38 قتيلاً وجريحاً في معارك طرابلس... والسراج يطلق عملية «بركان الغضب»

الحاسي لـ «الشرق الأوسط»: لا نخوض حرباً نظامية ولكن نواجه عصابات

عناصر من الجيش الوطني الليبي تستعد للانطلاق في اتجاه طرابلس أمس (رويترز)
عناصر من الجيش الوطني الليبي تستعد للانطلاق في اتجاه طرابلس أمس (رويترز)
TT

38 قتيلاً وجريحاً في معارك طرابلس... والسراج يطلق عملية «بركان الغضب»

عناصر من الجيش الوطني الليبي تستعد للانطلاق في اتجاه طرابلس أمس (رويترز)
عناصر من الجيش الوطني الليبي تستعد للانطلاق في اتجاه طرابلس أمس (رويترز)

دشنت حكومة «الوفاق الوطني» الليبية برئاسة فائز السراج أمس، عملية عسكرية باسم «بركان الغضب» للقيام بما وصفه بـ«تطهير كل المدن من الخارجين عن الشرعية»، في إشارة إلى قوات الجيش الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر، التي تخوض قتالاً ضارياً لبسط سيطرتها على مناطق في العاصمة طرابلس، تحت اسم عملية «طوفان الكرامة».
وقال الجنرال عبد السلام الحاسي، رئيس مجموعة عمليات المنطقة الغربية التابعة للجيش الوطني، إن «الأمور تسير على ما يرام»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «قوات الجيش تتقدم في كل المحاور المخصصة لها باتجاه طرابلس».
ورفض الحاسي تحديد مدة لانتهاء العمليات العسكرية لتحرير طرابلس، قائلاً: «قوات الجيش لا تخوض حرباً نظامية كي نعرف متى ستنتهي الحرب... نحن نواجه عصابات»، في إشارة إلى الميليشيات المسلحة الموجودة في طرابلس.
وأعلنت وزارة الصحة بحكومة السراج حصيلة ضحايا الأحداث الجارية في المنطقة الغربية، وأحصت في بيان أمس، 21 قتيلاً و27 جريحاً، فيما أعلن الجيش الوطني مقتل 14 من جنوده في المعارك التي دخلت أمس، يومها الرابع.
ونعت إدارة شؤون الجرحى بحكومة السراج، أمس، طبيباً قتل أثناء تأديته واجبه الوطني في إنقاذ المصابين، بينما قالت جمعية الهلال الأحمر الليبي فرع طرابلس، إنها أخلت عدداً غير معلوم من العائلات العالقة داخل مناطق الاشتباكات.
انسحاب أميركيين
وتزامنت هذه التطورات مع تأكيد قيادة القوات الأميركية العاملة في أفريقيا (أفريكوم)، أنها لم تتلقَ أي طلب للتدخل العسكري في ليبيا، قبل ساعات من إعلانها أنها أجلت أمس مجموعة من القوات الأميركية من طرابلس مؤقتاً، استجابة لما وصفته بالظروف الأمنية على الأرض. وتمت عملية الإجلاء بحراً بواسطة فرقاطات.
وقال جون مانلي مسؤول الإعلام في «أفريكوم» لـ«الشرق الأوسط»: «لم نتلقَ أي طلب للحصول على الدعم العسكري في ليبيا... ليس لـ(أفريكوم) اتصال مباشر مع حكومة الوفاق الوطني». وتابع: «نحافظ على علاقتنا الوثيقة مع المكتب المسؤول عن ليبيا بوزارة الخارجية الأميركية، وأي تنسيق مع شركائنا الليبيين يتم من خلال هذا المكتب».
وأشار مانلي إلى أن «الوضع الأمني الحالي هو مصدر قلق... الأمم المتحدة تدعو إلى حل سياسي، وتفيد بأنه لا يوجد حل عسكري لإقرار الاستقرار الليبي».
وسبق أن أعلنت «أفريكوم»، وبسبب ما وصفته بالاضطرابات المتزايدة في ليبيا، نقل مجموعة من القوات الأميركية مؤقتاً، وأشارت إلى أن مهمة هذه القوات كانت في ليبيا الدعم العسكري للبعثات الدبلوماسية وأنشطة مكافحة الإرهاب وتعزيز الشراكات وتحسين الأمن في جميع أنحاء المنطقة.
ونقل البيان عن الجنرال توماس والدهاوسر قائد «أفريكوم» قوله إن «الحقائق الأمنية على الأرض في ليبيا تزداد تعقيداً ولا يمكن التنبؤ بها... حتى مع تعديل القوة، سنستمر في الحفاظ على مرونة دعمنا لاستراتيجية الولايات المتحدة الحالية، كما ستواصل القيادة الأميركية الأفريقية القيام بدورها لدعم الحكومة والشعب الليبي».
ويعد البيان أول اعتراف رسمي يصدر عن الجيش الأميركي بأنه كان يحتفظ بقوات أميركية غير معلنة داخل طرابلس. وأظهر فيديو التقطه بعض السكان زوارق حربية أميركية وهي تنقل الجنود عبر البحر.
نداءات لهدنة
واستمر القتال المحتدم على مشارف العاصمة ولم ينتقل إلى وسطها، فيما دعت بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا عبر نداء وصفته بالمهم، جميع الأطراف العسكرية المتواجدة في منطقة وادي الربيع والكايخ وقصر بن غشير والعزيزية إلى احترام هدنة إنسانية بين الساعة الرابعة والساعة السادسة من بعد ظهر أمس بالتوقيت المحلي، لتأمين إجلاء الجرحى والمدنيين من قبل أجهزة وطواقم الإسعاف والطوارئ والهلال الأحمر الليبي.
وأعلن محمد قنونو الناطق باسم قوات حكومة السراج رسمياً في مؤتمر صحافي عقده في طرابلس أمس، إطلاق عملية «بركان الغضب» لتطهير العاصمة وكل المدن الليبية من المعتدين والخارجين عن الشرعية. وتابع: «كلنا تصميم على حماية العاصمة... كل الليبيين»، لافتاً إلى أن السراج رفع درجة الاستعداد القصوى والنفير العام في جميع الوحدات العسكرية والأمنية، والتحرك الفوري لرد الاعتداء واستخدام القوة للمحافظة على الليبيين والمرافق الحيوية.
وندد مجلس بلدية الزنتان بالقصف الذي تعرضت له حدوده الإدارية من قبل طيران حكومة الوفاق مساء أول من أمس، انطلاقاً من الكلية الجوية في مصراتة بغرب البلاد، لافتاً في بيان له إلى أن محلة القرية الشرقية تعرضت لغارة جوية لم تسفر عن أضرار بشرية.
غارة جوية
في المقابل، شارك سلاح الجو التابع للجيش الوطني في المعارك للمرة الأولى، حيث أغارت مقاتلاته على تمركزات للميليشيات المسلحة بالضواحي الجنوبية طرابلس، فيما أكدت مصادر بغرفة العمليات الجوية أن الغارات أصابت أهدافها بدقة بالغة بعد أن استخدمت الميليشيات الأسلحة الثقيلة بما يهدد المدنيين، حسبما أعلنت شعبة الإعلام الحربي التي أضافت في بيان لها أمس: «وبهذا نؤكد أننا قادرون على دك تمركزات العدو، وأننا القادرون على حماية المدنيين وأرواحهم وممتلكاتهم».
كما أعلنت الشعبة تحرير مجموعة من الجنود التابعين للجيش وقعت في أسر ميليشيات موالية للسراج، تزامناً مع إعلان كتيبة «طارق بن زياد» أنها وبالتعاون مع الكتيبة 128 التابعتين لقوات الجيش، تمكنت من أسر عدد من الميليشيات الإرهابية في منطقة وادي الربيع، وآليات مسلحة.
وكان السراج اتهم خصمه المشير حفتر بـ«نقض العهد» عبر شنّ هجوم على طرابلس، حيث مقرّ حكومة الوفاق، محذّراً من «حرب لا رابح فيها». وقال السراج في خطاب متلفز مساء أول من أمس: «مددنا أيدينا للسّلام، لكن بعد الاعتداء الذي حصل من قوّات تابعة لحفتر وإعلانه الحرب على مُدننا وعاصمتنا وإعلانه بذلك الانقلاب على الاتفاق السياسي، لن يجد منّا إلا الحزم والقوّة».
واعتبر السراج في كلمته أنّ المؤتمر الوطني المقرّر منتصف هذا الشهر يُشكّل مساراً «نحو دولة مستقرّة لبناء دولة مدنيّة وديمقراطية». وقال إنّ حفتر «مدفوعٌ برغباتٍ شخصيّة ونزوات فرديّة»، متّهماً إيّاه أيضاً بأنّه يعمل من أجل تقويض «العمليّة السياسيّة (...) وإغراق البلاد في دوّامة من العنف والحرب المدمّرة».
واعتبر فتحي باش أغا، وزير الداخلية بحكومة السراج أن حكومته لمست تغييراً إيجابياً في دعم المجتمع الدولي لها، لافتاً في تصريحات تلفزيونية له مساء أول من أمس، إلى أن «بعض الدول الفاعلة شعرت بإهانة حفتر لها واستخفافه بجهود الأمم المتحدة لإرساء السلام، وترى أنه خطر على السلم الأهلي».
وزعم مجدداً أن قوات حكومة السراج في وضع ميداني ممتاز، وستهاجم فور اكتمال تجهيزاتها حسب الخطط الموضوعة، مضيفاً: «سنتوجه لمصادر القوات الغازية (قوات حفتر) وسنؤمن عاصمتنا وكل بلادنا».
وعبر فيديو مصور، توعد هيثم التاجوري الذي يقود ما يعرف باسم «كتيبة ثوار طرابلس»، الجيش الوطني بالهزيمة. وزعم التاجوري الذي كان يرتدي ملابس رياضية ويقود سيارة عسكرية بمحور عين زارة جنوب طرابلس، أن الميليشيات لم تستخدم إلا قليلاً من قوتها.
كما انضم إبراهيم الجضران الرئيس السابق لجهاز حرس المنشآت النفطية، المدرج على قائمة العقوبات الدولية والأميركية، إلى السراج بعدما تحدث عن «النصر العظيم الذي حققته قواته في المنطقة الغربية على حساب قوات الجيش».
وادعى الجضران في بيان مساء أول من أمس، أن هدف قوات الجيش محاربة الشعب الليبي بكل مكوناته وإجهاض ثورة 17 فبراير (شباط)، داعياً من وصفهم بشرفاء ليبيا إلى الوقوف معه ضد حفتر.
ودخل القيادي المتطرف شعبان هدية رئيس «غرفة عمليات ثوار ليبيا»، على الخط بتلميحه عبر بيان مقتضب إلى «وجود خيانة في صفوف قوات السراج»، بعدما أعلنت داخلية السراج وجود متواطئين في صفوف أجهزتها الأمنية مع قوات الجيش.
وكان المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي اللواء أحمد المسماري، أعلن مقتل 14 جندياً حتى الآن، مؤكداً أن الجيش لم ينفذ أي طلعات جوية بخلاف العدو، مشدداً على أن مطار طرابلس تحت السيطرة التامة للجيش.
وكشف المسماري، في مؤتمر صحافي ببنغازي، أن هناك أرتالاً كانت تتقدم من مصراتة لطرابلس حاولت التقدم لمسلاتة لكنها فشلت.
وتابع: «قوات الجيش تقدمت ليلاً وتمركزت في السواني»، مشيراً إلى أن قصر بن غشير تحت السيطرة الكاملة للجيش وكذلك طريق وادي الربيع حتى الساحل ومطار طرابلس.
وبعدما أوضح أن طريق المطار تحت سيطرة الجيش وكذلك كوبري المطار، قال إن قوات الجيش دخلت إلى منطقة ورشفانة من دون قتال.
وأوضح المسماري أن الهضبة الخضراء جاهزة لاستقبال القوات المقبلة من صلاح الدين، مردفاً أنه سيتم تحرير عين زارة قريباً، ووضع كل المجرمين في سجن عين زارة، مضيفاً: «خلال الساعات المقبلة سنكون في ميدان الشهداء».
ولفت المسماري إلى أنه جرى أول من أمس رصد 4 غارات على العزيزية وجندوبة، لكنها لم تسفر عن أي خسائر عسكرية.
وأوضح أن هناك وحدات خاصة بتأمين البعثات الدبلوماسية ومؤسسات الدولة، مضيفاً: «نطمئن الجميع بأن الخطة لا تتعدى محاربة الإرهاب والهدف هو تأمين العاصمة طرابلس».



مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.


العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
TT

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

في أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني عقب أدائها اليمين الدستورية، لم تُستقبل بخطاب تهنئة بروتوكولي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بقدر ما وجدت نفسها أمام برنامج عمل صارم، يمكن عدّه وثيقة توجيه سياسي واقتصادي وأمني، ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد بوضوح معايير النجاح والفشل.

العليمي الذي ترأس الجلسة الأولى لمجلس الوزراء تحدث بلغة مباشرة، محمّلاً الحكومة مسؤولية مضاعفة في ظرف استثنائي؛ إذ أكد أن البلاد لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو حلولاً مؤقتة، قائلاً: «ندرك جميعاً أن المهمة ليست سهلة، لكن ليس أمامكم سوى خيار واحد: العمل، ثم العمل، ثم العمل».

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مفهوم «صناعة النموذج» بوصفه جوهر المهمة الحكومية، عادّاً أن الحكومة الجديدة «ليست مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع؛ بل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وقال إن «صناعة النموذج، مع استعادة ثقة المواطنين والأشقاء والأصدقاء، جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية، وليس مساراً منفصلاً عنها»، في إشارة إلى أن الأداء الحكومي بات ساحة مواجهة موازية للصراع مع الميليشيات الحوثية.

وأوضح أن الحكومة تحمل بعداً أوسع للشراكة، ونقلاً تدريجياً لصناعة القرار إلى جيل جديد، مضيفاً أن الرهان الحقيقي على الشباب والنساء؛ «ليس فقط لإنجاح التجربة، بل لفتح الطريق أمام أجيال متعاقبة، وبناء مسار أوسع للشراكة القابلة للاستمرار».

محددات اقتصادية وأمنية

واحتل الملف الاقتصادي صدارة توجيهات العليمي، الذي ربط بين الاستقرار الاقتصادي وبقاء الدولة، مؤكداً أن تنمية الموارد أولوية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ «بل هي شرط أساسي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى».

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن المعركة «لم تعد مقتصرة على ميليشيا الحوثيين الانقلابية؛ بل تشمل اختلالات متراكمة، وفقراً متصاعداً، وتضخماً أنهك المواطنين، وفقداناً للثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة».

وقال: «هدفنا العام في هذه المرحلة هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والتخفيف من معاناة المواطنين»، من خلال دعم استقلالية «البنك المركزي»، وحماية العملة الوطنية، وضمان حد أدنى من اليقين الاقتصادي.

وزراء حكومة الزنداني مع العليمي عقب تأدية اليمين الدستورية (سبأ)

وشدد على أن كبح التضخم، واحتواء تآكل القوة الشرائية، هما «المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة»، مؤكداً أن ذلك يتطلب «انضباطاً مالياً صارماً، وموازنة واقعية، وتوريداً كاملاً للإيرادات إلى حساب الدولة»، مضيفاً: «لا يمكن الحديث عن دولة بينما يتم استنزاف مواردها خارج خزينتها العامة».

وفي المحور الأمني، أعاد العليمي التأكيد على أنه «لا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة»، رافضاً السرديات التي تتحدث عن فراغ أمني، وعدّها «محاولة لإرباك الثقة، واستهدافاً للجهود الإقليمية، خصوصاً الدور السعودي في توحيد القرار الأمني والعسكري».

وأكد على مسؤولية وزارة الداخلية في تعزيز حضورها الأمني، ليس شكلياً؛ «بل عبر انتشار مدروس يستهدف مناطق الضعف ومصادر العنف»، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي.

وقال: «الأمن الذي نريده ليس استعراض قوة، بل هو سيادة قانون، وانضباط مؤسسي، ورسالة طمأنينة يومية يشعر بها الناس في حياتهم»، مع التشديد على «حماية الحريات العامة، وموظفي الإغاثة، وتجريم الخطاب الطائفي والمناطقي».

الاختبار العملي

وشدد العليمي على أن جعل عدن عاصمة حقيقية للدولة يمثل اختبار الجدية الأول للحكومة، مشيراً إلى أن إحداث الفارق لن يتحقق إلا عبر 3 محاور متلازمة؛ هي «الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والأمن وسيادة القانون، والخدمات».

ودعا إلى عودة الحكومة فوراً إلى الداخل، والانتظام في اجتماعاتها، وعدم تسييس الخدمات تحت أي ظرف، «باستثناء ما يتعلق بمنع استفادة الميليشيات الحوثية، وهو أمر محسوم بقرارات دولية».

وأكد أن المواطن لا يعنيه من ينتصر سياسياً؛ «بل من يدفع الرواتب، ومن يوفر الكهرباء والماء، ويضبط الأسعار، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار»، محذراً بأن أي انقسام داخل الحكومة سينعكس مباشرة على حياة الناس.

الزنداني يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية (سبأ)

وأولى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اهتماماً خاصاً بالشراكة مع السعودية، واصفاً إياها بأنها ليست علاقة عاطفية؛ بل «طريقنا الآمن للمستقبل»، وبأنها تقوم على المصالح والمصير والأمن المشترك.

وأكد أن الدعم السعودي أسهم في تحسن الخدمات خلال الأسابيع الماضية، داعياً إلى «البناء عليه، والاستفادة المثلى من المنح والمساعدات عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الثقة بالعهد الجديد».

من جهته، عدّ رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن توجيهات العليمي تمثل محددات واضحة لعمل الحكومة، مؤكداً التزامها «العمل المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وعدم التهاون مع أي تجاوز للقانون، واستغلال الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب».