هل النادي الذي يملك المال واللاعبين العالميين قادر على ضمان النجاح؟

مورينيو فشل في جمع عدد النقاط التي حصدها سولسكاير مع يونايتد بنفس التشكيلة وعدد المباريات

إلى أي مدى من النجاح يمكن أن يصل سولسكاير مع مانشستر يونايتد؟ (أ.ف.ب) - كلوب أثبت جدارته مدرباً رغم عدم شهرته لاعباً (إ.ب.أ) - هل سبل النجاح كانت متوفرة لمورينيو أكثر من غيره؟ (إ.ب.أ)
إلى أي مدى من النجاح يمكن أن يصل سولسكاير مع مانشستر يونايتد؟ (أ.ف.ب) - كلوب أثبت جدارته مدرباً رغم عدم شهرته لاعباً (إ.ب.أ) - هل سبل النجاح كانت متوفرة لمورينيو أكثر من غيره؟ (إ.ب.أ)
TT

هل النادي الذي يملك المال واللاعبين العالميين قادر على ضمان النجاح؟

إلى أي مدى من النجاح يمكن أن يصل سولسكاير مع مانشستر يونايتد؟ (أ.ف.ب) - كلوب أثبت جدارته مدرباً رغم عدم شهرته لاعباً (إ.ب.أ) - هل سبل النجاح كانت متوفرة لمورينيو أكثر من غيره؟ (إ.ب.أ)
إلى أي مدى من النجاح يمكن أن يصل سولسكاير مع مانشستر يونايتد؟ (أ.ف.ب) - كلوب أثبت جدارته مدرباً رغم عدم شهرته لاعباً (إ.ب.أ) - هل سبل النجاح كانت متوفرة لمورينيو أكثر من غيره؟ (إ.ب.أ)

أثار صعود مانشستر يونايتد في ظل قيادة المدرب أولي غونار سولسكاير، نقاشاً حول الخصال المميِّزة للمدربين الذين كانوا لاعبين في ما مضى -وربما يكون لدى أكاديميين ألمان إجابة عن هذا الأمر.
دعونا نسأل أولاً: ما مدى تميز أولي غونار سولسكاير كمدرب؟ رغم كل الإشادات التي يجري إغداقها على المدرب النرويجي صاحب الشخصية المحبوبة، لا أزال أبدي تحفظاً تجاهه. وأرجو ألا يُساء فهمي. الواضح للعيان أنه يضطلع بمهمته على أكمل وجه، المسألة أنه من الصعب للغاية الفصل بين الصعود الذي حدث في المزاج العام وأداء مانشستر يونايتد منذ أن أصبح سولسكاير مدرباً للفريق، وهو الأمر الذي انعكس بوضوح في مباراة الإياب أمام باريس سان جيرمان، وبين الحقيقة الجلية التي تقول إن أي نادٍ يملك هذا القدر من المال واللاعبين العالميين ينبغي أن يفوز بغالبية المباريات التي يشارك فيها.
وعندما تضيف إلى هذا الخليط فترة التراجع التي مر بها الفريق خلال الشهور القليلة الأخيرة التي قضاها البرتغالي جوزيه مورينيو في «أولد ترافورد»، والتأثير الإيجابي الذي عادةً ما يتركه على الفريق قدومُ مدرب جديد، إضافة إلى سجل سولسكاير السابق في كارديف، حينها ستجد نفسك أمام لغز معقّد عليك فكّ طلاسمه كي تتمكن من تحديد مدى مهارة المدرب النرويجي حقاً. بالطبع ليس من السهل الفصل بين مهارة مدرب ما -بمعنى لمسته الخاصة- ومهارة اللاعبين الذين يعتمد عليهم وميزانية النادي الذي يعمل به. حتى هذه اللحظة لا يصدق أحدٌ أن روبرتو دي ماتيو مدرب عظيم، مع أنه قاد تشيلسي إلى الفوز بدوري أبطال أوروبا 2012. كما أن المدرب أفرام غرانت كان على بُعد ركلة واحدة من نقطة ثابتة أهدرها جون تيري من غزو أوروبا عام 2008.
ومع ذلك، يعتقد فريق من الأكاديميين الألمان أنهم وجدوا طريقة لفصل تأثير المدرب عن تأثير الفريق، وذلك بعد فحصهم الفترة التي قضاها كل مدرب في البوندسليغا منذ موسم 1993-1994 حتى موسم 2013-2014، وقد نشروا بحثهم في دورية «سبورتس إكونوميكس» في أغسطس (آب) الماضي، بعد أن فحصوا 6.426 مباراة وميزانية كل نادٍ للموسم. وكان بعض النتائج التي توصلوا إليها غير مثيرة للدهشة.
على سبيل المثال، انتهى الفريق الأكاديمي إلى أن الشخص الذي مثّل بلاده عندما كان لاعباً لا يصبح مدرباً أفضل عن غيره ممن لم يحالفهم هذا الحظ. وبالمثل، ليس هناك دليل على أن اللعب في أي مركز معين لا يجعل من اللاعب مدرباً أفضل لاحقاً، إلا أنه عند فحص مستويات أداء نفس المجموعة من المدربين داخل أندية مختلفة ومتفاوتة القوة والميزانية المالية -ومن خلال تطبيق ذات الأدوات الإحصائية التي جرى استخدامها في تقييم حجم الاختلاف الذي أضفاه رؤساء العمل المختلفون على الإنتاجية داخل الولايات المتحدة- توصل الفريق الأكاديمي إلى نتيجتين مثيرتين للاهتمام.
أولاً: أن الـ20% الأولى من المدربين الذين عملوا بالدوري الألماني خلال فترة 21 عاماً، والتي تضمنت يورغن كلوب ولوسيين فافر، أحدثت تحسناً في أداء الفرق التي أشرفوا عليها بمقدار نحو 0.3 نقطة في المباراة في المتوسط مقارنةً بشخص ينتمي إلى الـ20% الأدنى حتى بعد أخذ عاملَي قوة الفريق وميزانية النادي في الاعتبار.
ويعني ذلك زيادةً بإجمالي 10.2 نقطة في المتوسط على امتداد 34 مباراة في موسم البوندسليغا.
ثانياً: يحمل هذا المقياس قدرة كبيرة على توقع الأداء المستقبلي للفرق التي تستعين بالمدرب المعنيّ. ويبدو أن هذه الدراسة تدعم بالمصادفة ما كتبته «الغارديان» وآخرون من قبل حول مهارة المدربين. في جوهره، يعد هذا الأمر أشبه بفكرة أن أفضل وأسوأ المدربين يخلّفون تأثيراً على نتائج الفرق -بينما مَن ينتمون إلى الوسط يعتمدون على جودة مستوى لاعبيهم واستراتيجية الانتقالات التي يتبعها النادي الذي يتعاونون معه وأخيراً الحظ في نجاحهم أو فشلهم. وبالطبع يعد النجاح النسبي مجرد مقياس واحد فقط من المقاييس التي ينبغي أن ينظر إليها نادٍ ما عند التفكير في استقدام مدرب جديد. ومن بين العوامل المحورية الأخرى شخصية المدرب والسياسة التي يتبعها تجاه تنمية مهارات وتحسين أداء اللاعبين الصاعدين وأسلوبه في اللعب.
وهناك نتيجة أخرى توصل إليها الأكاديميون ربما يجب على الفرق أن تضعها نصب أعينها، وهي أن أندية البوندلسيغا التي كان مدربوها لاعبين محترفين سابقين لعبوا في أعلى فرق من الدوري الألماني مالت إلى تقديم أداء أسوأ، في المتوسط، عن المدربين الذين إما لم يسبق لهم اللعب على المستوى الاحترافي على الإطلاق وإما لم يتجاوزوا القسم الثالث في الدوري. من جانبه، يفسر الدكتور غيرد ملهوسر من جامعة هامبورغ، هذا الأمر بأن المدربين الذين لم يكونوا لاعبين نجوماً يشعرون بالحاجة إلى بذل مجهود أكبر ليثبتوا أنهم مدربون أفضل ومن أجل ضمان الحصول على عمل في الأدوار الممتازة من بطولات الدوري. وأضاف: «بمعنى آخر فإنه يتحتم عليهم بدء مسيرتهم العملية بمجال التدريب في أدوار دنيا وإثبات امتلاكهم قدراً كبيراً من المهارة مسبقاً».
وربما لا يعد هذا مفاجأة لنا، فعلى أي حال كان الإيطالي أريغو ساكي لاعباً هاوياً وبائع أحذية قبل أن يُحدث ثورة في عالم تدريب الكرة داخل نادي إيه سي ميلان، بينما كان مورينيو وجيرارد هولييه وبريندان رودجرز من بين المدربين الكثيرين الناجحين الذين لم يلعبوا الكرة على مستوى احترافي كبير. ومع هذا، أوضح عمر تشودهري، رئيس وحدة استخبارات الكرة داخل مؤسسة «21 كلوب» الاستشارية المعنية بكرة القدم، أن هذا ربما يعني أن كرة القدم تقلل من قيمة المدربين الذين لم يلعبوا الكرة الاحترافية.
وقال تشودهري الذي يعمل مع العديد من الأندية الكبرى: «للأسف، من غير الممكن معرفة ما إذا كان عدد المدربين من المحترفين السابقين أقل عرضة للنقد والخطر من غير المحترفين سابقاً. وأيضاً ما إذا كان غير المحترفين سابقاً سيقدمون أداءً أفضل في المتوسط. ومع هذا، توحي الدراسة بأن المدربين غير المحترفين سابقاً يحملون مخاطرة أقل عن الاعتقاد السائد في سوق المدربين. والسؤال هو عمّا إذا كان أي نادٍ بمقدوره استغلال هذه النتيجة -إذا كان المدربون غير المحترفين سابقاً لا يزال يتعين عليهم إثبات أنفسهم، فإنك ربما لن تعرف إذا ما كانوا ماهرين حتى يثبتوا أنفسهم بالفعل».
المثير للاهتمام أن الوضع يختلف داخل الدوري الأميركي لسلة المحترفين، حيث يميل كبار اللاعبين إلى أن يكونوا مدربين أفضل عن غيرهم ممن لم يسبق لهم اللعب. ومن المحتمل أن يكون السبب وراء ذلك أن هؤلاء اللاعبين لا يصلون إلى منصب المدرب العام مباشرةً، وإنما يتحتم عليهم إثبات جدارتهم أولاً في الجهاز التدريبي. وربما يحمل هذا درساً مهماً لأندية كرة القدم وكذلك للاعبين.
وضمن هذا السرد للدراسة الألمانية تجب الإشارة إلى أن 36 مدرباً تركوا وظائفهم في الكرة الإنجليزية هذا الموسم. والغريب أن 20 منهم استمروا في عملهم لأقل من عام، بينهم زميل سولسكاير السابق في مانشستر يونايتد، بول سكولز الذي انفصل عن نادي أولدهام بعد أقل من 3 أشهر في المنصب. ويوحي ذلك بأن قطاعات كبيرة من قطاع الكرة لا يزال يواجه مشكلة في تقييم المدرب الجيد.


مقالات ذات صلة


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.