نفايات في الفضاء... تلوث خطير تعززه الشركات الناشئة

صورة افتراضية لمخلفات فضائية
صورة افتراضية لمخلفات فضائية
TT

نفايات في الفضاء... تلوث خطير تعززه الشركات الناشئة

صورة افتراضية لمخلفات فضائية
صورة افتراضية لمخلفات فضائية

خلال قيامهم بمهمة لصالح وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، تعرض رواد فضاء لسلسلة من الحوادث الكارثية بعد إطلاق صاروخ روسي لتدمير قمر اصطناعي قريب منهم. تسبب الحطام الفضائي الناتج عن الانفجار بإلحاق ضرر كبير بالمركبة الأميركية، مما أجبر الرواد على مغادرتها، والالتحاق بمحطة فضاء دولية تابعة للصين من أجل العودة إلى الأرض.
هذه الحادثة هي من فيلم أميركي بعنوان «جاذبية»، ولكن هذا النوع من الدراما المثيرة التي تقوم على الخيال العلمي ربما يصبح قريباً واقعاً مأساوياً، مع ازدياد مخاطر النفايات الفضائية التي يتسبب بها البشر.

- شركات ناشئة تغزو الفضاء
قبل أيام قليلة، نجحت شركة «سبيس إكس» في إطلاق الصاروخ «فالكون 9» الذي عمل على نقل 60 قمراً اصطناعياً مخصصاً للاتصالات إلى مدار خارجي يبعد ألفي كيلومتر عن سطح الأرض. هذه الشركة الخاصة التي يديرها رائد الأعمال المعروف إيلون ماسك، رئيس شركة «تيسلا» للسيارات الكهربائية، تخطط في نهاية المطاف لإطلاق نحو 12 ألف قمر اصطناعي لتشكيل شبكتها الخاصة بالاتصالات التي تغطي الكوكب.
ولا يقتصر الأمر على شركة «سبيس إكس»؛ ذلك أن شركات ناشئة أخرى تبذل مساعيها لاقتحام سوق الاتصالات الفضائية التي تعتمد على الأقمار الاصطناعية، مثل شركة «وان ويب» التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، وشركة «أمازون» عملاق تجارة التجزئة عبر الإنترنت، لكن طموح هذه الشركات يجعل من قضية السلامة في الفضاء مثار قلق.
في مطلع يونيو (حزيران) 2019، كان في الفضاء نحو 2200 قمر اصطناعي، بما فيها 45 قمراً تملكه أو تستثمره هيئات عربية. ويشير ذلك إلى زيادة بمقدار 15 في المائة خلال سنة واحدة، ومن المتوقع أن تصل إلى 30 في المائة سنوياً، قبل أن يتراجع المعدل مرة أخرى. ويخشى المختصون من أن وجود هذه الأقمار ضمن ما يمكن وصفه بـ«الطرق المدارية السريعة» قد يؤدي إلى حصول تصادم وإنتاج حطام فضائي يؤدي إلى مزيد من الحوادث الكارثية.
وتحاول شركة «سبيس إكس» التقليل من هذه المخاوف بإضافة تقنية جديدة إلى أقمارها تمنحها القدرة على تتبع الحطام المداري وتجنبه. وتشير الشركة إلى أن مجمل مكونات الأقمار الخاصة بها جرى تصنيعها من مواد تحترق بسرعة عند إيقاف تشغيلها وعودتها إلى الغلاف الجوي، وذلك وفقاً لتصاميم تتفوق على معايير السلامة الحالية.
وتمثل الأجسام التي يصنعها البشر ويرسلونها إلى الفضاء مصدر قلق دائم منذ إطلاق القمر الاصطناعي الأول «سبوتنك 1» عام 1957. وعلى أثر هذه المهمة الروسية الناجحة، بدأت قيادة دفاع الفضاء الجوي الأميركية الشمالية في بناء قاعدة بيانات (كاتالوغ الأجسام الفضائية) لجميع إطلاقات الصواريخ المعروفة والأجسام التي تصل إلى الفضاء، بما فيها الأقمار الاصطناعية والدروع الواقية وأجزاء الدفع الصاروخي.
كان العاملون في تسجيل البيانات على دراية بمعطيات أخرى تحصل في المدار، لا سيما حوادث الاصطدام المدمرة. بعض هذه الحوادث كان متعمداً في أثناء اختبار الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية في الستينات، وبعضها حصل خلال مراحل إطلاق الصواريخ وتحرير خزانات الوقود.
خلال السبعينات، كان من الشائع الاعتقاد أن انحدار الحطام الفضائي إلى المدارات الأرضية الأدنى سيؤدي إلى زواله بسرعة، لكن العالم دونالد كيسلر من وكالة «ناسا» أطلق عام 1978 نظريته التي تربط بين زيادة أعداد الأقمار الاصطناعية في الفضاء وازدياد فرصة اصطدام بعضها ببعض، مما يؤدي إلى تكون غيوم من الشظايا تتسبب بدورها في مزيد من التصادمات.
وأنتجت المهمات الفضائية خلال الأعوام الستين الماضية، وفقاً لمعطيات نشرتها وكالة الفضاء الأوروبية في مايو (أيار) 2019، نحو 130 مليون قطعة حطام في الفضاء، يتراوح حجمها بين بضعة ملليمترات وعدة أمتار. وتعتبر الوكالة أن أكثر من 900 ألف قطعة هي من الحجم الذي يكفي لإلحاق ضرر أو تدمير مركبة فضائية في حال التصادم معها. ويمكن لحادث كهذا أن يترك آثاراً خطيرة على الخدمات اليومية القائمة على الأقمار الاصطناعية، مثل الملاحة والاتصالات ومراقبة الطقس والمناخ.

- حوادث اصطدام خطرة
مع ازدياد أعدادها، باتت المخلفات الفضائية تهدد سلامة المركبات والأجسام الفضائية، لا سيما محطة الفضاء الدولية. وفي مارس (آذار) 2009، جرى إخلاء المحطة إثر اقتراب جسم فضائي بصورة خطيرة منها.
وفيما قُدّر طول الجسم بأقل من سنتيمتر واحد، كانت له قدرة تخريبية تكفي لتهديد مستقبل المحطة الدولية التي تقدّر قيمتها بنحو 100 مليار دولار. ونتيجة لتأخر إبلاغ رواد المحطة بالجسم، لم يعد بمقدورهم المناورة حوله، مما اضطرهم إلى إخلاء المحطة، ولجوئهم إلى كبسولة الإنقاذ «سويوز»، كإجراء احترازي.
وفي السنة ذاتها، حصل أول اصطدام بين قمرين اصطناعيين، عندما تصادم القمر الروسي «كوسموس 2251» مع القمر الأميركي «إيريديوم 33» على ارتفاع 800 كيلومتر فوق شمال سيبيريا، وقد أدى الاصطدام إلى تدمير القمرين، وتشكيل حطام فضائي.
وفي سنة 2017، أجرت «ناسا» 21 مناورة لمنع حدوث ارتطام فضائي بمركبات غير مأهولة، 4 منها كانت لتجنب مخلفات قمر دمرته الصين سنة 2007 في اختبار للصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية، واثنتين لتفادي الارتطام ببقايا المحطة «إيريديوم 33».
أما أسوأ الحوادث المتعلقة بدخول المخلفات الفضائية إلى المجال الجوي، فكان في شهر يوليو (تموز) 1979، عندما اخترقت المحطة الأميركية «سكاي لاب» المجال الجوي للأرض قبل الموعد المحدد لها، وسقطت أجزاؤها التي تزن 78 طناً على مواقع متفرقة من أستراليا.
وفي سنة 2001، سقطت وحدة الحمل المساعد للقمر الاصطناعي «ستار 48»، الخاص بتحديد الموقع الشامل (جي بي إس)، على بعد 240 كيلومتراً من العاصمة السعودية الرياض. وكانت هذه الوحدة قد أنجزت عملها في سنة 1993، حيث استغرقها الأمر 8 سنوات، لتسقط عائدة إلى الأرض بعد مسارها المداري.
وفي مارس (آذار) 2019، انضمت الهند إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين في سباق التسلح الفضائي، بعد تدميرها لقمر اصطناعي يتبع لها بصاروخ أرضي. وعلى أثر ذلك، أعلنت وكالة الفضاء الأميركية أن التجربة الهندية أنتجت 400 شظية تدور حول الأرض، وأكدت زيادة احتمال خطر اصطدام المخلفات بمحطة الفضاء الدولية بنسبة 44 في المائة خلال الأيام العشرة التي تلت التجربة.
ويتعاون كثير من وكالات الفضاء والهيئات المعنية على تعقب الحطام الفضائي لتجنّب أضراره. وقبل أيام، وقّعت «الهيئة المصرية للاستشعار عن بعد» اتفاقيتي تعاون مع روسيا والصين للحصول على برمجيات وتلسكوب ليزري لرصد الحطام الفضائي من خلال كاميرات موزعة في مناطق القطامية وحلوان والسويس. ونتيجة لحوادث التصادم المتكررة ومخاطرها المتزايدة، بسبب التنافس المحموم باتجاه الفضاء، يعمل حالياً فريق مشترك من معهد ماساشوستس التقني ووكالة الفضاء الأوروبية على وضع نظام مستقل لتقييم قرارات المشغلين عند إطلاق أقمار اصطناعية جديدة أو أي نوع من المركبات الفضائية.
ويهدف النظام الجديد، الذي أطلق عليه اسم «تصنيف استدامة الفضاء»، إلى مساءلة الشركات والحكومات عن تصرفاتها في الفضاء الخارجي، مع تزايد عدد مهماتها الفضائية. ويسعى القائمون على المشروع إلى وضع مقياس يحدد مدى اتباع أنظمة الأقمار الاصطناعية إرشادات ضمان استدامة الفضاء على المدى الطويل.
ويتصور مؤيدو المشروع أن هذا التصنيف سيكون مشابهاً إلى حد ما لنظام الريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED) المستخدم في تحديد كفاءة استخدام الطاقة ضمن المباني.
لكن خطر النفايات الفضائية ليس محصوراً في حوادث التصادم، إذ قد يكون لتكاثرها في المستقبل أثر على نوعية الهواء. ووفق علماء البيئة، يشكّل هذا تحدياً جدياً من الضروري مراقبته عن كثب.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».