شارون.. الرجل الذي لا خصال له

وصفه أحد أعضاء حزب الليكود على النحو التالي: «إنه رجل يفتقر إلى المبادئ والمشاعر الإنسانية

حياة آرييل شارون - ديفيد لانداو - دار نشر: «الفرد نوف»، نيويورك، 2014 - 656 صفحة
حياة آرييل شارون - ديفيد لانداو - دار نشر: «الفرد نوف»، نيويورك، 2014 - 656 صفحة
TT

شارون.. الرجل الذي لا خصال له

حياة آرييل شارون - ديفيد لانداو - دار نشر: «الفرد نوف»، نيويورك، 2014 - 656 صفحة
حياة آرييل شارون - ديفيد لانداو - دار نشر: «الفرد نوف»، نيويورك، 2014 - 656 صفحة

غالبا ما يُقيم التاريخ زعيما سياسيا بالنظر، ولو لجزء بسيط، إلى توقيت رحيله عن السلطة أو رحيله عن الحياة. وفي هذا السياق، قد يكون آرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، استثناء لتلك القاعدة، حيث إنه لم يترك صدارة المشهد السياسي من خلال أي من الطرق المعتادة التي دائما ما تؤرخ لمثل هذا الحدث الكبير في عالم السياسة، كما أنه لم يمت بالطريقة التي يفارق بها معظم الناس الحياة، فقد ظل شارون يحتضر منذ يناير (كانون الثاني) 2006. وعلى الرغم من دخوله في غيبوبة طويلة، بقى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق على قيد الحياة بيولوجيا طوال تلك الفترة، معطيا بذلك مثالا على القول المأثور الذي يقول إن المحاربين القدماء لا يموتون، إنهم فقط يذبلون.
ويُعد شارون آخر أعضاء «الآباء المؤسسين» لإسرائيل الذي تولى منصب رئيس الوزراء، كما كان أيضا من بين أول من حملوا السلاح في البداية ضد البريطانيين ثم ضد العرب لتحقيق الحلم الصهيوني بإقامة دولة لليهود. وعلى الرغم من تركيزه على سيرة شارون، يبدو هذه الكتاب الجديد أيضا سردا لمراحل ظهور إسرائيل كدولة، فضلا عن الأحداث الدرامية التي تركت طابعا على ستة عقود هي عمر تلك الدولة منذ قدومها إلى الوجود.
يبدو ديفيد لانداو في وضع جيد يمكّنه من سرد قصة شارون وإسرائيل؛ فهو صحافي إسرائيلي من أصل بريطاني، وهو ما يجعله مطلعا على بواطن الأمور، وقادرا على فهم عقلية الناس مثل شارون. وفي الوقت ذاته، يُعد لانداو مستقلا بما يكفي ليكون قادرا على الحكم على شارون، وعلى إسرائيل ككل، بشكل موضوعي.
أثناء تصفح ألبوم صور شارون السياسية التي يعرضها لانداو في كتابه، يصادف المرء درجة كبيرة من التنوع داخل تلك الأحداث التي تبدو متشابهة. وأول ما يصادفك على صفحات الكتاب هو شارون عندما كان صبيا في مجتمع «الكيبوتس»، وقد هاجر والداه من بيلاروسيا إلى إسرائيل بحثا عن حياة أفضل ومكان أكثر أمنا. كان آرييل فتى سمينا ومشاكسا، لكنه في نهاية المطاف كان ابنا مطيعا غير ذي مواهب يمكن ملاحظتها بسهولة. ومع تعمقنا في صفحات الكتاب، نرى شارون عندما كان شابا ينضم إلى الجماعات المسلحة السرية للقتال من أجل إقامة دولة إسرائيلية، في حين كان يراوده طوال الوقت الحلم بأن يصبح مزارعا. بعد ذلك، نجد شارون يشترك في الحرب الأولى ضد العرب في عام 1948، وهو الحدث الذي جعله يقتنع بأنه وُلد ليكون جنديا محترفا. وبحلول عام 1956، أصبح شارون هو النجم الصاعد للجيش الإسرائيلي بفضل «الأداء الرائع» الذي قدمه في الحرب ضد مصر بسبب قناة السويس. ثم بعد ذلك وحسبما يسرد لانداو، لعب شارون «دورا حاسما» في حربي 1967 و1973 ضد جيران إسرائيل من العرب. واقتداء بالسنّة التي وضعها جنرالات إسرائيل الأوائل، دخل شارون السياسة، وتدرج في المناصب حتى تولى منصب وزير الدفاع، وكان هو الرجل المسؤول عن غزو لبنان في عام 1983.
ومن بداية الكتاب وحتى نهايته، يعرض لانداو مسيرة شارون السياسية، في صورة تمتزج فيها المناطق المضيئة بالمناطق المظلمة. ففي بعض الأوقات، كان شارون دائما هو الجنرال الذكي القادر على استغلال أقل الفرض وتحويلها إلى نجاح عظيم. بينما في أوقات أخرى يظهر الجانب المظلم من شخصية شارون التي تجعل الإسرائيليين غير مرتاحين لذلك الرجل.
ويبدو واضحا في ثنايا الكتاب أن لانداو ليس معجبا بشارون على المستوى الشخصي. غير أن أفضل ما عرضه لانداو هو إعجاب على مضض برجل كتب نهاية غير متوقعة لدراما مسيرته السياسية الحافلة بالأحداث المتنوعة. غير أنه ينبغي أن نتأمل اثنتين من الحقائق المهمة.
شارون هو الجنرال الإسرائيلي الكبير الوحيد الذي حظي بدعم وإعجاب غالبية كبار الشخصيات في تاريخ إسرائيل. فقد تدخل ديفيد بن غوريون أكثر من مرة لتعزيز مسيرة شارون وحمايته ضد كثير من خصومه، كما أحب ليفي أشكول وغولدا مائير آرييل شارون كثيرا. وكان مناحيم بيغن دائما على استعداد للتغاضي عن ولع شارون بتجاهل كثير من القواعد والقوانين. أما موشيه ديان وإسحاق رابين فقد كانا من ضمن الجيل الأقدم من كبار الشخصيات الإسرائيلية الذين كانت لديهم نقطة ضعف تجال «آرييل السمين».
وقد كان كثيرون ممن يلتقون شارون صدفة ينادونه «اريك» كنوع من إظهار الحب له. فقد كان شارون بالنسبة لهم هو ذلك الشخص الممتلئ الجسم، ولا أقول المدلل، الذي يبدو طيبا لينا في أحيان كثيرة، وشرسا شديدا في أحيان أخرى.
وتبقى قدرة شارون على كسب إعجاب وحب كثير من السياسيين والجنرالات الماكرين لغزا لم يكن باستطاعة لانداو شرحه. كما أن لانداو لم يوضح لنا كيف ولماذا تحول كثير من الزعماء العرب من كره شارون إلى الإعجاب به على أقل تقدير. فقد أقام علاقة صداقة، بقيت في السر إلى حد ما، مع الرئيس السوري حافظ الأسد. وكان شارون يؤمن بأن وجود الأسد على رأس السلطة في سوريا في عام 1973 «فرصة ذهبية لإسرائيل». كما كان شارون يدعو إلى تحول المملكة الأردنية الهاشمية إلى «دولة فلسطين» التي طالب كثيرون بإقامتها، إلا أنه تخلى عن تلك الفكرة وأقام علاقة صداقة قوية مع الملك حسين. كما كان الرئيس المصري أنور السادات معجبا بشارون على الرغم من أن الجنرال الإسرائيلي استطاع في عام 1973 العبور بقوة عسكرية إلى الشاطئ الغربي من قناة السويس. وخلال عمله وزيرا للزراعة، قام شارون بعدة زيارات لمصر حيث كان دائما ما يلقى ترحيبا من السادات.
وقد فعل شارون ما يراه غالبية الإسرائيليين مشابها لجريمة «العيب في الذات الملكية» عندما صرح علنا بأنه ينبغي على إسرائيل، إذا ما اقتضت الضرورة، أن تخوض الحرب من دون استشارة الولايات المتحدة، حيث قال شارون: «لا يمكن لأي أمة أن تعيش إذا ظلت خاضعة للآخرين، حتى إذا كانت قوى عظمى». وعلى الرغم من ذلك، كان شارون الفتى المدلل للمؤسسة السياسية الأميركية، كما أنه أقام علاقة قوية استثنائية مع الرئيس جورج دبليو بوش.
إلا أنه، وعلى مدى عقود، ظل شارون الشخصية الأكثر جدلا، وربما، بعبارة أكثر لطفا، الشخصية السياسية - العسكرية الإسرائيلية الأقل جذبا للإعجاب. كما لم يتقبل جميع الإسرائيليين صورة شارون على أنه «الجندي المخلص» أو «راعي المصالح اليهودية في شتى أنحاء العالم»؛ يقول يوسي بيلين، أحد المحسوبين على زعيم حزب العمل المخضرم شيمعون بيريس: «شارون هو الإسرائيلي القبيح، كما أنه رجل خطير».
حتى أصدقاء شارون كانوا دائما منزعجين لما أدركوه عنه من فقدانه لعامل تأنيب الضمير. ولهذا السبب فقد وصف أحد أعضاء حزب الليكود شارون على النحو التالي: «إنه رجل يفتقر إلى المبادئ والمشاعر الإنسانية، كما أنه لا يؤمن بأي معايير أخلاقية، مهما كانت».
عندما احتلت أنباء المذابح التي حدثت في صبرا وشاتيلا صدر الصفحات الأولى للصحف، احتشد أكثر من 400 ألف إسرائيلي في قلب تل أبيب مطالبين بمحاكمة شارون لارتكابه «جرائم حرب»، وقد جاء ذلك في أعقاب ما أقرت به «لجنة كاهان»، التي جرى إنشاؤها للتحقيق في المذابح، من أن شارون يتحمل «المسؤولية الشخصية» عن تلك المذابح.
ويشكك كثيرون من منتقدي شارون في اتباعه لتعاليم الديانة اليهودية، حيث إنه لم يكن ينزعج كثيرا من كون الطعام الذي يتناوله مطابقا لأحكام الشريعة اليهودية أم لا، ولم يكن أيضا يهتم كثيرا بالشعائر الدينية، بالإضافة إلى أنه كانت لديه ثقافة ضحلة للغاية عن الشخصيات المهمة في الميثولوجيا الإسرائيلية.
وعلى الرغم من ذلك، كان شارون دائما ما ينجح في الوقوف على الجانب الصحيح من الأحداث. فقد رفضت أرفع السلطات القضائية في إسرائيل نتائج التقرير الذي أعدته «لجنة كاهان» عن مذابح صبرا وشاتيلا. كما فشلت كثير من المحاولات للإيقاع بشارون في قضايا فساد، التي نجحت مع كثير من قادة إسرائيل البارزين، من بينهم إسحاق رابين وإيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو.
وينظر كثير من الإسرائيليين إلى شارون على أنه صاحب فكرة المستوطنات اليهودية التي حولت الضفة الغربية إلى نسخة جيوسياسية مشابهة لقطعة من الجبن السويسري، حيث تتناثر المستوطنات في الضفة الغربية كما تتناثر الثقوب على قطعة من الجبن السويسري. وعندما تولى منصب وزير الإسكان، شق شارون طريقه وسط الأراضي الفلسطينية، حيث قام بتسريع العملية التي أدت إلى توطين نصف مليون يهودي في المناطق التي أُطلق عليها مصطلح «الأراضي المتنازع عليها».
وطوال مسيرته السياسية والعسكرية، لم يتوقف شارون أبدا عن مفاجأة أصدقائه وخصومه على حد سواء. فقد ترك حزب الليكود، الذي كان بمثابة الحاضنة السياسية التي شكلت وجدانه، ليقوم بإنشاء حزب «كديما» (أو المستقبل حسبما تعنيه الكلمة باللغة العبرية) حتى يحقق سياسته الجديدة التي أطلق عليها «خطة فك الارتباط»، والتي كانت تقضي بانفصال جيوسياسي تدريجي، لكنه ودي، بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد جرى تنفيذ المرحلة الأولى من تلك الخطة في قطاع غزة، عندما جرى تفكيك جميع المستوطنات الإسرائيلية هناك. ولدهشة كثيرين، لم تتسبب تلك الخطة في نشوب حرب أهلية إسرائيلية، حتى ولو على نطاق ضيق في غزة. ويعرض لانداو شهادة ودلائل كثيرة على أن شارون كان جادا في تطبيق الخطة نفسها في الضفة الغربية، مع استثناء بعض المستوطنات اليهودية من القدس الشرقية من تلك الخطة.
ومع تصوير نفسه بأنه رجل سلام، تحول النموذج الإسرائيلي الأمثل لـ«داعية الحرب» إلى محبوب نشطاء السلام الذي نظموا نحو 150 ألف مظاهرة حاشدة دعما لاستراتيجية «فك الارتباط».
ومن خلال سرده لقصة رجل واحد، يعرض لنا لانداو قصة مفصلة وجديرة بالقراءة عن واحدة من أحدث الدول القومية الناشئة في العالم، وربما الدولة الواحدة التي يبقى حق ظهورها إلى الوجود موضع جدل بين كثيرين حول العالم.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.