آثار اليمن بين نهب الحوثيين وتدميرهم... والبيع المنظم

مسؤول في هيئة المدن التاريخية لـ«الشرق الأوسط»: بعض المعالم تحولت إلى ثكنات عسكرية

يمنية تسير مع طفلتها قرب المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنية تسير مع طفلتها قرب المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

آثار اليمن بين نهب الحوثيين وتدميرهم... والبيع المنظم

يمنية تسير مع طفلتها قرب المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنية تسير مع طفلتها قرب المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)

شنَّت الميليشيات الحوثية منذ انقلابها على السلطة في اليمن حرباً وحشية استهدفت من خلالها كل مواقع ومعالم اليمن الأثرية والتاريخية، تارةً بالنهب والتهريب والبيع، وأخرى بالتفجير والقصف والتحويل لمخازن أسلحة وثكنات عسكرية.
يؤكد مسؤول في الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية بصنعاء (الخاضعة لسيطرة الانقلابيين) أن الميليشيات استهدفت أكثر من 150 مَعْلَماً وموقعاً أثرياً وتاريخياً بالتدمير والنهب والقصف والتحويل لثكنات عسكرية منذ انقلابها على السلطة أواخر عام 2014.
وقال إن آلة التدمير والتفجير الحوثية ظهرت بشكل علني وواضح ضد الموروث اليمني، عقب الانقلاب. وأشار إلى وقوف إيران وراء ذلك، وقال إن «بصماتها واضحة، وهي مَن تقف خلف تلك الجرائم المرتكَبة بحق ذاكرة المجتمع اليمني والعربي على حد سواء».
وسرد المصدر المسؤول دون ذكر اسمه لاعتبارات أمنية، جزءاً يسيراً من المواقع التي طالها عبث وتفجير الميليشيات منذ بدء انقلابها. وقال إنها تتمثل بـ«قلعة القاهرة الأثرية في مدينة تعز، ودار الحجر بهمدان، وجرف أسعد الكامل بإب، وموقع صبر الأثري بلحج، وسرداب تاريخي بالبيضاء، وحي القاسمي بصنعاء القديمة، و7 مدن تاريخية إلى جانب براقش وقرناو بالجوف، ومساجد ومعالم زبيد وحيس ومنارة (عك) بتهامة بالحديدة، وسد مأرب بمأرب، وصيرة بعدن قبل تطهيرهما من براثن الميليشيات».
وبالتوازي مع حملات الميليشيات الممنهجة ضد تاريخ وحضارة اليمن نفذت الجماعة حملات نهب وتشويه واسعة ضد عدد من المتاحف، (أبرزها المتحفان الوطني والحربي بصنعاء، وهما من أقدم المتاحف على مستوى اليمن والجزيرة العربية).
وأكد أحد العاملين في المتحف الحربي بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات الحوثية، وفي إطار حملتها الممنهجة، نزعت مقتنيات وصور رؤساء ورموز الثورات اليمنية ضد الإمامة على مدى مائة عام من داخل المتحف، ونهبت وثائق تاريخية وعسكرية نادرة ونقوشاً وقطعاً ومقتنيات وأسلحة قديمة.
وأشار الموظف إلى نقل قيادات حوثية لعدد كبير من القطع الأثرية من المتاحف إلى أماكن تقيم فيها، وبعلم وإشراف ومتابعة من مسؤولين في هيئة الآثار والمتاحف.
ويضيف أن نقل القطع تم بحجة الحفاظ عليها وحمايتها، في حين أن الهدف من ذلك، كما يفيد به العامل اليمني، طمس تاريخ وهوية البلاد، إلى جانب المتاجرة السرية في تلك المكنوزات، وتسهيل مهمة تهريبها عبر سماسرة إلى خارج اليمن.
وأوضح العامل لـ«الشرق الأوسط» أن لديه معلومات موثوقة تؤكد أن كبار المسؤولين الحوثيين بصنعاء يستحوذون في الوقت الحالي على قطع آثار يتمثل بعضها في تماثيل برونزية كبيرة وصغيرة، بعضها يخص عشيرة ملوك أوسان، ونقوش وعملات ذهبية وفضية، وألواح حجرية ورؤوس سهام وتمائم نحاسية.
وبدوره يؤكد، أحد الحراس السابقين لمتحف بصنعاء، نهب ومصادرة الميليشيات في منتصف يناير (كانون الثاني) 2018 لمقتنيات ومتعلقات خاصة بالرئيس الراحل علي عبد الله صالح من داخل أحد المتاحف بصنعاء.
وفيما يتعلق بحملة العبث والتشويه والنهب التي طالت المتحف الحربي على يد الميليشيات، أكد زوار للمتحف الواقع بمنطقة التحرير وسط العاصمة، تفاجؤهم بمحو أجزاء كبيرة من تاريخ اليمن الجمهوري المرتبط بالثورات السبتمبرية والأكتوبرية، وتلميع مرحلة الأئمة، من خلال وضع شعارات ولافتات وصور تروج للإمامة داخل المتحف.
وأوضحوا في أحاديث متفرقة لـ«الشرق الأوسط» وجود تغيرات واسعة بموجودات المتحف من إضافة صور لصرعى الميليشيات خلال المواجهات مع الشرعية، وإزالة للصور التي كانت تظهر قطع الرؤوس التي شهدتها فترة حكم الأئمة.
وتحدث حفيد لأحد قادة الثورة السبتمبرية ضد الحكم الإمامي في 1962، وأحد الزائرين للمتحف باستمرار، قائلاً إن «الجماعة حولت المتحف إلى مزار لقتلاها، بعد أن كان متحفاً يهتم بتوثيق حكم الإمامة المستبد والمقتنيات الثمينة وتاريخ البلاد».
وتابع حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لقد غيروا ملامح وأجزاء المتحف الحربي... كنت أزوره لأرى وطني ونضالاته وتضحيات أبطاله السبتمبريين العظماء، في هذه المرة لم يعد سوى مكان لميليشيات غطت على اليمن بصور قادتها وقتلاها».
ويُعدّ اليمن، وفق ما يرى كثيرون، متحفاً مفتوحاً، ولا يكاد يخلو موقع أو منطقة فيها من تاريخ محكي أو آثار مطمورة أو حضارة ازدهرت وبُنيت. لكن نحو 12 متحفاً من أصل 20 متحفاً تعرضت، وفق مسؤول سابق في الهيئة العامة للآثار والمتاحف بصنعاء، للنهب والتدمير والخراب المنظم على يد الميليشيات الإجرامية.
وكشف المسؤول في الهيئة (الخاضعة حالياً لسيطرة الانقلابيين) عن اختفاء أكثر من 13 ألف قطعة أثرية من متحف ذمار، إلى جانب اختفاء 16 ألف وثيقة تاريخية وقطع أثرية متنوعة وسلاح قديم من المتحف الحربي بصنعاء.
ويقدر المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، وجود أكثر من 120 ألف قطعة أثرية مختلفة الأشكال والأحجام في «المتحف الوطني بصنعاء»، قبل انقلاب الحوثيين، ويعود تاريخها إلى عصور يمنية سحيقة، ويكشف عن أن نحو 60 في المائة من تلك القطع لم تعد اليوم موجودة في باحات أروقة وحجرات المتحف الذي كان يُسمى في السابق «البنك المركزي اليمني للآثار».
وتطرق المسؤول إلى نهب الميليشيات لمحتويات أربعة متاحف بمحافظة إب والمتمثلة في متحف إب الواقع في مديرية المشنة، ومتحف جبل العود، ومتحف ظفار جنوب يريم، ومتحف جبلة.
وأوضح أن الميليشيات دمرت ونهبت في محافظة ذمار، متحف ذمار في مدينة ذمار، ومتحف بينون في مديرية الحدا، كما دمرت ونهبت متحف تعز الوطني، ومتحف عدن الوطني، والمتحف الوطني في زنجبار ومكتبة زبيد التاريخية، وغيرها من المتاحف والمواقع التاريخية اليمنية.وعبر مسلسلها الإجرامي في حق التراث اليمني، توجهت الميليشيات الحوثية لطمس وتشويه الهوية الحضارية لمدينة صنعاء القديمة من خلال طلاء جدران مبانيها القديمة ومدخلها الرئيسي (باب اليمن) بشعارات طائفية ويصعب (بحسب متخصصين في علم الآثار بصنعاء) إزالتها دون حدوث تغيير في شكل وطبيعة أحجار المباني القديمة.
ويؤكد متخصصون أن إزالة تلك الرسومات والشعارات والكتابات ستتطلب جهداً كبيراً يتمثل بعضه في القيام بعملية كشط بواسطة آلة تستوجب بالضرورة إزالة طبقات من واجهات الأحجار المبنية ما سيفقدها قيمتها الأثرية، وفق قولهم.
ووفق تقارير لمنظمات دولية ومحلية مهتمة بتاريخ اليمن، فإن يد الطمس والتدمير الذي انتهجته الميليشيات طالت كثيراً من معالم اليمن التاريخية، خصوصاً ذات الطابع الإسلامي.
وكان تقرير صادر عن منظمة «مواطنة لحقوق الإنسان» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وهي منظمة قريبة من الحوثيين أنفسهم، كشف عن جزء من الانتهاكات والاعتداءات التي نفذتها الميليشيات الحوثية ضد المواقع والمعالم التاريخية والأثرية. ويبرز التقرير الميداني للمنظمة، الذي شمل 9 محافظات، اهتمام الحوثيين بالسيطرة على القلاع والقصور التاريخية لما لها من أهمية استراتيجية في المعارك العسكرية، وكشف عن استخدام الميليشيات للمعالم الأثرية كحصون عسكرية لشن هجماتهم، وعرض التقرير عدداً من الأدلة بينها هجوم الحوثيين على موقع القفل بصعدة، وقصر دار الحجر بلحج، وقلعة القاهرة بتعز، وغيرها.
ولم يكن تشويه صنعاء هو الانتهاك الأول أو الأخير للميليشيات الكهنوتية ضد تاريخ وحضارة اليمن، بل سبق للجماعة الميليشياوية أن استهدفت على مدى أربع سنوات من الانقلاب عدداً من المواقع والمعالم الأثرية بالصواريخ وقذائف المدفعية وأعمال النهب والسلب.
وكشفت إحصاء رسمي عن أن الميليشيات ارتكبت أكثر من 75 انتهاكاً بحق المعالم الحضارية والمعالم الأثرية في اليمن، تنوعت بين التدمير والنهب والقصف.
وتوزعت هذه الانتهاكات، بحسب الإحصاء، ما بين 12 انتهاكاً في محافظة تعز، و8 في مأرب، و7 انتهاكات في حجة، و6 انتهاكات طالت معالم حضارية في الحديدة، و15 انتهاكاً توزعت بين 5 انتهاكات في صعدة، وعدن، وأمانة العاصمة، و8 انتهاكات تقاسمتها محافظتا الجوف، وإب، بالمناصفة، وثلاثة انتهاكات في البيضاء، وثلاثة مماثلة في صنعاء.
ووفقاً للإحصاء الرسمي نفسه، انتهكت الميليشيات الحوثية معالم حضارية وتاريخية في شبوة، وعمران، والضالع، وذمار، بـ8 انتهاكات توزعت بواقع انتهاكين في كل محافظة، فيما سجلت لحج، وأبين، انتهاكاً واحداً لكل محافظة.
وفي السياق ذاته، يؤكد تقرير حقوقي آخر صادر عن «مركز السلم الاجتماعي اليمني» ومنظمة «سام» الدولية، أن أيدي الخراب الحوثية طالت أكثر من 120 موقعاً أثرياً خلال الفترة من 2015 إلى 2018.
وجاء عام 2015، بحسب التقرير، الأعلى انتهاكاً للآثار بعدد 69 موقعاً أثرياً في محافظات اليمن المختلفة مثل سد السبئيين بمأرب ودار الحجر الشهير في همدان بصنعاء، وجرف أسعد الكامل الأثري الشهير في إب.
وتنافس الجماعة الحوثية من خلال تدميرها ونهبها المتواصل للمعالم التاريخية والحضارية اليمنية جماعات «داعش» و«القاعدة» في العراق وسوريا.
وأكد علماء آثار يمنيون أنه خلال 4 أعوام استهدف «داعش» و«القاعدة» 35 معلماً في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الانقلابيين في حين استهدفت الميليشيات الحوثية خلال تلك الفترة أكثر من 150 موقعاً ومعلماً أثرياً في مناطق سيطرتها.
وقال الباحثون إن الميليشيات التدميرية سجلت الرقم القياسي في التخريب وسرقة ونهب وتهريب المواقع الأثرية والمتاحف الوطنية، وهو الرقم الذي لم تسجله، بحسبها، حتى التنظيمات الإرهابية الأخرى داخل اليمن وخارجه.
وأضافوا أن «تلك المعالم والمواقع الأثرية التي صمدت آلاف السنين أمام عوامل الطبيعية والحروب السابقة، تُدمّر اليوم وتُشوّه وتنهب وتهرب على يد الميليشيات».
وفيما أشار الباحثون إلى انتقال تجارة وتهريب الآثار اليمنية إلى قيادات حوثية بارزة بعد السيطرة على صنعاء في 2014، وتصدر تلك القيادات هذه التجارة، كشفت تقارير محلية أخرى بصنعاء عن نشوء مافيا منظَّمة لتجارة وتهريب الآثار اليمنية.
وبينت التقارير وجود سوق سوداء لتجارة الآثار بسوق الملح في «باب اليمن» يقوم تجار متخفون وعصابات تتبع الميليشيات بالبيع والشراء فيها عبر وسطاء محليين لأجانب، ومافيا آثار من خارج اليمن.
وفي الوقت الذي يظل اليمن في عهد الميليشيات دون متاحف، ويعرض آثاره ومكنوزاته في مختلف متاحف العالم، يحمّل علماء ومهتمون في مجال التاريخ والتراث اليمني العصابات الحوثية مسؤولية ما يجري من ضياع للمعالم الأثرية، خصوصاً تلك المعالم المسجَّلة على لائحة التراث العالمي، كمدينة زبيد وصنعاء القديمة وغيرهما.


مقالات ذات صلة

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)

تعز بين القصف والحصار ومخاوف الانزلاق إلى كارثة إنسانية

صورة تظهر مدينة تعز التي تعد أكثر مدن اليمن ازدحاماً بالسكان (إعلام حكومي)
صورة تظهر مدينة تعز التي تعد أكثر مدن اليمن ازدحاماً بالسكان (إعلام حكومي)
TT

تعز بين القصف والحصار ومخاوف الانزلاق إلى كارثة إنسانية

صورة تظهر مدينة تعز التي تعد أكثر مدن اليمن ازدحاماً بالسكان (إعلام حكومي)
صورة تظهر مدينة تعز التي تعد أكثر مدن اليمن ازدحاماً بالسكان (إعلام حكومي)

اتسعت التداعيات الإنسانية والعسكرية للحصار المفروض على مدينة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مع تجدد القصف الحوثي على المناطق السكنية وسقوط قتلى وجرحى، بالتزامن مع تحذيرات منظمات حقوقية من تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتعثر وصول الإمدادات الأساسية إلى مدينة يواجه سكانها أزمة معيشية متصاعدة.

وفي أحدث الهجمات، قُتل 8 مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وأصيب 6 آخرون، وفق حصيلة أولية أعلنتها السلطة المحلية، جرّاء قصف حوثي استهدف قرية المقضي في منطقة حمير الجبل بمديرية مقبنة، غرب تعز، فيما لا يزال هناك ضحايا تحت الأنقاض.

وقالت السلطة المحلية إن القصف استهدف منازل وأعياناً مدنية، محملةً الجماعة الحوثية المسؤولية عن سقوط الضحايا، وداعية الأمم المتحدة والمنظمات المعنية إلى توثيق الحادثة والعمل على حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عنها.

حشود من الناس في محطة للحافلات الصغيرة يستخدمها النازحون لمغادرة مدينة تعز (أ.ب)

وفي جنوب شرقي المدينة، أفادت منظمة حقوقية بمقتل امرأة وإصابة 5 مدنيين، بينهم امرأة وطفلة، جرّاء القصف والقنص الحوثيين في مديرية صبر الموادم. وذكر مركز تعز الحقوقي أن امرأة قُتلت جرّاء قصف طال منطقة الشقب، فيما أصيبت مواطنة برصاص قناص في منطقة كحلان، وأصيب 3 أشقاء بشظايا قذيفة سقطت على منزلهم في حي عقاقة.

وتأتي هذه الحوادث في وقت تتزايد فيه التحذيرات من انعكاسات إغلاق الطرق والمنافذ على الإمدادات الغذائية والطبية والوقود، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار القيود على حركة النقل إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المحافظة.

تحذيرات من كارثة غذائية

وحذّرت منظمة «رصد للحقوق والحريات» من اقتراب مدينة تعز من كارثة إنسانية، في ظل استمرار الحصار ومنع وصول الإمدادات الأساسية، مشيرة إلى أن أكثر من 2.5 مليون شخص، بينهم نحو 140 ألف نازح يواجهون تداعيات الأزمة.

وقالت المنظمة، في بيان بمناسبة اليوم العالمي للغذاء، إن اليمن يعاني أزمة ممتدة في الأمن الغذائي منذ عام 2014، بفعل النزاع وتدهور الاقتصاد والنزوح وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع مصادر الدخل والإنتاج الزراعي والتمويل الإنساني.

الحرب والحصار الحوثيان يهددان بكارثة غذائية في مدينة تعز (رويترز)

وأضافت أن استمرار إغلاق الطرق وتراجع إمدادات المياه والمشتقات النفطية، بالتزامن مع تصاعد القصف على المناطق المدنية، يفاقم المخاطر التي تواجه السكان، داعيةً الأمم المتحدة والجهات المانحة والمنظمات الإنسانية إلى زيادة التمويل، وتعزيز برامج الغذاء والتغذية، ودعم سُبُل العيش.

وطالبت المنظمة بممارسة ضغوط لفتح الطرق والسماح بوصول المساعدات الإنسانية والطبية، محذرةً من عواقب استمرار الوضع من دون تدخل عاجل لحماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

الطرق المغلقة تُعرقل الإمدادات

وفي تحرك لمواجهة التداعيات المعيشية، ناقشت لجنة الطوارئ بمحافظة تعز، برئاسة المحافظ نبيل شمسان، انعكاسات الحصار على مخزون المواد الغذائية والمشتقات النفطية والغاز المنزلي، والاحتياجات الأساسية للسكان.

واستعرض الاجتماع التقارير التموينية والجهود المبذولة بالتنسيق مع الحكومة والمنظمات الدولية لتأمين الإمدادات، بما فيها المشتقات النفطية المخصصة للمحافظة والموجودة في محافظة لحج.

وقال شمسان إن إغلاق الطرق يُمثل المعوق الرئيسي أمام تدفق الإمدادات إلى مدينة تعز، مشيراً إلى استمرار التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسهيل مرورها، وانتظار ردّ الحوثيين بشأن فتح الطريق والسماح بدخول الإمدادات برعاية اللجنة.

وأكدت لجنة الطوارئ استعداد السلطات المحلية لتقديم التسهيلات اللازمة، مشيرة إلى أن الطرق والمنافذ الواقعة تحت سيطرتها مفتوحة أمام حركة الإمدادات الإنسانية والتجارية، في حين تستمر الجماعة الحوثية في إغلاق الطرق الرئيسية وعرقلة حركة التنقل، وفق بيان اللجنة.

منظر من مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

ودعت اللجنة إلى تسهيل دخول المواد الغذائية والمشتقات النفطية والغاز المنزلي عبر القنوات الرسمية، وبالتنسيق مع السلطة المحلية، للحد من تفاقم الأزمة.

وبالتوازي مع التطورات الميدانية والإنسانية، حذّرت السلطات المحلية في عدد من مديريات تعز من محاولات حوثية لحصر بيانات الضباط والأفراد العسكريين الموجودين في مناطق الساحل الغربي والحجرية، تمهيداً لاستدعائهم واستقطابهم إلى صفوف الجماعة.

ودعت السلطات العسكريين المنتسبين إلى القوات المسلحة والأمن، ممن كانوا يؤدون مهامهم في تلك المناطق، إلى التواصل مع قياداتهم للحصول على التعليمات المتعلقة بإعادة ترتيب أوضاعهم وصرف رواتبهم، محذرةً من الاستجابة لاستدعاءات الحوثيين.

كما طالبت المشايخ والوجهاء والعدول برفض الضغوط الرامية إلى تسليم بيانات العسكريين، وحماية مجتمعاتهم المحلية من تداعيات هذه الإجراءات.


نجاة ركاب طائرة بعد استهداف مطار عدن بصاروخين حوثيين

طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (سبأ)
طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (سبأ)
TT

نجاة ركاب طائرة بعد استهداف مطار عدن بصاروخين حوثيين

طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (سبأ)
طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (سبأ)

سقط صاروخان داخل حَرَم مطار عدن الدولي أطلقتهما الميليشيا الحوثية، مساء الجمعة، في الوقت الذي كانت تتجهَّز طائرة تُقل ركاباً للإقلاع منه لحظة الاستهداف، وفقاً للمصادر الرسمية.

وذكرت إدارة أمن عدن، في بيان، أن المعلومات الأولية حول هذه الحادثة، التي تُعدّ الثانية خلال أسبوع، تُفيد بعدم تسجيل خسائر في الأرواح، موضحة أن الجهات المختصة تُواصل استكمال الإجراءات اللازمة، على أن تُوافي الرأي العام بأي تفاصيل إضافية فور استكمالها.

وأكدت إدارة الأمن أن تكرار هذه الحوادث داخل حَرَم المطار يمثل تهديداً خطيراً لسلامة الأعيان المدنية وحركة الطيران، ولا سيّما في ظل وجود رحلات جوية من وإلى عدة دول، ووجود المسافرين في صالات المغادرة والوصول.

وأشار البيان، الذي نشرته الوكالة الرسمية، إلى أن مطار عدن الدولي يُعد مَنفذاً جوياً حيوياً لليمنيين، بمن فيهم المرضى والحالات الإنسانية الذين يعتمدون عليه للسفر وتلقّي العلاج في الخارج.

من جانبه، أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني سلامة ركاب وطاقم رحلة الخطوط الجوية اليمنية رقم (IY 612)، المتجهة إلى مطار القاهرة الدولي، مشيراً إلى أنها كانت تتجهز للإقلاع لحظة استهداف الميليشيا مطار عدن بصاروخين سقطا على بُعد نحو 500 متر من الطائرة، و100 متر من منتصف المدرج.

وأضاف الإرياني، في منشور على منصة «إكس»: «حالت عناية الله دون وقوع كارثة إنسانية مروّعة كان يمكن أن تُودي بحياة عشرات المسافرين الأبرياء»، منوهاً بأن «ما حدث ليس مجرد اعتداء على مطار مدنيّ، بل تهديد مباشر لأرواح الركاب وأطقم الطيران، وسلامة الملاحة الجوية، وانتهاك خطير للقوانين والأعراف الدولية».

وذكر وزير الإعلام أن هذا المطار المدني يُسيّر عشرات الرحلات الجوية يومياً، وينقل المرضى الباحثين عن العلاج، والطلاب الساعين إلى مستقبلهم، والمغتربين العائدين إلى أُسرهم أو المغادرين نحو أعمالهم، وآلاف اليمنيين الذين يعتمدون عليه نافذةً أساسيةً للتواصل مع العالم.

وشدّد الإرياني على أن استهداف مطار عدن الدولي «ليس إنجازاً عسكرياً ولا نصراً يُتباهى به، بل اعتداء على حق اليمنيين في الحياة والتنقل والعلاج والتعليم، وتهديد مباشر لأرواح الأبرياء وسلامة الطيران المدني».

وأكد الوزير أن «الدولة ستظل، بدعم وإسناد الأشقّاء في تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، ماضية بثبات في حماية شعبنا ومؤسساته ومرافقه الحيوية، وإنهاء التهديد الحوثي، واستعادة الدولة، وترسيخ الأمن والاستقرار في اليمن».


مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والسودان «عمق العلاقات الأخوية» بينهما، ورفضا «محاولات الإساءة إلى العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار»، وذلك عقب استهداف منقبين عن الذهب والمعادن قرب الحدود بين البلدين، ومقتل مصريَّين في العاصمة السودانية الخرطوم.

وشدّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقائه وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، على «ثوابت موقف بلاده الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته»، مؤكداً استمرار الجهود المصرية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان.

وجاء اللقاء بين عبد العاطي وإبراهيم، الجمعة، على هامش مشاركتهما في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وأكد الوزيران «عمق العلاقات الأخوية والوشائج التاريخية التي تجمع البلدين والشعبين». وبحسب بيان للخارجية المصرية، شددا على «رفضهما لأي محاولة للإساءة لهذه العلاقات التي تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والحدود وجميع الاعتبارات التي تقوم عليها علاقات حسن الجوار».

وتأتي هذه التأكيدات على وقع استهداف منقبين عن الذهب، يُعرفون محلياً بـ«الدهّابة»، قرب الحدود المصرية السودانية، وتداول مستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي في السودان مشاهد مصورة قالوا إنها تُظهر قصف طائرات عسكرية مصرية مناطق تعدين داخل الأراضي السودانية.

وكان المتحدث العسكري المصري قد أعلن، في بيان الاثنين الماضي، أن «عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية نفذت المرحلة الثالثة من حملة موسعة لمواجهة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية». وأوضح أن الحملة سبقتها عملية إلقاء منشورات تحذيرية، مشيراً إلى أنها «تستهدف فرض السيادة المصرية وحماية مقدرات البلاد وثرواتها».

وبالتزامن، أطلق مسلحون سودانيون النار على عدد من سائقي الشاحنات المصريين في الخرطوم، ما أسفر عن مقتل سائقَين وإصابة آخر.

وبحسب بيان الخارجية المصرية، بحث عبد العاطي وإبراهيم المسار السياسي وتطورات الأوضاع في السودان، وجدّد الوزير المصري تأكيد موقف بلاده الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومواصلة الجهود لإنهاء الأزمة وتخفيف معاناة الشعب السوداني.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم الجمعة (الخارجية المصرية)

من جانبه، عدّ مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، اللقاء مؤشراً على استمرار التواصل السياسي بين القاهرة والخرطوم، وتجديداً لثوابت الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه. وقال إن التأكيد على صون العلاقات الثنائية وإدارتها باحترام متبادل يمثل «رسالة مهمة في ظل الجدل المصاحب للحادثين الأخيرين».

وأضاف الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقات بين البلدين تشمل مجالات عديدة، مؤكداً حرص مصر على تعزيز قدرات المؤسسات السودانية للاضطلاع بدورها، ودعم جهود إعادة الإعمار بعد الحرب. وبحسب بيان الخارجية المصرية، بحث الوزيران سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها في مختلف المجالات، بما يلبي تطلعات الشعبين.

بدوره، رأى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في «جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، أن الحادثين الأخيرين لا يعكسان طبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، متهماً أطرافاً أخرى، لم يسمّها، بتوظيفهما للإساءة إلى هذه العلاقات واستهداف الشراكة بين القاهرة والخرطوم.

ودعا جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى تحصين العلاقات بالاحتكام إلى «العقل والحكمة الدبلوماسية» في معالجة تداعيات الحادثين. واقترح تشكيل قوة مشتركة على الحدود للتصدي لعمليات التعدين الأهلي، إلى جانب تفعيل مسارات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي بين البلدين.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان قد أعلن، الاثنين، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن ما وصفه بـ«الحادث الأليم» الذي تعرض له عدد من المعدّنين السودانيين في المنطقة الحدودية بين مصر والسودان. وأوضح أن اللجنة تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، للتحقيق في ملابسات الحادث والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به.