المبادرة الأفريقية مع انتقال ديمقراطي سريع... واستجابة مشروطة من قوى التغيير

آبي أحمد التقى طرفي النزاع السوداني وطالب بضرورة التحلي بالشجاعة والمسؤولية... {العسكري} منفتح على التفاوض والوصول إلى حل

آبي أحمد لدى لقائه البرهان في القصر الجمهوري في الخرطوم أمس (رويترز)
آبي أحمد لدى لقائه البرهان في القصر الجمهوري في الخرطوم أمس (رويترز)
TT

المبادرة الأفريقية مع انتقال ديمقراطي سريع... واستجابة مشروطة من قوى التغيير

آبي أحمد لدى لقائه البرهان في القصر الجمهوري في الخرطوم أمس (رويترز)
آبي أحمد لدى لقائه البرهان في القصر الجمهوري في الخرطوم أمس (رويترز)

دعا رئيس الوزراء الإثيوبي الدكتور آبي أحمد، في زيارة للخرطوم، استمرت عدة ساعات، في إطار وساطة بين المجلس العسكري الحاكم، وحركة الاحتجاج، إلى انتقال ديمقراطي «سريع» في السودان. وعرض أحمد على الطرفين السودانيين، تفاصيل مبادرة أفريقية وجدت استجابة مشروطة من الطرفين. وطالب رئيس الحكومة الإثيوبي، في بيان، الجيش والقوى السياسية، بضرورة التحلي بالشجاعة والمسؤولية باتخاذ خطوات سريعة نحو فترة انتقالية ديمقراطية توافقية في البلد.
ودخل رئيس الوزراء الإثيوبي والوفد المرافق له في لقاءات مكوكية بين المجلس العسكري وقيادات قوى الحرية والتغيير، منذ وصوله إلى الخرطوم، وحتى مغادرتها، في محاولة لفك جمود المفاوضات بين الطرفين بعد فض الاعتصام بالقوة الاثنين الماضي وراح ضحيته أكثر من مائة شخص بحسب لجنة الأطباء التابعة إلى تجمع المدنيين. واقترح أحمد تشكيل مجلس سيادي من 15 شخصا، يكون الأغلبية فيه للمدنيين، (7 إلى 8) لكن المجلس العسكري تحفظ على المقترح.
وقال المجلس العسكري إنه مستعد للتفاوض. وحسب وكالة السودان للأنباء فقد أكد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي أن المجلس منفتح للجلوس والتفاوض للوصول إلى حل في أي وقت. كما عبرت قوى الحرية والتغيير عن قبولها الوساطة بشروط محددة.
ويجيء رئيس الوزراء الإثيوبي، إلى الخرطوم، بصفته الرئيس الحالي للهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيقاد) التابعة للاتحاد الأفريقي والتي تقدم المبادرة. وقال أحمد في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه إنه أجرى لقاءات مع أطراف الأزمة السودانية، بدأها مع وفد المجلس العسكري الانتقالي برئاسة عبد الفتاح البرهان، أعقبه لقاء مع وفد من إعلان قوى الحرية والتغيير وقوى سياسية أخرى، داعياً إلى «انتقال ديمقراطي سريع في السودان»، ولفت إلى أن المحادثات مع الأطراف اتسمت بالمسؤولية العالية والوعي بخطورة المرحلة وبالشفافية. وأوضح أنه أجرى مناقشات صريحة مع الجميع اتسمت بروح عالية من المسؤولية والوعي بدقة وخطورة الظرف الراهن، وقال: «يجب أن يتحلى الجيش والقوى الأمنية والشعب والقوى السياسية بالشجاعة والمسؤولية باتخاذ خطوات سريعة للتوجه إلى فترة انتقالية وتوافقية في السودان»، كما دعا الجيش والقوى الأمنية والأحزاب السياسية إلى الابتعاد عن تبادل الاتهامات خلال الفترة المقبلة، لبناء الثقة. وأضاف: «على الجيش السوداني والمنظومة الأمنية أن يركزا جهودهما للدفاع عن سيادة الوطن وحرمته وأمن المواطنين وممتلكاتهم وعلى القوى السياسية التركيز على مصير مستقبل البلاد لا أن تبقى رهينة وضع العقبات ومعوقات الماضي البائدة».
وأبقى رئيس الوزراء الإثيوبي، مبعوث الاتحاد الأفريقي إلى السودان، محمد الحسن لبات، ومستشاره الخاص، برير محمود، لمواصلة الوساطة. وأشار رئيس الوزراء الإثيوبي إلى ضرورة أن يتحلى الشعب السوداني بشجاعته المعهودة، «ويتسم بالشرف والعزة»، وقال: «هذه قيمة ثابتة في تاريخه المجيد». وأضاف أن «الفاعلين السياسيين السودانيين مطالبون باتخاذ قراراتهم حول مصير البلاد واستقلاليتها التامة بعيداً عن أي طرف غير سوداني»، مشيراً إلى أن أهمية المحافظة على وحدة واستقرار السودان «يجب أن تبقى هدفاً مقدساً لا مساومة فيه على الإطلاق»، وتابع: «حري بي أن أؤكد أنه في الوقت الذي تواجه فيه الأمة السودانية تحديات جساماً تمس الصميم الوطني لا يجوز أن يكون للأنانية والمصالح الضيقة والدوافع الفئوية والأطماع السياسية الفردية مكان في معالجة الأزمة»، وأضاف أن بعثة الاتحاد الأفريقي وهيئة «إيقاد» ظلتا ولا تزالان تحت التصرف التام للأطراف السودانية لتسهيل توصلهم للاتفاق المنشود في أسرع الآجال.
وقال أحمد إن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية البنيوية يجب أن تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام بما يتطلب ذلك من تنظيم وتخطيط استراتيجي ومنهجي، مشيراً إلى ضرورة إيجاد نهج جديد للحكم الرشيد والتطلع لمشروع لنهضة السودان الجديد، مؤكداً وقوف بلاده مع السودان. وأنهى أحمد الزيارة التي استغرقت ساعات، على أن يعود في غضون أسبوع. وقد ضم الوفد وزير الخارجية الإثيوبي ومستشار رئيس الوزراء للأمن القومي ورئيس جهاز المخابرات الإثيوبي ورئيس هيئة أركان الجيش الإثيوبي والسفير الإثيوبي بالخرطوم.
من جانبه، قال عضو قوى الحرية والتغيير عمر الدقير في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه إن وفده أجرى لقاء رئيس الوزراء الإثيوبي في مقر سفارة بلاده في الخرطوم، وأضاف أن قوى الحرية والتغيير رحبت بالوساطة الإثيوبية، ولكنها وضعت شروطاً تتلخص في ضرورة أن يعترف المجلس العسكري بوزر الجريمة التي ارتكبت في ميدان الاعتصام الاثنين الماضي، والتي راح ضحيتها المئات، وتشكيل لجنة تحقيق دولية لمعرفة مرتكبيها ومحاكمتهم، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، والأسرى والمحكومين إبان نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، فوراً، وإتاحة الحريات العامة وحرية الصحافة ورفع الحصار عن الشعب السوداني، ورفع المظاهر العسكرية في الأماكن العامة، من جميع أنحاء البلاد ورفع الحظر عن خدمات «الإنترنت»، وأضاف: «يجب أن يتم تنفيذ هذه الشروط قبل الحديث عن الآفاق حول المفاوضات وقبل الدخول في المحادثات».
في غضون ذلك، قال المتحدث باسم الحركة الشعبية - شمال عضو وفد قوى الحرية والتغيير مبارك أردول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الشروط التي قدمها وفد الحرية والتغيير موضوعية وليست تعجيزية كما يتصور البعض وإنها تؤكد انفتاح قوى الحرية والتغيير لحل الأزمة التي صنعها المجلس العسكري بقتل المدنيين العزل». وأضاف: «نحن قوى مسؤولة ونعبر عن الشعب السوداني الذي يطالب بلجنة تحقيق دولية بعد أن جربنا قبل ذلك لجنة تحقيق كان قد شكلها المجلس في حادثة قتل وقعت في الثامن من رمضان، ولكن لم نر تقريراً وماذا توصلت إليه لجنة التحقيق»، مشيراً إلى أن الوفد طرح أمام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أعمال الاعتقالات والاعتداءات بالضرب على نائب رئيس الحركة الشعبية ياسر عرمان. وأشار إلى اعتقال القيادي عادل المفتي، وإلى اعتقال عضو وفد الحرية والتغيير محمد عصمت بعد لقاء رئيس الحكومة الإثيوبية بقليل. وأضاف: «هذه رسالة أخرى سالبة توضح عدم جدية المجلس العسكري». وقال أردول إن رئيس الوزراء الإثيوبي أبلغ رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان وطالبه بإطلاق سراح ياسر عرمان وعادل المفتي، وأضاف أن البرهان وعد بأن يتم إطلاق سراحهما اليوم السبت.
من جهته، قال القيادي في قوى الإجماع الوطني ساطع الحاج لـ«الشرق الأوسط» إن قوى الحرية والتغيير تتمسك بشروطها وستقوم بتقييم اجتماع مناديبها مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، أمس، وأضاف: «لا بد من سحب قوات الدعم السريع من العاصمة وإبعاد قائدها محمد حمدان حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري وتشكيل لجنة تحقيق دولية ولن يكون هناك أي تفاوض ما لم يتم اتخاذ هذه الإجراءات وتنفيذها»، وقال إن قوى الحرية والتغيير طالبت بعملية تسليم وتسلم والانتقال إلى سلطة مدنية خلال الفترة الانتقالية.
من جهة ثانية، طالب ممثلو الدول الأفريقية الثلاث في مجلس الأمن، جنوب أفريقيا وغينيا الاستوائية وساحل العاج، المجلس العسكري الانتقالي في السودان بالعودة إلى الحوار بهدف الاستجابة السريعة لتطلعات الشعب السوداني المشروعة، وفقاً لمبادرة الاتحاد الأفريقي. وتحدث مندوبو الدول الثلاث التي تشغل مقاعد غير دائمة في مجلس الأمن وممثلة مفوضية الاتحاد الأفريقي لدى الأمم المتحدة، فنددوا «بشدة بالمأساة»، آسفين على وقوع خسائر في الأرواح. وذكّروا في هذا الصدد السلطات الانتقالية بـ«التزامها حماية المدنيين واحترام حقوقهم». وقال المندوب عن جنوب أفريقيا جيري ماثيو ماتجيلا: «نصر على ضرورة إجراء تحقيق لتوضيح الأحداث التي وقعت في الثالث من يونيو (حزيران) في السودان بهدف تقديم المسؤولين عن قتل السودانيين الأبرياء إلى العدالة على النحو المطلوب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».
وكان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي قد عقد جلسة طارئة الخميس حول الأزمة الجارية في السودان، واختتمها باعتماد بيان قرر فيه تعليق مشاركة جمهورية السودان بشكل فوري في جميع نشاطات الاتحاد حتى إنشاء سلطة انتقالية بقيادة مدنية، باعتبارها السبيل الوحيد للسماح للسودان بالخروج من الأزمة الحالية، بحسب السفراء الأربعة.
وحض بيان الاتحاد الأفريقي المجلس العسكري الانتقالي على «العودة إلى الحوار الداخلي بهدف الاستجابة السريعة والفعالة للتطلعات المشروعة للشعب السوداني»، داعيا إياه إلى العودة أيضاً إلى الإطار الذي أنشأه الاتحاد الأفريقي والقائم على أساس أولوية المبادرة الأفريقية في البحث عن حل دائم للأزمة في السودان. وقرر مجلس السلم والأمن أيضاً تعزيز فريق التيسير التابع للاتحاد الأفريقي في السودان والعمل من كثب مع الهيئة الحكومية (إيقاد)، التي تضم بلدان القرن الأفريقي، لتعزيز التآزر والاتساق في إعادة أصحاب المصلحة السودانيين إلى الحوار.
وأكدوا أولوية المبادرات التي تقودها أفريقيا في البحث عن حل دائم للأزمة في السودان، داعين جميع الشركاء إلى دعم جهود الاتحاد الأفريقي والإيقاد والامتناع عن أي عمل من شأنه تقويض المبادرة الأفريقية. وقال: «يجب ألا يكون هناك تدخل خارجي من قبل أي طرف في أي وقت في عملية حل الأزمة الحالية. سيواصل الاتحاد الأفريقي مراقبة الوضع في السودان من كثب، وفي حال فشل المجلس العسكري الانتقالي في تسليم السلطة إلى سلطة انتقالية بقيادة مدنية، فسيقوم مجلس السلام والأمن تلقائيا بفرض تدابير عقابية على الأفراد والكيانات التي تعرقل إنشاء سلطة انتقالية مدنية».



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.