الإعلام الأفغاني ... حكاية بدايتها «شمس النهار» وحاضرها فوضى

مطبوعات نسوية رأت النور عام 1921 وتعددية أصوات «كتمها» حكم «طالبان»

مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)
مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)
TT

الإعلام الأفغاني ... حكاية بدايتها «شمس النهار» وحاضرها فوضى

مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)
مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)

كانت سبّاقة هي أفغانستان، هذه الدولة الواقعة في وسط آسيا، في وضع أولى لبنات ما يطلق عليه بالإعلام الحر والبناء في عصرنا الحاضر. حدث ذلك بدءاً من عام 1873 وفي أيام الأمير شير علي خان، الذي كان يحكم أفغانستان قبل الاستقلال الرسمي من بريطانيا. في هذه الفترة، سمح الأمير الشاب بتأسيس أول صحيفة ووسيلة إعلامية تشهدها البلاد، واسمها «شمس النهار». كانت تصدر بلغتين الباشتونية والفارسية، وهما اللغتان الرسميتان اللتان يتكلم بهما أغلب الأفغان.
جريدة «شمس النهار» كانت أول تجربة في هذا البلد، الذي يغلب عليه نسبة الأمية إلى درجة كبيرة، مقارنة مع جيرانه من الدول والشعوب، لكن الصحيفة في فترة وجيزة استطاعت ملامسة الواقع المغاير للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعب الأفغاني، حيث كان التركيز في الصحيفة على جوانب الحياة المتنوعة في البلاد، المكون أساساً من عرقيات مختلفة كالباشتون والطاجيك والأوزبيك والهزارة والتركمان والقزلباش، وكل هذه الإثنيات كانت تعيش قبل اندلاع الحرب الأهلية والمشكلات التي تعاني منها هذه الدولة في وفاق وانسجام.
لعبت صحيفة «شمس النهار»، التي استمرت في النشر والطباعة قرابة 3 سنوات، دوراً محورياً ومهماً في نشر الوعي والثقافة والصحوة الوطنية بين أبناء الشعب الأفغاني، الذي كان يكافح احتلال الهند البريطاني في تلك الحقبة. ومع تزايد الضغوط العسكرية والمعيشية على الأمير الأفغاني شير علي خان من قبل الاحتلال البريطاني، القادم من وراء الحدود، انتهت إمارته، ومعها أغلقت الصحيفة عام 1878. وكان حينها في كابل 3 مطابع حجرية تقوم بنشاط الطباعة والنحت لأغراض حكومية رسمية في العاصمة.
- «سراج الأخبار» وعراب الصحافة الأفغانية
اتسمت فترة حكم أمير حبيب الله خان، بالعنف والإقصاء وتهميش الآخر وعدم مراعاة التوازن العرقي والإثني في البلاد، وذلك عام 1906. ولكي يؤسس ويقوي دعائم حكمه، قام الأمير بتأسيس جريدة مطبوعة، أطلق عليها اسم «سراج الأخبار»، كانت تنشر وتطبع في العاصمة الإدارية للبلاد، في كابل. وفي واقع الأمر «سراج الأخبار» لم تكن محض صحيفة أو جريدة، بل كان ينظر إليها كمؤسسة إعلامية ومدرسة للتعليم والطباعة، وبسبب أن الصحيفة الوليدة في عهد الأمير حبيب الله خان، كانت تحض على نيل الاستقلال الكامل من بريطانيا وتشجع على النهضة والحرية، ضغطت حكومة الهند البريطانية، التي كانت تسيطر وتهيمن على شبه القارة الهندية، وكان لها تأثير مباشر على الإمارات والحكومات الإقليمية في أفغانستان، ما أدى إلى إغلاق الصحيفة بعد فترة وجيزة من انطلاقتها.
إلى أن ظهر في سماء الإعلام الأفغاني القديم نجم ساطع يتردد إلى يومنا هذا، ويعد مؤسس والأب الروحي للإعلام القديم، حتى الحديث، في أفغانستان. هذا الاسم هو محمود طرزي، الذي بسبب علاقته القوية والمتينة مع أمير البلاد حبيب الله خان استطاع بمهارة إعلامية عالية إقناعه بضرورة وجود صحف وجرائد تعكس الموقف الحكومي الرسمي، وتقوم بنشر الوعي والثقافة بين المواطنين، وألحّ عليه بضرورة استئناف العمل بالصحف والإعلام والسماح للمطابع بمعاودة النشاط.
- نضال عابر للحدود
قَبِل الأمير هذا المقترح، وسمح للصحف بالعودة للعمل وإعادة تشغيل المطابع الحكومية حيث استؤنف العمل مجدداً عام 1911 بصحيفة «سراج الأخبار»، مع إضافة كلمة الأفغانية إليها، فأصبح اسم الصحيفة الجديد «سراج الأخبار الأفغانية»، وتولى الكاتب الإعلامي محمود طرزي رئاسة التحرير بالصحيفة.
ركّز طرزي على جانب نشر الوعي والتعليم وتشجيع المواطن على نيل حقوقه الأساسية، وكانت الصحيفة تدعو إلى تبني النهضة والرقي عبر التعليم، كما كانت تشجع على ضرورة كفاح ونضال الاحتلال.
الصحيفة لم تختصر رسالتها على جغرافيا أفغانستان، بل بدأ صداها يصل إلى دول أخرى في آسيا الوسطى التي كانت تقبع تحت الاحتلال البلشفي الروسي. يقول المؤرخ الطاجيكي صدر الدين عيني إن صحيفة «سراج الأخبار» كانت توزع على دول آسيا الوسطى، وكانت الشعوب في تلك الدول تستلهم الأفكار المناهضة للمحتل من تلك الصحيفة، التي قامت بلعب دور محوري في إنقاذ الشعوب وإيقاذ الهمم والتصميم لنيل الحرية والاستقلال، فكانت مدرسة تعليمية ومؤسسة إعلامية رائدة آنذاك. وفي عام 1918 قبل عام من نيل أفغانستان استقلالها التام من الهند البريطاني، أسست مؤسسة «سراج الأخبار» صحفاً أخرى تابعة لها، منها «سراج أطفال» الصحيفة التي كانت تعنى بشؤون الأطفال، وتعمل من أجل راحتهم، من خلال الأخبار القصيرة ونشر صور الكاريكاتير الخاصة بهم.
- العصر الذهبي
تعد الفترة الممتدة بين أعوام 1919 - 1929 العصر الذهبي والتاريخي بالنسبة للإعلام في أفغانستان. ففي هذه الفترة حصلت البلاد على استقلالها الكامل من بريطانيا، واعترفت بها الدول كياناً مستقلاً له حدود معترف بها دولياً. وكان أمير أمان الله خان، الحاكم الإصلاحي للبلاد، يسيطر على زمام الأمور في هذه الدولة الآسيوية؛ حيث شهدت الصحافة ثورة كبيرة في عهده، وتطور العمل بها وتوسعت مؤسسات إعلامية كانت تعمل بحرية معقولة.
في عام 1924 رأى أول دستور أفغاني في تاريخ البلاد النور، وضمن مبدأ حرية الصحافة والإعلام، وأطلق العنان لتأسيس وإصدار صحف وجرائد مستقلة، وبدأت حركة الصحف تنتشر وتتوسع إلى المحافظات الأفغانية الكبيرة مثل قندهار وهرات وجلال آباد، فضلاً عن العاصمة كابل التي شهدت رواجاً واضحاً في طباعة الصحف وانتشارها بنطاق أوسع.
كانت أهم الصحف التي ظهرت إلى الوجود ضمن مبدأ حرية الصحافة في العصر الذهبي، هي صحيفة «أفغان»، وصحيفة «بلاغ»، وصحيفة «حقيقيت»، وصحيفة «أمان» نسبة للأمير أمان الله خان حاكم البلاد، وصحيفة «غازي».
- «أنيس» و«نسيم سحر» المستقلتان
كانت أول صحيفة مستقلة، بما تعني الكلمة من معنى، خرجت للعلن في هذه الحقبة، هي صحيفة «أنيس» لمؤسسها غلام محيي الدين أنيس، الذي كان هو رئيس التحرير فيها أيضاً، تليها جريدة «نسيم سحر»، وهي صحيفة كانت تنتقد أداء الحكومة، وتقدم بدائل واضحة في الأداء لمؤسسات الدولة. في هذه الحقبة من تاريخ أفغانستان المتقلب والمتغير مع تغيير الأنظمة فيها، وجدت صحف وجرائد ومجلات، يمكن اعتبارها النواة الحقيقية لحرية الصحافة والإعلام، والتي تحولت فيما بعد إلى مؤسسات إعلامية رائدة تنتج الصحافيين، وتقدمهم للمجتمع الأفغاني المحافظ.
لأول مرة في تاريخ البلاد، وفي المجتمع القبلي «الذكوري»، تم تأسيس صحف ومجلات تعنى بشؤون المرأة، وتتحدث عن حقوقها «الطبيعية»، وهو ما أغضب رجالات الدين المتشددين، وكانت أول صحيفة وباكورة العمل الصحافي بخصوص المرأة، صحيفة «إرشاد النسوان» التي تأسست عام 1921، تلتها حركة النشر والطباعة لكثير من الصحف المخصصة للمرأة والأطفال. هذه الحركة الثورية في الصحف والإعلام لم تختصر بالعاصمة والمدن الكبيرة، فبدأت تنتقل إلى الولايات البعيدة، وبدأ الأفغان يدركون أهمية الإعلام وحرية الصحافة، وانتشرت مراكز الطبع في المحافظات، فكانت صحيفة «طلوع أفغان» أول صحيفة تطبع في قندهار عاصمة الجنوب الأفغاني، وصحيفة «اتحاد مشرق» في مدينة جلال آباد بالشرق الأفغاني، وصحيفة «اتفق إسلام» في ولاية هرات غربي البلاد.
- صحافة آخر ملوك أفغانستان
وككل حقبة وفترة سياسية، لم تدم حقبة العصر الذهبي بالنسبة للحياة الإعلامية في أفغانستان، حيث ثار رجال دين ضد المشروعات الإصلاحية للأمير أمان الله خان، وكانت النتيجة طرده من البلاد، وقد فضل المنفى الاختياري له، إلى أن مات في إيطاليا؛ حيث خلفه الأمير نادر خان، الذي انقلب على كل المشروعات الإصلاحية، ولا سيما مجال الصحافة والإعلام، وقام بإغلاق جميع الصحف والجرائد المستقلة، ومنع العمل بها، وحوّل صحيفة «أنيس» كبرى الصحف المستقلة وأكثرها انتشاراً إلى صحيفة حكومية، واعتقل مؤسسها محيي الدين أنيس، الذي قتل في المعتقل بعد فترة من الاحتجاز من قبل السلطات، وبذلك وضع نهاية للعصر الذهبي، الذي كانت تتمتع بها الصحف الأفغانية.
الملك الأفغاني الراحل محمد ظاهر شاه حكم البلاد لمدة 40 سنة، وباستثناء السنوات القليلة الأولى من حكمه، التي اتسمت بالديكتاتورية والإقصاء للخصوم السياسيين، عادت حرية الصحافة والإعلام إلى المشهد من جديد بعد إطلاق مشروع إصلاحي كبير طال جميع مؤسسات الدولة، وبدأت حركة النشر والطباعة تعود إلى المشهد من جديد، وتنفس الصحافيون والإعلاميون الصعداء، وبدأت أسواق الطباعة تنتعش من جديد، إلى أن جاءت حقبة الشيوعيين وفترة الانقلابات السياسية في سبعينات القرن الماضي، بدعم من الاتحاد السوفياتي السابق، فتحول الإعلام الشاب إلى إعلام تابع للنظام، يطبل ويذمر للأنظمة والحكام.
- «طالبان» و{صوت الشريعة}
في بدايات تسعينات القرن الماضي، سيطرت حركة طالبان المتشددة على مقاليد الحكم في كابل، ومنعت الصحف، وأغلقت المطابع ودور النشر، وحولت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكومي إلى مؤسسة ناطقة باسم أفكار الجماعة، وغيرت اسمها، فسمتها «صوت الشريعة». معظم برامج الإذاعة ركزت على فتاوى دينية، لا تتجاوز الأوامر والنواهي، وكانت الإذاعة تحذر وتبشر مستمعيها بما تراه مناسباً لهم عبر مجموعة من رجال الدين نصبوا أنفسهم أهل علم وحكمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
كانت جميع الصحف قد أغلقت، وتصدر فقط صحيفة «الشريعة» الناطقة باسم جماعة طالبان، التي حرمت المواطنين من التعددية الفكرية والسياسية وكانت تسمح وتجبر الأفغان على سماع أخبار «صوت الشريعة» من الإذاعة الوحيدة اليتيمة في كابل والولايات التي تسيطر عليها «طالبان». كما منعت وعاقبت من كان يستمع حينها إلى الإذاعات الدولية الناطقة باللغات الأفغانية مثل إذاعة «بي بي سي»، الباشتو والفارسية، أو إذاعة «صوت أميركا» و«أوروبا الحرة».
- حرية... وفوضى
القناة والإذاعة الحكومية أقدم وسيلتين إعلاميتين غير مكتوبتين عرفهما الأفغان، لكنهما تعرضتا لعدة مطبات، حيث تعرض مبنى الإذاعة والتلفزيون للحرق والنهب أيام سيطرة المتطرفين على كابل في عام 1992، ثم تعرض المبنى نفسه الواقع في منطقة وزير أكبر خان للنهب والحرب وتدمير أجزاء منه أيام سيطرة «طالبان» على كابل، وأغلقت القناة التلفزيونية أثناء الحرب بسبب عدم وجود كوادر فنية، ومعارضة قادة «طالبان» بالإعلام المرئي.
منذ رحيل «طالبان»، حاولت السلطات الجديدة إعادة بثّ الروح إلى القناة الحكومية، فتم تأسيس مبانٍ جديدة لها وتجهيزها بأحداث المعدات، غير أنها فشلت في استقطاب عدد كافٍ من المشاهدين والمشاهدات بسبب عدم الكفاءة وعدم قدرة الموظفين على مواكبة التطورات السريعة والمتلاحقة في قطاع الإعلام الحديث.
إلى جانب القنوات الحكومية الرسمية، هناك عشرات المحطات التلفزيونية والإذاعات اليوم، تتبع الأحزاب السياسية وقادة المتطرفين السابقين الذين يحاولون الوصول إلى أنصارهم من خلال هذه المحطات التي تبث خطابات وكلمات القادة السياسيين في مختلف المناسبات والمجالات، وهي تعمل جاهدة في تثبيت دعائم هؤلاء الساسة في المجتمع الأفغاني المنقسم عرقياً وطائفياً. بعض هذه القنوات متهمة بالتحريض على القتل والعنف وإثارة النعرات الطائفية والقبلية، كما أن السلطات متهمة أيضاً باتخاذ سياسات التضرع وعدم الجدية في التعامل مع الملفات التي توسع الشرخ في المجتمع الأفغاني. أهم هذه القنوات والمحطات هي الناطقة باسم الأحزاب وقادة المتطرفين وأمراء الحرب.


مقالات ذات صلة

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج
يوميات الشرق فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومرشح المعارضة فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

لولا وبولسونارو يرفضان مناظرة تلفزيونية قبل انتخابات الرئاسة البرازيلية

أُلغيت مناظرة رئاسية في البرازيل بعد رفض المرشحَين لولا وفلافيو بولسونارو المشاركة، قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
يوميات الشرق منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، منع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين.

داليا ماهر (القاهرة)

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟