البيشمركة.. في مواجهة «داعش»

من جماعة تخوض حرب عصابات من جبال كردستان.. إلى قوة منظمة تقف وحيدة لمحاربة الإرهاب

البيشمركة.. في مواجهة «داعش»
TT

البيشمركة.. في مواجهة «داعش»

البيشمركة.. في مواجهة «داعش»

تخوض قوات البيشمركة الكردية منذ بداية الشهر الجاري معارك طاحنة مع مسلحي تنظيم داعش المتطرف، الذي بدأ يفرض نفوذه على مناطق واسعة في غرب البلاد وشمالها، بعد تخاذل الجيش العراقي الذي انهار أمامه إبان سقوط الموصل. فبعد أن كانت البيشمركة تحارب الأنظمة العراقية المتعاقبة وتخوض حرب عصابات من الجبال، باتت الآن في خط المواجهة الأول لمحاربة الإرهاب في العراق، وتتلقى السلاح النوعي من الغرب.. الأمر الذي قد يجعلها من القوى الرئيسة في المنطقة والإقليم بأكمله.
تتسارع دول العالم حاليا لتقديم الدعم العسكري لإقليم كردستان الذي أصبح خلال الأيام القليلة الماضية محطة لطائرات وزراء خارجية أوروبا ومسؤوليها، فبعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إلى أربيل والإعلان عن استعداد بلاده لمساعدة الأكراد عسكريا، وصل وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بداية الأسبوع الجاري إلى أربيل، حيث قال في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الإقليم مسعود بارزاني إن ألمانيا لن تترك الأكراد وحدهم في مواجهة «داعش»، وأكد أن بلاده ستناقش مع الإقليم احتياجات البيشمركة العسكرية ليقوموا فيما بعد بتوفيرها لهؤلاء المقاتلين.
وأعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماع طارئ في بروكسل يوم الجمعة الماضي عن اتفاق على دعم تسليح المقاتلين الأكراد في العراق. ورحب الوزراء بقرار دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي تلبية النداء الذي أطلقته حكومة الإقليم لتزويدها بالمعدات العسكرية بشكل عاجل.
وأعلنت وزارة البيشمركة أن 130 خبيرا عسكريا أميركيا وصلوا الإقليم لتقديم المشورة العسكرية للبيشمركة في حربهم ضد «داعش»، وكشفت عن أن الخبراء الأميركيين قرروا تأسيس مطار عسكري في أربيل بعد أن أعدوا دراسة وافية عن الموضوع، لكن الوزارة نفت في الوقت ذاته وصول أي جندي بريطاني إلى كردستان.
واستطاعت قوات البيشمركة خلال الأيام القليلة الماضية بفضل تلك المعونات العسكرية أن تستعيد السيطرة على مناطق واسعة من سهل نينوى، وسيطرت على سد الموصل بعد معارك مع مسلحي «داعش» الذين تقدموا مع بداية الشهر الجاري باتجاه أربيل عاصمة إقليم كردستان.
معركة السيطرة على سد الموصل بدأت بإسناد جوي أميركي قوي، حيث شلت الطائرات الأميركية الحركة الهجومية لـ«داعش»، إضافة إلى الأسلحة الجديدة التي حصلت عليها البيشمركة والتي ساهمت في أن تستعيد هذه القوات زمام المبادرة وتبدأ هجوم استعادة المناطق التي سيطر عليها «داعش» في المدة الماضية.
يرى الدكتور عبد الحكيم خسرو أستاذ العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين في أربيل، أن «هناك أسباب كثيرة لتحرك المجتمع الدولي للدفاع عن كردستان، منها وجود هذا العدد الهائل من النازحين واللاجئين في الإقليم، إلى جانب أن الإقليم يعد النموذج الناجح الوحيد في العراق من ناحية التعايش السلمي والدبلوماسية والإعمار». ويرى خسرو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن معركة أربيل كانت مفتاح القضاء على «داعش» في الشرق الأوسط.
وشدد بالقول: «المجتمع الدولي يعرف أن البيشمركة هي القوات التي يمكن أن يساعدوها في فرض الأمن والاستقرار في أجزاء من العراق، وذلك بعد أن اطمأنوا إلى أنها قوات لم يصدر منها أي تمييز على أساس القومية أو الدين أو الطائفة والعرق والمذهب في المناطق التي تسيطر عليها، والدليل أننا نرى أن النازحين والهاربين من مناطق العراق الأخرى التجأوا إلى المناطق التي تسيطر عليها البيشمركة».
وحول إمكانية مشاركة البيشمركة في أي عمليات عسكرية ضد الإرهاب خارج العراق، أشار خسرو إلى أن هذا «غير معروف حاليا»، مضيفا أن «محاولات الأوروبيين إصدار قرار عن طريق حلف الناتو لمحاربة (داعش) والجهود الدولية لتأسيس حلف من عدة دول، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي لمحاربة هذا التنظيم المتطرف حسب الفصل السابع، كلها تشير إلى أن معركة أربيل تصبح مفتاحا لحل مشكلة الإرهاب في الشرق الأوسط، إضافة إلى أن هناك تخطيطا عاما بمشاركة قوات البيشمركة والقوات العراقية والأردنية ودول الخليج ولبنان وتركيا لبدء حملة عسكرية ضد (داعش)، إذن هنا سيناط بقوات البيشمركة واجب خاص في هذه العملية الإقليمية».
وتعد البيشمركة أو القوات المسلحة الكردية أقدم قوات مسلحة في العراق، حيث يعود تأسيسها إلى بداية القرن المنصرم، وخاضت على مداره معارك ضد الأنظمة العراقية المتعاقبة من أجل نيل الحقوق القومية للكرد في العراق.
البيشمركة تعني بالعربية «الذين يواجهون الموت» أو «تحدي الموت»، وهي قوة بنيت على أساس الإيمان بالمبادئ القومية والتضحية من أجل الحرية، وتخوض هذه القوات اليوم معركة الدفاع عن العراق والمنطقة ضد الإرهاب والتشدد، في سبيل حماية الحرية التي حصل عليها العراقيون بعد عام 2003.
* قصة البيشمركة
* الكاتب والصحافي عبد الغني علي يحيى الذي التحق منذ عام 1963 بالثورة الكردية تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن بدايات تأسيس البيشمركة وقياداتها، والثورات التي قادتها هذه القوة، وهو يشير إلى أن البيشمركة ظهرت قوة نظامية في عام 1946. ويروي يحيى حكاية البيشمركة قائلا: «سميت القوات الكردية المدافعة عن جمهورية كردستان أو (مهاباد) بقوات البيشمركة، وكان الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى بارزاني وزيرا للدفاع في هذه الجمهورية، وكانت الخدمة العسكرية في هذه الجمهورية تطوعية وليست إجبارية».
وتابع: «لم تتداول تسمية (البيشمركة) حتى اندلاع ثورة سبتمبر (أيلول) عام 1961 بقيادة الملا مصطفى بارزاني ضد الحكومة العراقية، وكان سكان القرى من أكثر المشاركين في تشكيلات هذه القوة، إضافة إلى عدد قليل من الجنود والضباط الأكراد الذين هربوا من الجيش العراقي والتحقوا بالثورة الكردية، من بينهم المقدم عزيز عقراوي والملازم عزيز الأتروشي وضباط آخرون».
وعن التشكيلات الأساسية لقوات البيشمركة، قال يحيى: «كانت قوات البيشمركة تتكون آنذاك من تقسيمات تبدأ من الفصيل الذي كان يسمى بالكردي (بل) والفرع (لق) والبطاليون وتنتهي بالفرقة أي (هيز)، وهي أكبر جزء من تشكيلات البيشمركة آنذاك، وكانت الفرق تحمل أسماء مناطق كردستان التي كانت توجد فيها، كفرقة حمرين وسفين وسهل أربيل وكاروخ وزاخو وعقرة وشيخان وبالك».
اعتمدت هذه القوات على مدار ثورتها في ثمانينات القرن العشرين على الأسلحة الخفيفة فقط المتمثلة ببنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الـ«آر بي جي»، والقنابل اليدوية، لكنها بعد عام 1991 حصلت على أسلحة ثقيلة لأول مرة، حيث استولت على أسلحة القوات العراقية بعد انتفاضة شعبية اندلعت في كردستان أدت إلى خروج الجيش العراقي وتأسيس حكومة إقليم كردستان، لكن مشكلة سلاح البيشمركة لم تحل لأن الأسلحة كانت قليلة.
وفي عام 2003 وبعد أن احتلت أميركا العراق، استطاع الكرد أن يحصلوا على أسلحة الجيش العراقي في كركوك والموصل وديالى، وكانت هذه الأسلحة تتمثل في أسلحة ثقيلة من مدرعات ودبابات ومدافع هاون وراجمات ودوشكات ثنائية ورباعية، لكن هذه الأسلحة كانت قديمة وبعضها كان معطبا، ورغم مطالبات حكومة الإقليم لبغداد بتسليح البيشمركة وتدريبها بما يتواكب من تدريبات ومعدات عسكرية حديثة، باعتبار ذلك جزءا من منظومة الدفاع العراقية، فإن بغداد لم تقدم على ذلك طيلة الأعوام الماضية التي تلت سقوط نظام صدام حسين، فيما كانت واشنطن تصر على أن يكون تسليح البيشمركة عن طريق وزارة الدفاع العراقية.
وبعد أحداث الموصل في يونيو (حزيران) الماضي وما ترتب عليه من سقوط للمحافظات السنية بيد تنظيم داعش، وانهيار المنظومة الأمنية والدفاعية العراقية بالكامل، أصبحت قوات البيشمركة القوات النظامية الوحيدة في العراق لمواجهة «داعش» الذي استولى على أسلحة الجيش العراقي الحديثة والثقيلة.
يقول العميد هلكورد حكمت الناطق الرسمي باسم وزارة البيشمركة لـ«الشرق الأوسط» إن «مهمتنا الآن هي محاربة الإرهاب العالمي، فقوات البيشمركة تقاتل الآن دولة إرهابية، ومع أن العدو يمتلك أسلحة أكثر تطورا من أسلحتنا، التي استولى عليها جراء فرار الجيش العراقي، فإن قوات البيشمركة استطاعت إيقاف تقدم (داعش). ومن ثم بدأنا هجوما بريا بإسناد من الطيران الأميركي لاستعادة المناطق التي استولى عليها (داعش) خلال الأسبوعين الماضيين في سهل نينوى، واستطعنا أن نستعيد السيطرة على سد الموصل وكل المناطق والقرى التابعة لها».
وحول الدعم العسكري الدولي لكردستان قال حكمت: «هناك دول كثيرة أعلنت عن استعدادها لتزويد البيشمركة بالسلاح والتجهيزات العسكرية، منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، والنمسا والتشيك وفنلندا وكندا وبولندا وإيطاليا وأستراليا، ودول أخرى، وستقوم كل دولة بإرسال خبرائها مع الأسلحة لتدريب قوات البيشمركة على هذه الأسلحة الحديثة». وأضاف: «حتى الآن تسلمنا السلاح الأميركي والفرنسي، ونحن بانتظار وصول الأسلحة الأخرى من أصدقائنا.. أميركا أرسلت إلى الإقليم 130 خبيرا عسكريا لتوجيه المشورة لقوات البيشمركة ووضع الخطط العسكرية، وقرر هؤلاء بناء مطار عسكري أميركي في أربيل بالتنسيق بين واشنطن وأربيل وبغداد».

* قوة البيشمركة

* وزارة البيشمركة لم تذكر عدد قواتها الكامل بحجة السرية العسكرية، إلا أن الشرق الأوسط علمت من مصادرها الخاصة أن عدد البيشمركة يبلغ نحو 200 ألف مقاتل، متوزعين على عدد من الفرق والألوية والأفواج، إضافة إلى قوات الكوماندوز الكردية وقوات مكافحة الإرهاب التي تخوض كلها الآن المعارك ضد تنظيم داعش. يقول حكمت إن «قوات البيشمركة لا يمكن مقارنتها بالجيش العراقي الهزيل حاليا.. ليس هناك وجود للقوات العراقية.. كما شاهدناه في الموصل، لا يملك الإرادة والقدرة، وكان يمتلك أسلحة وأعتدة عسكرية متطورة، إلا أنه لم يبد مقاومة ضد (داعش) وترك أسلحته لمسلحي هذا التنظيم الذين يستخدمونها الآن ضد البيشمركة».
وحول تدريب قوات البيشمركة، بين الناطق الرسمي باسم الوزارة أن البيشمركة تلقت تدريبات عسكرية في الإقليم، وهناك قوات من البيشمركة تلقت تدريبات خاصة بحرب الشوارع والمدن، وهي الآن تقاتل «داعش» وكان لها دور بارز في المعركة، مؤكدا أن المعركة مع «داعش» أكبر مدرسة تدريب لقوات البيشمركة في الإقليم، خاصة أنها جاءت بعد مدة طويلة لم تخُض فيها البيشمركة أي معارك.
قوات البيشمركة استطاعت بعد انسحاب الجيش العراقي من المناطق المتنازع عليها أن تحل محل هذه القوات وتحافظ على الأمن في هذه المناطق، إلا أن تأخر الدعم العسكري لها تسبب في انسحابها من بعض الأماكن، كقضاء سنجار ذي الأغلبية الإيزيدية وأقضية الحمدانية وتلكيف في سهل نينوى، إضافة إلى ناحية جلولاء في محافظة ديالى.
القائد الميداني العقيد أديب تروانشي في اللواء الأول زيرفاني، كشف لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الطائرات العراقية كانت سببا لانسحاب البيشمركة من سنجار لأنها لم تستجب لندائهم».
وقال تروانشي الذي كان ضمن القوة الكردية في سنجار: «استفدنا جدا من الإسناد الجوي الأميركي، أما الإسناد الجوي العراقي فلم يؤدِّ المهمة بالشكل المطلوب، كنت في سنجار، ووجهنا حينها عدة نداءات إلى سلاح الجو العراقي، لكن لم يستجيبوا لنا، لو قدمت بغداد لنا الإسناد الجوي لما حدث ما حدث من سقوط قضاء سنجار.. (داعش) تمتلك أسلحة متطورة وثقيلة».
وأضاف تروانشي الموجود حاليا في سهل نينوى: «رغم تسلحنا المتواضع فإن الإيمان بالحرية وبالقضية والمبدأ والتعايش، دفع بنا إلى صد الأعداء والدفاع عن كردستان وأهلها وحماية هذه الأرض من تدنيس (داعش)، والآن ننتظر ساعة الصفر لاستعادة كل المناطق الكردستانية».
بدوره قال ئاري هرسين رئيس لجنة البيشمركة في برلمان الإقليم لـ«الشرق الأوسط» إنه الآن موجود في الجبهة الأمامية في المعركة مع «داعش» في محور شلالات الموصل. وأضاف: «خلال وجودي بين البيشمركة اتضح لي أن أكبر سلاح تملكه هذه القوات هو المعنويات العالية، وهي التي مكنت البيشمركة من التصدي لـ(داعش). البيشمركة لا تقارن بالجيش العراقي، كان في الموصل قرابة 60 ألف جندي عراقي لكنهم لم يصمدوا أمام (داعش) وسلموه مواقعهم وأسلحتهم المتطورة دون أي مقاومة، لذا فإن البيشمركة هي أهم قوة في المنظومة الدفاعية العراقية، لكن مع الأسف الحكومة العراقية لا تولي أي اهتمام لهذه القوات، وبالعكس عاقبت بغداد البيشمركة وسلبت حقها المشروع في الدستور العراقي منذ عام 2004».
يقول أحد أفراد البيشمركة العائد من جبهات القتال في مخمور التي استعادت البيشمركة السيطرة عليها الأسبوع الماضي، لـ«الشرق الأوسط»، دون أن يكشف عن اسمه: «القتال كان عنيفا جدا في البداية، اضطررنا إلى الانسحاب لأن (داعش) كانت تمتلك سلاحا مدفعيا قويا أرغمنا على الانسحاب؛ فأسلحتنا لم تكن في المستوى المطلوب، وتمت مهاجمتنا من الخلف من لدن القرى العربية التي تحالفت مع (داعش)، لذا انسحبنا إلى مواقع قريبة من مخمور الأسبوع الماضي، وكان (داعش) يتقدم باستمرار، إلى أن بدأ الطيران الأميركي بقصف مواقع التنظيم في مخمور والكوير. الطائرات الأميركية دمرت مدفعية (داعش) وشلت حركته الهجومية تماما. حين بدأنا هجوما قويا عليهم من أربع محاور تمكنا من استعادة السيطرة على مخمور والكوير وأكثر من خمسين قرية في أطرافهما. عدونا لاذ الفرار فعلا، لكن نحن بحاجة إلى سلاح».

* قوة متعددة الأعراق

* جميع مكونات إقليم كردستان يشاركون في قوات البيشمركة، فهناك بيشمركة إيزيديون ومسيحيون وتركمان وكاكائية يخدمون في صفوف البيشمركة التي أصبحت القوة المسلحة الكردية التي تحمي كردستان والعراق من الإرهاب الذي تفشى في الجسد العراقي.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».