أقمار اصطناعية جديدة أو أي نوع من المركبات الفضائية.
ويهدف النظام الجديد، الذي أطلق عليه اسم «تصنيف استدامة الفضاء»، إلى مساءلة الشركات والحكومات عن تصرفاتها في الفضاء الخارجي، مع تزايد عدد مهماتها الفضائية. ويسعى القائمون على المشروع إلى وضع مقياس يحدد مدى اتباع أنظمة الأقمار الاصطناعية إرشادات ضمان استدامة الفضاء على المدى الطويل.
ويتصور مؤيدو المشروع أن هذا التصنيف سيكون مشابهاً إلى حد ما لنظام الريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED) المستخدم في تحديد كفاءة استخدام الطاقة ضمن المباني.
لكن خطر النفايات الفضائية ليس محصوراً في حوادث التصادم، إذ قد يكون لتكاثرها في المستقبل أثر على نوعية الهواء. ووفق علماء البيئة، يشكّل هذا تحدياً جدياً من الضروري مراقبته عن كثب.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».