شارع المطاعم العدنية في صنعاء... ملاذ هرب من «المنغصات الحوثية»

ملتقى إبداعي وأدبي بنكهة شعبية في أنحاء ساحة «مدهش» والمقاهي المجاورة

ازدحام شديد يشهده شارع المطاعم العدنية بصنعاء في صورة متداولة بوسائل التواصل الاجتماعي
ازدحام شديد يشهده شارع المطاعم العدنية بصنعاء في صورة متداولة بوسائل التواصل الاجتماعي
TT

شارع المطاعم العدنية في صنعاء... ملاذ هرب من «المنغصات الحوثية»

ازدحام شديد يشهده شارع المطاعم العدنية بصنعاء في صورة متداولة بوسائل التواصل الاجتماعي
ازدحام شديد يشهده شارع المطاعم العدنية بصنعاء في صورة متداولة بوسائل التواصل الاجتماعي

تمتلئ العاصمة اليمنية صنعاء عموماً، ووسطها المتمثل بمنطقة التحرير على وجه الخصوص، بالكثير من المقاهي الشعبية، التي يقصدها اليمنيون بشكل مستمر لقضاء أوقات لطيفة بعيداً عن المنغصات الحوثية وكوارث الانقلاب.
ويضم «شارع المطاعم العدنية» في التحرير وسط صنعاء، معظم هذه المقاهي، التي تعد مقصداً هاماً ومتنفساً كبيراً للكثير من اليمنيين بمختلف فئاتهم وأطيافهم وانتماءاتهم.
ومن بين المقاهي الأكثر شهرة في هذا المكان، مقهى مدهش، الذي يطلق عليه «ملك الشاي العدني» والواقع بين ميدان التحرير وثانوية عبد الناصر بصنعاء، حيث كان وما زال ملجأ وملاذاً لكثير من المثقفين والفنانين والمفكرين والإعلاميين ورجال السياسة والمواطنين العاديين.
تأسس مقهى مدهش تحديدا وشارع المطاعم بالتحديد قبل أربعة عقود - وفق أحد العاملين فيه - وتعاقب عليه مالكون كثر حتى وصل إلى العم مدهش علي عادل من أبناء مدينة عدن، الذي استمر في العمل فيه طيلة سنوات حتى يومنا هذا.
بالقرب من مقهى مدهش توجد سلسلة طويلة من المطاعم والمقاصف الشعبية المتزاحمة والمتداخلة مع بعضها بكل ود وصداقة، حيث لا يكاد يُعرف حدود أحدها من الآخر ويقابله في الطرف الآخر وعلى بعد أمتار قليلة مقهى آخر يسمى «المقهى العدني»، الذي لا يقل شهرة ومذاقاً عن مقهى مدهش عادل. ويقول الحاج لطفي مقبل (80 عاماً) من عدن، إنه من رواد هذا المكان الشعبي قبل 45 عاما، وما زال حتى اليوم يتردد عليه ما بين الفينة والأخرى.
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشارع العدني ومقهى مدهش لا يزال بهذا الزخم الشعبي المتنوع كما كان عليه من زمن بعيد وما زال زبائنه يتقاطرون عليه من كل مكان رغم الظروف والأوضاع التي يعيشها البلد».
وقطع لطفي حديثه مع «الشرق الأوسط»، للحظات، ثم واصل قائلاً: «لا يستقيم الحديث الآن دون كأس آخر من شاي مدهش يعدل المزاج».
وبعد احتسائه أول رشفة شاي أبدع العم مدهش في تحضيره، تابع لطفي حديثه بالقول: «يعود تاريخ شارع المطاعم لبداية الثمانيات، كان هناك بوفيه واحد صاحبه يدعى شاهر العريقي ويطلق عليه بوفيه (شاهر الله يرزقه)، وكان يحظى بإقبال كبير من الموظفين والطلبة والعمال الذين كان يبدأ سباقهم إلى أعمالهم ووظائفهم من هذا المكان».
وأطلق على هذا المكان الشعبي منذ مر السنين، بحسب سكان محليون، مسميات عدة منها «شارع المواصلات» و«شارع النزيلي»، إلا أن مسمى «شارع المطاعم العدنية» مثل الأكثر شهرة وترسخاً في أذهان الجميع حتى اليوم. ويقول إعلامي يمني: «عندما تأتي كزائر لشارع المطاعم، أول ما تدخل إليه من شارع النزيلي المجاور له تجد نفسك وكأنك تنتقل بخطوة واحدة فقط من صنعاء إلى عدن».
ويضيف: «كل شيء يسير فيه وفق الإيقاع والإبداع العدني من مأكولات ومشروبات وروائح زكية وأصوات وأزياء ولهجة وحتى مواطنين».
ويعد «شارع المطاعم» أحد أقدم الشوارع في صنعاء، حيث يجد فيه الكثير من المواطنين متنفسا لنسيان هموم ومشاغل الحرب ولقاء الأصدقاء لمناقشة مواضيع سياسية واقتصادية وأمنية ورياضية، حتى الطلاب يجتمعون هم أيضا فيه لمناقشة متطلبات الدراسة.
ويؤكد نجيب الحزمي - من إب - أن ما يميز المكان هذا عن بقية الأماكن بصنعاء وجود شيئين أساسيين؛ الأول جودة العمل الذي يقدمه أصحاب المقاهي والمطاعم، والثاني وجوده بقلب العاصمة، حيث تجد المواصلات متوفرة إلى هذا المكان. لكنه - وبحسب تواجده بالمكان باستمرار يشير إلى تراجع ملحوظ في الوقت الحالي بالنسبة لعدد الزوار لهذا المكان، مرجعاً الأسباب إلى شحة الموارد المالية لدى المرتادين.
وقال الحزمي لـ«الشرق الأوسط»: تجد الناس أحيانا لا يمتلكون قيمة المواصلات للوصول إلى هنا أو حتى قيمة ما يأكلونه ويشربونه. واعتبر أن ساحة مقهى مدهش تعد ملتقى للكثير من الأدباء والمثقفين والفنانين والنقاد والمفكرين والرياضيين والسياسيين والإعلاميين والشعراء والعاملين وحتى العاطلين.
ويجتمع وسيم العزعزي وهو طالب جامعي، كل يوم مع أصدقائه الذين ينتمون إلى محافظات يمنية مختلفة في شارع المطاعم ويشربون سويا الشاي العدني ويأكلون الخبز الساخن (خبز الطاوة) المشهور في هذا الشارع، إلى جانب الشاي العدني على وجه التحديد.
يقول وسيم: «يجمع هذا الشارع أشهر الأكلات اليمنية والمواطنين من مختلف المحافظات، وأشعر وكأن هذا الشارع هو منزلي الثاني كوني أشعر فيه بالاطمئنان، ولا أجد فيه البغضاء والشحناء الموجودة في بقية الأماكن الأخرى»، متابعاً: «هذا المكان يشعرنا بالعراقة والأصالة ويعيدنا لزمن جميل يجسد جملة واحدة أننا أبناء يمن واحد ولسنا شماليين وجنوبيين».
وما يميز ساحة مقهى مدهش عن بقية المقاهي الأخرى جلوس كل أطياف المجتمع على طاولات صغيرة متراصة ومتماسكة بعناية، لتناول وجبات شعبية متنوعة واحتساء الشاي العدني حلو المذاق وإطلاق العنان لطرح مختلف النقاشات والحوارات المتعددة المشارب والاتجاهات.
ويعتبر أحد العاملين بالشارع العدني، أن مقاهي ومطاعم الشارع وجهة يومية لبعض النُخب وعوام الناس لتناول الوجبات واحتساء مذاق الشاي العدني.
ويقول: «تختزل يوميات المقهى والشارع بشكل عام لقاءات وحكايات وقصصاً من واقع معاناة اليمنيين وكأنها مكتبة تحتضن لاحتساء مذاق شعبي وحضاري كبير... ليس للأكل أو احتساء الشاي فقط، بل يجد مرتادوه نكهة اليمن وأصالة الإنسان، لذا بات ملتقى ثقافيا ومنتدى فكريا ومطعما شعبيا في آن واحد تجتمع على طاولة واحدة كل فئات المجتمع. ويقول: «هنا شيء من عدن وتعز وإب وحضرموت، بل هنا اليمن بكل تفاصيلها على طاولة واحدة تجتمع ثقافات متعددة ولهجاتهم تقرب المسافات بين المحافظات والمدن».
ويتهامس بعض مرتادي المقاهي بأن أحد الأسباب التي تدفع بالقدوم إلى هنا خلال فترات الصراعات والحروب تتمثل في «التنفيس عما بداخلهم من ضغوط وأعباء حياتية».
ومع ذلك، يقول يمني، تحفظ على ذكر اسمه: «رغم وجود أشخاص في المكان نفسه يحملون أفكاراً مختلفة، فإنهم لا يتجادلون في نقاط الاختلاف بل يجلسون ويمرحون ويتناقشون ثم يغادرون وهم مبتسمون ومن دون مشاجرة أو عداء».
ويعد شارع المطاعم بصنعاء نسخة من شوارع مدينة عدن بمقاهيها ومطاعمها وأكلاتها ومشروباتها، ناهيك عن التجمع السكاني للعدنيين فيه. لذلك يشعر من يدخله لأول مرة وقد زار عدن مسبقاً، أنه متواجد وسطها.
محمود علي يقول إن الاسم لوحده فقط يعني له الكثير، كونه من مدينة عدن ويقطن صنعاء منذ فترة طويلة، ويضيف: «كلمة عدن تعني لي الكثير والأكل العدني والناس العدنيين أيضاً يعنون لي الكثير». ويعتبر محمود أن مسمى شارع المطاعم العدنية في صنعاء يعطي نكهة وقيمة أخرى لهذا المكان. ويقول: «بداية صداقتي مع عدد من شباب صنعاء ولقاءاتنا المتواصلة بهذا المكان تأتي بدرجة أساسية من أجل تعزيز هذه القيمة وتعزيز تواجد عدن في قلب صنعاء عاصمة اليمن ومحبتنا لعدن تحتم علينا أن نجعل من هذا المكان أساسياً في حياتنا اليومية». ولم يقتصر ارتياد الشارع العدني على الطبقات الفقيرة من المُثقلين بالهموم والأحزان والمتعبين، فهناك فئات أخرى زارته من سياسيين ووزراء ودبلوماسيين وفنانين وأدباء ورجال مال وشخصيات اجتماعية.
ويقول محمود علي إنه «يلاحظ بشكل دائم تنوعاً كبيراً في شرائح المجتمع المتواجدة في هذا المكان من الشريحة الكادحة والمتوسطة والعليا».
وبحسب سكان في الشارع العدني، فقد سجلت بتاريخ الشارع زيارات كثيرة لكبار القيادات والشخصيات من جنوب وشمال اليمن. ومن أبرز تلك الأسماء، بحسبهم، نائب الرئيس اليمني الأسبق علي سالم البيض الذي زاره في عام 1989، في إطار الزيارات الودية التي كانت تُقام بين جنوب وشمال اليمن تمهيداً للوحدة.
وقبل ذلك، زاره الرئيس علي ناصر محمد في 1986، وزاره أيضاً الفنان اليمني محمد مرشد ناجي في العام نفسه، واللواء عبد الله علي عليوة، وزير دفاع سابق لليمن بعد الوحدة، وغيرهم من المسؤولين، كما زاره حديثاً الفنان أيوب طارش، والفنان فؤاد عبد الله هاشم الكبسي، والكثير من الأسماء البارزة واللامعة في السياسة والثقافة والفن والأدب.
ويشير السكان إلى تسمية الشارع خلال الفترة السابقة وعقب تحقيق الوحدة اليمنية بشارع العدانية نسبة للعدنيين الذين كانوا يتوافدون إليه بكثرة خلال تلك الفترة، ويقولون لـ«الشرق الأوسط» «بعدها بعشرين عاما تحول إلى مسمى آخر هو شارع المطاعم العدنية لاحتوائه على مقهيين وهما «مقهى مدهش والمقهى العدني».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.