ميرنا بامية لـ«الشرق الأوسط»: أبحث عن الأكلات التي توشك أن تسقط من الذاكرة

«استضافات فلسطين» طعام شعبي على الطاولات

إحدى حصص الطهي في القدس القديمة
إحدى حصص الطهي في القدس القديمة
TT

ميرنا بامية لـ«الشرق الأوسط»: أبحث عن الأكلات التي توشك أن تسقط من الذاكرة

إحدى حصص الطهي في القدس القديمة
إحدى حصص الطهي في القدس القديمة

بمتعة، يتذوق المدعوون مُقبلات الحويرنة التي حضرتها النسوة مع لبن النعاج وزيت الزيتون، هذا الطبق المنسي الذي كان يزين المائدة الفلسطينية في الماضي، حينها كانوا يسارعون إلى قطف الحويرنة، ما إن تنبت بعد هطول المطر.
على الطاولة المقدسية تجدون «مثومة البندورة» تبلغ أوج لذتها بسبب استخدام الجَميد البلدي الطازج الذي تنتجه الفلاحات.
وعلى الطاولة النابلسية لا يستطيع أحد تجاهل عبق طبق اللخنة المكوّن من أوراق نبتة ذكر القرنبيط، فلم يعد أهل فلسطين باستثناء سكان نابلس وقراها يطهينه، بلف أوراق اللخنة بحشوة اللحمة المفرومة والأرز والبهارات وسيدها الكمون.
مجموعة «استضافات فلسطين» التي أسستها وتديرها الفنانة البصرية والأكاديمية الشابة ميرنا بامية، بدأت بتجريب أطباق ما كانت في البال، عبر المشاركة في رحلات استكشافية لتاريخ الأكل الشعبي في مدن وقرى فلسطينية، وإقامة موائد طويلة، حيث الدعوة تكون عامة.
‎شغف ميرنا بالطعام يعود لطفولتها، حتى إنها تتذكر مراحل حياتها عن طريق الطعام الذي كانت تتناوله.
في اليابان، تلقت أولى دروسها في الطهي، ثم أتمت دراستها الأكاديمية في التخصص نفسه بوطنها، لقد بقيت مفتونة بنكهات الشرق الأوسط التي تغنيها القصص، وها هي الآن تبذل جهدها لأجل تشكيل علاقة بين الفن وثقافة الطعام في فلسطين، ومع المكان والتاريخ والمجتمع والسياسة والثقافة.
تقول ميرنا لـ«الشرق الأوسط»: «أبحث عن الأكلات الفلسطينية التي توشك أن تتساقط من الذاكرة، ويرتكز مشروعي على الفن الحي مُتكئة على البحث، مع الاستعانة بالمتخصصين ليكونوا جزءاً أساسياً من الطاولات، لأن معرفة من هذا النوع يجدر بنا أن نتشاركها جميعاً».
وما يدفع ميرنا إلى توظيف الفن البصري من خلال الطاولات التفاعلية التي أطلقتها في عام 2017 هو إيمانها بقدرة الفن على التغيير في عَالم يصعب فيه تخيل مستقبل مستقر.
في كل مرحلة بحثية تغطي مع مجموعتها مدينة معينة أو موضوعاً ما، في حين يُنظر بإمعان إلى المكونات الغذائية التي كانت تخرج من الأرض ثم اختفت أو طرأ عليها لاحقاً بعض التغييرات، ليدرك الجميع كيف تغير الطعام على مر العصور حتى وصلنا إلى شكله الحالي. وبحسب ما تقول لنا: «أريد خلق تجربة مغايرة مع الجمهور، لنصدّر إلى ذهنه معلومات جديدة حول الطبق الذي قد يتناوله لأول مرة، أو أنه قد يأكله يومياً لكنه نسي تاريخه، هذه الطبخات التي بنسيانها أوقعنا جانباً من الذاكرة الجمعية الفلسطينية حين نضعها على طاولة النقاش ونتفاعل مع تفاصيل تربطنا بفلسطين سياسياً وتاريخياً وجغرافياً بعيداً عن خطابات سياسية ووطنية باتت مفرغة، عندئذٍ نعيد النظر بأسلوب جديد إلى ذواتنا وهويتنا التي يحق لنا الزهو بها».
مشروعها الأول «على طاولة العائلة»، الذي أطلق بمبادرة من مؤسسة عبد المحسن القطان عملت فيه ميرنا مع 5 باحثين و5 عائلات.
وتذكر أن ثمة مذاقات لا تزول عذوبتها من الفم، ومن بينها الجزر الأحمر المحشي مع تمر هندي، هذا الطبق لم تكن قد تناولته منذ زمن بعيد وقُدّر لها أن تأكله على طاولة عائلة أبو هيبة التي تعود جذورها إلى مدينة يافا.
ليس محشي الجزر فحسب، بل هناك طبق الرمانية الذي حضرته العائلة نفسها، تستذكر تلك اللحظات: «السيدة أم سامي عاشت لسنوات طويلة في مدينة غزة وحضرت لنا الرّمانية بنَفس غاب عني مع أني سبق لي طبخها مراراً، هذا الطبق أضحى جزءاً من المطبخ الغزاوي بعد أن كان يافاوياً».
واجهت ميرنا كونها مسؤولة عن المجموعة تحديات على رأسها الجهد المضاعف الذي تطلبته عملية البحث عن الأطباق المنسية من أجل تذكير الناس بلذتها وفائدتها، فوقع على عاتقها أن تسأل بشكل صحيح حتى تصل إلى المعرفة المنشودة.
وعلاوة على ما سبق، فإن صعوبة أخرى تكمن في ربط الطعام بالتاريخ على صعيد المحاصيل التي كانت تنتج في منطقة معينة حتى غدت أطباقاً بعينها جزءاً من مطبخ مدينة ما، ما يعني مزيداً من القراءات واللقاءات مع الناس من أجل تحضير قائمة الطعام المناسبة على هذه الطاولات التي تثار فيها النقاشات.
وتنطلق «استضافات فلسطين» في رحلات بحثية تجوب جبال فلسطين الغنية بالنباتات البرية التي كانت جزءاً مهماً في المطبخ الفلسطيني عبر المواسم، ليعيشوا إحساس الماضي الجميل، حين كان المشي جزءاً من حياتهم اليومية فيما سلال الثمار تلتفّ حول المعاصم.
ففي كل منطقة تتشابه النباتات ولكن تختلف الأسماء وطريقة الطهي بين منطقة وأخرى، ما يقتضي التوجه لسؤال السيدات كبيرات السن عنها، وفقاً لقولها.
انتقلت ميرنا بمجموعتها إلى مرحلة أخرى وهي طاولات المدن بالتعاون مع الطاهية سوزان مطر، فأقامت طاولتي نابلس والقدس ومن ثم طاولة البلدة القديمة، وبعدها نظمت وليمة القمح، فيما تجري الاستعدادات لإقامة طاولة النباتات البرية بالتعاون مع المتحف الفلسطيني في أبريل (نيسان) المقبل، وبما أن المطبخ «النصراوي» يتسم بغناه واختلافه، فإنه من المقرر أن تُمد طاولة الناصرة الصيف المقبل، وكذلك الحال في غزة ستحاول اجتياز المسافات عن طريق «السكايب».
قائمة من النساء والرجال الذين يتذكرون هذه الوصفات التقليدية انضموا إلى ميرنا وشمرّوا عن سواعدهم بكل سرور، واشتموا بصحبتها روائح لم يتنشقوها منذ أعوام طويلة.
وفي سؤالها عما علق في عقلها من مشاهد، تقول: «على طاولة نابلس حين طهينا المِسلوعة وهي طبق شتوي يتكون من العدس والأرز، أخبرتني السيدة التي طهت أنها منذ 10 سنوات لم تشم رائحتها، حتى أنها أوشكت أن تنسى الوصفة، كان من الجميل أن تتذكر حياتها في نابلس قبل الزواج، لقد استعادت ماضيها من خلال الطهي».
وعن الطريقة المثلى لتوعية الفتيات بطهي الأطباق الشعبية، كان هناك أكثر من خيار حسب رأيها: «أولاً من خلال تبيان ما تحمله الأطباق من قصص، وتصحيح المعلومات المغلوطة التي تروّج لفكرة أن تحضيرها يستغرق وقتاً طويلاً، بينما الحقيقة أن الأطباق القديمة أو ما تسمى (طعام الفلاحين) لا تتطلب وقتاً لتحضيرها وتعتمد بالدرجة الأولى على زيت الزيتون والحوس - التقليب مع بصلة - وفقاً للموسم، وهي في حقيقتها أطباق متعددة لكن طريقة التحضير تعتمد أسلوباً متشابهاً، أما تلك التي يشوبها التعقيد فتأخذ وقتاً، لكنها تخصص للمناسبات الكبرى مثل المنسف والمفتول والجريشة، وهي وصفات كان يتعاون أهل القرية في التجهيز لها لتقدم في الاحتفالات».
وتنشر ميرنا في مدونة خاصة بالمجموعة كل المستجدات باللغتين الإنجليزية والعربية، وفي كل مأدبة تحرص على إحضار المُكون البلدي من مزارع النباتات والدواجن والألبان، وبطبيعة الحال لا مكان للمنتج الإسرائيلي على الطاولات.
- وصفات سرية
بفضل هذه التجربة التي تخوضها منذ عامين، تعلمت ميرنا كثيراً من الوصفات التي لم تكن تطهيها أمها «اللبنانية». تتنفس بارتياح وتخبرنا: «إنها رحلة ممتعة من الاستكشاف، على كل طاولة مررت بها في مجموعتنا كان هناك طبق أقل ما يقال في حقه إنه ساحر، في الماضي كانت (المقلوبة) من أطباقي المفضلة، أما الآن فالمنافسة على أشدها مع أطباق تقليدية متنوعة تعرفت إليها حديثاً».
فعلى طاولة نابلس وقعت ميرنا أسيرةً لـ«راحة القزحة» وفيها تُخلط حبات الحلقوم بنكهة ماء الزهر وبالطحينة السوداء المصنوعة من حبوب القزحة، ولا يمكن وصف روعة طعمها، حسب وصفها.
تعبر عن انبهارها بالقزحة: «المطبخ النابلسي يهتم جداً بها، على سبيل المثال في أول مرة اشتريت هريسة القزحة من الباعة لم أحبها، لكن حين تعلمتُ الطريقة الصحيحة وحضرتها وجدتها مدهشة، باختصار القزحة منتج رائع ومطبخنا الفلسطيني محظوظ بها، أراهنك أنه بعد 3 سنوات ستجوب طحينة القزحة العالم وستنضم إلى (سوبر فود) مثل الكينوا وغيرها، إنهم لم يكتشفوا بعد فائدتها العظمى للجسم».
وعلى طاولة القدس، احتفت بمحشي الخيار مع تمر هندي، لقد ذكرها بطفولتها حين كانت تتناوله عند صديقة أمها المقدسية، وتمضي في أحاديثها المسلية: «على طاولة البلدة القديمة تعرفتُ على حلوى الدحدح التي تبيعها عربة عند باب العمود منذ 20 عاماً، الدحدح يندثر مع أنه لذيذ جداً. شخصياً تفاجأت به، فقلةٌ من يعرفونه في فلسطين، وهم غالباً ممن نشأوا في الخليل وقرى بيت لحم، أما مخيمات اللجوء خارج فلسطين فتحافظ على تناوله».
تجد متعتها في استحضار كل هذه الوصفات: «من الوصفات السرية (حلاوة القرع) ويختص بها محل (حلاوة العمد) التي تُورث أباً عن جد ولا توجد بها طحينة وإنما تعتمد على القرع والجوز، وكذلك من الوصفات السرية مطبق زلاطيمو ذائع الصيت، كل المحلات العائلية تتكتم على الوصفات التي اشتهرت بها وتحديداً بالبلدة القديمة في كل من القدس ونابلس، حتى حمص لينا يختلف عن حمص أبو شكري عن حمص عرفات، فكل عائلة لديها المقدار الخاص من الحمص والطحينة والليمون».
سألناها عن غنى المطبخ النابلسي، فقالت: «في هذه المدينة أصالة وذاكرة أقوى من غيرها من المناطق ربما لقربها من بلاد الشام، النساء هنا لديهن نَفس مميز ويطبخن الأطباق التي تستغرق وقتاً مثل الشيش برك واللخنة والكنافة والمفتقة».
الذين يحنّون إلى هذا النوع من الطعام، تهمس ميرنا لهم: «نحن لا نأكل فقط لنشبع، وإنما لنبني جسراً مع الأجيال السابقة عن طريق الطعام ونمرره لجيل المستقبل، هذا أكبر حافز لنا: حين نهنأ بنكهات حلوة سيصبح لهذه الأطباق مكان في حياتنا اليومية».
هي التي لا تحب البامية يروق لها أن يتلاقى مجال اهتمامها مع كنيتها، وتصبح هنا نبرتها جادة أكثر: «من واجبنا تقدير الأطعمة التي تُغني مطبخنا الفلسطيني حتى نحميه من الاحتلال، يقع على عاتقنا أن ندافع عن هذه الثروة، قد يكون من الأسهل أن نلوم على (إسرائيل) نهبها تراثنا، لكن الأصعب أن نعاود إدخال هذه التفاصيل في يومنا، الطعام بهذه المعطيات يجعلنا سعداء ونذهب إلى الأماكن الدافئة بدواخلنا».
إدخال مائدة المنزل إلى المطاعم انطلاقاً من ثقافة الغذاء الموسمي واحد من مساعي ميرنا، «فقوائم الطعام مؤشر على مقدار اعتزازنا بمنتج الأرض»، موضحة: «حين أدخل مطعماً وأرى (اللائحة) تقتصر على مشاوي وحمص وبابا غنوج، فهذا مجحف بحق غنى المائدة الفلسطينية، هناك كثير من أطباقنا تستحق أن توضع على موائد عالمية، فيما (إسرائيل) تسرقها وتغيّر منها، ونحن ماذا نفعل؟ نتجاهلها!».
بشموخ تقف خلف مبدأ «الطعام علم وثقافة وتاريخ وسعادة وإنسانية»، فتقول إن «الإنسان صار إنساناً عندما اكتشف النار وطهى، نحن مدينون للنار التي جعلتنا نلتف حولها ونتبادل الأحاديث، والعالم من حولنا يشهد هبّة في ثقافة الغذاء واهتماماً بالأكل.


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
TT

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة كي يتذوقوا طعم الزعتر اللبناني الأصيل.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها عاشت معظم أيام حياتها خارج لبنان. فهي من مواليد فرنسا، تربّت في أفريقيا وعاشت في السعودية. وتتابع: «في كل جولاتي وأسفاري كان هناك رفيق دائم لي. أحمله في حقيبة السفر ولا يفارقني لأنه يمثّل لي رائحة بلدي لبنان. وهو كناية عن كيس زعتر تحضّره لي جدّتي من بلدتي في الجنوب. فكان يواسيني في غربتي وأشعر بالفرح عندما أتذوّقه أو أشتم رائحته. ولا مرة اضطررت إلى شراء هذا المكوّن أينما كنت».

هذه هي باختصار قصة سارة كنج مع الزعتر، ولكن للحكاية تتمة: «كنت أتفاجأ من الناس عرب أو أجانب الذين يجهلون هذا المكون. وفي فترة الجائحة انقطعت من الزعتر ورحت أبحث عنه، طلبته من «أمازون» ومن محلات في لندن. بحثت عنه في فرنسا وفي دول أخرى. ولكنني لم أوفق بما يشبه طعم زعتر بلادي».

تشتري الزعتر والسماق والكشك من لبنان (إنستغرام)

مرّت الأيام وقررت سارة بعدها أن تصنع الزعتر بأناملها في منزلها في ستراسبورغ، وأن تحوّله إلى مشروع من خلال صناعة المنقوشة وبيعها. وتضيف: «كان عليّ الحصول على إذن مسبق من بلدية ستراسبورغ. مررت على أحد المخابز، وصنعت نموذجاً عن المنقوشة التي أنوي بيعها، وتركتها على طاولة عليها 8 قضاة يشكلون أعضاء اللجنة المنوطة إعطائي الإذن. في الليلة نفسها تلقيت اتصالاً منها تُعْلِمُني بأنه تمت الموافقة على المشروع».

من هنا انطلقت سارة في مشوار طويل وصعب. كان عليها الترويج لمنتجها والبحث عن المكان الأنسب لبيعه. اتصلت بأفضل الطهاة وطلبت منهم أن يتذوقوا المنقوشة التي تصنعها. وانتظرت لأن يزودوها برأيهم بها. ذاع صيت زعتر سارة في أرجاء المدينة. وأدرج على لائحة طعام «فيللا رينالا» أهم مكان لتنظيم المناسبات والحفلات.

اليوم زعتر سارة كنج يباع في محل «لوفانتيم» (levanthym) المعترف به رسمياً من قبل موقع «غولت وميلو» (Gault et Milllau) الفرنسي. وهو دليل لأفضل طعام ومطاعم. أما لقبها «سيدة المنقوشة» فقد اكتسبته مع الوقت، سيما وأن أحداً لا يمكنه منافستها بطعمها وجودتها.

حققت إنجازها في صنع المنقوشة بعد تجاوزها مراحل صعبة (إنستغرام)

تستقدم سارة الزعتر ومكوّن السماق من بلدات لبنانية. وهناك مجموعة من النساء في قرى وبلدات لبنانية تساعدنها في ذلك. «إنهن يتوزّعن على بلدات جزين والعيشية وكفر رمان في جنوب لبنان. أوليهن الثقة الكاملة لانتقاء أفضل زعتر وسماق في لبنان. وقد توسعت منتجاتي اليوم لتشمل المونة اللبنانية. نبيع أيضاً الكشك وماء الورد وماء الزهر ودبس الرمان ودبس الخرنوب وغيره. تتم صناعة خلطة الزعتر في فرنسا، وكذلك تعبئته في قوارير زجاجية من قبل مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة. فيهتمون بتوضيب الزعتر ومنتجات أخرى، وهو ما أسهم في تسريع عملية الموافقة على مشروعي من قبل بلدية ستراسبورغ».

تفتخر سارة كنج، وهي مهندسة معمارية بإنجازها هذا. فهي استطاعت أن تجذب أنظار أهالي ستراسبورغ إلى مشروعها والوثوق به. وهو أمر غير سهل لأنهم لا يثقون إلا بإنتاجاتهم المحلية. «انهم متعلقون بمدينتهم إلى أقصى حدود. ولا يشترون سوى ما تنتجه أرضهم وتصنعه دكاكينهم المعروفة. اليوم صاروا يروجون للزعتر ويقدمونه هدايا يتبادلونها فيما بينهم، إضافة إلى منتجات المونة اللبنانية الأخرى. وتعد هذه المنتجات حرفية بامتياز، والأكثر جاذبية للزبائن من فرنسيين وغيرهم».

وبمناسبة أعياد نهاية السنة، يقام في المدينة «سوق الميلاد» لمدة شهر كامل. وقد اختارته سارة لتبيع المنقوشة اللبنانية الأصيلة خلاله. وتعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المنقوشة هي المنتج الأكثر مبيعاً في هذه السوق. فالناس تتهافت على الحصول عليها بالزعتر أو بالجبن العكاوي والكشك الذي استقدمه من عرسال البقاعية. وقد اخترت مخبزاً خاصاً تديره عائلة من ستراسبورغ كي أشتري العجين منه».

ولمكون السمسم قصّته مع سارة. «عادة ما يتم الغش في مكون الزعتر، حتى الذين يدعون بيع اللبناني منه في دول عربية وأجنبية. ومعظم أنواع الزعتر وأهم أصنافها هي مضروبة ومغشوشة. وهذا الأمر اكتشفته بنفسي. وقد اضطررت إلى تلف كميات هائلة من زعتر استقدمته من الأردن قيل لي إنه الأشهر فيها. فالسلطات في ستراسبورغ تدقق بشكل كبير بأي مكون أو منتج يدخلها. ومنعتني من بيع هذا الزعتر يومها واستخدامه في صنع المنقوشة لأنه غير صحي وفيه مواد مصنّعة. الأمر نفسه واجهته بمكوّن السمسم. واليوم أشتريه محلياً من مؤسسة معترف بها رسمياً من قبل مراقبي الطعام في ستراسبورغ. فهذا المكون وفي حال كان لا يفي بالشروط الصحية المطلوبة في استطاعته أن يكون بمثابة السمّ».

تصل أحياناً كمية المناقيش التي تبيعها في «سوق الميلاد» إلى 500 قطعة يومياً. «لا يستطيع رواد السوق أن يشتموا رائحة المنقوشة بالزعتر من دون أن يتذوقوها. اليوم زبائني يقصدونني بعد خمس سنوات من العمل في هذه السوق. غالبيتهم فرنسيون وأيضاً عرب وأجانب. والمنقوشة التي أبيعها تتألف من مكونات صحية وسليمة مائة في المائة».

وعن مشاريعها المستقبلية تختم «سيدة المنقوشة» في ستراسبورغ لـ«الشرق الأوسط»: «أخطط لتوسيع نطاق بيع المنقوشة في مدن فرنسية أو غيرها. لا أدري بعد كيف ومتى. ولكن الفكرة تراودني وسأعمل على تحقيقها».


الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

البيض بالشيري توميتو
البيض بالشيري توميتو
TT

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

البيض بالشيري توميتو
البيض بالشيري توميتو

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

فهذه الطماطم الصغيرة التي يشتق اسمها من حجم وشكل حبات الكرز تتناسب جيداً مع الأكلات التي يدخل في مكوناتها أنواع الجبن والريحان والأوريغانو والثوم وإكليل الجبل على وجه الخصوص، بالإضافة إلى الخضراوات مثل الفاصوليا والذرة والكوسة، فضلاً عن اللحوم والأسماك.

شيف سيد إمام (الشرق الأوسط)

الشيف سيد إمام يوضح المزيد عن الطماطم الكرزية أو Cherry Tomatoes، قائلاً: «تُقدم الطماطم الكرزية في السلطات، أو الصلصات، ومع وجبات الإفطار والغداء؛ فيمكن إضافتها إلى طبق من الخضراوات المشوية كوجبة خفيفة، أو مع الدجاج والأسماك، وتشكل إضافة رائعة لأطباق المعكرونة».

وتابع: «ويمكن مزجها أيضاً بالمشروبات، وتستطيع اعتمادها كمكون أساسي في المقبلات والأطباق الرئيسية، كما أنها رائعة للتجويف والحشو». ولتحضير هذا النوع من الطماطم ينصح إمام بغسلها جيداً، وتصفيتها أو تجفيفها برفق، ويُمكن استخدامها كاملة في الوصفات، أو مقطعة إلى نصفين، أو مفرومة، وقد تؤكل نيئة للحفاظ على قوامها وعصيرها.

بروشيتا الطماطم الكرزية

مقبلات

ولعمل مقبلات من الطماطم المحشوة بجبن كريمي وجبن البارميزان والأعشاب، تابع الشيف: «تتمتع هذه الطماطم بمذاق رائع، خاصة حين تكون باردة، حضرها مسبقاً واحفظها في الثلاجة حتى موعد التقديم، والخطوة الأولى هي اختيار طماطم كرزية ناضجة، حتى تسهل عليك إزالة البذور والأجزاء الصلبة»، وأضاف: «يتم غسلها جيداً وتجفيفها، ثم يقطع الجزء العلوي، وتقطع الأجزاء الصلبة باستخدام سكين، ثم يتم إزالة اللب والبذور، وأثناء ذلك استخدم أصغر ملعقة متوفرة».

ويتبع ذلك قلب الطماطم، بحيث يكون جانبها المفتوح لأسفل، ووضعها على منشفة مطبخ ورقية؛ حتى يخرج أي سائل زائد، وأثناء ذلك اخلط الحشوة، المكونة من جبن كريمي، ومسحوق البارميزان، وشبت طازج وبقدونس، وثوم بودر، وفلفل أسود، وبابريكا، أو زعتر مجفف، اخلط المكونات جيداً.

اسباغيتي سوداء بالأخطبوط وطماطم شيرى في طبق من شيف ميدو (الشرق الأوسط)

ثم انقل الحشوة إلى كيس بلاستيكي، واصنع فتحة صغيرة، باستخدام مقص، ثم قم بحشو الطماطم الكرزية بها، رش البابريكا، ويمكنك تزيينها بقطع صغيرة من الشبت الطازج، أو الأعشاب المفضلة لديك.

ومن الأطباق المصنوعة منها أيضاً هي «البروسكيتا»، وهي مقبلات إيطالية تقليدية عبارة عن شرائح خبز محمصة، غالباً ما تكون من خبز الباغيت، تدهن بالثوم، والزيت والملح، ومن الممكن تحضيرها مع البصل والباذنجان أيضاً.

ولتحضير «بروسكيتا الط اطم الكرزية» تحتاج إلى بضع شرائح باغيت، وطماطم، وشرائح خبز عادي، وريحان، وعليك أن تقوم بتقطيع الطماطم والريحان، ضعهما في وعاء. وفي وعاء صغير آخر اخلط زيت الزيتون والثوم المفروم، صب المزيج فوق الطماطم والريحان.

تقدم مع الغذاء

وقلب حتى يُغطى المزيج بالكامل، تبله بالملح والفلفل، لا تتردد في إضافة المزيد من زيت الزيتون، أو الثوم حسب رغبتك.

وبحسب الشيف ضع شرائح الباغيت على صينية خبز، ادهن كل شريحة بقليل من زيت الزيتون، حمصها تحت الشواية لمدة دقيقتين إلى ثلاث دقائق، حتى يصبح لونها بنياً فاتحاً ومقرمشاً، واحرص على عدم حرقها، أخرج شرائح الخبز المحمص من الفرن. ثم ضع فوق كل شريحة ملعقة كبيرة من البروشتيتا، إذا رغبت، يمكنك رش كل شريحة بقليل من زيت الزيتون الإضافي، أو خل البلسميك قبل التقديم.

قائمة متنوعة من السلطات

الإفطار

وللإفطار يقترح إمام البيض المخبوز فوق الطماطم المقطعة إلى نصفين، مع جبن بارميزان والريحان، وفريتاتا الطماطم الكرزية، والبيض المقلي أو المسلوق مع الطماطم الكرزية والفاصوليا البيضاء، والأومليت مع الطماطم الكرزية. ومن الممكن أيضاً سحق الطماطم الكرزية بين الخبز والبيستو وجبن الموزاريلا؛ للحصول على شطيرة خفيفة، أو أضفها إلى الخبز المسطح لوجبة شهية، كما تعد الطماطم الكرزية صوصاً لذيذاً لتغطية البسكويت المالح.

سلطة كاب سريعة للعمل أو الجامعة

الغداء والعشاء

وللغداء يقترح الشيف المعكرونة بجبن الفيتا الحامضة مع الطماطم المشوية، والزعتر بنكهته الخفيفة، والذي يضفي مذاقاً منعشاً رائعاً على الطبق، ويمكنك استخدام الأوريغانو بدلاً منه إذا رغبت.

مع إضافة قطع صغيرة من صدور الدجاج المطهية مسبقاً مع الكراث أو كمية مساوية تقريباً من البصل الأحمر المفروم ناعماً.وتأتي شرائح سمك السلمون المغطاة بالكمون والبابريكا، على رأس الأطباق التي يقترحها شيف سيد إمام لعشاق «السي فود»، يقول: «ادهن الشرائح بمعجون الهريسة الحار، وقم بشويها مع الطماطم الكرزية والكراث والثوم، ثم تُغطى بالشبت الطازج وجبنة الفيتا الكريمية.

ومن أطباق «السي فود» التي يقترحها أيضاً هي تاكو السمك المشوي مع الأفوكادو وصلصة الطماطم الكرزية. ويرى أن تاكو الدجاج، أو ساندويتش الموزاريلا المشوية والبيستو من أشهى الوجبات.

خبز الفوكاشيا الطازج بالروزماري والطماطم

السلطات

أما بالنسبة للسلطات، فيقول: «إضافة الطماطم الكرز الطازجة إلى السلطات يساعد أن يصبح بين يديك طبق أخضر مقرمش، تستطيع تناوله مع الخبز المحمص، ومن ذلك السلطة اليونانية مع جبن الفيتا والخيار وزيتون كالاماتا أو سلطة الطماطم الكرزية الكاملة مع البصل المفروم والبقدونس والكزبرة». وتبرز كذلك في قائمة سلطات الطماطم الكرزية سلطة معكرونة الروبيان بنكهتها الغنية بالليمون والكزبرة الطازجة، وزيت الزيتون والتوابل. ويعزز مذاقها إضافة البصل الأحمر المغموس مسبقاً في عصير الليمون والملح قبل التقديم، والذي يضفي عليها نكهة مخلل خفيفة ويُبرز حلاوتها الطبيعية، الملح الذي يعمق النكهة العامة من خلال إبراز الطعم الطبيعي لكل مكون من دون إضافة أي مرارة وفق إمام.

يمكن حشوها كمقبلات

المشروبات

يمكنك أيضاً تحويل فائض الطماطم الكرزية إلى عصير طماطم صافي، يُطلق عليه أحياناً اسم «ماء الطماطم»، وهو عصير لذيذ، ذو قوام ناعم مثالي للخلط مع المكونات الأخرى مثل الليمون والنعناع، ولإضافة لمسة منعشة وصحية، امزج عصير الطماطم الكرزية مع التفاح والخيار.

تضاف إلى البيتزا لمذاق خاص خاص و شكل مميز

نصائح ميدو

يقدم شيف ميدو على مدونته على «إنستغرام» طرقاً للطماطم، ومنها معكرونة سباغيتي «السوداء» بنكهة الحبار، إضافة إلى «كونفي الثوم» القابل للدهن بزيت الزيتون في الفرن. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن (كونفي الثوم) هو سلق فصوص الثوم ببطء في الزيت أو الدهن على درجات حرارة منخفضة، وبإضافة الطماطم الكرزية تستمتع بمذاق رائع لا يقاوم». كما يقدم ميدو وصفة لعمل بروسكيتا بالجبن الكريمي الطازج.


شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية
TT

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

لتقليد الشاي الإنجليزي رونقه وسحره، فهو طقس أنيق يجمع بين الهدوء والرقي، حيث تتحول الاستراحة البسيطة إلى لحظة تأمل وذوق رفيع. إنه لقاء بين الضيافة والتقاليد، يمشي خلاله الزمن ببطء مع فنجان شاي دافئ. هذا هو باختصار مشهد هذا التقليد الإنجليزي الذي لا يزال قائماً حتى يومنا في الفنادق الراقية التي تحافظ عليه وتتنافس على تقديمه بقوالب عصرية ولمسات جديدة تمزج ما بين عراقة التاريخ وتفاصيل الحاضر.

وآخر الفنادق التي كشفت عن شاي بعد الظهر الفريد من نوعه، فندق كافيه رويال الذي أطلق تجربة مستوحاة من حياة وأعمال وتأثير الفنان البريطاني ديفيد بوي الدائم في تجسيدٍ للعلاقة العميقة التي تربط الفندق بأحد أهم الرموز الثقافية في بريطانيا.

وتتضمن تشكيلة مختارة من الساندويتشات المالحة، وإبداعات الباتيسري، وسكونز مميزة تحمل علامة بوي، تكريماً لإبداعه وفنه الرائد.

واختار الفندق أن يمزج الفن مع الثقافة فقدم هذه التجربة في قاعة أوسكار وايلد التي سميت باسم الأديب والشاعر الآيرلندي تكريماً لتاريخه الحافل المرتبط بهذه القاعة، حيث ألقى فيها بعضاً من أشهر خطاباته العامة في تسعينيات القرن التاسع عشر، والتي دافع فيها عن الفن والجمال والحرية الفكرية.

حلويات منمقة ونكهات لذيذة (الشرق الاوسط)

كما كان وايلد يجتمع في هذا الفندق بالذات مع كتّاب وفنانين ومثقفين، مما جعل المكان مركزاً للحياة الأدبية اللندنية في عصره.

أما بالنسبة لديفيد بوي فيشكل الفندق أيضاً لحظة مفصلية في تاريخه، ففي الثالث من يوليو (تموز) من عام 1973، أعلن بوي اعتزال شخصيته الأسطورية الأخرى «زيغي ستاردست» خلال حفل وداع أسطوري بعنوان «العشاء الأخير»، عقب عرضه الختامي في «هامرسميث أوديون» وتوثّق صورٌ من الحدث بوي إلى جانب أيقونات ثقافية أخرى، من بينهم ميك جاغر، ولو ريد، ولولو، ورينغو ستار.

تأتي تجربة شاي بعد الظهر هذه كتعبيرٍ مَرِح عن النكهة والخيال والبريق، وقد صُمّمت تكريماً لذكرى بوي في الذكرى العاشرة لرحيله، مع الإشارة إلى المراحل والتحوّلات المتعددة التي ميّزت مسيرته. وتشمل مجموعة من ساندويشات الأصابع المستوحاة من محطات في مسيرته الفنية: مثل: ساندويتش خيار مع جبن كريمي، وساندويتش البيض بالمايونيز مع الأنشوجة. بالإضافة إلى ساندويتش «كورنيشن»، مؤلف من الدجاج واللوز والكزبرة وساندويتش لحم الباسترامي مع الخيار المخلل والخردل الحلو، واللافت هو تسمية كل ساندويتش باسم يمت بصلة لبوي مثل «سنوات برلين» ودارسة في التوابل.

حلويات مستوحاة من تصميم بدلات ديفيد بوي (الشرق الاوسط)

أما بالنسبة للحلويات، فهي أيضاً صممت لتتناسب مع ذائقة ديفيد بوي، والنكهات التي كان يحبها مثل: فيلفت غولدماين: كعكة رِد فِلفِت مع التوت وكريمة شانتيلي بالفانيليا، والبدلة الخضراء: كعكة بإسفنج الفستق والبرالين وغاناش مخفوق، في إشارة إلى البدلة الخضراء التي ارتداها بوي في حفل Tin Machine على الرصيف عام 1991. وحلوى جميلة أخرى باسم ليمون ستاتيك: وهي عبارة عن كيك مادلين مع موس الليمون مزينة بوميض البرق الشهير الخاص ببوي.

أما حلوى منتصف الليل البرتقالي فهي كعكة مع إكلير شوكولاته وكراميل الشوكولاته بالبرتقال، تمثّل بدلة كانساي ياماموتو التي ارتداها للترويج لجولة Aladdin Sane عام 1973.

ولا يمكن أن تكون تجربة الشاي التقليدية كاملة من دون تقديم كما الـ«سكونز» بالنوعين السادة وبالزبيب مع تشكيلة من المربات والكريمة. وبالنسبة للشاي فترافق الساندويتشات والحلوى قائمة متنوعة من أنواع الشاي الإنجليزي والياباني الفاخر، وإذا كنت تفضل عيش تجربة ديفيد بوي على أصولها فلا بد المشي على خطاه وتذوق الشاي الأخضر الياباني الذي كان المفضل بالنسبة له، وقد جرى تنسيق مجموعة مختارة بعناية لترافق تجربة شاي بعد الظهر، إلى جانب تشكيلة من شاي الأولونغ السائب، ودارجيلينغ.

تجربة الشاي بعد الظهر هذه تكرم بوي الذي كان ولا يزال من أهم الموسيقيين اللامعين، وكانت تربطه علاقة وذكريات بالفندق، وتمنح هذه التجربة فرصة عيش إرث الفنان العالمي عن قرب، تكريماً له في المكان نفسه الذي أسدل فيه الستار على أحد أكثر فصول حياته الفنية.

هذه التجربة مميزة لأنها تقام في واحدة من أهم القاعات في لندن، والمعروفة بالزخرفات الذهبية والديكوارت المهيبة، خاصة وأنها كانت شاهدا على روح الإبداع والتمرّد الفني لدى الأديب أوسكار وايلد، وبنفس الوقت تعكس أجواؤها التاريخية جوهر ديفيد بوي، الذي كسر القوالب وأعاد تعريف الفن والهوية، ليصبح المكان إطاراً مثالياً للاحتفاء بفنان غيّر ملامح الثقافة المعاصرة.