محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

شاعر «السحر الأسود» الذي طالما حبس الأنفاس بحضوره المنبري

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه
TT

محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه

كنت بعدُ طالباً على مقاعد الدراسة حين دُعي محمد الفيتوري لإقامة أمسية شعرية في بيروت، في مطالع سبعينيات القرن الفائت. لم يكن اسم الفيتوري يومها جديداً على الجمهور اللبناني الذي كان قد تعرّف، قبلها بسنوات، وفي المكان إياه، إلى الشاعر السوداني الشاب وهو يقف جنباً إلى جنب مع فحول القصيدة العربية التقليدية، لينشد في رثاء الأخطل الصغير قصيدته الميمية التي يحفظ الكثيرون من أبياتها قول الشاعر «أنت في لبنان والشعر له/ في ربى لبنان عرشٌ ومقامُ/ أنت في لبنان والخلْد هنا/ والرجال العبقريون أقاموا/ حملوا الكون على أكتافهمْ/ ورعوا غربته وهو غلامُ. غرسوا الحب فلما أثمر الحب أهدوه إلى الناس وهاموا». على أن الحشد الذي ملأ «قاعة الأونيسكو» في الأمسية اللاحقة لم يكن مدفوعاً إلى الحضور بتأثير من المناسبة الأولى فحسب، بل بما تركته أعمال الشاعر المبكرة، التي اتخذت من المعاناة الأفريقية محوراً لها، من أثر عميق في نفوس قرائه ومتابعيه. وقد عملت أحزاب اليسار العربي، والشيوعيون بوجه خاص، على الترويج للفيتوري بوصفه شاعر القارة المقهورة، والمعبّر الأمثل عن سعيها إلى التحرر من ربقة الفقر والجهل والاستعباد. وإذا كانت قصائد الشاعر في تلك الأمسية قد دغدغت أسماع الحضور بأسماء قادة ثوريين من طراز لوممبا وعبد الناصر ونكروما وأحمد بن بيلا، فإن أكثر ما يتذكره الحضور من تلك الأمسية هو إلقاؤه المميز لقصائده، حيث استطاع أن يحبس الأنفاس بصوته الأجش الراعش، وبصره المسدد نحو نقطة ثابتة في سقف القاعة، وتلوينات أدائه المسرحي التي فعلت بصعودها وهبوطها المتعاقبين، فعل السحر في الحاضرين. حتى إذا فرغ الشاعر من قراءة قصيدته المؤثرة في رثاء المناضل السوداني عبد الخالق محجوب، الذي أعدمه النظام الحاكم آنذاك، انفجرت القاعة بالحماس الغاضب، وبدا للكثيرين أن عصر الشيوعية «السعيد» ليس بعيداً جداً، رغم تعاظم الخيبات ودموية الطغاة الجلادين.
قد تكون تجربة الفيتوري، على المستويين الشخصي والإبداعي، واحدة من أكثر التجارب الشعرية التي تفتح شهية النقاد والدارسين لتناولها بالكتابة والتحليل. ليس فقط لخصوصية موضوعاتها وعناصرها الأسلوبية، بل لأن المفارقات التي حكمت شخصية الشاعر وتحولات مسيرته الحياتية، لا تحصر دراسته في المستوى النقدي التقليدي، بل تترك لعلمي النفس والاجتماع أن يقولا الكثير في طبيعة هذه التجربة وتتبّع انعطافاتها الدراماتيكية ومآلاتها المتعارضة. والحقيقة أن أي تتبع عميق لمسيرة صاحب «معزوفة لدرويش متجول» لا بد أن يوصلنا إلى الاستنتاج بأننا أمام نسَخ ثلاث، على الأقل، من شخصية الفيتوري المركبة. وهي أولاً نسخة الشاعر الثوري الذي أمدّه فقره وسواد لونه وموقعه الهامشي، بمشاعر التمرد والنقمة والاحتجاج على الواقع. ونسخة الشاعر المتأمل الذي وجد في التجربة السودانية الصوفية، بما تمتلكه من ثراء ميتافيزيقي وروحي، ما يُخرجه من مأزقه. ونسخة الشاعر المتسلق الذي راهن على خلْعة السلطان وعطاءاته المجزية لكي يتخلص من إرث الماضي المثقل بالآلام والمكابدات وعقد النقص. وإذا كانت القيمة الفعلية لأي شاعر لا تحددها سلوكياته الشخصية أو مواقفه السياسية، بل تحددها معايير متعلقة بمنجزه الإبداعي وحده، فإن ذلك لا يحول دون إيجاد صلة أو نسب ما بين الحياة والكتابة، كما بين صدق التجربة ومصداقية التعبير عنها. وهو ما سنجد ترجمة له في المحطات المختلفة لمسيرة الفيتوري منذ بداياته المبكرة وحتى سنيه الأخيرة.
يؤكد محمد الفيتوري في تقديمه المسهب لأعماله الشعرية، التي صدرت في بيروت عام 1972، على أن بواكيره الموزعة بين نبرتي الحزن والرفض كانت تتغذى من المعاناة التاريخية القاسية لقارته السمراء، بقدر ما تتغذى من معاناة شخصية موازية تَسبب بها شعور عميق بالفقر والمهانة تبدو انعكاساته في غير قصيدة من قصائده. وقد تكون جرأة السياب، الذي سبقه في العمر والتجربة، على الاعتراف بدمامته التي جعلت نساء العراق يكتفين بالافتتان بشعره دون شخصه، هي واحدة من العوامل التي دفعت الفيتوري إلى القول «دميمٌ... فوجهٌ كأني به\ دخانٌ تكثّف ثم التحمْ\ وعينان فيه كأرجوحتينِ\ مثقلتين بريح الألم\ وأنفٌ تحدّر ثم ارتمى\ فبان كمقبرة لم تتمْ». لكن هذه النبرة المأساوية المهيضة سرعان ما تخلي مكانها لنبرة التمرد والغضب والحث على النهوض، حيث تتقاطع حركة الصحوة الأفريقية التي جسدها كلّ من ليوبولد سيدور سنغور وأوغستينو نيتو وآخرون، مع حركة الحداثة العربية ذات البعد النهضوي التموزي. وهو ما جسدته بشكل واضح مجموعات «أغاني أفريقيا» و«اذكريني يا أفريقيا» و«عاشق من أفريقيا». وكالكثير من مجايليه كان الفيتوري، الذي كرر في غير مناسبة إعجابه ببودلير، يعيش صراعاً داخلياً واضحاً بين ذهابه في مغامرة التجديد حتى نهاياتها، وبين وقوعه تحت وطأة الواقعية الاشتراكية التي ترى في الشعر وسيلة ناجعة لإثارة الجماهير وتحريضها على الثورة. وقد ظل الشاعر أبداً أسير ذلك الترنح المؤرق بين الخيارين. فهو يلعب حيناً على وتر الجرْس التطريبي والتجييش «الثوري» العاطفي: «زمني يا أختَ هواي عجب \ زمني جلاد لا يرحمْ\ زمني يا أخت هواي أصم\ يخنقني كي لا أتكلمْ\ وأنا إنسانٌ يتألمْ». فيما يؤثر أحياناً أخرى أن يتلمس الشعر عبر الصفيح الساخن الذي تنصهر فوقه نُذُر الثورة ووعود الأنوثة: «هذا مسار نجمهم\ أيتها الحبيبة الغريبة\ الحبيبة، الجمالُ والدمامة\ هذا مسار نجمهم\ يركض في الزاوية الكبرى قليلاً\ ثم ينهار رماداً\ راسماً في جبهة الشرق وعينيه علامة\ فابتسمي حتى تمرّ الخيل والبيارق المذهّبة\فالخيل ليست خيلَنا نحن ولا الصهيلْ\ واختبئي في مطر الضفائر المضطربة\ وكبرياء حقدك الجميلْ». أما الوجه الآخر للفيتوري فيتمثل في نزوعه الصوفي الذي تبدو تجلياته واضحة في دواوينه «معزوفة لدرويش متجول»، وبعض قصائد «سقوط دبشليم» و«البطل والثورة والمشنقة»، كما في أعمال وقصائد لاحقة. وهذا النزوع متأتّ بشكل أساسي من البيئة السودانية المحلية التي تعج بالطقوس الدينية والطرق الصوفية المختلفة. وهو بالتالي لا يقتصر على تجربة الفيتوري وحدها، بل يتعداها إلى تجارب أخرى للتيجاني يوسف بشير ومحمد المهدي المجذوب ومحمد عبد الحي وغيرهم. على أن من يمعن النظر في نتاج الشاعر وإصداراته أواخر ستينيات القرن المنصرم وأوائل سبعينياته، لا بد أن يلاحظ أن النقلة المهمة التي حققها الشاعر على مستويات الأسلوب واللغة والرؤية لم تتحقق بفعل الصدفة، بل كان لإقامته في بيروت وتفاعله مع حراكها الثقافي ومغامرتها الحداثية النشطة الدور الأبرز في تعميق تجربته وتوسيع مخيلته والتخفيف من نزوعه الخطابي والآيديولوجي المباشر. هكذا أتيح للفيتوري أن يكتب نصوصاً مختلفة من مثل: «لماذا تظلّ الوجوه المليئة بالصمت موغلة في الذهابْ؟\ أأقنعة أم وجوهٌ محدقة في مرايا العذابْ؟\ لماذا المقاعد مصفوفة والقناديل والزهرُ..\ حتى كأن ستار النهاية\ ستارُ البداية\ لماذا أنا أنتِ يا ويلتاه؟». أو نصوصاً مميزة أخرى حفظها آلاف القراء، من مثل «في حضرة مَن أهوى\ عبثتْ بي الأشواقْ\ حدّقتُ بلا وجهٍ\ ورقصتُ بلا ساقْ\ وزحمْتُ براياتي\ وطبولي الآفاقْ\ عشقي يُفني عشقي\ وفنائي استغراقْ\ مملوككَ لكني\ سلطان العشاقْ». وقد يكون الفيتوري قد وجد في المقاربة الصوفية للعالم ما يعفيه من كل شعور بالنقص، حيث معايير الرفعة والجمال تنبع من لآلئ الداخل الإنساني وكشوفه، لا من اللون والشكل والملامح الظاهرة.
لكن البوصلة التي رسمت لمحمد الفيتوري سبل الوصول إلى جوهر الشعر من جهة، وسبل تجاوز عقد نقصه الشخصية عبر نقلها إلى الخانة الأوسع المتصلة بالدفاع عن قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، من جهة أخرى، ما لبثت أن انقلبت على وجهتها الأساسية لتقوده إلى التماهي الكامل مع صورة الطاغية التي سبق أن صب عليها جام غضبه قبل ذلك. ومنذ أن وضع الشاعر نفسه في عهدة معمر القذافي وتصرّفه، منتقلاً من خانة الفقر والتهميش إلى خانة الوجاهة الاجتماعية والمناصب المرموقة والثراء الباذخ، حتى بدأت الشعلة المتوهجة بالضمور، ليتحول الشعر الخلاق إلى نظم احترافي لمعلقات المديح، وليتحول الانبثاق الروحي التلقائي إلى عرض استعادي للمهارات البلاغية الشكلية. والشاعر الذي سبق له أن هتف ذات يوم: «لماذا يظن الطغاة الصغار/ وتشحب ألوانهمْ/ أن موت المناضل موتُ القضية!»، هو نفسه الذي سيقول في مديح الحاكم الليبي، ونظير النميري في الطغيان: «ها أنت ذا فوق صخر الموت تزدهرُ\ تصحو، وتصحو المرايا فيك والصوَرُ\ كأنما جئتَ من كل العصور، وقد\ كنتَ النبوءة في أحلام من عبروا\ يا حامل الوحدة الكبرى إلى أفُقٍ\ راياتهُ النجمتان: المجدُ والظفَرُ». وإذا كنا سنلحظ في مجموعات الشاعر اللاحقة ارتفاعاً لمنسوب القصائد التي تحتفي بالهموم القومية وحركات المقاومة في شتى ديار العرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في منسوب الالتحام بقضايا الأمة ومعاناة شعوبها، بل هو نوع من «التبييض» الأخلاقي الرمزي لسواد التحالف مع الطغاة والانحياز إلى خانة الجلادين. ولن تستطيع الكتابة عن فلسطين وسواها في مجموعة «يأتي العاشقون إليك»، أو قول الفيتوري عن أطفال الحجارة «ليس طفلاً ذلك الخارج من قبعة الحاخامِ\ من قوس الهزائمْ\ إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائمْ\ إنه التاريخ مسقوفاً بأزهار الجماجمْ\ إنه روح فلسطين المقاومْ»، أن يحجب تسويغ الشاعر للعسف السلطوي، وللدماء البريئة التي أريقت، وما زالت تراق في ساحة عربية لم يأخذ جرحها بعد طريقه إلى الالتئام.
على أنه ليس من العدل بمكان أن نكتفي بقراءة شاعر متميز كمحمد الفيتوري من جانب سقوطه السياسي وحده، أو من الجانب المتعلق باستمرائه لمقتضيات الإنشاد المنبري والتحريضي، بل تجب قراءته أيضاً في تجلياته الروحية العميقة، وفي براعته الأسلوبية العالية. فالخيارات الخاطئة لصاحب «أقوال شاهد إثبات» لا ينبغي بالقطع أن تحجب وهجه الشعري عن الأعين. وما سيظل من الفيتوري ليست منظوماته الحماسية التقريرية، ولا تملقه المتكلف للحكام، بل بعض نصوصه العالية التي تنبثق من مكابدات النفس، ومن أكثر الأماكن صلة بالشغاف، من مثل قوله «شحبتْ روحي\ صارت شفقاً\ كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا\ أتوهج في بدني\ غيري أعمى\ مهما أصغى لن يبصرني\ فأنا جسدٌ حجرٌ\ شيءٌ عبَر الشارعْ\ جزُرٌ غرقى في قاع البحر أنا\ وحريقٌ في الجسد الضائعْ».



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.