الفنون والحرف اليدوية من جميع أنحاء العالم تجتمع في قرية هندية

من فعاليات معرض سوراج كوند السنوي
من فعاليات معرض سوراج كوند السنوي
TT

الفنون والحرف اليدوية من جميع أنحاء العالم تجتمع في قرية هندية

من فعاليات معرض سوراج كوند السنوي
من فعاليات معرض سوراج كوند السنوي

تتألق مجموعة مذهلة من الألوان، مع احتفالية رائعة من الفنون، والحرف، والموسيقى، والرقص، والمأكولات المحلية والدولية التي تنتظم على قدم وساق في الباحة الخلفية من بحيرة سوراج كوند في ضواحي العاصمة الهندية دلهي ضمن فعاليات معرض سوراج كوند السنوي الذي يجتذب العديد من السائحين والزائرين.
ويحتل ذلك المعرض مكانا متميزا من الفخر والاعتزاز على القائمة السياحية العالمية مع أكثر من 1.3 مليون زائر محلي ونحو 120 ألف زائر أجنبي خلال العام الماضي وحده، إذ يعد المعرض الذي يستمر لمدة أسبوعين في شهر فبراير (شباط) من كل عام، والمنتظم على مدار الـ33 عاما الماضية، واحدا من أكثر الاحتفاليات الثقافية بالتراث الهندي القديم والمعاصر الذي يشهده العالم على الإطلاق.
وتتميز التجربة السياحية الريفية هنا بالسقوف المصنوعة من القش، والديكورات الفخارية ذات الألوان المتعددة. ويجتمع الحرفيون من مختلف أرجاء البلاد في مخيمات مصغرة للتعامل مع مختلف العملاء. وتجد الحرف اليدوية، والأعمال الفنية المتنوعة، والأقمشة، والأعمال الفخارية، والرسومات موئلها الطبيعي هنا بين خبراء المناطق الحضرية.
واختصارا، يعد المعرض معركة مشتعلة من الألوان، مع لمسات الديكورات العرقية والإثنية من كافة أرجاء العالم المزينة بروائح أشهى المأكولات، والنغمات التقليدية من المناطق الهندية النائية.
تتزايد قوة النكهة الدولية في معرض سوراج كوند السنوي مع مرور كل عام والذي يليه. ومن بين الـ25 دولة المشاركة في المعرض، تم اختيار تايلاند لتكون الدولة الشريكة خلال دورة العام الحالي مع الجناح المخصص لعرض الحرف اليدوية، والفنون، والمهارات، والحرير، والمنتجات العشبية، والملابس التقليدية التايلاندية، بالإضافة إلى الهدايا التذكارية من تلك البلاد الجميلة.
ويتميز هذا الركن من أركان المعرض بأنه جنة من اللوحات، والأدوات الموسيقية، والحرير الجميل، والأدوات الفضية، والمنتجات الفخارية، والدمى، وأقنعة خون الشهيرة، ونماذج السفن الحربية، والأدوات البرونزية، والمنحوتات من الصابون، ومن الخشب، والأحجار، والسيراميك، فضلا عن التشكيلات الراقصة، والمأكولات الشهية. ولا تخلو تلك الزاوية من الزائرين أبدا، والمهتمون كثيرا بمنتجات الحقائب اليدوية الصغيرة التي تباع بأسعار تنافسية ممتازة.
تتألق المصابيح التركية الرائعة في جو السماء، المستوحاة من بالونات الهواء الساخن من إقليم كابادوكيا التركي. وهناك المصابيح الزجاجية الجميلة في الركن اللبناني من المعرض التي تجذب أنظار مختلف الزائرين. وركن بنغلاديش الموشى بالمنسوجات المطبوعة الذي برز بين مختلف الزوايا في مواجهة ركن تايلاند المكتظ بالزائرين.
ومن بين مواطن الجذب الرئيسية الأخرى في المعرض هناك الركن التونسي الذي يبيع الحقائب التقليدية بأسعار تتراوح من 400 إلى 800 روبية. ويقدم ركن تركمانستان، على الجانب الآخر، المزهريات الجميلة ذات الوجوه المرسومة عليها ببراعة، مع الأعمال الفنية من الحجر، والسيراميك، والمشغولات الفضية والذهبية التي تتراوح أسعارها من 60 روبية وحتى 160 ألف روبية.
كما جذب ركن الكونغو الكثير من الزائرين إلى المعروضات الواسعة من الأقنعة القبلية، والقبعات، التماثيل، والأزياء التقليدية التي تختلف أسعارها من 100 إلى 3000 روبية.
ويقول راجيش، المسؤول الحكومي الهندي بالمعرض: «في كل عام، نحاول دعوة المزيد من البلدان لحجز أماكنها في المعرض. ولا يمنحهم هذا الفرصة فقط للترويج لثقافتهم التقليدية المحلية، وإنما يعزز من الرواج السياحي الهندي كذلك».
أما بالنسبة إلى زيمبابوي، فهناك الفنان ستيورات ماوزينيو، البارع في فن الزخرفة بالأسلاك، مع الفرصة التي سنحت له للمجيء إلى المعرض الهندي السنوي والتي جلبت عليه ثروة كبيرة مما دفعه إلى إعادة مراجعة الأسعار بعد ما حققت قطعه الفنية شهرة واسعة بين رواد المعرض.
وقال ماوزينيو عن ذلك: «إنني أشعر بسعادة غامرة للمعدل الذي حققته مبيعات قطعي الفنية، وبالنسبة لشخص مثلي لم يسبق له السفر إلى الخارج لبيع المنتجات الفنية، فإن هذا يعتبر من أفضل الأسواق التي شهدتها، حتى أنه أفضل من بعض الأماكن الأخرى التي بيعت فيها أعمالي من قبل».
وتشارك عشرات البلدان الأفريقية في هذا المعرض السنوي، ومن بينها جنوب أفريقيا، وأوغندا، وبوروندي، وسيشل، ومصر، وغانا. فضلا عن دول آسيوية مثل الصين، واليابان، وقيرغيزستان، وسريلانكا، ونيبال، وأفغانستان، وبنغلاديش، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجزر المالديف، وروسيا، وفيتنام، ولبنان، وتونس، وتركمانستان، وماليزيا، من بين دول أخرى كثيرة.
رغم أن عددا كبيرا من الفنانين الشعبيين المحليين والدوليين يقدمون عروضهم الفنية بصفة يومية في المسارح المفتوحة الموجودة في المعرض، إلا أن عرض زيمبابوي كان من أبرزها وأكثرها إبهارا. ولقد جذبت رقصات «سيميوني» الحائزة على الجوائز، مثل رقصة «جيروساريما»، ورقصة «مبيندي»، ورقصة «موشونغويو»، ورقصة «دينهي»، ورقصة «تشوكوتو»، ورقصة «مباكومبا»، ورقصة «غولي»، ورقصة «امابهيزي»، من بين العديد من الرقصات التقليدية الأخرى من جميع أنحاء الجنوب الأفريقي التي جذبت الحشود الكبيرة من الزائرين والمشاهدين كلما شرعت الفرق الاستعراضية في تقديم عروضها الفنية على المسرح الرئيسي وفي جناح زيمبابوي بالمعرض.
يقول ميشيك مؤسس ومخرج المجموعة: «كان من دواعي سرورنا إتاحة هذه الفرصة للقدوم مرة أخرى إلى آسيا، ولقد سبق لنا القيام بجولة في الصين حيث قدمنا عروضا جيدة هناك. ونحن مصممون على الاستفادة القصوى من هذه الفرصة في الهند. وأغلب رقصاتنا بالأساس ترجع إلى الثقافة التقليدية في زيمبابوي».
إن أبرز ما يميز معرض سوراج كوند السنوي هو أن إحدى الولايات الهندية ينسب إليها الشرف في أنها الولاية الضيف لدورة المعرض من هذا العام. والولاية التي حظيت بهذه المكانة هذا العام هي ولاية ماهاراشترا، والتي حازت على فرصة نادرة لعرض منتجاتها من الحرف اليدوية، والمنسوجات اليدوية، وفنون العمارة المختلفة، والفنون الأدائية، والمأكولات والمشروبات المحلية، وإمكاناتها السياحية، وذلك للعرض على قطاع عريض وهائل من السكان والزوار وبطريقة فاخرة ورائعة.
وفي المعرض، يجري الترحيب بالزائرين عبر فكرة مبتكرة أطلق عليها مسمى «أبنا غار أو بيتنا الخاص»، والتي تعكس الشخصية الريفية الأصيلة لقرية هاريانا بالولاية الضيف على المعرض في دورته الحالية.
وتعكس الديكورات الداخلية في ذلك المنزل الريفي البسيط الأدوات الزراعية، والملابس المحلية التقليدية، وخلاف ذلك من المعروضات. ويتجول الزائرون بين أرجاء المكان في حالة من الذهول، والإعجاب. وتساور البعض أحاسيس الحنين إلى الماضي وجذوره، بينما يشكل المكان للكثيرين الآخرين تجربة ثقافية جديدة ورائعة. ويتلقط الزائرون الصور رفقة العديد من الأعمال والحرف اليدوية المتنوعة، كما يتفاعلون بغير طريقة مع الحرفيين التقليديين في «أبنا غار».
ويقدم موهوخان، من قرية هاريانان، عرضا حيا لطيفا لأدوات النسيج التقليدية خاصته، وهو يقول أنه يملك خبرات واسعة في مجتمعه في الأعمال والحرف اليدوية، وهم جميعا متخصصون في صناعة شراشف الأسرة والأغطية الخفيفة.
وعلى نحو مماثل، فإن الولاية الضيف على المعرض قد أنشأت منزل «ماراثي» تقليديا تُقدم الولاية من خلاله النمط التقليدي للعمارة والبناء في الولاية، مع الشرفة الخارجية الواسعة التي تعبر عن التصميم المركزي ومناطق المعيشة ثم الغرف المحيطة بها.
والاصطدام بأكتاف الآخرين والدوس على الأقدام هي من الأمور الشائعة أثناء التجوال بين ممرات المعرض المختلفة. إلى جانب ضجيج الباعة أثناء إبرام المقايضات والصفقات. والمشي خطوة إلى الأمام تجد ركنا جميلا يبيع الأقمشة والمنسوجات حيث تذوب في الداخل ذوبانا بين خزانات كاملة من مختلف الملابس بمختلف الأشكال والألوان الزاهية الرائعة. وتعد كل خطوة هي تجربة جديدة في عالم رائع من المنتجات.
وتقدم قاعة الطعام مختلف المأكولات والأطباق الشهية من مناطق الهند المختلفة. ويحتوي الجناح الدولي على مأكولات المطبخ اللبناني، من بين مختلف الأطباق الأخرى المتوفرة هناك.
وتبيع أكشاك الطعام المأكولات الهندية اللذيذة القادمة من مختلف الولايات الهندية. على سبيل المثال، يمكنك تناول (ليتي تشوكا: عبارة عن كرات العجين المحشوة بالحمص مع الباذنجان أو البطاطا المهروسة) من ولاية بيهار، وهناك (ماكي كي روتي) مع (كا ساغ) وهو عبارة عن خبز الذرة مع الخضراوات والخردل من إقليم البنجاب، وكذلك (راوا دوسا: وهو الكريب مع سميد الخبز) من جنوب الهند، وغير ذلك الكثير.
ومن أهم الأشياء، في مثل تلك الأجواء الاحتفالية الرائعة ذات السمعة الدولية الراقية، هو عرض اللوحات، والملصقات، والأفلام الوثائقية بشأن التنمية، والرعاية الاجتماعية، والقضايا الهندية ذات الأهمية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».