ورش الكتابة... تدريب أدبي أم ظاهرة تجارية؟

فرضت نفسها على الساحة الإبداعية في الفترة الأخيرة

عمرو العادلي - سلمى هاشم فتحي - محمد عبد النبي
عمرو العادلي - سلمى هاشم فتحي - محمد عبد النبي
TT

ورش الكتابة... تدريب أدبي أم ظاهرة تجارية؟

عمرو العادلي - سلمى هاشم فتحي - محمد عبد النبي
عمرو العادلي - سلمى هاشم فتحي - محمد عبد النبي

رغم أهيمتها في صقل الموهبة واكتساب الخبرة، فإن محترفات أو «ورش» تعلم الكتابة الأدبية لا تزال تلقى اعتراضاً، اعتقاداً من البعض أن الكتابة الإبداعية عمل فردي قائم على الموهبة الفطرية، كما توجه لها اتهامات بأنها ظاهرة تجارية غير معنية بالقيمة الأدبية. ومع ذلك، فرضت هذه الورش نفسها على الساحة الإبداعية، خصوصاً في الآونة الأخيرة، بفضل بعض الكُتاب والأدباء الذين يرون أن تعلم الإبداع يفترض معرفة تقنيات وأساليب لا بد من إتقانها، إلى جانب الموهبة، وأن الورش ليست ظاهرة أدبية حديثة، إنما موجودة في أميركا منذ ثلاثينات القرن الماضي، وفرضت نفسها في بريطانيا، وانتشرت أخيراً في فرنسا.
هنا، آراء لكتاب ونقاد خاضوا هذه التجربة، حول أهميتها ومعايير الحكم عليها، وهل تقدم نماذج معلبة من المبدعين طبقاً لمنهج المدرب، أم تصنع كاتباً حقيقياً، أم هي بالأساس ظاهرة تجارية؟
عصف ذهني
القاص أحمد الخميسي، الذي أعلن منذ أيام بصفحته على «فيسوك» عن تدشينه ورشة أدبية للقصة القصيرة، محدداً القضايا التي ستناقشها، ووقت انعقادها، وعدد المشاركين بـ12 مشاركاً فقط، وتعد هذه الورشة الثالثة له في هذا المجال، حيث خرج من الورشتين السابقتين 5 مجموعات قصصية للنور، منها: «عاملة المنزل» لأميمة السلاخ، و«صرخة» لمنال شكري.
بداية، يتفق الخميسي مع أن محترفات تعلم الكتابة أصبحت ظاهرة تجارية، لكنه يختلف في تفسير معنى الكلمة، ووفقاً لرؤيته: «لا أعني بالتجاري أن يحصل المدرب على أجر مادي كبير، لكن أقصد أن من يقدمون هذه المحترفات هم أشخاص غير متخصصين، وغير متحققين أدبياً وإبداعياً، وإنما يتخذونها مهنة فقط يتربحون من خلالها».
وحول المعايير التي يمكن عبرها الحكم على شخص بأنه قادر على التدريب في محترف للكتابة، وضع الخميسي عدة شروط، قائلاً: «يجب أن يكون لدى المُدرب خبرة إبداعية لسنوات طويلة، وأن يكون له إنتاج أدبي متحقق في المجال، وموثوق في قلمه الإبداعي، وأن يكون متمتعاً بقدرة نظرية على الشرح والتوضيح، وفقاً لرؤية فكرية وأدبية وفلسفية، وليس مجرد نقل المعلومات من الإنترنت أو الكتب فحسب، بالإضافة إلى إخلاصه في المتابعة مع المتدربين، ونقل خبرته إليهم، وتفتيح مداركهم، وتصحيح أخطائهم. ولهذا فهو يؤكد على أهمية ورش الكتابة، باعتبارها من وجهة نظره: «تُلهم المتدربين، وتطور أدواتهم، وتساعدهم على العصف الذهني والكتابة».
ويرد صاحب المجموعة القصصية «أنا وأنتِ» على الاعتقاد السائد بأن محترفات الكتابة لا تصنع موهبة، لافتاً إلى أن الموهبة موضوع غامض جداً: «لا أحد يستطيع أن يطلق حكماً مطلقاً على شخص بأنه موهوب أو لا، إلا بمتابعة كتاباته على مدار فترة زمنية طويلة». ويستدل الخميسي على صحة رؤيته بالكاتب الروسي فيودور دوستويفيسكي، قائلاً: «من يقرأ رواياته الثلاث الأولى، يعتقد أنه شخص لا يستطيع الكتابة، وأنه لا يتمتع بالموهبة، في حين أنه أصبح الآن من أهم الأدباء».
تدريب وممارسة
الروائي المترجم محمد عبد النبي، مؤسس محترف كتابة «الحكاية وما فيها» في عام 2009، وشارك به كثير من المتدربين الذين استمروا في الكتابة، وصدرت لهم أعمال أدبية، يتفق نسبياً مع الرأي القائل إن الإبداع الأدبي لا بد أن يعتمد في الأساس على الموهبة الفطرية، قائلاً: «من يستطيع الادعاء أننا لسنا بحاجة إلى موهبة، أو درجة من الاستعداد المبدئي لممارسة أي نوع من الفنون، لكن لا يوجد فن في غنى عن التدريب لممارسته، من عزف الموسيقي إلى الغناء إلى الرقص إلى التمثيل، وهو ما يقره الجميع تقريباً، ولكن حين يتعلق الأمر بالكتابة، نلاحظ الامتعاض والنفور، كأن الإنسان إما أن يولد كاتباً كبيراً، وإما أنه لن يستطيع أن يكتب سطراً جيداً أبداً، وهي أسطورة علينا هزيمتها بداخلنا، الآن وفوراً».
وينفي صاحب «في غرفة العنكبوت» ما يقال حول أن محترفات الكتابة تنتج أنماطاً معلبة من الكتابة الإبداعية، خصوصاً التي يغلب عليها الطابع التجاري، مضيفاً: «تعليم الكتابة الحقيقي لا يفرض على المتعلم أي شكل أو أسلوب لكتابته، بقدر ما يمنحه الأدوات اللازمة لاكتشاف صوته الخاص، وتطوير أسلوبه، وامتلاك التقنيات، بصرف النظر عمّا سينتجه بنفسه بعد امتلاكه لأدواته». ويؤكد عبد النبي أنه بفضل جهود أشخاصٍ كثيرين، واقتناعهم بما يفعلون، هدأت الاعتراضات على محترفات تعلم الكتابة قليلاً في السنوات الأخيرة، وتوالت دعوات تؤكد على أهمية نقل الخبرات الإبداعية، وعقد ورش الكتابة، وترجمة الكتب التي تتناول أسرار وتقنيات هذا النوع الأدبي أو ذاك.
وحول المنهج الذي يستخدمه في محترفه الإبداعي، يقول: «لا أستطيع أن أزعم أنني صاحب منهج في تعليم الكتابة السردية بالمرة، أو صاحب تجربة عريضة في الكتابة أستطيع أن أستنبط منها قواعد محددة يمكن فرضها على كل تجربة وكل مبدع. كل ما تفعله الورش الأدبية هو التشجيع على العمل والإنتاج في إطار منظم، بعيداً عن أهواء المبدع وتقلباته، واستسلامه لأوهام الوحي وانتظار الإلهام».
أما الروائي عمرو العادلي، الذي حاضر في عدد من محترفات الكتابة الأدبية، ويكره القواعد والتعليمات الصارمة في منهج التعلم، فيقول: «لا أحب التوجيهات أو القواعد، لأنها موجودة في الكتب، ولأن هذا شكل مقيت في تعلم الكتابة الإبداعية التي تطمح أصلاً لكسر القواعد، وإنما أعتمد على منهج الحكي والتجربة والمشاركة مع المتدربين، وأستطيع من خلالها الحكم حول إذا ما كان أحدهم موهوباً أم لا...كذلك أعتمد في منهجي على وضع المتدرب في مواجهة أخطائه التي لا يمكن أن تظهر له بمفرده، وأن أضيف له بالنقد الرحيم والتحليل المُهذب حتى لا أدمر معنوياته».
ويتفق العادلي مع أن محترفات تعلم الكتابة لا تصنع موهوباً: «هي لا تصنع الموهبة، وإنما تنميها وتطورها، وتمكن المتدرب من امتلاك أدواته. ومع ذلك، فهي أيضاً مفيدة لغير الموهوب، لأنها تكسر الوهم بداخله، وتخبره بأن عليه البحث عن فعل آخر يقوم به غير الكتابة الأدبية».
تجارب مثمرة
الكاتبة القاصة أريج جمال شاركت كمتدربة في عدد من محترفات الكتابة، وتؤيد كُلياً فكرة ورش عمل الكتابة الإبداعية، متمنية أن تكون مدعومة من قبل منظمة أو مؤسسة ما، بحيث لا يدفع الشخص المهتم بالكتابة أي أجر مادي مقابل حضوره، وأن ينظمها كُتاب مخلصون. وتروى أريج تجربتها في المشاركة كمتدربة في محترفات الكتابة، قائلة: «التحقت بورشتين للكتابة الإبداعية: الأولى عام 2014، نظمها معهد (جوتة) الألماني بالقاهرة، وحاضر فيها الكاتب العراقي الألماني عباس خضر؛ والثانية في العامين 2015 و2016 في لبنان، وكانت مدعومة من آفاق الصندوق العربي للثقافة والفنون، وأشرف عليها الروائي اللبناني جبور دويهي. وفي الورشتين، تعلمت أشياء كثيرة عن الكتابة والحياة والفن، وشاركت زملائي أفكاراً تدور في رأسي حول نصوصي، واستمعت إلى ملاحظاتهم والنقد، كما بادلتهم آرائي بشأن نصوصهم، وتعلمت مبكراً - كما أظن - أن أرفع القدسية عن ما أكتبه بفضل هذه الورش».
وتؤكد أريج أهمية محترفات الكتابة في دعم الراغب في التعلم: «الكتابة مثلها كأي فن، يحتاج المهتم به إلى دعم معنوي، دعم يتعلق بالتكنيك والفلسفة والمنهج، وأعتقد أنني قد تلقيت عوناً كبيراً من جبور دويهي للعمل على روايتي الأولى، وأيضاً عباس خضر الذي ما زال رأيه يعنيني في كثير مما أمر به على مستوى الكتابة».
وشاركت القاصة سلمى هشام فتحي في 3 ورش أدبية، اثنتين منهما في القصة القصيرة، وواحدة في الرواية، وتروي تجربتها قائلة: «كانت الأولى منحة مقدمة من معهد (جوته) الألماني، وكانت جيدة جداً، وحاضر فيها الكاتب العراقي الألماني عباس خضر، الذي كان ملهماً جداً. أما الثانية، فكانت بمقابل مادي بسيط، ودرب بها الكاتب حسام الدين فاروق، وتضمنت كثيراً من التدريب العملي على كتابة القصة القصيرة، وهو ما كان مفيداً لي وللمشاركين، ثم حضرت ورشة أخرى في كتابة الرواية بإحدى المكتبات الشهيرة، لكنها كانت نظرية إلى حد كبير، ولم أحقق منها الاستفادة المرجوة».
وتضيف سلمي: «أعتقد أن الورش مفيدة إلى حد كبير، مع مراعاة ألا يعتمد عليها الكاتب فقط، بل يثقل خبرته أيضاً بقراءاته الخاصة، حتى يخلق صوتاً يميزه في الكتابة، ولا يتأثر فقط بمنهج من يدربه. هذا بالإضافة إلى أنها تجعل الكاتب يتعرف على من يشبهونه في الاهتمامات، وتحفزه على الكتابة، وبعض قصص مجموعتي الأولى (غرفة تغيير المشاعر) كُتب في أثناء فترة حضوري للورش الأدبية».
ومن وجهة نظر النقد، يقول الناقد الأدبي الدكتور محمود الضبع: «محترفات الكتابة أثبتت نجاحاً في السنوات السابقة، بحيث ساعدت كثيراً من الشباب والمبتدئين على تعلم أسس الكتابة، وإن كانت الموهبة من جهة، واجتهاد الكاتب واشتغاله على نفسه من جهة ثانية، هما المحك والمعيار الأساسي في تميز كاتب عن غيره»، مشيراً إلى أن «محترفات الكتابة لا تخلق أنماطاً معلبة، ما دام أن المتدرب لا يكتفي بالمعرفة بأسس النوع الأدبي، إنما عليه بالقراءة في الفلسفة والتاريخ والفن، ومشاهدة السينما العالمية، وتنمية الحس الموسيقي، وغيرها مما سيظل هو العامل الأول في فتح مساحات التخييل الأساسية للأديب».
ويتصور الضبع ضرورة توافر عدة مواصفات في مدرب محترفات الكتابة، وعلى حد قوله: «إن تكون لديه دراية بتحليل المحتوى، وتحديد الأهداف، ومعرفة بطرق واستراتيجيات التدريب (خصوصاً في مجال التربية الإبداعية)، وقادراً على تصميم الأنشطة التدريبية، وأساليب تقويمها (التقويم البنائي). وثانياً، يكون متمكناً من الأدبيات العلمية للفرع الذي يدرب فيه، فالمدرب على فن الرواية مثلاً، لا بد أن يكون متمكناً من علوم السرد وآلياتها وتاريخها وأنواعها، وتحليل الرواية، ومعرفة أسس بنائها، ومعرفة كل اتجاهات كتابتها عبر التاريخ حتى لحظتنا الراهنة، وهكذا في بقية الفنون».
ويخلص الضبع إلى وضع معيارين للحكم على المدرب، إذا ما كان ناجحاً ومتمكناً: «أولهما، من خلال المادة التدريبية التي يستخدمها (هناك آليات مقننة لتقييم هذه المواد واعتمادها). وثانيهما، من خلال مخرجات التعلم (المنتج الذي يخرج من الدورات التي ينفذها). فنحن نعيش عصر العلم بكل مقتضياته، وهو ما يحتم علينا الاحتكام إلى الأسس العلمية، والتوقف عن العشوائية التي لا يمكن ضمان عواقبها».



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.