الروائي المصري يحيى مختار: عالم النوبة تستحيل استعادته إلا بالكتابة

كرس مشروعه الروائي لحكاياتها وأساطيرها

يحيى مختار
يحيى مختار
TT

الروائي المصري يحيى مختار: عالم النوبة تستحيل استعادته إلا بالكتابة

يحيى مختار
يحيى مختار

يعد الكاتب المصري يحيي مختار أحد أعمدة أدب الجنوب، أو ما درج على تسميته «الأدب النوبي»، فقد ولد بين حكايات النوبة وأساطيرها، وعاش سنوات طفولته يتنفس هواءها الجنوبي الدافئ الحار، وارتبط اسمه وعالمه الروائي والقصصي بهذه الحكايات، التي لا تزال تشكل مسرحه الخاص، بخصوصيتها كمكان وتاريخ. إنه لا يزال متشبثاً بذاكرة قريته «الجنينة والشباك» التي غادرها وهو ابن سبع سنوات ليلحق بأسرته التي رحلت إلى القاهرة، على أثر عملية التهجير للنوبيين التي رافقت بناء السد العالي في ستينات القرن الماضي.
في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط» الذي أصر يحيي مختار (83) عاما أن يكتبه بخط يده، لعدم قدرته على استخدام الكومبيوتر، نتعرف على انطباعاته الخاصة بأدب الجنوب، ورأيه في مصطلح «الأدب النوبي»، وتأمله لمسرح أعماله الأدبية ومنها عمله «جبال الكحل» الذي يتناول عملية التهجير النهائية للنوبيين، وارتباطها بتوثيق التاريخ النوبي عبر الأدب. هنا نص الحوار:
> بداية ما رأيك بمصطلح «الأدب النوبي» ؟
- ليس هناك أدب نوبي بجوار الأدب المصري العربي ومختلف عنه. إن أي كتابة سواء كانت إبداعاً أو غير ذلك تنسب إلى اللغة التي كتبت بها، وما دام أن كتابتي باللغة العربية، فهي إبداع عربي، فليس هناك ما يسمى الأدب النوبي كما يدعي البعض، كما أنه ليس هناك أدب سيناوي وصعيدي وسكندري... الخ. لا ينبغي أن نرسخ دعاوى الاستعمار والصهيونية التي تسعى لتفتيت الأمة، ومع ذلك ينبغي أن أضيف أن هناك ثقافة نوبية مغايرة للأدب النوبي. وهذه الثقافة المعبر عنها باللغة العربية بلهجتيها «الفادجة والكنزية» والثقافة النوبية تشمل فيما تشمل الأغاني والحكاوي والأحاجي والأساطير والأمثال والحكم والعادات والتقاليد الخاصة المرتبطة بخصوصية الحياة من ميلاد وموت وأفراح، إضافة إلى الحرف اليدوية الخاصة بالبيئة والعمارة، فهي منظومة تعكس تراثاً غنياً وتضاف إلى الثقافة المصرية في شمولها كرافد من روافدها وجزء حي من مكونات نسيج الوجود المصري على مر العصور منذ العصر الفرعوني وحتى الآن.
> كرست مشروعك لقصص النوبة رغم انتقالك مبكراً للعيش في القاهرة. ألم تحرضك المدينة على إعادة النظر في هذا المشروع؟
- تمر بالإنسان في حياته تجارب كثيرة ومتنوعة، ويمكن أن يكون منها ما هو جدير بل مثير للكتابة، لكن الحياة في النوبة تختلف جذرياً عن حياة المدينة. لن أكرر مقولة اللغة المغايرة ولا العادات ولا الثقافة المختلفة، ولكن يكفي أن أقول: إن تلك التجارب والأحداث والحياة المتنوعة والغنية لم يتم التعبير عنها ولا تناولها أحد سوى صديقي الراحل المناضل محمد خليل قاسم بروايته الفريدة «الشمندورة» التي أبدعها في سجن الواحات في النصف الأخير من الستينات في الوقت الذي كنت أستكمل أدواتي وأكتب قصصا قصيرة لا تمت للنوبة بصلة. هكذا لم يتصد للكتابة الروائية أو القصصية عن النوبة أحد قبل قاسم. نعم هناك شعراء أبدعوا شعرا عربيا عن النوبة وقاسم من بينهم، وجئت أنا بعده فقط بنحو خمس سنوات، وبعدنا جاء أدباء من النوبة للكتابة عنها، وأرى أن النوبة في حاجة إلى كتيبة من المبدعين لاستيعاب تجاربها، لكن هذا حلم صعب تحقيقه لأن الأجيال الجديدة من الكُتاب لم يعيشوا النوبة في قراها القديمة قبل السد، لن يكتب أحد عن عالم عاشه قبل أن يختفي تحت بحيرة ناصر، عالم يستحيل استعادته إلا بالكتابة، إنها كتابة الذاكرة، كتابة ليست مخلوقة من العدم أو محض خيال كما فعل الروائي الأميركي الشهير «وليم فوكنر» الذي اخترع مقاطعة لا وجود لها في الجنوب الأميركي وجعلها مسرحا لكل إبداعاته لتحتضن «سارتوريس» و«الصخب والعنف» و«قداسة الراهبة» وغيرها. لذلك أعتبر كتابتي عن جذوري محاولة لدمج النوبة في النسيج المكون للوطن.
> ما رأيك في تعبير «أدب الأقليات»؟ وهل يمكن تصنيف أدب النوبة ضمن هذا السياق؟
- الأدب القادم والمعبر عن النوبة ليس أدب أقليات. أعلم جيداً أن أي نوبي لا يشعر بأنه من «الأقليات» في وطنه. إنه عنصر فعال ممتزج بعمق في نسيج الشعب بكل فئاته. التنوع الثقافي في أي وطن يثريه ما دام لا يرتكز على عرقية متعصبة أو شوفينية بغيضة. فالنوبي كما يتحدث النوبية يتحدث العربية، ويؤمن بانتمائه لمصر كوطن، وهذا الانتماء ممتد منذ العصور القديمة، لقد أوضح ذلك الدكتور سيد ضيف الله أستاذ اللغة العربية والنقد بالجامعة الأميركية في دراسة مهمة بعنوان «التمازج الثقافي والهوية الصورية للنوبة» تناول فيها مجمل كتاباتي كمعبر عن هذا التمازج، وقال: «وجدت أنه أكثر الكتاب المصريين النوبيين قدرة على رصيد الهوية في تحولاتها، وكروائي أكثر رحابة وإنسانية من فكرة الانتماء العرقي النوبي».
وعلى الرغم من عزلة النوبة التي فرضتها الجغرافيا بحكم موقفها بين جندلين في النهر عند أسوان شمالا ووادي حلفا جنوبا، إضافة لخصوصية لغة مختلفة تماماً، فإنها لم تكن في يوم من الأيام إلا جزءا فاعلا ومنتميا للوطن مصر، كما أن الاستعمار الإنجليزي لمصر والسودان لم يستطع أن يبذر الفتنة وشق الشعب عندما سمى النوبيين بـ«البرابرة»، وأنهم «لا سودانيون ولا مصريون». وكمثال على ذلك عائلتنا، فعندما اطلعت على شهادة ميلاد والدي المدونة بتاريخ 1897 وجدت في خانة الجنسية «بربري»، وبناء على ذلك لا يحق للنوبيين «البرابرة» أن يجندوا في الجيش المصري ليدفعوا ضريبة الدم كمواطنين دفاعا عن مصر. استمر هذا الوضع حتى تمكن المحامي النوبي سليمان عجيب، عضو حزب الوفد في أول برلمان بأغلبية وفدية، من أن يحصل لنا نحن النوبيين على حق الانخراط في جيش الوطن، وأن ندفع ضريبة الدم كسائر المواطنين.
> تعاملت مع تراث النوبة بكثير من الحس الصوفي والغيبي، فأضفت إليه أسطورية خاصة ميزت مشروعك. من أين استمددت هذا التصور؟
- في عالم النوبة المحدود والمعزول بالجغرافيا واللغة يتحقق مجتمع الفطرة، لغة قديمة منذ آلاف السنين، ظلت باقية وصامدة حتى القرن الحادي والعشرين، وما زالت باقية بقوة أكبر في النوبة السودانية، ولم تستطع العربية أن تقضي عليها، وإن كانت أضعفتها في النوبة المصرية، فأوجدت ثنائية لغوية تنفرد بها النوبة في عمومها في مصر والسودان.
اللغة النوبية بعراقتها وبما تحمله من إرث إنساني على مر الدهور لا بد أن تشيع فيها الخرافة والأسطورة من بكارة العقل البشري، والإنسان الأول يحاول أن يفهم وجوده البكر ويتعامل مع واقع يريد أن يفهمه حتى ولو كانت هذه الأساطير وصلتنا بها غير مكتملة، بل شظايا متبقية من تلك العهود القديمة. تسود في المجتمع النوبي قديما وحديثا الرقة البالغة والعنف أيضاً، والسلام والأمان والهواجس الكابوسية. إنه عالم من طراز خاص امتزجت فيه الديانات القديمة من عبادة الأصنام إلى عبادة مظاهر الطبيعة، إلى عبادة الملوك والفراعنة وبعدها الديانات السماوية، فأوجدت حالة من الخصوصية قلما توجد في بقاع أخرى من العالم. أما ما يخصني، فكان هناك تأثير عميق لثقافتي الدينية كابن رجل كان ميرغنيا خاتميا من أتباع قطب الأقطاب سر الختم الميرغني.
> ألهذا كانت الهجرة للشمال ضرورة وجود وحياة ؟
- نعم، كان لا بد لي من الهجرة شمالاً لأتعلم، ولتمتزج هذه الثقافة الدينية العميقة بكل تجلياتها الروحية مع الثقافة الحديثة بتنوعاتها الفاعلة. جئت إلى الشمال حاملاً في أعماقي ما أشاعته تلك الرؤى الروحية، وما أشاعته الموالد لأولياء الله من عمق الصلة بالسماء، إيمان فطري عميق متسق مع ما انحدر على مر العصور منذ الفراعنة، ذلك الاحتفاء بالآخرة والبعث والحساب، وليكون إدخالي في الكتّاب لتعلم العربية وحفظ القرآن تمهيداً لالتحاقي بالمدرسة الابتدائية، ما عزز يقيني وإيماني بالرسالات السماوية وليتراكم في وجداني كل ما تشربته في «الجنينة والشباك» من الموالد مهتزاً مع المداحين والمنشدين والذاكرين رغم أنني لم أكن واعياً لمفردات أناشيدهم.
كل ذلك كان تمهيداً ضرورياً لأن أتجه للقراءة في التصوف، وإن كنت لم أبحر فيه كثيراً، وكما يدخل في مكوناتي الثقافية خلاف تلك الموروثات حكايات جدتي لأمي وجدتي لأبي، حيث هناك الفراغ حبل طويل بلا نهاية، وثمة علاقة غريبة ناشبة بيننا جميعاً مع النيل وما يحمله تاريخه من طقوس أسطورية.
> من خلال مذكرات مدرس التاريخ شيدت عالم «جبال الكحل»... لماذا اخترت المذكرات كقالب للحكي؟
- رواية «جبال الكحل» تتناول عملية التهجير النهائية للنوبيين، بعد الهجرات السابقة على ضفتي النيل التي تمت عند بناء «خزان أسوان» عام 1902 ثم التعلية الأولى عام 1912 ثم الثانية عام 1933، وكان التهجير الذي تم عام 1964 مع بناء السد العالي هو اقتلاع النوبيين من جذورهم التي عاشوا فيها منذ كان الإنسان الأول وبدء الحياة حول مجرى النيل، إنه حدث كوني بكل معنى الكلمة، 45 قرية عاش فيها النوبيون خلال تلك القرون الطويلة من شمال أسوان وحتى تخدم وادي حلفا، بل وهُجر نوبيو وادي حلفا السودانيون إلى «خشم القربة» شرقي السودان الشقيق، ولتحتل بحيرة السد كل أراضي النوبة المصرية على طول 350 كيلومتراً.
لم يكن من الممكن التعبير أو تناول هذه التجربة الفريدة في تاريخنا إلا من خلال مذكرات شخص متعلم واعٍ، عاش هذه التجربة وعاناها تماما والتي لا تزال في حاجة للكثير من الكتابة لاستيعابها بكل تداعياتها الإنسانية.
الرواية جاءتني على شكل مذكرات مما عشته فعلا هناك، في قريتي «الجنينة والشباك» ثم تغلغلت الأحداث في كياني فوثقتها كتابة قدر ما استطعت بتجرد وموضوعية لحسابه هذا الحدث القومي المؤثر في مسيرة وطننا للتقدم والتطور، هذا إضافة إلى أن كل الأرقام الواردة صحيحة وموثقة، كذلك الإحداث التي وقعت بالفعل، كما توضح الرواية الخطايا التي ارتكبت في التهجير، وموقف النوبيين الذين رحبوا بالانتقال شمالا في وطنهم خلاصا من العزلة والإهمال، ورددوا الأغاني مدحا في جمال عبد لناصر الحاكم الوحيد الذي زارهم في ديارهم.
فهناك قصدية في التوثيق لا يتيحها في ظني سوى تكنيك المذكرات التي ترصد بقدر الإمكان أهم أحداث التهجير، وينبغي أن نؤكد أن النوبيين قدموا لوطنهم أعظم التضحيات لمدة قرن كامل منذ بناء «خزان أسوان» عام 1902 وحتى الاقتلاع الكامل عام 1964 وهذا ما لم يقدمه أي إقليم من أقاليم الوطن.
> هل ترى أن هناك اهتماماً بتراث النوبة بشكل عام في الوقت الراهن؟
- هذه قضية تحمل إشكالية معقدة. هناك اهتمام وهناك إهمال. الاهتمام يتمثل بعدة مظاهر، فالنوبيون منذ ما قبل بناء (خزان أسوان) كانوا على صلة وتزاور وعمل في مدن شمال الوطن، وعندما زادت الهجرة للشمال، نتيجة لقلة الموارد الطبيعية لتحقيق احتياجات المعيشة وتقلص الرقع الزراعية بعد الخزان وإهمال حكومات الشمال، قام مواطنو كل قرية من الذين وفدوا للقاهرة والإسكندرية والمدن الأخرى بإنشاء وتكوين جمعيات خيرية لكل قرية تحمل اسمها، ومن مظاهر امتداد الاهتمام أيضا بعد التهجير إنشاء جمعية التراث النوبي عام 1982، كما تم اكتشاف أو الوصول إلى حروف لكتابة اللغة النوبية بلهجتها (النمادجة والكنزية) بعدما فقدت حروفها الأصلية القديمة نتيجة للغزوات والحروب بين مماليك النوبة القديمة والغزوات الرومانية والبطلمية ودخول المسيحية على أيدي اليعاقبة... الخ. لكن فيما يخص رأيي الشخصي في هذا الصدد فإن النوبة المصرية في طريقها للاندثار لغة وعادات وتقاليد، فكل الأجيال التي ولدت في مدن الشمال من الوطن لا يتحدثون النوبية ولا يفهمونها، ولا يعرفون تراثهم. فقط مجرد شظايا من عادات اجتماعية وعلاقات أسرية.



مصر لترميم وإعادة إحياء مسجد المسبح في القاهرة التاريخية

المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)
المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر لترميم وإعادة إحياء مسجد المسبح في القاهرة التاريخية

المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)
المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)

تسعى مصر لإبراز جماليات العمارة الإسلامية في المنطقة المواجهة لميدان السيدة عائشة (وسط القاهرة) من خلال ترميم وتطوير وإعادة إحياء المساجد والآثار الإسلامية بالمنطقة التي تدخل في نطاق القاهرة التاريخية.

وأكد رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، حرص الدولة على ترميم وإعادة إحياء المساجد القائمة، جنباً إلى جنب مع إنشاء المساجد الجديدة في مختلف مناطق الجمهورية، وذلك من أجل العمل على صون التراث الإسلامي، والحفاظ على المساجد والأضرحة ذات القيمة التاريخية، بما يُسهم في إبراز الوجه المشرق للعمارة الإسلامية في مصر.

أحد المساجد بالطراز الإسلامي المميز (رئاسة مجلس الوزراء)

وأضاف، في بيان عقب تفقده أعمال الترميم وإعادة إحياء مسجد المسبح والمنطقة المحيطة به، المواجهة لمنطقة السيدة عائشة بوسط القاهرة، السبت، أن «هذا الحرص يأتي في ضوء الاهتمام بإحياء التراث الإسلامي، والحفاظ على الهوية الحضارية المصرية».

وناقش مدبولي مع وزير الأوقاف ومحافظ القاهرة ضرورة وضع تصور متكامل يظهر القيمة الحضارية والتاريخية لهذه المنطقة؛ لتكتمل مع أعمال مشروع القاهرة التاريخية، مع مراعاة توفير منطقة خدمات متكاملة للمترددين على المنطقة والزائرين لها، وربطها مع شبكة المواصلات المتطورة، على أن يتضمّن هذا التصور الحديقة المقرر إنشاؤها بها.

وتعدّ القاهرة التاريخية من المواقع الأثرية والمقاصد السياحية المهمة في القاهرة، وتضم عواصم مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى العصرين المملوكي والعثماني والأسرة العلوية، ويحيط بها سور أثري هو سور القاهرة التاريخية، وأُدرجت القاهرة التاريخية ضمن قائمة «اليونيسكو» للتراث الإنساني عام 1979.

ترميم وتطوير المنطقة المحيطة بميدان السيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)

وأكد وزير الأوقاف، الدكتور أسامة الأزهري، تضافر جهود وزارة الأوقاف مع مؤسسات الدولة للنهوض بالمنطقة الكائن بها مسجد المسبح، وإحياء الوجه الحضاري لها، وفي القلب من ذلك العناية بالآثار المسجلة. وعدّ هذه الزيارة التفقدية لمسجد المسبح والعزم على استكمال ترميمه مع ما حوله من المآذن والقباب الأثرية ضمن جهود إحياء المنطقة ككل، وتقديمها بالشكل الحضاري اللائق بعبقها وتاريخها.

ووفق الأزهري يزيد عمر مسجد المسبح على خمسة قرون، وقد خضع لمرحلتَي ترميم، انتهت الأولى منهما وهي الأضخم؛ وتخللتها أعمال فك المئذنة للترميم وإعادة تركيبها، وتدعيم الأساسات، وفك ومعالجة الأسطح الخشبية لسقف المسجد، وترميم الواجهات الخارجية والأرضيات الحجرية واستبدال التالف منها، وكذلك ترميم الأعمدة الرخامية والمحراب والعناصر الجصية.

أعمال الترميم والتطوير مستمرة في القاهرة التاريخية (رئاسة مجلس الوزراء)

وأكد الوزير أن ذلك يأتي ضمن جهود الترميم الأوسع نطاقاً للمآذن المطلة على ميدان السيدة عائشة، والقباب والشواهد الأثرية في المقابر السلطانية، ومقبرة الإمام جلال الدين السيوطي، والمقابر والشواهد المجاورة أيضاً، بما يحافظ عليها ويعيد إليها رونقها، مع الحفاظ على طابعها التاريخي والأثري، وفق بيان مجلس الوزراء.

وتتمتع القاهرة التاريخية بتنوع وثراء مبانيها الأثرية والتاريخية، سواء كانت مباني دينية مثل الجوامع والمدارس والكنائس والمعابد، أو مباني خدمية مثل الحمامات والأسبلة، أو مباني تجارية مثل الخانات والوكالات والأسواق، أو منشآت حربية مثل قلعة الجبل وأسوار القاهرة، أو مباني جنائزية مثل الأضرحة.

Your Premium trial has ended


الديوهات الغنائية العربية تفرض حضورها في موسم الصيف

ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
TT

الديوهات الغنائية العربية تفرض حضورها في موسم الصيف

ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

فرضت الديوهات الغنائية نفسها بقوة على خريطة الغناء العربي مع انطلاق موسم صيف 2026، بعدما شهد الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) الجاري وحده طرح نحو ستة أعمال مشتركة جمعت نجوماً من مختلف أنحاء الوطن العربي، في ظاهرة تعكس اتجاهاً متزايداً لدى المطربين للتعاون فيما بينهم بهدف تقديم تجارب موسيقية متنوعة، والوصول إلى شرائح جماهيرية أوسع.

وجاءت البداية مع أغنية «بحرية»، إحدى أغنيات ألبوم الفنان محمد حماقي الجديد «سمعوني»، والتي جمعته للمرة الأولى بالفنانة شيرين عبد الوهاب في ديو غنائي أثار جدلاً واسعاً منذ اللحظات الأولى لطرحه. ورغم الانتقادات التي تعرض لها العمل، فقد نجح في تصدر قائمة الأغنيات الأكثر استماعاً في مصر عبر منصة «يوتيوب» خلال الأيام الماضية، ليؤكد أن الجدل لم يمنع الجمهور من التفاعل معه.

وكشف الشاعر والملحن عزيز الشافعي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، كواليس الأغنية، موضحاً أنها كانت في الأصل مخصصة لمحمد حماقي ضمن ألبومه الجديد، قبل أن تبرز فكرة مشاركة شيرين عبد الوهاب في تقديمها كثنائي غنائي، وهو الاقتراح الذي وافق عليه حماقي فوراً، بهدف تقديم عمل خفيف ومختلف، ويحمل روحاً جديدة.

ديو الشاب خالد وجانا عمرو دياب (إنستغرام)

كما حقق ديو «القمر ديالي»، الذي يجمع الفنان اللبناني محمد فضل شاكر بالفنان المغربي سعد لمجرد، نجاحاً لافتاً منذ طرحه، بعدما تصدر قوائم الاستماع على عدد من المنصات الرقمية. ويعد العمل أول تعاون بين النجمين باللهجة المصرية، وهو من كلمات وألحان جمانة جمال، وتوزيع حسام الصعبي، فيما جرى تصويره في العاصمة الفرنسية باريس تحت إدارة المخرج المغربي أمير الرواني.

وأكد محمد فضل شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الكيمياء الفنية التي جمعته بسعد لمجرد لعبت دوراً كبيراً في نجاح الأغنية، مشيراً إلى أن العمل قدم بإحساس صادق انعكس بوضوح على النتيجة النهائية.

وأضاف أن الأغنية شهدت تعديلات موسيقية عدة، تم خلالها المزج بين الإيقاع الحيوي والطابع الرومانسي، ما منحها هوية فنية مختلفة، مؤكداً إعجابه الكبير بإحساس سعد لمجرد، وأسلوبه في الأداء، قائلاً إنهما نجحا في الالتقاء عند نقطة فنية مشتركة أثمرت عن تجربة مميزة.

وفي مفاجأة فنية أخرى، اجتمع للمرة الأولى الفنان الجزائري الشاب خالد مع الفنانة الشابة جانا عمرو دياب في ديو غنائي جديد، بعد مرور نحو 27 عاماً على التعاون الذي جمع الشاب خالد بوالدها النجم عمرو دياب في أغنية «قلبي» ضمن ألبوم «قمرين» عام 1999.

ويتميز العمل الجديد بمزج ثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية، في محاولة للوصول إلى جمهور عربي وعالمي، حيث تدور فكرته حول الأمل، والمستقبل، والتمسك بالحب والذكريات رغم مرور الزمن من خلال إعلان دعائي لصالح أحد المنتجعات السياحية المصرية.

وشهد الموسم أيضاً تعاوناً جديداً جمع الفنان المصري تووليت بالفنان الفلسطيني سانت ليفانت في أغنية «نانو»، في تجربة تمزج بين الأساليب الموسيقية الحديثة والإيقاعات الشبابية.

وعلى صعيد الأغنية الخليجية، اجتمعت الفنانة السعودية داليا مبارك مع الفنان العراقي محمود التركي في ديو «شنو شنو»، وهو العمل الذي حمل توقيع الشاعر محمد الواصف، وألحان محمود التركي، وتوزيع عثمان عبود، وإشراف محمد درويش الزرعوني، فيما تولى إخراج الكليب المخرج بسام الترك.

وكشف بسام الترك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن التحضير للعمل استغرق أكثر من 15 يوماً للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، موضحاً أنه حرص على تقديم رؤية بصرية عالمية من خلال تصوير سينمائي باستخدام كاميرا «أليكسا»، مع فريق متخصص في الصورة والمونتاج وتصحيح الألوان.

وأضاف أن داليا مبارك تمتلك شخصية فنية متفردة، والكاميرا تعشق حضورها، فيما أبدى إعجابه بمحمود التركي في أول تعاون يجمعهما، مؤكداً أن النتيجة جاءت بإيقاع إيجابي، وروح شبابية قادرة على جذب مختلف فئات الجمهور.

كما شهد شهر يونيو طرح ديو «عايش لعيونك» الذي جمع الفنان السوري الشامي بالفنانة اللبنانية لين الحايك، وهو من كلمات الشامي وفادي مرجان، وألحان الشامي وأنس كريم.

وقالت لين الحايك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التجربة تمثل محطة مهمة في مسيرتها الفنية، لأنها خاضت من خلالها لوناً غنائياً مختلفاً، واعتمدت لهجة جديدة، ما منحها فرصة للخروج من الإطار التقليدي الذي اعتاد عليه الجمهور، واستكشاف إمكانات فنية جديدة».

ديو محمود التركي وداليا مبارك ومعهما المخرج بسام الترك (إنستغرام)

ورغم الزخم الكبير الذي شهدته ساحة الديوهات الغنائية مع بداية الموسم الصيفي، يرى الناقد الموسيقي فوزي إبراهيم أن «معظم هذه الأعمال جاءت دون مستوى التوقعات»، مؤكداً أن «الأغنيات لم تحقق النجاح الاستثنائي الذي كان ينتظره الجمهور، خصوصاً ديو شيرين عبد الوهاب ومحمد حماقي الذي اعتبره كثيرون أقل من سقف التطلعات المرتفع الذي سبق طرحه».

وأضاف إبراهيم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ظاهرة الديوهات أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتبادل الجماهير بين المطربين، بهدف توسيع قاعدة المستمعين لكل فنان، دون الالتفات بالقدر الكافي إلى القيمة الفنية للديو، أو الفكرة الإبداعية التي يقوم عليها»، مشيراً إلى أن «نجاح أي تعاون غنائي يظل مرهوناً بوجود رؤية فنية حقيقية تتجاوز الحسابات التسويقية».


«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
TT

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً، حيث يغوص في أعماق الشغف البشري، ويتتبع بمسؤولية ونضج مسيرة مجموعة «النقاد» (The Critics) النيجيرية الشابة، وتضم هذه المجموعة ريموند يوسف، ورونالد يوسف، وفيكتور جوسايا، وجودوين جوسايا، وبرفقة صديقيهم جوردان، وريتشارد، بالإضافة إلى عدد من المقربين، وأفراد العائلة الذين شاركوهم الرحلة.

من قلب الأزقة المتواضعة في مدينة كادونا النيجيرية قرر هؤلاء الفتية منذ نعومة أظفارهم ألا يستسلموا لواقعهم، فبدأوا في صناعة أفلام خيال علمي هوليوودية الطابع بإمكانات تكاد تكون معدومة، ومحولين الشغف الطفولي إلى قضية حياة.

من فناء منزل طيني بسيط يفتقر لأدنى مقومات التكنولوجيا، استطاع هؤلاء الشباب تأسيس عالم سينمائي متكامل الأركان، مستعينين بأدوات لا تتجاوز هاتفاً جوالاً واحداً بائساً بملامح بدائية، وبعض الملابس والأقمشة القديمة، وقطع الخردة، والمعادن التي يجمعونها من القمامة.

القصة قدمت في الفيلم الوثائقي، وهو إنتاج نيوزيلندي-نيجيري مشترك، وعرض في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وسيكون عرضه الأول في الولايات المتحدة ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» الشهر المقبل.

مخرجة وأبطال الفيلم على السجادة الحمراء في برلين (إدارة المهرجان)

العمل الذي أخرجته المخرجة النيوزيلندية بيترا بريتكيللي، بالتعاون الإنتاجي والفني الإبداعي مع أعضاء المجموعة أنفسهم، يتجاوز كونه مجرد توثيق تقليدي لصناعة السينما المستقلة، أو الأفلام البديلة في أفريقيا، فهو يتحول تدريجياً إلى رحلة فلسفية عميقة تبحث في جوهر الحلم، ومعنى النجاة، ومحاولات صياغة الهوية الشخصية والثقافية وسط واقع محلي قاسٍ يفيض بالأزمات المعيشية والأمنية.

على مدار ثلاثة عشر عاماً كاملة من التصوير المتواصل والمضني، يرصد الفيلم نمو هؤلاء الشباب جسدياً وفكرياً وعاطفياً أمام عدسة الكاميرا، وكيف تشكلت وتبلورت علاقاتهم المعقدة بالحياة والسينما والعالم الخارجي.

تتحدث المخرجة بيترا بريتكيللي لـ«الشرق الأوسط» عن اللحظة الاستثنائية التي اكتشفت فيها المجموعة للمرة الأولى عبر فضاء الإنترنت، مشيرة إلى أن اهتمامها المهني والإنساني الطويل بفكرة الهوية الثقافية واللغات المهددة بالاختفاء كان السبب الجوهري وراء هذا الانجذاب المباغت.

كانت بيترا تتابع بشغف تجارب ثقافية مغايرة ومستقلة حول العالم، قبل أن تصادف بالصدفة البحتة مقاطع فيديو قصيرة صنعتها مجموعة «النقاد»، وفي تلك اللحظة شعرت المخرجة بأنها تقف أمام تجربة إنسانية نادرة وصادقة للغاية، وتحمل في طياتها طاقة خام، وسحراً دفيناً من الصعب تفسيره بالكلمات العادية، أو النظريات النقدية الجاهزة.

استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة النيوزيلندية في مقابلتها مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن علاقتها بالمشروع الوثائقي بدأت بشكل غريزي وعاطفي تماماً، بعيداً عن الحسابات الإنتاجية الباردة، أو التخطيط المسبق، واتخذت قراراً جريئاً بالسفر الفوري إلى نيجيريا بعد أيام قليلة جداً من أول تواصل إلكتروني معهم، دون أن تملك أي خطة عمل واضحة، أو تصور نهائي لشكل الفيلم، أو مساره الفني.

ولم يكن طريق التصوير الممتد عبر السنين مفروشاً بالورود، بل واجه تحديات لوجستية وإنسانية بالغة التعقيد، بدأت من مشقة السفر والمسافات الطويلة بين نيوزيلندا ونيجيريا، ومروراً بأزمة جائحة كورونا العالمية التي قطعت أوصال التواصل الفعلي، ومنعتها لسنوات من العودة. امتدت الصعوبات لتشمل تفاصيل الحياة اليومية المضطربة لأبطال الفيلم، من انقطاع دائم للتيار الكهربائي، وغياب شبكات الإنترنت، وهي عقبات كادت تعصف بالمشروع بأكمله.

من جانبه، كشف ريموند يوسف، أحد الأعضاء البارزين في المجموعة، عن الكواليس النفسية الأولى للقاء، موضحاً أنهم تجاهلوا رسائل بيترا المتكررة في البداية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مدفوعين بنوع من التوجس والريبة الفطرية.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفضول هو ما حركهم في النهاية للرد عليها، حيث لم يكونوا يستوعبون إطلاقاً لماذا قد تتكبد مخرجة أجنبية مشقة السفر من نيوزيلندا إلى نيجيريا لتصنع فيلماً عن فتيان يصورون مقاطع بسيطة بهواتف متهالكة في حي شعبي منسي، ولم يدركوا وقتها أن شغفهم الصغير يملك هذه القيمة الإنسانية الكبيرة.

وأشار ريموند يوسف إلى أن المجموعة اعتقدت في بادئ الأمر أن المسألة لن تتجاوز بضعة أيام من التصوير التوثيقي العابر، قبل أن تفاجئهم بيترا بإعلان نيتها مرافقة تفاصيل حياتهم، ورصد تقلبات عيشهم لسنوات طويلة قادمة.

هذا الالتزام الزمني الطويل لم يفهم الشباب أهميته وقيمته الفنية في ذلك الوقت المبكر من حياتهم، لكن السنوات اللاحقة جعلتهم يدركون النضج الكامن في هذا التوثيق، فشاهدوا، بكثير من الدهشة والذهول، كيف تغيرت ملامحهم، ونضجت أفكارهم، وكيف كبروا، وتطورت أدواتهم الفنية والشخصية أمام هذه العدسة المخلصة التي رافقت طفولتهم وشبابهم.

أما شقيقه رونالد يوسف، فقد أوضح أن فكرة التصوير المستمر والتوثيق لم تكن غريبة تماماً على بيئة المجموعة، لأنهم اعتادوا منذ الطفولة توثيق كواليس أفلامهم، ومشاركة تفاصيل حياتهم اليومية مع متابعيهم على شبكات التواصل.

وثق الفيلم جانباً من حياة مخرجين شباب في نيجيريا (الشركة المنتجة)

هذا الاعتياد خلق نوعاً من الانسجام الطبيعي والتلقائي مع كاميرا بيترا منذ اللحظات الأولى، وضمن تدفقاً عفوياً للأحداث دون تصنع، لكن رونالد اعترف في الوقت نفسه بأن أحداً منهم لم يكن يتوقع أو يتخيل، ولو في الأحلام، أن يتحول هذا الفيلم الوثائقي إلى علامة فارقة تشكل جزءاً جوهرياً ومصيرياً من حياتهم، ومسيرتهم الفنية والمهنية اللاحقة.

في المقابل، لم ينكر فيكتور جوسايا أن وجود شخص أجنبي يحمل ثقافة مختلفة تماماً ويراقب تفاصيل حياتهم الخاصة بالكاميرا كان أمراً مربكاً ومثيراً للقلق في البداية، وزاد من هذا الإرباك أن المجموعة كانت تتلقى في تلك الفترة عروضاً تجارية، ورسائل بريدية لا حصر لها من جهات وأشخاص يبحثون عن استغلال نجاحهم الرقمي المفاجئ على الإنترنت.

لكن فيكتور أكد أن علاقتهم الإنسانية بالمخرجة النيوزيلاندية تطورت تدريجياً وبثبات مع مرور الوقت، بعدما اكتشفوا بذكائهم الفطري أنها لا تبحث عن إثارة رخيصة، أو صناعة فيلم سريع، بل تسعى بصدق واهتمام لفهم أعماقهم الفكرية.