«هندسة الكوكب الأرضي»... هل ستوقف التغيرات المناخية؟

جدال علمي حول اختيار تقنيات عكس أشعة الشمس

رسم تخيلي لـ«عاكسات شمسية» في الفضاء لوقف التسخين الحراري للأرض
رسم تخيلي لـ«عاكسات شمسية» في الفضاء لوقف التسخين الحراري للأرض
TT

«هندسة الكوكب الأرضي»... هل ستوقف التغيرات المناخية؟

رسم تخيلي لـ«عاكسات شمسية» في الفضاء لوقف التسخين الحراري للأرض
رسم تخيلي لـ«عاكسات شمسية» في الفضاء لوقف التسخين الحراري للأرض

في عام 1965، أعد أفضل العلماء آنذاك تقريراً للرئيس لندن جونسون، حول التلوّث البيئي المتزايد تضمّن قسماً لخّصوا فيه فهمهم للتغيّر المناخي.
وفي ذلك التقرير، كتب روجر ريفيل، العالم المخضرم المتخصص بأبحاث المحيطات من جامعة كاليفورنيا، في سان دييغو: «في ثورته الصناعية العالمية، يقود الإنسان عن غير قصد تجربة جيوفيزيائية واسعة». وأضاف محذّراً أنّ «التغيّرات المناخية التي قد تنتج عنها قد تكون مضرّة من وجهة نظر الكائنات البشرية».
- وقف التغير المناخي
أشعل مقترح ريفيل في ذلك الوقت جدلاً لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا: هل يستطيع البشر تجنّب أسوأ تأثيرات التغيّر المناخي من خلال إجراء تجربة جيوهندسية واسعة؟
رأى ريفيل أنّ هذا الأمر ممكن واقترح حلّاً واحداً يتمثّل بعكس كمية أكبر من الطاقة الشمسية بعيداً عن الأرض «من خلال نشر ذرّات، أو دقائق، عاكسة» للضوء فوق مساحات واسعة من المحيطات. وفي العقود التي شهدت تغيّراً مناخياً، لم تقد فكرة الهندسة الجيولوجية للأرض إلّا لزيادة الجدال حولها.
يتوافق معظم خبراء المناخ على أنّ الطريقة الفضلى لإبقاء درجات الحرارة العالمية تحت السيطرة هي العمل على تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات الدفيئة بشكل فوري من خلال التحوّل إلى الاعتماد على مصادر نظيفة للطاقة. ولكن العلماء وصنّاع السياسات منقسمون بشدّة حول أنواع الهندسة الجيولوجية التي تستحقّ دراسة جدّية، وحول الزمان المناسب لاستخدامها.
واستبعد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أخيراً قراراً يهدف إلى إعداد تقرير حول هذا الموضوع لأنّ مجرّد دراسته قد تقود إلى إشعال الخلافات. (لعبت الولايات المتحدة دوراً في حجب هذا الطرح).
- بدايات «هندسة الأرض»
ويتمحور عدد كبير من الأسئلة حول الشكوك العلمية والحجج الاقتصادية، ولكنّ الجدل يغوص أيضاً في أسئلة فلسفية شائكة: هل يعتبر التعديل المتعمّد في المناخ محاولة أخيرة لدرء أضرار المناخ؟ أم خطوة خطيرة تتسم بالغرور؟ ما الذي قد يعتبر خيانة الأجيال القادمة: المبادرة بإجراءات جذرية كهذه أم الفشل بتطبيقها؟
تعود جذور هندسة الأرض إلى جهود محاربة الجفاف عبر عمليات الاستمطار في القرن التاسع عشر، تلتها محاولات قادها الجيش الأميركي للمشاركة في «الحرب المناخية»، وارتكزت هذه الإجراءات بمعظمها على أفكار الحرب الباردة.
ولكن خلال حرب فيتنام، أقدمت القوات الجويّة الأميركية على رمي نحو 50000 شعلة من يوديد الفضّة في سماء جنوب شرقي آسيا في هجوم استمطار كان هدفه إغراق ممر هوتشي منة (طريق مموهة تصل بين فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية).
وكشف المؤرخ جيمس فلينينغ من كولبي كولدج أنّ هذه الخطوة أسهمت في تحفيز الأمم المتحدة لإقرار اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأي أغراض عدائية أخرى في 1978 وحثّت الحكومة الأميركية على تمويل بحث حول التعديل المناخي.
ولكنّ الاهتمام بهندسة الأرض عاد للظهور مع استمرار العالم في نفث مزيد من الغازات الدفيئة. وترجّح الأبحاث الحالية أنّ الوقت تأخر ربّما على تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ، أي إبقاء التسخين دون درجتين مئويتين، من خلال الحدّ من الانبعاثات فقط.
- التخلص من غاز الكربون
هذه المقاربات أو المنطلقات المتنوعة جميعها يمكن أن تساعد في الحلّ، ولكلّ واحدة منها مخاطرها ومكاسبها، وتنقسم إلى فئتين مختلفتين: تنظيف الجوّ من ثاني أكسيد الكربون، وتقليل كمية الطاقة التي تمتصها الأرض من الشمس.
يمكن القول إنّ التخلّص من ثاني أكسيد الكربون هو الأقلّ إثارة للجدل من بين الفئتين، ويتوافق معظم الباحثين على أنّها خطوة ضرورية لتصفير انبعاثات الغازات الدفيئة.
قلّة هم الأشخاص الذين يعترضون على أفكار مثل تشجير الغابات وإدارة الأراضي لزيادة الكربون المخزّن في التربة. ولكن المقترحات الأخرى كتنمية محاصيل لإنتاج الوقود الحيوي للطاقة، والتقاط ثاني أكسيد الكربون عند انبعاثه لتخزينه في باطن الأرض، أدّت إلى زيادة الاعتراضات. فرغم أنّ النباتات تسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء خلال نموّها، فإنها تستغل أراضي قيّمة وكميات من المياه قد تكون ضرورية لتنمية الغذاء.
ومن الخيارات الأخرى المطروحة أيضاً التخلّص من ثاني أكسيد الكربون من الجوّ مباشرة من خلال سحب الهواء بواسطة مراوح كبيرة وامتصاص الكربون عبر فلترات، أو من خلال تفاعلات كيميائية بمحاليل الهيدروكسيد.
وكانت شركة في كندا قد بدأت حقاً اختبار تقنية «التقاط الهواء مباشرة» في مصنع تجريبي، بينما افتتحت شركة أخرى في سويسرا عملاً مشابهاً عام 2017.
ولكنّ الكلفة وقابلية التوسع لتقنيات إزالة الكربون لا تزال غير واضحة، ويعتبر باحثون كثر أن المغامرة بكثير من المال عليها سيكون بمثابة المقامرة.
من جهتها، قالت درو شينديل، عالمة مناخية من جامعة ديوك: «في حال، ولأي سبب من الأسباب، لم يصر إلى تخفيض الانبعاثات فعلاً، لن نتمكّن هذه المرة من العودة إلى الوراء للتعهد بتخفيض الانبعاثات أكثر، لأنّ الأوان سيكون قد فات».
وحتى إن وصلنا إلى مرحلة لم تعد فيها تقنية التخلّص من الكربون فعالة، تبقى فكرة العبث بأشعة الشمس مستبعدة. إذ يخشى البعض من مجرد احتمال التوصل إلى إصلاح تقني للتغيرات المناخية قد يؤدي إلى تراجع حافز العالم تجاه حلّ هذه المعضلة.
- عكس الأشعة الشمسية
ترى سيكينا جينا، التي تدرس السياسات البيئية العالمية في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، أنّه كلّما طال انتظار العالم قبل الحدّ من الانبعاثات، ستضطر الأجيال القادمة إلى التفكير بحلول أكثر، مشدّدة على أنّ «الوقت قد حان للبدء في دراسة بعض هذه الأفكار الكثيرة».
تعتمد الفكرة التي حصلت على الحصة الكبرى من الاهتمام على حقن ذرّات مجهرية من الكبريتات في طبقة الستراتوسفير في الغلاف الجوّي، لتنتشر هذه الذرّات حول الكوكب في غضون بضعة أسابيع وتعكس أشعة الشمس قبل وصولها إلى الأرض.
يعي العلماء الذين يدرسون الثورات البركانية، التي لها التأثير نفسه، أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تبرّد حرارة الأرض رغم أنّ عملية الحقن ستتطلّب تكرارها كلّ بضع سنوات.
وبدأ المهندسون أيضاً تصميم مركبات خاصة لرشّ ملح البحر في الهواء لتفتيح الغيوم البحرية وزيادة قدرتها على الانعكاس. كما اقترح مهندسون آخرون تطبيق فكرة تبييض المحيطات، التي طرحها ريفيل في الماضي، أو تركيب مرايا في المدار الأرضي.
صحيح أن التخلّص من الكربون يعالج مصدر المشكلة المناخية، أي كمية الغازات الدفيئة الموجودة في الغلاف الجوي، إلّا أنّ استخدام هذه الاستراتيجيات لإدارة الأشعة الشمسية لن يؤدي إلى أكثر من حجب بعض العوارض. إن اعتماد تقنية إدارة الأشعة الشمسية سيرسي توازناً مع التسخين، ما سيسهم في استقرار الأنهار الجليدية ويحمي الفصائل الحيوانية من الانقراض. ولكنّه في الوقت نفسه لن يمنع ثاني أوكسيد الكربون من زيادة حموضة المحيطات أو يقلل التلوث الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، بحسب شينديل.
ويرى بيتر إرفاين، عالم المناخ في جامعة هارفارد في حيث بصحيفة «لوس أنجليس تايمز»، أنّ «هذه الاستراتيجية لا تحلّ محلّ تخفيف الانبعاثات، ولكنّها قد تسهم في تقليل المخاطر».
- اضطراب الطقس
لا تزال تقنية إدارة الإشعاع الشمسي محاطة ببعض الشكوك. إذ تشير نماذج الكومبيوتر إلى أنّ انعكاس كثير من الأشعة الشمسية قد يؤدي إلى اضطراب أنماط المتساقطات (الأمطار والندى وما شابه)، خصوصاً في الدول التي لم تسهم بحصة كبيرة من التغيّر المناخي.
قد نحصل على بعض الإجابات في هذا المجال قريباً، إذ تعمل الأكاديميات الأميركية الوطنية المختصة بالهندسة والعلوم والطبّ على إطلاق دراسة لإرشاد الأبحاث المستقبلية باتجاه إدارة الأشعة الشمسية. ومن المقرّر أن تدرس اللجنة الدولية للتغيرات المناخية الموضوع في تقريرها التقييمي المقبل الذي سيصدر عام 2021.
ولكن العالم لا يزال يعاني من حساسية شديدة تجاه الاختبارات التي تحصل على أرض الواقع. عام 2011، تمّ إلغاء تجربة يقودها علماء بريطانيون، كان من المفترض أن يستخدموا خلالها منطاداً مناخياً لرمي كمية من المياه في الغلاف الجوي المنخفض.
ويأمل باحثو هارفارد اليوم إجراء تجارب مشابهة فوق مدينة نيو مكسيكو، حتى إنّهم كانوا يخططون لإطلاق واحدة في أوائل 2019. ولكنها لا تزال معلّقة بانتظار التوصل إلى وسيلة لتنفيذها على أرض غير خاضعة للقوانين الأميركية.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.