تركيا الإردوغانية

معارضو الرئيس التركي المنتخب يقولون إن أحلامه تتعدى رئاسة تركيا إلى زعامة المنطقة

تركيا الإردوغانية
TT

تركيا الإردوغانية

تركيا الإردوغانية

يرسم المسار الذي قطعه الرئيس التركي المنتخب رجب طيب إردوغان، في طريقه إلى رئاسة الجمهورية التركية، صورة واضحة عن شخصية الرجل الأكثر نفوذا في البلاد منذ تأسيس الجمهورية العلمانية على يد مؤسس الدولة مصطفى كمال المعروف بـ«أتاتورك» في عام 1924.
فإردوغان، وهو رجل يعرف ماذا يريد، ويعمل من أجله بمثابرة لافتة. فمن رئاسة بلدية إسطنبول، إلى الانقلاب على أستاذه نجم الدين أربكان، وتأسيسه حزب العدالة والتنمية الذي فاز مباشرة في الانتخابات العامة وتسلم الحكم، وصولا إلى مسعاه إلى تغيير شكل النظام التركي من برلماني إلى رئاسي، كلها مؤشرات تدل على رجل يريد أن يكون قائدا للبلاد، وربما للمنطقة، كما يرى الكاتب التركي تأومان عليلي الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إردوغان يطمح إلى أن يكون زعيما أمميا». ويضيف «بالنسبة له ولمؤيديه، فإن تربعه على رئاسة الجمهورية ومن ثم تحويل النظام إلى نظام رئاسي بحت، هما الخطوتان الأخيرتان لقبوله سلطانا في تركيا أولا ومن ثم قبوله في العالم الإسلامي ثانيا». لكنه يشير في المقابل إلى أن «المعطيات على أرض الواقع لن تسمح لهم بتحقيق ذلك، لأن إردوغان والمجموعة المحيطة به لا يمتلكون القدرة ولا القوة لتغيير النظام الآن».
وأضاف «صحيح أنه انتخب من الجولة الأولى بنسبة 52 في المائة، ولكن سيؤثر هذا عليه سلبيا لأنه سيفقد السيطرة على الحزب، ولهذا بدأ السجال في صفوف الحزب وبدأ جناح عبد الله غل في التحرك، ولهذا اتخذ إردوغان قرارا بعقد مؤتمر طارئ قبل أن تنتهي مدة الرئاسة الرسمية، وهذا يعد غلق أبواب للحزب أمام ترشح غل لزعامة الحزب، وهذا يعني أن غل تهمش سياسيا من قبل إردوغان»، معتبرا أنه «يجب علينا مناقشة تأثير إردوغان على الحزب هل سيفقد زعامته رويدا رويدا، أم سيستمر في السيطرة على الحزب وهو على كرسي رئاسة الجمهورية».
وتشكل شخصية إردوغان مادة دسمة للنقاش في الشارع التركي، حيث ينقسم حوله الأتراك بين محب مخلص، وكاره مبغض. وفيما يرى مؤيدوه أن إردوغان هو أتاتورك الثاني، في إشارة إلى مؤسس الدولة الذي يعني اسمه «أبو الأتراك»، يرى عليلي أن هذا مستحيل «لأن أتاتورك حرر البلاد من الاحتلال الغربي، في المقابل فإن إردوغان ذراع من أذرع مشروع احتلال وتقسيم المنطقة من جديد». ويصف معارضو إردوغان الأخير بأنه «السلطان» في إشارة إلى سلاطين بني عثمان الـ36، ودلالة على تسلطه.
وكان أتاتورك، الذي أسس الدولة، وضع مادة في مقدمة الدستور تنص على علمانية الدولة، ثم أردفها بمادة أخرى تمنع تعديل هذه المادة أو المس بها في أي وقت وتحت أي ذريعة، مما يشكل في نظر المتابعين عقبة أساسية أمام إردوغان الذي يطمح في تأسيس دولة ذات طابع إسلامي - عثماني، كما توضح تصريحاته، علما بأن الدستور التركي يمنع تشكيل أحزاب دينية، وبالتالي فإن حزب العدالة لا يزال حزبا علمانيا على الورق ذا طابع إسلامي بالممارسة.
صعد إردوغان سلم السلطة ببطء وذكاء. فرغم أنه جرد من منصبه كرئيس لبلدية إسطنبول عام 1998 بعد أربع سنوات من توليه إياه، فإن السلطات التركية المتأثرة بالعسكر جردته من منصبه وزجت به في السجن بعد أن ردد في أحد الاحتفالات بيتا شعريا يقول فيه «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، والمصلون جنودنا»، وهو ما اعتبره هؤلاء مسا بعلمانية الدولة و«تحريضا على الكراهية»، فكان نصيبه السجن عاما، كما عوقب حزب «الرفاه» الذي كان ينتمي إليه برئاسة أربكان، بالحظر، فكان أن أسس إردوغان منفردا مع رئيس الجمهورية الحالي ونائب رئيس الوزراء بولند أرينج حزبا جديدا سموه «العدالة والتنمية» منشقين عن حزب الفضيلة الذي أنشأه أربكان وحظر بدوره.
وإردوغان، الذي ولد في 26 فبراير (شباط) 1954 في محلة قاسم باشا الفقيرة في إسطنبول، يعود أصله إلى مدينة طرابزون، حيث أمضى طفولته المبكرة في محافظة ريزة على البحر الأسود، ثم عاد مرة أخرى إلى إسطنبول وعمرهُ 13 عاما. وفي مناظرة تلفزيونية مع دنيز بايكال، رئيس الحزب الجمهوري، شرح إردوغان طفولته الفقيرة، قائلا «لم يكن أمامي غير بيع البطيخ والسميط في مرحلتي الابتدائية والإعدادية، كي أستطيع معاونة والدي وتوفير قسم من مصروفات تعليمي؛ فقد كان والدي فقيرا». وقد درس إردوغان في مدارس الأئمة والخطباء الدينية، ثم أكمل دراسته الجامعية في كلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة.
ولمع اسم إردوغان بعد انتخابه عمدة لمدينة إسطنبول، حيث حقق في فترة رئاسته إنجازات غير مسبوقة، فعمل على تطوير البنية التحتية للمدينة وإنشاء السدود ومعامل تحلية المياه لتوفير مياه شرب صحية لأبناء المدينة وحسن أنظمة المواصلات بها، ونظف الخليج الذهبي وحوله من مكب للنفايات ورمز لتلوث المدينة إلى معلم سياحي. وانتشل بلدية إسطنبول من ديونها التي بلغت ملياري دولار إلى أرباح واستثمارات، وبنمو بلغ 7 في المائة، مما جعله ذا شعبية كبيرة.
ودخل الحزب الجديد الذي أسسه إردوغان الانتخابات الأولى في عام 2002، أي بعد أشهر من تأسيسه، وفاز بـ37 في المائة من مقاعد البرلمان الـ550، مما أهله لتأليف الحكومة منفردا لأول مرة منذ فترة طويلة عاشت تركيا فيها تحت حكم الحكومات الائتلافية، فشهدت تركيا في عهده استقرارا سياسيا، ثم فاز في انتخابات عام 2007 بـ61 في المائة من المقاعد، ثم رفع هذه النسبة في عام 2011 ليقترب من نسبة الثلثين بحصوله على 326 مقعدا. لكن الأمر لم يدم له إلا بعد أن قلم أظافر العسكر الذين كانوا يسيطرون على البلاد وكادوا ينقلبون عليه، قبل أن يروضهم. وكذلك فعل مع السلطة القضائية التي كانت سيفا مسلطا على الأحزاب الإسلامية. واستغل إردوغان السعي للاندماج مع قوانين الاتحاد الأوروبي، ليغير شيئا فشيئا القوانين التي ترعى عمل المؤسستين اللتين انتهى خطرهما فعليا في عام 2009، مع استفتاء دستوري أبعد خطر المحكمة الدستورية عنه.
ويقول البروفسور مظهر باغلي، الأستاذ في جامعة يلديرم بايزيد، إن الشخص الذي يجب أن يخلف إردوغان يجب أن يكون شابا، ولا تعوقه قوانين الحزب الداخلية التي تنص على فترة الدورات البرلمانية الثلاث لأعضاء حزب العدالة والتنمية، وأن توجد لديه الشجاعة لمحاربة الهيكلية الموازية، وأن يكون مقبولا ومحبوبا من قبل كوادر الحزب جميعها. وأضاف «يوجد شخصان أو ثلاثة ينطبق عليهم هذا التعريف، وهم السيد أمر الله، و(وزير الخارجية) أحمد داود أوغلو، والسيد زيبكجي»، معتبرا أن داود أوغلو هو أكثرهم حظا.
ويشير إلى أن القوانين التي تسري الآن في تركيا لجميع المسؤولين أو المنتخبين هي كالآتي: بعد أن يُنتخب شخص ما إلى موقع ما، لا يمكن أن يكون مسؤولا أو لا يحق له تمثيل هذا الموقع إلا بعد أن يأخذ إضبارة فوزه من لجنة الانتخابات العليا، ولهذا انتخب إردوغان الآن رئيسا للجمهورية لكنه إلى حتى الآن ليس رئيسا للجمهورية، لأنه لم يأخذ إضبارته». ويوضح «عامة يأخذ نواب البرلمان ورؤساء البلديات إضبارتهم من لجنة الانتخابات العليا، لكن في وضع رئاسة الجمهورية تقوم الهيئة بتسليم الإضبارة إلى رئيس البرلمان، ورئيس البرلمان يسلمها إلى الشخص المنتخب، وبمعنى آخر متى يأخذ السيد إردوغان إضبارته من رئيس البرلمان عندها يصبح رسميا رئيسا للجمهورية». لكنه يؤكد أن هذا «لا يعني أن إردوغان سيذهب لتسلم الإضبارة متى يشاء، فهناك قوانين ولوائح حددتها لجنة الانتخابات، وتوجد مدة للاعتراض بعد إعلان النتائج الرسمية في الـ15 أو الـ16 من هذا الشهر، ومن ثم سيقوم بتسليم الإضبارة إلى رئيس المجلس الذي سيقوم مباشرة بإعداد مراسيم لتسليمها للرئيس الجديد».
ويقول مراد اردين، الكاتب في جريدة «بوجون» المعارضة، إنه بعد أن يتولى إردوغان رئاسة الجمهورية سيعلن الحزب عن اسم شخص واحد سيتولى رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب في آن واحد، وهذا الشخص لن يعترض عليه أحد لأنه عين من قبل رجب إردوغان مباشرة، ولهذا لا أعتقد أنه ستكون هناك انقسامات أو نقاشات حادة داخل الحزب في المدى المنظور، مشيرا إلى أن تصريحات رئيس الجمهورية عبد الله غل عن عودته إلى الحزب «كانت ملتوية ولا توجد بها أي جملة واضحة، وكل ما فهمنا منه جملة (إنني لا أنظر إلى الماضي، بل أنظر إلى المستقبل)». وأضاف «أنا أعرف السيد عبد الله عن قرب، ولهذا أقول إنه سينتظر ماذا سيجري في الحزب بعد 27 أغسطس (آب)، وهو الموعد الذي سيتسلم به إردوغان رئاسة الجمهورية ويعلن به عن خليفته، وسيرى من سيكون رئيس الوزراء وزعيما للحزب، وعلى هذا الأساس سيعد خريطة طريق لنفسه، وإلى هذا التاريخ لن يقوم بأي خطوة».
وأوضح أن إردوغان وجه سؤالا لأعضاء الحزب عمن يرغبون في خلافته، ونتائج هذا الاستفتاء داخل الحزب لا يعلم بها أحد إلا إردوغان. وأضاف «توجد الآن في تركيا مجموعتان، الأولى ستعمل على خلق القلاقل داخل حزب الشعب الجمهوري، أما المجموعة الثانية فتعمل على خلق أزمات حادة في حزب العدالة والتنمية، وهذه الانقسامات ستؤدي إلى أزمات كبيرة إذا حصلت فعلا، لكن حسب وجهت نظري لن يفلح الطرفان في إنتاج أي أزمات في الحزبين».
نويان أومروك، الدكتور في العلوم السياسية والاجتماعية، يرى أن «صعود إردوغان السريع جعله يزيد من انتقاده اللاذع إلى درجة التوبيخ أو نعت الآخرين بنعوت لم يتعود عليها الشارع السياسي والدبلوماسي التركي»، معربا عن اعتقاده أن السبب في هذا هو الدعم من قبل الناخبين الذي جعله يجد الحق لنفسه لممارسة أعتى أنواع الضغط النفسي والمادي وإهانة الآخرين، لأن خلفه كتلة شعبية هائلة، كما أن الكتل التي تنتخبه لا ترى ضيرا في استخدامه مثل هذه الأساليب.
ويعتبر أومروك أنه «توجد للتنظيم الهرمي للحزب مصالح مترابطة بقوة، ويتربع في أعلى الهرم من يتحكم في جميع هذه المصالح، لهذا لا ترى أي صوت معارض لإردوغان داخل الحزب». ويرد السبب في ذلك إلى أن إردوغان «لم يتعلم السياسة في الأكاديميات، بل تخضرم في أروقة الأحزاب، وبات يعرف كل دواهي السياسة والسياسيين، ولهذا إذا انسحب إردوغان من الحزب فإن حزبه سيتحول إلى ما آل إليه حزب الوطن الأم بعد رحيل أوزال».
وقال أومروك إن ثمة سببين وراء اختيار الشعب إردوغان: الأول هو «أننا ننحدر من شعب حكمه العثمانيون لفترة طويلة، ومن ثم عاش في ظل النظام الجمهوري، لأكثر من 80 سنة، وتوجد في هذا المجتمع نسبة لا بأس بها تحاول أن تعيد أمجاد الحكم العثماني، وترى أنه الأنجع لحكم تركيا. ولقد بدأ هذا التيار في الظهور من خلال الأحزاب التي أنشأها نجم الدين أربكان، وهذا التيار تتراوح نسبة ناخبيه بين 20 و22 في المائة». أما السبب الثاني فهو أنه «بعد الأزمة الاقتصادية التي هبت على العالم عام 2002 باشرت بعض المحافل الإقليمية والدولية ضخ الأموال إلى تركيا، وساعدت هذه الأموال البلاد في تحقيق استقرار اقتصادي سطحي، وبما أن الإنسان التركي شب على ثقافة القناعة والرضا والشكر فإنه يعمل على المحافظة على مكتسباته ولا يميل إلى المخاطرة بطلب الأكثر أو الربح الأكثر». ولهذه الشخصية دافع آخر في رأي أومروك هو أن «جذور إردوغان ترجع إلى الأغلبية أو العامة من الشعب، كما أن ترعرعه في حي قاسم باشا، المعروف عنه أنه يخرج فتوّات (قبضايات) إسطنبول، وانعكاس هذا على تصرفاته وأقواله أيضا، أكسبه شعبية بين الجماهير».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.