الروائي المصري يحيى مختار: عالم النوبة تستحيل استعادته إلا بالكتابة

كرس مشروعه الروائي لحكاياتها وأساطيرها

يحيى مختار
يحيى مختار
TT

الروائي المصري يحيى مختار: عالم النوبة تستحيل استعادته إلا بالكتابة

يحيى مختار
يحيى مختار

يعد الكاتب المصري يحيي مختار أحد أعمدة أدب الجنوب، أو ما درج على تسميته «الأدب النوبي»، فقد ولد بين حكايات النوبة وأساطيرها، وعاش سنوات طفولته يتنفس هواءها الجنوبي الدافئ الحار، وارتبط اسمه وعالمه الروائي والقصصي بهذه الحكايات، التي لا تزال تشكل مسرحه الخاص، بخصوصيتها كمكان وتاريخ. إنه لا يزال متشبثاً بذاكرة قريته «الجنينة والشباك» التي غادرها وهو ابن سبع سنوات ليلحق بأسرته التي رحلت إلى القاهرة، على أثر عملية التهجير للنوبيين التي رافقت بناء السد العالي في ستينات القرن الماضي.
في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط» الذي أصر يحيي مختار (83) عاما أن يكتبه بخط يده، لعدم قدرته على استخدام الكومبيوتر، نتعرف على انطباعاته الخاصة بأدب الجنوب، ورأيه في مصطلح «الأدب النوبي»، وتأمله لمسرح أعماله الأدبية ومنها عمله «جبال الكحل» الذي يتناول عملية التهجير النهائية للنوبيين، وارتباطها بتوثيق التاريخ النوبي عبر الأدب. هنا نص الحوار:
> بداية ما رأيك بمصطلح «الأدب النوبي» ؟
- ليس هناك أدب نوبي بجوار الأدب المصري العربي ومختلف عنه. إن أي كتابة سواء كانت إبداعاً أو غير ذلك تنسب إلى اللغة التي كتبت بها، وما دام أن كتابتي باللغة العربية، فهي إبداع عربي، فليس هناك ما يسمى الأدب النوبي كما يدعي البعض، كما أنه ليس هناك أدب سيناوي وصعيدي وسكندري... الخ. لا ينبغي أن نرسخ دعاوى الاستعمار والصهيونية التي تسعى لتفتيت الأمة، ومع ذلك ينبغي أن أضيف أن هناك ثقافة نوبية مغايرة للأدب النوبي. وهذه الثقافة المعبر عنها باللغة العربية بلهجتيها «الفادجة والكنزية» والثقافة النوبية تشمل فيما تشمل الأغاني والحكاوي والأحاجي والأساطير والأمثال والحكم والعادات والتقاليد الخاصة المرتبطة بخصوصية الحياة من ميلاد وموت وأفراح، إضافة إلى الحرف اليدوية الخاصة بالبيئة والعمارة، فهي منظومة تعكس تراثاً غنياً وتضاف إلى الثقافة المصرية في شمولها كرافد من روافدها وجزء حي من مكونات نسيج الوجود المصري على مر العصور منذ العصر الفرعوني وحتى الآن.
> كرست مشروعك لقصص النوبة رغم انتقالك مبكراً للعيش في القاهرة. ألم تحرضك المدينة على إعادة النظر في هذا المشروع؟
- تمر بالإنسان في حياته تجارب كثيرة ومتنوعة، ويمكن أن يكون منها ما هو جدير بل مثير للكتابة، لكن الحياة في النوبة تختلف جذرياً عن حياة المدينة. لن أكرر مقولة اللغة المغايرة ولا العادات ولا الثقافة المختلفة، ولكن يكفي أن أقول: إن تلك التجارب والأحداث والحياة المتنوعة والغنية لم يتم التعبير عنها ولا تناولها أحد سوى صديقي الراحل المناضل محمد خليل قاسم بروايته الفريدة «الشمندورة» التي أبدعها في سجن الواحات في النصف الأخير من الستينات في الوقت الذي كنت أستكمل أدواتي وأكتب قصصا قصيرة لا تمت للنوبة بصلة. هكذا لم يتصد للكتابة الروائية أو القصصية عن النوبة أحد قبل قاسم. نعم هناك شعراء أبدعوا شعرا عربيا عن النوبة وقاسم من بينهم، وجئت أنا بعده فقط بنحو خمس سنوات، وبعدنا جاء أدباء من النوبة للكتابة عنها، وأرى أن النوبة في حاجة إلى كتيبة من المبدعين لاستيعاب تجاربها، لكن هذا حلم صعب تحقيقه لأن الأجيال الجديدة من الكُتاب لم يعيشوا النوبة في قراها القديمة قبل السد، لن يكتب أحد عن عالم عاشه قبل أن يختفي تحت بحيرة ناصر، عالم يستحيل استعادته إلا بالكتابة، إنها كتابة الذاكرة، كتابة ليست مخلوقة من العدم أو محض خيال كما فعل الروائي الأميركي الشهير «وليم فوكنر» الذي اخترع مقاطعة لا وجود لها في الجنوب الأميركي وجعلها مسرحا لكل إبداعاته لتحتضن «سارتوريس» و«الصخب والعنف» و«قداسة الراهبة» وغيرها. لذلك أعتبر كتابتي عن جذوري محاولة لدمج النوبة في النسيج المكون للوطن.
> ما رأيك في تعبير «أدب الأقليات»؟ وهل يمكن تصنيف أدب النوبة ضمن هذا السياق؟
- الأدب القادم والمعبر عن النوبة ليس أدب أقليات. أعلم جيداً أن أي نوبي لا يشعر بأنه من «الأقليات» في وطنه. إنه عنصر فعال ممتزج بعمق في نسيج الشعب بكل فئاته. التنوع الثقافي في أي وطن يثريه ما دام لا يرتكز على عرقية متعصبة أو شوفينية بغيضة. فالنوبي كما يتحدث النوبية يتحدث العربية، ويؤمن بانتمائه لمصر كوطن، وهذا الانتماء ممتد منذ العصور القديمة، لقد أوضح ذلك الدكتور سيد ضيف الله أستاذ اللغة العربية والنقد بالجامعة الأميركية في دراسة مهمة بعنوان «التمازج الثقافي والهوية الصورية للنوبة» تناول فيها مجمل كتاباتي كمعبر عن هذا التمازج، وقال: «وجدت أنه أكثر الكتاب المصريين النوبيين قدرة على رصيد الهوية في تحولاتها، وكروائي أكثر رحابة وإنسانية من فكرة الانتماء العرقي النوبي».
وعلى الرغم من عزلة النوبة التي فرضتها الجغرافيا بحكم موقفها بين جندلين في النهر عند أسوان شمالا ووادي حلفا جنوبا، إضافة لخصوصية لغة مختلفة تماماً، فإنها لم تكن في يوم من الأيام إلا جزءا فاعلا ومنتميا للوطن مصر، كما أن الاستعمار الإنجليزي لمصر والسودان لم يستطع أن يبذر الفتنة وشق الشعب عندما سمى النوبيين بـ«البرابرة»، وأنهم «لا سودانيون ولا مصريون». وكمثال على ذلك عائلتنا، فعندما اطلعت على شهادة ميلاد والدي المدونة بتاريخ 1897 وجدت في خانة الجنسية «بربري»، وبناء على ذلك لا يحق للنوبيين «البرابرة» أن يجندوا في الجيش المصري ليدفعوا ضريبة الدم كمواطنين دفاعا عن مصر. استمر هذا الوضع حتى تمكن المحامي النوبي سليمان عجيب، عضو حزب الوفد في أول برلمان بأغلبية وفدية، من أن يحصل لنا نحن النوبيين على حق الانخراط في جيش الوطن، وأن ندفع ضريبة الدم كسائر المواطنين.
> تعاملت مع تراث النوبة بكثير من الحس الصوفي والغيبي، فأضفت إليه أسطورية خاصة ميزت مشروعك. من أين استمددت هذا التصور؟
- في عالم النوبة المحدود والمعزول بالجغرافيا واللغة يتحقق مجتمع الفطرة، لغة قديمة منذ آلاف السنين، ظلت باقية وصامدة حتى القرن الحادي والعشرين، وما زالت باقية بقوة أكبر في النوبة السودانية، ولم تستطع العربية أن تقضي عليها، وإن كانت أضعفتها في النوبة المصرية، فأوجدت ثنائية لغوية تنفرد بها النوبة في عمومها في مصر والسودان.
اللغة النوبية بعراقتها وبما تحمله من إرث إنساني على مر الدهور لا بد أن تشيع فيها الخرافة والأسطورة من بكارة العقل البشري، والإنسان الأول يحاول أن يفهم وجوده البكر ويتعامل مع واقع يريد أن يفهمه حتى ولو كانت هذه الأساطير وصلتنا بها غير مكتملة، بل شظايا متبقية من تلك العهود القديمة. تسود في المجتمع النوبي قديما وحديثا الرقة البالغة والعنف أيضاً، والسلام والأمان والهواجس الكابوسية. إنه عالم من طراز خاص امتزجت فيه الديانات القديمة من عبادة الأصنام إلى عبادة مظاهر الطبيعة، إلى عبادة الملوك والفراعنة وبعدها الديانات السماوية، فأوجدت حالة من الخصوصية قلما توجد في بقاع أخرى من العالم. أما ما يخصني، فكان هناك تأثير عميق لثقافتي الدينية كابن رجل كان ميرغنيا خاتميا من أتباع قطب الأقطاب سر الختم الميرغني.
> ألهذا كانت الهجرة للشمال ضرورة وجود وحياة ؟
- نعم، كان لا بد لي من الهجرة شمالاً لأتعلم، ولتمتزج هذه الثقافة الدينية العميقة بكل تجلياتها الروحية مع الثقافة الحديثة بتنوعاتها الفاعلة. جئت إلى الشمال حاملاً في أعماقي ما أشاعته تلك الرؤى الروحية، وما أشاعته الموالد لأولياء الله من عمق الصلة بالسماء، إيمان فطري عميق متسق مع ما انحدر على مر العصور منذ الفراعنة، ذلك الاحتفاء بالآخرة والبعث والحساب، وليكون إدخالي في الكتّاب لتعلم العربية وحفظ القرآن تمهيداً لالتحاقي بالمدرسة الابتدائية، ما عزز يقيني وإيماني بالرسالات السماوية وليتراكم في وجداني كل ما تشربته في «الجنينة والشباك» من الموالد مهتزاً مع المداحين والمنشدين والذاكرين رغم أنني لم أكن واعياً لمفردات أناشيدهم.
كل ذلك كان تمهيداً ضرورياً لأن أتجه للقراءة في التصوف، وإن كنت لم أبحر فيه كثيراً، وكما يدخل في مكوناتي الثقافية خلاف تلك الموروثات حكايات جدتي لأمي وجدتي لأبي، حيث هناك الفراغ حبل طويل بلا نهاية، وثمة علاقة غريبة ناشبة بيننا جميعاً مع النيل وما يحمله تاريخه من طقوس أسطورية.
> من خلال مذكرات مدرس التاريخ شيدت عالم «جبال الكحل»... لماذا اخترت المذكرات كقالب للحكي؟
- رواية «جبال الكحل» تتناول عملية التهجير النهائية للنوبيين، بعد الهجرات السابقة على ضفتي النيل التي تمت عند بناء «خزان أسوان» عام 1902 ثم التعلية الأولى عام 1912 ثم الثانية عام 1933، وكان التهجير الذي تم عام 1964 مع بناء السد العالي هو اقتلاع النوبيين من جذورهم التي عاشوا فيها منذ كان الإنسان الأول وبدء الحياة حول مجرى النيل، إنه حدث كوني بكل معنى الكلمة، 45 قرية عاش فيها النوبيون خلال تلك القرون الطويلة من شمال أسوان وحتى تخدم وادي حلفا، بل وهُجر نوبيو وادي حلفا السودانيون إلى «خشم القربة» شرقي السودان الشقيق، ولتحتل بحيرة السد كل أراضي النوبة المصرية على طول 350 كيلومتراً.
لم يكن من الممكن التعبير أو تناول هذه التجربة الفريدة في تاريخنا إلا من خلال مذكرات شخص متعلم واعٍ، عاش هذه التجربة وعاناها تماما والتي لا تزال في حاجة للكثير من الكتابة لاستيعابها بكل تداعياتها الإنسانية.
الرواية جاءتني على شكل مذكرات مما عشته فعلا هناك، في قريتي «الجنينة والشباك» ثم تغلغلت الأحداث في كياني فوثقتها كتابة قدر ما استطعت بتجرد وموضوعية لحسابه هذا الحدث القومي المؤثر في مسيرة وطننا للتقدم والتطور، هذا إضافة إلى أن كل الأرقام الواردة صحيحة وموثقة، كذلك الإحداث التي وقعت بالفعل، كما توضح الرواية الخطايا التي ارتكبت في التهجير، وموقف النوبيين الذين رحبوا بالانتقال شمالا في وطنهم خلاصا من العزلة والإهمال، ورددوا الأغاني مدحا في جمال عبد لناصر الحاكم الوحيد الذي زارهم في ديارهم.
فهناك قصدية في التوثيق لا يتيحها في ظني سوى تكنيك المذكرات التي ترصد بقدر الإمكان أهم أحداث التهجير، وينبغي أن نؤكد أن النوبيين قدموا لوطنهم أعظم التضحيات لمدة قرن كامل منذ بناء «خزان أسوان» عام 1902 وحتى الاقتلاع الكامل عام 1964 وهذا ما لم يقدمه أي إقليم من أقاليم الوطن.
> هل ترى أن هناك اهتماماً بتراث النوبة بشكل عام في الوقت الراهن؟
- هذه قضية تحمل إشكالية معقدة. هناك اهتمام وهناك إهمال. الاهتمام يتمثل بعدة مظاهر، فالنوبيون منذ ما قبل بناء (خزان أسوان) كانوا على صلة وتزاور وعمل في مدن شمال الوطن، وعندما زادت الهجرة للشمال، نتيجة لقلة الموارد الطبيعية لتحقيق احتياجات المعيشة وتقلص الرقع الزراعية بعد الخزان وإهمال حكومات الشمال، قام مواطنو كل قرية من الذين وفدوا للقاهرة والإسكندرية والمدن الأخرى بإنشاء وتكوين جمعيات خيرية لكل قرية تحمل اسمها، ومن مظاهر امتداد الاهتمام أيضا بعد التهجير إنشاء جمعية التراث النوبي عام 1982، كما تم اكتشاف أو الوصول إلى حروف لكتابة اللغة النوبية بلهجتها (النمادجة والكنزية) بعدما فقدت حروفها الأصلية القديمة نتيجة للغزوات والحروب بين مماليك النوبة القديمة والغزوات الرومانية والبطلمية ودخول المسيحية على أيدي اليعاقبة... الخ. لكن فيما يخص رأيي الشخصي في هذا الصدد فإن النوبة المصرية في طريقها للاندثار لغة وعادات وتقاليد، فكل الأجيال التي ولدت في مدن الشمال من الوطن لا يتحدثون النوبية ولا يفهمونها، ولا يعرفون تراثهم. فقط مجرد شظايا من عادات اجتماعية وعلاقات أسرية.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.