كمال مرجان... سياسي مخضرم دخل السباق إلى قصر الرئاسة التونسية

دبلوماسي ووزير دفاع يتزّعم رموز النظام السابق

كمال مرجان... سياسي مخضرم دخل السباق إلى قصر الرئاسة التونسية
TT

كمال مرجان... سياسي مخضرم دخل السباق إلى قصر الرئاسة التونسية

كمال مرجان... سياسي مخضرم دخل السباق إلى قصر الرئاسة التونسية

وقع حزب «تحيا تونس» بزعامة رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد مع زعيم حزب «المبادرة الدستورية الديمقراطية» الوزير المخضرم كمال مرجان اتفاق اندماج رسمي بين الحزبين، في موكب شهده مئات من كبار كوادرهما، في واحدة من أبرز خطوات التأثير في المشهد السياسي والانتخابي التي يتردد في الكواليس أن باريس وعواصم غربية تدعمها. ولقد أكد اندماج الحزبين انفتاح الشاهد (42 سنة)، الزعيم الشاب لحزب «تحيا تونس» ورفاقه على السياسيين والدبلوماسيين والعسكريين المخضرمين، الذين تحملوا مسؤوليات عليا في الدولة في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم بعد الإطاحة بحكمه في يناير (كانون الثاني) 2011، بينهم الوزير كمال مرجان.

ردود الفعل على خطوة الاندماج بين حزبي «تحيا تونس» و«المبادرة الدستورية الديمقراطية»، مؤخراً، تراوحت بين الترحاب والانتقاد اللاذع. وهي أكدت ما سبق تسريبه عن إبرام أنصار يوسف الشاهد وكمال مرجان وقياديين من «حركة النهضة» ومن أحزاب اليسار اتفاقاً سياسياً انتخابياً شاملاً في الكواليس بين عدة لوبيات سياسية واقتصادية. ويهدف هذا «الاتفاق» إلى تأمين فوز الشاهد برئاسة حكومة ما بعد انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وكمال مرجان برئاسة الجمهورية، وشخصية ثالثة مقربة من «حركة النهضة» برئاسة البرلمان (؟).
ودُعمت حظوظ هذا السيناريو بعد المباحثات التي أجراها مؤخراً رسميون في حكومة الشاهد وقياديون من أحزاب «تحيا تونس» و«المبادرة» و«النهضة» مع مسؤولين كبار في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة، ومع السفراء الغربيين المعتمدين في تونس.

- لوبي صناع القرار
يعتبر كمال مرجان، وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري في حكومة الشاهد الحالية، ووزير الدفاع بين 2005 و2010، ثم وزير الخارجية حتى انهيار حكم بن علي في يناير 2011، من أكثر الشخصيات السياسية التونسية إثارة للجدل داخل مطابخ صنع القرار السياسي والاقتصادي. وكان من بين نقاط قوته وضعفه في الوقت نفسه، قبل ثورة يناير 2011 وبعدها، أنه من بين أصهار عائلة زين العابدين بن علي من جهة زوجته درّة، التي هي ابنة عم الرئيس الأسبق وصديقه الطيار رضا بن علي.
ولد مرجان في الحي السكني الذي ولد فيه زين العابدين بن علي في الضاحية الشمالية لمدينة سوسة السياحية بمنطقة الساحل التونسي، التي ينحدر منها أبرز رجالات الدولة والمال والأعمال منذ استقلال تونس عن فرنسا في 1956. وبين هؤلاء الرئيسان الحبيب بورقيبة وبن علي ورؤساء الحكومات محمد الغنوشي وحامد القروي ورشيد صفر ومحمد مزالي والهادي نويرة وأحمد بن صالح وأشهر الوزراء. وكان القنطاوي مرجان، والد كمال مرجان، من أبرز المقربين إلى بورقيبة وبن علي ومحافظا لمنطقة سوسة. وكان أيضاً يوصف بـ«أبو السياحة في الساحل التونسي» بعدما نجح في تأسيس مدينة سياحية عصرية متكاملة فيها تحمل إلى اليوم اسم «القنطاوي»، تكريماً له ونسبة إلى ولي صالح شهير في الجهة يحمل الاسم ذاته.
ولد كمال مرجان يوم 9 مايو (أيار) 1948، وحصل على الإجازة الجامعية في الحقوق ودبلوم الإدارة العامة من جامعة تونس. ثم تابع دراسته العليا وتخرج بشهادة عليا في القانون الدولي في المعهد العالي للدراسات الدولية في جنيف بسويسرا. كما حصل على دبلوم في إدارة الطوارئ من جامعة ويسكونسن بالولايات المتحدة، وشهادة أبحاث من أكاديمية لاهاي للقانون الدولي في هولندا.

- مرشح قديم للرئاسة
يعود الجدل حول شخص مرجان، المرشح الافتراضي للانتخابات الرئاسية المقبلة، إلى السنوات الأخيرة في حكم بن علي عندما كان وزيرا للدفاع، وفي حينه رشحته وسائل إعلام دولية لتولي حقيبة رئاسة الجمهورية في حال «حدوث شغور في المنصب». ولقد تردد أن ليلى الطرابلسي، حرم الرئيس الأسبق بن علي وبعض أصهاره ومستشاريه ضغطوا يومذاك على الرئيس لإبعاد مرجان، مع التحذير من علاقاته المتطورة بواشنطن والعواصم الغربية منذ بدء مسيرته في مكاتب الأمم المتحدة في 1976. ثم على رأس بعثة تونس في جنيف في 1996، إلا أن بن علي لم يعزله. بعدها، نقله الرئيس من حقيبة الدفاع إلى الخارجية وعينه عضوا في القيادة العليا للحزب الحاكم فطوّر شبكة علاقاته عربياً ودولياً.
وفسّر عدم تخوف بن علي من كمال مرجان بعلاقات المصاهرة التي تجمعه بابن عمه رضا بن علي، الزعيم الكشفي والسياسي الوطني وأحد قادة الطائرات التونسية الأوائل، إلى جانب الإشعاع السياسي في جهة الساحل لوالده القنطاوي مرجان رفيق «الزعيم الحبيب بورقيبة ورجل المال والسياسة البارز في مدن الساحل التونسي». ومع أنه تعاقبت ترشيحات مرجان للرئاسة من قبل «لوبيات» مؤثرة في البلاد بعد سقوط بن علي في يناير 2011، ثم بعد الانتخابات الرئاسية عام 2014، فإنه فشل مراراً في تزعّم المعارضين لـ«حركة النهضة» و«حكومة الترويكا»، وانتزع المشعل منه الباجي قائد السبسي زعيم حزب «نداء تونس».

- لم ينسحب من الساحة
في المقابل، وخلافاً لغالبية كبار المسؤولين في الحزب الحاكم والدولة في عهدي بورقيبة وبن علي، لم ينسحب كمال مرجان والمقربون منه من المشهد السياسي بعد ثورة يناير 2011، بل خاض مع ثلة من كوادر الحزب الحاكم السابقين والشخصيات الليبيرالية تجارب حزبية وسياسية وانتخابية عارضت شعارات مَن لقبوهم بـ«الثورجيين» الذين خلطوا بين الفوضى وانتفاضة الشباب واحتجاجاتهم على بعض سياسات بن علي ورجال الحكم السابقين.
وتحالف مرجان مع شخصيات سياسية اعتبارية من كبار الوزراء والمسؤولين الذين عارضوا بعض قرارات بن علي من الداخل خلال السنوات الأخيرة من حكمه، مثل وزير السياحة والداخلية والمستشار في قصر قرطاج محمد جغام ورؤساء الحكومة السابقين مثل حامد القروي والهادي البكوش ومحمد الغنوشي، وجميعهم من أصيلي مدينة سوسة.
كذلك عارض مرجان ورفاقه منذ 2011 الخطابات الثورية التي وصفت حصيلة ما جرى في تونس طوال 55 سنة بـ«الخراب الشامل». ودافع عن استمرارية «الدولة» مستفيداً من ماضيه الليبرالي والدبلوماسي والحقوقي وفهمه لعمق المتغيرات الجيو استراتيجية بعد تفجر ما سمي ثورات «الربيع العربي». وبعكس نحو 40 حزباً أسست في 2011 من قبل شخصيات ومجموعات كانت في الحزب الدستوري الحاكم قبل 2011، أحدث حزب «المبادرة الدستورية» بزعامة مرجان المفاجأة في منطقة الساحل التونسي في انتخابات أكتوبر 2011 ففاز مرشحوه بنحو 100 ألف صوت وظفر بـ5 مقاعد في البرلمان الانتقالي.

- أنصار المصالحة الوطنية
من جهة ثانية، تعرّض مرجان وحزبه طوال السنوات الثماني الماضية إلى انتقادات بالجملة من قبل النقابيين المعارضين السابقين من يساريين وإسلاميين وعروبيين، الذين اتهموه ورموز الدولة السابقة بتحمل مسؤولية «الخراب الذي وصلت إليه البلاد بعد 55 سنة من حكم بورقيبة وبن علي». وكان يرد عليهم ساخراً «ردّوها لنا في مستوى الخراب الذي تسلمتم فيه الحكم».
وحقاً، لعب عامل الزمن لصالح موقف مرجان، بعدما أصبح جلّ المسؤولين والخبراء الاقتصاديين في الحكم والمعارضة من مختلف التيارات يقرّون بأهمية إنجازات الدولة والإدارة التونسية قبل 2011. ويعترفون بأن البلاد حققت مكاسب، وكانت في حاجة إلى مصالحة وطنية شاملة وإلى إصلاحات، وليس إلى القطيعة الكاملة مع الماضي، أو سياسات ارتجالية تسببت في انتشار الفوضى الأمنية وتعميق مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ومعاناة شعبها.
ولذا انخرط مرجان ورفاقه، بزعامة محمد الغرياني، مبكراً في تيار الأقلية الدستورية الليبيرالية المطالبة بالمصالحة الوطنية بين مختلف رموز الدولة القدامى والجدد والتيارات السياسية والفكرية الثلاثة: الدستوريين والإسلاميين واليساريين. وشجّع مرجان منذ أغسطس (آب) 2013 اتفاق التوافق السياسي المبرم في باريس بين الرئيس الباجي قائد السبسي، زعيم المعارضة و«جبهة إنقاذ تونس» - حينذاك - وراشد الغنوشي رئيس «حركة النهضة» وزعيم الائتلاف الحاكم.

- نقاط ضعف قاتلة
لكن هذا الانخراط في تيار المصالحة الوطنية غدا سلاحاً ذا حدّين بالنسبة لمرجان وأمثاله من دعاة الوسطية والاعتدال في بلد تزايد فيه أنصار الغلو والتشدد بين الأوفياء للحزب الحاكم قبل ثورة 2011 ومعارضيهم. فمن ناحية، استفاد مرجان من دعواته للحوار والتوافق الوطني، وانحاز قياديون بارزون من التيارين، بينهم الوزير والسفير محمد الغرياني - آخر أمين عام للحزب الحاكم في عهد بن علي - وأحمد نجيب الشابي ومصطفى بن جعفر وراشد الغنوشي زعماء المعارضة قبل 2010، إلى خيار طي صفحة الماضي والمصالحة بين كل الأطراف السياسية دون استثناء. وفي المقابل تكثفت النيران الصديقة الموجهة إلى مرجان وبعض رفاقه القدامى في الحزب والدولة بسبب فتحهم حوارات علنية مع أعدائهم السابقين في المعارضة التي حاربها بن علي بزعامة الغنوشي وبن جعفر والمنصف المرزوقي ورئاسة نقابات العمال ونقابات اليسار الاشتراكي والقومي بقيادة حمة الهمامي وزهير حمدي وزياد الأخضر وزهير المغزاوي ومباركة الإبراهيمي.
وبعدما أوشك مرجان أن يكون مرشح رموز النظام السابق في انتخابات 2014، بدعم من «لوبيات» كبار رجال المال والسياسية في محافظات الساحل التونسي، تخلت تلك «اللوبيات» عنه في آخر لحظة بعدما اتهمته بخذلانها لدفاعه عن خيار المصالحة مع كل الأطراف ومعارضته إقصاء قيادات «حركة النهضة» وما يسمى مجموعات الإسلام السياسي.
وتعتبر المحامية عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري - التي يعارض خطابها بقوة كل أشكال الانفتاح على «حركة النهضة» ويطالب القضاء بحله - حسب كلامها «أن الأخطاء القاتلة لكمال مرجان ومحمد الغرياني ورفاقهما بدأت عندما تصالحوا مع إخوان تونس الذين أقصاهم الرئيسان الحبيب بورقيبة وبن علي طوال خمسين سنة»

- الرهان على الشاهد والعزابي
في أي حال المستقبل السياسي لكمال المرجان والمقربين منه من السياسيين المخضرمين الذين عملوا في مؤسسات الدولة طوال العقود الماضية، سيكون رهين مستجدات كثيرة أهمها، الائتلاف السياسي الذي تشكل حول الشاهد ورفيقه سليم العزابي وجيل من السياسيين ورجال الأعمال معظمهم تحمل مسؤوليات وسطى وصغيرة في عهد بن علي. وللعلم، الشاهد والعزابي بعد التحالف مع مرجان اختاراه رئيسا للمجلس الوطني للحزب الجديد بعد انضمام كوادر حزب «المبادرة». وهما يراهنان على أن يساهم وهو في سن الـ71 في تطعيم الحزب بنخبة من كوادر الدولة والإدارة والسياسيين وتحقيق المصالحة بين الأجيال في العائلة الدستورية.
ومن جانب آخر، اعتبر البعض اختيار مرجان ليكون الشخصية الثانية أو الثالثة في حزب «تحيا تونس» رسالة تطمين داخلية وخارجية للأطراف المتخوفة من دلالات الإشاعات حول تقارب الشاهد والعزابي وبعض رفاقهما «المبالغ فيه» مع قيادة «حركة النهضة» وقيادات التيار الإسلامي. وعلى الرغم من توجيه التهمة ذاتها إلى مرجان فإن رصيده الدبلوماسي الكبير وانخراطه منذ نحو خمسين سنة في حزب بورقيبة وبن علي، وفي مؤسسات الدولة والأمم المتحدة منذ 1976، من شأنهما أن يطمئنا بسهولة رجال المال والأعمال وصناع القرار السياسي حول توجهاته وخيارات زعماء الحزب الجديد الحداثية والعلمانية، وحول مستقبل علاقتهم بالغرب.

- ورقة الغاضبين
لكن كثيرين من أصحاب مؤسسات استطلاع الرأي والإعلاميين، مثل إبراهيم الوسلاتي وحسن الزرقوني والمنذر بالضيافي، يعتبرون أن الحظوظ الانتخابية لكمال مرجان وشركائه في حزب الشاهد - العزابي والائتلاف الحكومي الحالي مرهونة بالسلوكيات السياسية للجمهور العريض الذي فقد الثقة في غالبية السياسيين والأحزاب بسبب تدهور أوضاعه المعيشية. ومن ثم، إذا استمر ارتفاع الأسعار وعجزت الدولة عن ترضية قطاع عريض من الغاضبين - وبينهم مليون متقاعد وأكثر من نصف مليون شاب عاطل عن العمل - فقد تفرز انتخابات الخريف القادم فوز الأحزاب والأطراف السياسية الشعبوية بـ«زعامة» عبير موسى نائبة أمين عام الحزب الحاكم في عهد بن علي.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.