ساموراي الشرق ضد كاوبوي الغرب

موجة أطلقها كوروساوا وما زالت حاضرة

يول براينر وستيف ماكوين في النسخة الأميركية «السبعة الرائعون»
يول براينر وستيف ماكوين في النسخة الأميركية «السبعة الرائعون»
TT

ساموراي الشرق ضد كاوبوي الغرب

يول براينر وستيف ماكوين في النسخة الأميركية «السبعة الرائعون»
يول براينر وستيف ماكوين في النسخة الأميركية «السبعة الرائعون»

عندما يضرب المحارب زاتوإيشي بسيفه عدوه فيرديه لا يكترث لأن يراه يهوى على الأرض، ولو اكترث لما استطاع أن يراه، فزاتوإيشي محارب ساموراي أعمى.. يضرب من دون أن يرى، مستخدما حواسه الأخرى بمهارة فائقة.. يسمع وينصت ويحدد. يشم ويحفظ ويعرف، وحين يتقدم منه عدو أو أكثر (وعادة أكثر) يتحرك وسطهم مدركا تماما حركة كل منهم.. من أي صوب هو قادم وما إذا كان يهجم بسيف مصوب إلى الصدر أو مرفوعا ليهوى على الرأس.. زاتوإيشي لديه عيون لا نراها موزعة حول رأسه، أو هكذا يخال المشاهد.
إذ يصل «47 رونين» إلى الصالة المجاورة في كل البلاد العربية وسواها، يطلق مناسبة الحديث عن واحد من علامات اللقاء بين أساطير الساموراي اليابانية والعالم المترامي بفعل قيام هوليوود في أكثر من مناسبة، بينها هذه الأخيرة، باستلهام شخصيات وحكايات الساموراي في أفلامها.
«رونين» هو الساموراي بعد أن يخسر سيده ولا يجد من يعمل لأجله، و«47 رونين» قبل أن يكون فيلما من بطولة كيانو ريفز (انظر النقد أدناه). بالنسبة للمحارب الأعمى زاتوإيشي، فإن الأمر يختلف قليلا.. هو ساموراي المهارة، لكنه ليس «رونين تقليدي» لأنه لم يعمل لحساب سيد أو مع مجموعة.. هو ذئب وحيد ينتقل من قرية إلى أخرى، في أحداث تقع في القرن الثامن عشر كمعظم أفلام الساموراي، يتعيش من وراء تدليك الأبدان ولديه مهارة، ويصرف على لعب القمار حيث يستخدم حاسة سمعه القصوى، فهو لا يرى الزهر لكنه يعلم إذا ما كان مغشوشا أو أن راميه قصد رميه على نحو معين لكي يربح. من يستهين بالمحارب الأعمى قد يندم لو عاش.. معظمهم لا يندم!

* سبعة آخرون
مع أن حكايات الرونين (فريق من 47 مقاتل ساموراي وجدوا أنفسهم مهانين حين تحولوا إلى البطالة ليلجوا بعد ذلك إلى آخر قتال يحفظ لهم كرامتهم)، والزاتوإيشي موجودة في عمق الثقافة اليابانية منذ مطلع القرن العشرين، وفي السينما منذ 1928، إلا أن «الساموراي السبعة» للمخرج أكيرا كوروساوا (1954) هو من عرف غير اليابانيين بهذا الرعيل من المحاربين المهرة. في ذلك الفيلم الذي كتبه ثلاثة بينهم كوروساوا نفسه وخرج من مهرجان فينيسيا بالجائزة الفضية في عام إنتاجه، سبعة محاربين يعيشون تلك البطالة وشعورهم المر بالإهانة والعدمية عندما يتقدم إليهم قرويون يسألونهم مساعدتهم في درء عصابة من اللصوص اعتادت سرقة محصولاتهم في هذا الوقت من كل عام. ليس لدى المزارعين أي مال، لكنهم سيوفرون لهم الطعام والمأوى. عرض يقبل به الساموراي، فبطونهم خاوية ويفتقدون إلى سقف فوق رؤوسهم. كوروساوا بعد ذلك يلج الفصل الثاني، وهو تدريب القرويين على القتال، وبعده الفصل الذروة حيث تغير العصابة على القرية لتكتشف قوة دفاعاتها ولتدور بعد ذلك معارك كر وفر يبلي بها الساموراي وأهالي القرية بلاءا رائعا.
هوليوود التقطت الفكرة وأطلقت سنة 1960 نسختها من ذلك الفيلم الياباني. السبعة المعنيون باتوا أميركيين متشرذمين يعيشون جنوبي الحدود المكسيكية.. يلم شملهم اثنان (يول براينر وستيف ماكوين) لتأليف عصبة تدافع عن أولئك القرويين المساكين الذين جاءوا طالبين الحماية من عصابة شرسة (يقودها إيلاي والاك). الفيلم حمل عنوان «السبعة الرائعون» وأخرجه جون سترجز، خبير من خبراء سينما الـ«وسترن»، وجرى نزع عنصر الساموراي تماما منه، فالمحاربون، من الطرفين، يقاتلون بالأسلحة النارية وحدها. وفي حين أن «الساموراي السبعة» خص العصابة بالسلاح الناري للإيعاز بنهاية فترة من البطولة كان فيها المتحاربون يكتفون باستخدام السيوف، فإنه لا شيء من الجديد – ضد – القديم، ولا طروحات حول الكرامة والعزة النفسية، يحوم فوق القصة الأميركية وشخصياتها.
بسبب نجاحه، جرى تحقيق ثلاثة أفلام أخرى مشتقة هي «عودة السبعة» (إخراج بيرت كندي - 1966) و«مسدسات الرائعون السبعة» (بول وندكوس - 1969) و«الرائعون السبعة يغزون» (جورج ماكغووَن - 1972).

* ساموراي فرنسا
لكن المقارنة بين سيف الساموراي ووحدة صاحبه، وبين البطل التقليدي في الغرب الأميركي جرت منذ الفيلم الأول.. كليهما وحيد وجدانيا إن لم يكن فعليا.. كليهما يحارب في سبيل مبدأ، وكليهما مسلح بما هو ماهر في استخدامه.. لكن السيف بقي لامعا، وهوليوود توسمت فيه خيرا أكثر من مرة.
ففي عام 1971 استقدمت شركة أميركية (اسمها «لس فيلمز كورونا») الممثل الياباني توشيرو مفيوني ليكون واحدا من أربع شخصيات تقود بطولة فيلم بعنوان «شمس حمراء»، قام بإخراجه ترنس يونغ الخارج من سلسلة «جيمس بوند»، الأولى: وسترن حول عصبة متنافرة تضم الأميركي تشارلز برونسون، والسويسرية أرسولا آندرس، والفرنسي ألان ديلون، والياباني مفيوني، وتقود معارك ضد بيض أشرار حينا وضد الهنود الحمر حينا، وعندما لا تواجه أعداءها تواجه بعضها بعضا. الرجلان الغربيان (برونسون وديلون) يتقاتلان على ثروة، لكن همّ مفيوني هو استعادة سيف ساموراي مقدس ضاع من سيده عندما حط في الغرب الأميركي.
اختيار مفيوني لم يكن اعتباطيا بالطبع، لأن الممثل كان تميز في «الساموراي السبعة» لاعبا شخصية الساموراي الأكثر تهورا من بين والأكثر فتكا، ولعب بعد ذلك أدوارا في أفلام ساموراي عديدة، مكونا في الغرب الرغبة في الاستعانة به لتأدية ما يجيده في الشرق.
طبعا ألان ديلون كان العنوان المجسد في ترجمة المخرج الفرنسي جان - بيير ملفيل لمفهوم المحارب الياباني في «الساموراي» (1967): كل شيء فرنسي هنا باستثناء ذلك التجسيد للعنوان والاقتباس المشهدي من سينما «الفيلم نوار» الأميركي. هنا لا يلتقي ديلون مع شخصية مفيوني لأنه لن يمارس الساموراي، لكنه سيستلهم وجوده من شخصية ألان لاد في فيلم «هذا المسدس للإيجار» الذي قام فرانك تاتل بإخراجه سنة 1942.
لكن هوليوود لم تتوقف عن الاستعارة من الساموراي وشخصياتها: المحارب الأعمى زاتوإيتشي انقلب إلى محارب ساموراي أميركي اسمه نك باركر (أداه روتغر هاور) في فيلم فيليب نويس «فورة عمياء». اسم «رونين» ومفاده استخدم في فيلم الأكشن «رونين» بطولة روبرت دينيرو وجان رينو وستيلان سكارسغارد وإخراج جون فرانكنهايمر سنة 1989. وهناك ساموراي أسود (فورست ويتيكر) في فيلم جيم يارموش «كلب شبح: طريقة الساموراي» (1999)، ولا ننسى تأثر المخرج كونتين تارانتينو بثقافة الساموراي واستخدامها بفعالية في فيلمه «أقتل بل» و«أقتل بل 2».

* أميركي في اليابان
* «إذا لم يأت إليك فاذهب أنت إليه».. وهوليوود ذهبت إلى اليابان أكثر من مرة لتصوير أفلام ساموراي مختلفة. ثلاثة منها هي الأكثر حضورا لليوم: «ياكوزا» لسيدني بولاك حيث يهب روبرت ميتشوم لإنقاذ صديقه الياباني من غضبة العصابة، و«آخر الساموراي» لإدوارد زويك (2003) عندما يترك توم كروز الغرب الأميركي ويلتحق بمقاتلي الساموراي، وبينهما «مطر أسود» مع رجل البوليس مايكل دوغلاس الذي يعيش مغامرة حياته في طوكيو تحت إدارة ريدلي سكوت.



ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.


شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
TT

شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)

ASHES★★★

إخراج: ‫دييغو لونا ‬

مكسيكي | دراما

عروض: مهرجان كان (خارج المسابقة)

القلب في المكان الصحيح، لكنّ هذا الفيلم يفتقد القدرة التي تجعله أكثر تأثيراً مما هو عليه. دييغو لونا يختصر الطريق صوب عرض الحالات، ولو أدَّى ذلك إلى مواقف مبتورة وغير متّصلة على نحو سليم. حتى في مشهد البداية، حين نرى الأم إيزابل (أدريانا باز) تودّع ابنتها الصغيرة لوسيلا (آنا دياز) في صباح أحد الأيام، وتستقلّ سيارة تاكسي بعد أن توصيها برعاية أخيها الصغير. اللقطة، إدارةً وتنفيذاً، جيدة: الفتاة تراقب أمها وهي تتجه إلى سيارة التاكسي المُنتظرة. الشعور بأنّ هناك فتاة صغيرة تراقب حدثاً مؤلماً بصمت تؤلّفه اللقطة بنجاح، لكن التساؤل حول السبب غير واضح تماماً، لا حينها ولا لاحقاً.

ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى 16 سنة لاحقة، عندما تحطّ لوسيلا وشقيقها الشاب في مدريد، ثم في لشبونة، للبحث عن أمها. أيضاً لا ذِكْر لكيف اعتقدت أنها تستطيع فعل ذلك، خصوصاً أنها ليست في رفاهية مادية تجعلها تنصرف لهذا البحث. ستجد عملاً خادمةَ شقق. ومرة ثانية، يستخدم تصوير داميان غارسيا المقارنة العاطفية، لكن على نحو مختلف. ففي أحد المَشاهد، لقطة للوسيا وهي تنظر من غرفتها الوضيعة نحو العمارات السكنية الفخمة التي تعمل فيها. هذه المقارنة تدعم ما سبق للمخرج أن أسَّسه منذ وصولها وأخيها إلى العاصمة الإسبانية. مشاعر الآخرين صوبهما باردة، والتعامل مع الشخصيات الإسبانية ليس إيجابياً إلا على نحو محدود، ولو أنّ هذا متوقَّع ويحدث في كلّ مكان.

هذا الوضع يجعل مشوار لوسيلا أبعد، وربما أهم، من مجرّد البحث عن أمها. فهي الآن تبحث عن سبل لحياة أفضل ولانتماء حانَ. الصلة هنا واضحة بين مساري الفتاة وأمها، لأنّ الحاجة إلى حياة أفضل هي الدافع للحياة، وصعوبة تحقيق هذه الحياة تتبدَّى سبباً وحيداً لهجرة الأم، ولو أنّ ذلك الإقدام ليس كافياً بقدر ما هو مفتاح الأحداث اللاحقة. ستعود لوسيا إلى المكسيك، حيث ستدرك أن وطن مولدها هو المكان الوحيد الذي يستطيع منحها تلك الهوية العاطفية.

DERNSIE ★★★

إخراج: ‫مايك مندَز ‬

الولايات المتحدة | تسجيلي

عروض: مهرجان كان (2026)

تنبع قيمة هذا الفيلم، الذي يدور حول مهنة الممثل بروس ديرن وجوانب من حياته الخاصة، من قيمة هذا الممثل أساساً، كما من جدّية ما يفصح عنه من ذكريات، وما يحتويه من آراء ومقابلات مع سينمائيين اكتشفوا فيه تلك الموهبة التي نقلته من مرحلة إلى أخرى بثبات.

بروس ديرن في «ديرنسي» (أ.ف.ب)

درس المسرح على يدَي إيليا كازان، لكنه لم يصرف وقتاً طويلاً على مسارح نيويورك، بل انطلق صوب هوليوود. وأسند المخرج وولتر هيل إليه دوراً جيداً في فيلم «The Driver» سنة 1978، وذلك في الحقبة ذاتها التي لعب فيها ديرن أدواراً شريرة، كما حاله في هذا الفيلم. بعض هذه الأدوار كانت في أفلام وسترن، وهو يذكّرنا بأنه كان أول ممثل يقتل جون واين في السينما عندما مثَّل أمامه في فيلم «The Cowboys» لمارك ريدل (1972).‬

ديرن حكواتي لا يُخفي ولا يتوارى، أو يحاول أن يكون دبلوماسياً، ممّا يضفي على الفيلم جملة من الحقائق والوقائع غير المعروفة عنه أو عن المحيطين به.

THE DREAMED ADVENTURE★★★

إخراج: فاليسكا غريسباخ

ألمانيا | بلغاريا | دراما

عروض: مهرجان كان (2026)

ينشد هذا الفيلم التحوّل من ثرثرة شبه متواصلة وسرد متقاطع وغير آبه بالتسلسل السليم إلى حكاية تشويقية، بفضل العناصر التي تحتويها القصة، ومنها الحبكة حول لقاء بين شخصين يختلفان عن باقي الشخصيات. ومنها أيضاً المكان والبلدة المهدَّمة بفعل الهجرة وتحولها إلى مكان غير آمن تسيطر عليه عصابة تهريب، ثم كذلك اختفاء أحد هذين الشخصين اللذين يقودان العمل الغامض. لكنّ غريسباخ تفعل كلّ ما في وسعها لتحاشي كل شيء يمكن له أن يؤدّي إلى سرد مشوّق أو مثير للاهتمام. كاميرتها تسجيلية الأسلوب، وما ينطلق على نحو يَعدُ بتأسيس منهج حكائي جيد، يتحوَّل بعد حين قصير إلى أحداث غير مترابطة وطويلة الأمد.

«المغامرة المتخيَّلة» (ملف مهرجان «كان»)

اختفاء سعيد (سليمان لطيف) المُفاجئ، لنا ولبطلة الفيلم، يدفع صديقته فيسكا (يانا راديفا) إلى البحث عنه وعن أسباب اختفائه.

وتحوم شكوكها حول زعيم العصابة المحلّية إيليا (ستويكو كوستادينوف)، مما يؤدّي بالفيلم إلى مسار مختلف وطويل الشأن، تستخدم خلاله المخرجة ممثلين غير محترفين وكاميرا محمولة وهاجس المحاولة في توجيه الموضوع بعيداً عن الأسلوب، أي أسلوب غير أسلوبها. والخلاصة، فيلم تقل مدته عن 3 ساعات، بينها نحو ساعة ونصف ساعة يختفي فيها بطله قبل عودته قبيل النهاية.

ولا بد من القول هنا إنّ هذا الالتباس في توجيه دفّة الفيلم صوب ما هو بديل لسرد تقليدي، يمنح العمل بعض الحسنات. فهو تأمُّل وعرض أفقي للمناخ العام للمنطقة والبلدة وما يدور فيها، أو بالأحرى ما لا يدور.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
TT

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت» (عُرض في قسم «نظرة ما» وهو إنتاج لبناني-فلسطيني، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسسة الدوحة للأفلام»)، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه. إلى جانبها شاب يحب ريم ويناديها بدوره بالعدول عن السير نحو ما يبدو هدفاً مجهولاً وبعيداً عنهما وعن القرية التي يعيشون فيها، جنباً إلى جنب مع تلك المشكلات المتوارثة من جيل إلى آخر ومن زمن إلى زمن.

الكاميرا في فيلم ركان مياسي (المخرج والكاتب) تحرص على البقاء بعيدة بدورها. المشهد عام، من على مسافة مئات الأمتار، ينقله المخرج كما لو كان يرسم لوحة: الحشائش، والأشجار، والصخور، والأرض المفتوحة، والجبل في الواجهة.

الدافع الذي يجعل ريم (تؤديه ريم المولى) تنطلق مبتعدة وغير عابئة بالنداءات هو أنها وصلت إلى مرحلة عليها أن تتمرد على كل شيء، حتى ولو لم تكن البدائل جاهزة. تمرّدها على بيئة تخسر فيها المرأة مهما اتجهت، وتدفع الثمن حتى ولو لم تكن سبباً في المشكلة أو الخلاف.

إنه فيلم ذكي، لكنه يعاني من بعض النواقص في تأمين لُحمة أفضل بين مشاهده، خصوصاً خلال ربع ساعته الأولى على الأقل.

يدور حول فتاة تجد نفسها مطلوبة لتكون زوجة رجل لمجرد أن التقاليد تفرض ذلك، بعد أن تسبب شقيقها في صدم رجل من عشيرة أخرى بشاحنته. العشيرة تطالب بالزواج منها ومن شقيقتها جواهر فدية وإلا فالعقوبة القتل.

تقاوم ريم بصمت كل ما يُفرض حولها. حياتها، واحدة من قبائل البدو في سهل البقاع بلبنان، تشبه أنشوطة الحبل حول عنقها. وعندما يُفصل بينها وبين شقيقتها، تشعر بأنها خسرت معركتها مع الجميع. تركض مبتعدة، وفي ابتعادها رغبة في التحرر ونيل الحرية.

«فراولة» (لومن فيلمز)

على الرغم من أن الفيلم يتبنى وجهة نظر ريم، غير أنه لا يسعى إلى الحكم على التقاليد نفسها، ولا إلى تجريم الخيارات القليلة المتاحة. يصوّر قسوة الوضع على ريم وشقيقتها، لكنه لا يلج مطلقاً إلى تحويل الحكاية إلى فاجعة أو الشخصيات إلى خطابات كما فعلت أفلام أخرى.

عين ركان مياسي تحيط بالمكان المُعاش جمالياً. هذا الفيلم كان ينبغي أن يُعرض بنظام الشاشة الكبيرة لكي تحتل جمالياته المكانة التي تستحقها.

مراوحة

فيلم آخر عُرض في القسم نفسه هو «فراولة» (Strawberries، والعنوان الفرنسي: La Más Dulce)، وهو إنتاج مغربي-إسباني لليلى مراكشي، حول امرأة مغربية تُدعى مريم (تؤديها هاجر غريغا) تهاجر إلى إسبانيا للعمل في حقول الفراولة لمساعدة عائلتها. يُطلعنا الفيلم في مقدمته على أنها كانت سجينة لفترة قصيرة؛ هذه الخلفية ستعقد شهادتها لاحقاً عندما تحاول الكشف عن العبودية والفساد المستشري في مزارع الثمار، حيث يستغل البعض براءة بعض الفتيات ويجبرهن على الدعارة.

حسناء (تؤديها نسرين الراضي) هي الضحية التي يعالجها الفيلم. تريد مريم الوقوف إلى جانبها لكنها لا تستطيع، وبعد حين، عندما تعود حسناء من خلوة نظمها أحد مديري المزرعة مع أحد الأثرياء وهي على شفير الموت، تجد مريم نفسها مضطرة للكشف عما يجري. لكنها مرة أخرى تلتزم الصمت حفاظاً على عملها وخوفاً من ردّة فعل أشرار المكان.

نجلاء فتحي وعايدة رياض في «أحلام هند وكاميليا»

قصصياً، هذا يشبه المراوحة في مكان واحد لفترة طويلة قبل وصول الفيلم إلى لحظاته الأخيرة، حيث تُلقي مريم خطبة عصماءً أمام المحكمة لفضح ما يجري.

استمدت المخرجة الحكاية من حادثة حقيقية، لكنها تحافظ على نبرة غير حادة بما يكفي، بقدر ما هي فرصة لطرح الموضوع. يفشل السيناريو في ترتيب الأحداث بشكل أفضل، ويضر تردد مريم في الإفصاح أو عدم الإفصاح بالقضية المطروحة، إذ إن هذا التردد ليس جوهر ما سعت المخرجة إلى تحقيقه في الفيلم.

هناك لحظات صادقة تجمع بين النساء العاملات، تستحق المتابعة، لكن الفيلم لا يسير على خط واحد بل يتحرك أفقياً، مما ينتج عنه تشتت الغاية الأساسية.

السينما العربية سلطت الضوء على معاناة المرأة والقيود الاجتماعية عبر عقود من الأفلام

أفلام أخرى

المرأة العربية كانت موضوعاً ساخناً عبر العقود، وتطرّقت إليه أفلام متعددة مثل «الحرام» (هنري بركات، 1965)، و«ليل وقضبان» (أشرف فهمي، 1973)، و«أريد حلاً» (سعيد مرزوق، 1975)، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام غير المصرية. كثير منها نبش في الأوجاع الناتجة عن هضم الحقوق والتقاليد، لكن بعضها لم يكن سوى توظيف لموضوع ينتهي بالإدانة من دون تقديم حلول.

المخرج محمد خان تناول موضوع المرأة في المجتمع المصري في أكثر من فيلم، من بينها «أحلام هند وكاميليا»، و«زوجة رجل مهم» (كلاهما 1988). الأول يتناول رغبات خادمتين في الانعتاق من سلطة اجتماعية تحاول كل منهما التخلي عن عذوبة الحياة وأحلامهما، والثاني يحكي معاناة زوجة ضابط مخابرات من فاشية زوجها وسوء معاملته.

خارج النماذج المصرية، انتشرت في السينمات العربية أفلام تنتقد وضع المرأة، من بينها بالطبع «وجدة» لهيفاء المنصور، و«صمت القصور» لمفيدة التلاتلي، إضافة إلى فيلم المخرجة اليمنية خديجة السلامي المنسي «أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة» (2015).