«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين السينمائي (1)... مهرجان برلين: خليط لا يوحي بدورة رائعة بمستوى سابقاتها

غياب أسماء معروفة وتعدد الأعمال الأولى لمخرجين

من «بمباركة الله» لمخرجه الفرنسي فرنسوا أوزون
من «بمباركة الله» لمخرجه الفرنسي فرنسوا أوزون
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين السينمائي (1)... مهرجان برلين: خليط لا يوحي بدورة رائعة بمستوى سابقاتها

من «بمباركة الله» لمخرجه الفرنسي فرنسوا أوزون
من «بمباركة الله» لمخرجه الفرنسي فرنسوا أوزون

المهرجانات الثلاثة الأولى حول العالم هي، كما يعرف المتابعون، ثلاثة أوروبية: برلين وكان وفينيسيا. إذا وسّـعنا الدائرة فإنه من المتاح سريعاً إضافة أخرى أوروبية وأخرى غير أوروبية. تحديداً، وحسب الأهمية قدر الإمكان: تورونتو (كندا،) صندانس (الولايات المتحدة)، لوكارنو (سويسرا)، كارلوفي فاري (جمهوريك التشيك)، بقدر آخر من التوسع يزداد عدد تلك المهرجانات الرئيسية حول العالم: سان سابستيان (إسبانيا)، لندن (بريطانيا)، مونتريال (كندا)، روتردام (هولاندا)، موسكو (روسيا) من بين أخرى.
إذا كانت مهرجانات برلين وكان وفينيسيا هي القمم الثلاث، فإن الوصول إلى تلك المرتبة لم يكن سهلاً على الإطلاق، كما أن البقاء في هذا الموقع هو أكثر صعوبة، خصوصاً أن التنافس بين المهرجانات الثلاثة لا يتوقف.
مع الدورة التاسعة والستين لمهرجان برلين التي تبدأ اليوم وتستمر حتى السابع عشر من شهر فبراير (شباط) الجاري، تعود الكرة إلى ملعب أحد أقدم المهرجانات حول العالم وترتفع الآمال مجدداً بأفلام مسابقة لا تثير الاهتمام فقط، بل تناسب وضع المهرجان الثابت على إحدى تلك القمم الثلاث. وهذا صعب تحقيقه. وبالنظر إلى قائمة الأفلام المتسابقة (عددها 17) قد لا يتحقق أساساً.
ليس أن لدينا بلورة يمكن أن تستشف قيمة ومستوى الأفلام المشاركة لكن كثرة الأفلام الأوروبية وغياب الأسماء المعروفة فيها (باستثناء قلة) والرغبة في زرع أفلام تنتمي إلى جنس بشري (جندر) حتى لا يصرخ البعض «أين سينما المرأة؟»، وتعدد الأعمال التي هي أفلام أولى لمخرجيها، ثم مقارنة هذه الأفلام بتلك اللامعة التي حشدها مهرجان فينيسيا الإيطالي في خريف العام الماضي، يجعل المجرّب يشعر بعدم الطمأنينة. طبعاً قد تنقلب مثل هذه التوقعات رأساً على عقب، لكن عندما تكون قائمة المخرجين مؤلفة من حفنة من الأسماء المعروفة مثل أنيشيكا هولاند وفرنسوا أوزون وفاتح أكين وزانغ ييمو، فأي احتمال كبير يمكن أن ينعش الآمال بدورة رائعة؟
- أفلام نسائية
إنها الدورة الثامنة للرئيس العتيد دييتر كوزليك… والأخيرة أيضاً. تحتوي على خليط لا يبدو، بحسب ما سبق، واعداً بدورة رائعة. ربما، إذا ما كانت نصف الأفلام المعروضة جيدة وما فوق، سيمكن القول لاحقاً إن الدورة جاءت في مستوى بعض أهم الدورات السابقة. لكن إذا لم تأتِ، فإن سباق المهرجانات الثلاثة فيما بينها سيضع برلين هذه السنة ثالثاً. وهذا يكشف عن مدى الصعوبة التي يواجهها المهرجان الشتوي الكبير.
لقد جرت العادة على أن ينجح مهرجان كان الفرنسي في حشد أفلام تنتمي إلى «سينما المؤلف»، وبالتالي أن يصبح البيت الذي تتجه إليه أولاً. كذلك نجح في الرهان على «نجومه» من المخرجين أمثال الأخوين داردان وميشيل هانيكه وكن لوتش وأوليفييه أساياس وكرستيان منجو، وإذا بهم يعودون إليه مرّة تلو الأخرى. وبذلك أرسى قواعده في السنوات الأخيرة كلها وحافظ على صيته وسعته وحجمه وتعدد اهتماماته. هو بدوره شهد سنوات أفضل من أخرى، لكن كل دوراته وسنواته كانت منسجمة في إطار ما نجح في اتخاذه صيتاً له.
فينيسيا ساد المهرجانات الثلاثة لأكثر من مرّة في الأعوام التسعة الأخيرة على الأقل. مهرجان منفتح على زخم مختلف وأكثر تنوعاً وغير مرتبط بشروط السوق الأوروبية (كحال المهرجان الفرنسي) وكل هذه حسنات مهمّـة، بالإضافة إلى أن أفلامه المنتقاة جيداً (لجنة الاختيار تبدو أكثر نجاحاً في هذا الدور المسند إليها) تستفيد من حقيقة أنه يأتي في نهاية العام مشاركاً مهرجانات أخرى تسليط الضوء على أعمال جيدة قبيل انطلاقها عالمياً صوب موسم الجوائز. يكفينا أنه، في العام الماضي، سحب فيلم «روما» من تحت كل السجادات وأطلقه بجناحين كبيرين من النجاح ما زال الفيلم يطير بهما إلى اليوم. المشكلة بالنسبة لبرلين هي مختلطة كشأن الخلطة التي سيعرضها علينا.
الأسماء الكبيرة لا تتردد فيه بالعدد نفسه مع المهرجانين الآخرين. ويمكن تعداد ذلك بسهولة بالعودة لما عرضه كل من المهرجانين المنافسين لمخرجين كبار. وجود أربعة أسماء معروفة وبعضها بالكاد كبيرة في دورة هذا العام تؤكد أن هناك نزوعاً لوضع الرهان على المهرجان الفرنسي في ربيع السنة أو، لاحقاً، على المهرجان الإيطالي في خريفه.
سبعة أفلام نسائية من أصل السبعة عشر فيلماً. المخرجة الدنماركية لون شرفيغ ستبدأ الدورة بعرض فيلمها الجديد «عطف الغرباء» The Kindness of Strangers).) هو دراما تقع أحداثه في نيويورك وواحد من عدة أفلام أوروبية لغتها الرسمية ليست إنجليزية لكن الرغبة في دخول السوق الدولية تدفع مخرجيها للبحث عن حكاية تتيح لهم استخدام اللغة الإنجليزية.
هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للمخرجة البولندية أنييشكا هولاند. إنها أكبر المخرجين المشتركين في المسابقة عمراً (70 سنة). ولها أعلى عدد من الأفلام المنجزة (46 فيلماً). وواحدة من المرتادين لمهرجان برلين، ولو على شكل متقطع. فيلمها الأول «حصاد غاضب» (1985) قادها إلى دورة ذلك العام وبعده توزّعت بعض أفلامها في أرجائه وآخرها «أثر»Spoor) ) قبل عامين.
فيلمها الجديد المشارك هو «مستر جونز» الناطق بالإنجليزية كون بطله صحافياً بريطانياً يكشف عن المجاعات التي عرفتها الدولة السوفياتية في ثلاثينات القرن الماضي. الفيلم من بطولة فانيسا كيربي وجيمس نورتون وبيتر سارسغارد.
المخرجة الثالثة في عداد المخرجات اللواتي يعرضن أفلامهن في مسابقة المهرجان هي الإسبانية إيزابل كويكست. عنوان فيلمها الجديد هو «إليسا ومارسيلا» وهو أحد بضعة أفلام تتناول المثلية بين الإناث وتوزعه شركة «نتفليكس».
و«محطم النظام»System Crasher) ) هو الفيلم الأول لنورا فينغشايت، التي سبق لها وأن عرضت في برلين أفلامها القصيرة. إذا كانت بعض مستويات الأفلام تعرف من ملخصاتها المنشورة فهذا الفيلم أحدها: فتاة في التاسعة من العمر تجعل جميع من حولها محبطاً بسبب حيويتها وطلاقتها.
والألمانية الأخرى هي أنجيلا شانيليك التي تعرض «كنت في البيت ولكن…»، وهي سبق لها وأن عرضت في برلين ثلاثة أفلام خارج المسابقة. والنمساوية ماريا كروتزر سبق لها أيضاً أن عرضت أفلاماً قصيرة في هذا المهرجان وتتقدم الآن بفيلمها الأول «الأرض تحت قدماي».
المخرجة السابعة هي تييونا ستروغار متيفسكا الآتية من ماسادونيا بفيلم «الله موجود». مثل «محطم النظام» فإن ملخص الفيلم (حول امرأة تقتحم حفلاً خاصاً بالرجال وتثبت قدميها) لا يبشر بخير.
- محور صيني
سنجد مواضيع واعدة، وإن غير ساخنة بالضرورة. بين المخرجين الرجال. هذا ليس ضمانة بالطبع لكنه الأمل في أن تأتي إنجازاتهم بما يناسب توقعات الحاضرين. فيلم الفرنسي فرنسوا أوزون «بمباركة الله» (By the Grace of God) يدور حول ثلاثة أصدقاء يراجعون حياتهم وحياة معارفهم وعائلاتهم.
الكندي دنيس كوت يطرح ما يبدو عملاً إنساني الصفات بعنوان «مقتطفات بلدة أشباح» (Ghost Town Anthology). تقع أحداثه في بلدة معزولة تشهد مقتل أحد أحب أبنائها في حادث سيارة. ما يلي ذلك تغير المناخ البشري في تلك البلدة التي اعتبرت الحادثة نهاية فترة وبداية أخرى.
المخرج النرويجي هانز بيتر مولاند سبق وإن أثار الإعجاب سنة 2014 بفيلم «ترتيب الاختفاء». صحيح أن الفيلم انشطر لنصفين أفضلهما هو النصف الأول لكنه أكد موهبة واعية وساخرة وفيلمه الجديد «خرج ليسرق الجياد» قد يكمل هذا الدرب بنجاح.
الصيني زانغ ييمو يعود، بعد غياب، إلى الشاشات المهرجاناتية بفيلم «ثانية واحدة». إنه أمل آخر قد يقلب التوقعات المقلقة رأساً على عقب. ييمو كان درّة المهرجانات في الثمانينات والتسعينات لكنه تحول إلى الغزل بالأفلام الفولكلورية ذات الطموحات التجارية وحدها. مهرجان برلين كان سعيداً، سنة 2000 بعرض فيلمه ذي القيمة الكاريكاتورية «امرأة، مسدس ودكان النودلز» وفي عام 2010 عرض له خارج المسابقة «تحت شجرة الزعرور». وهو يعود هنا بفيلم حول علاقة هاوي سينما بمتشردة في واحدة من القرى الصينية النائية.
هناك فيلمان صينيان آخران، أحدهما («وداعاً يا بني») لوانغ جواشوواي والثاني «أوندوغ» هو وانغ كوانان. كلاهما سبق له، كحال زانغ ييمو، الاشتراك ضمن اختيارات برلين الرسمية من قبل. الأفلام الثلاثة معا (وبغياب أي اشتراك آسيوي آخر من دول متقدمة في صناعاتها مثل التايوانية واليابانية والكورية) ستشكل على الأرجح محور اهتمام واسعاً. يبقى أن تأتي بالموعود منها.
هناك فيلمان لتركيين أولهما فاتح أكين (الذي يعمل ويعيش في ألمانيا) وفيلمه الجديد «القفاز الذهبي» (من كتابته) يعود بأحداثه إلى السبعينات وبالمكان إلى مدينة هامبورغ التي تشهد جرائم قتل مرتكبها مجرم واحد. الفيلم من بطولة دايان كرغر التي كانت بطلة فيلم أكين الأخير «في الاختفاء» (In the Fade).
جدير بالذكر طبعاً أن الدب الذهبي كان من نصيب هذا المخرج مرّة واحدة فقط وذلك سنة 2004 عندما قدّم فيلمه الأول «صدام».
المخرج التركي الثاني هو أمين ألبر وقد يلقى فيلمه «حكاية الأخوات الثلاث» اهتماماً شبيهاً بالاهتمام الذي يوليه نقاد الغرب لأفلام الشرق الآسيوي (لبنان، مصر، تركيا، إيران إلخ…) من حيث إنه يطرح قضية ثلاث شقيقات صغيرات ينتزعن من منزل أبويهما لنقلهن للعيش في بيوت أخرى.
فيلم واحد من إيطاليا «بيراناز» وآخر من إسرائيل «مرادفات» يكملان القائمة المتسابقة هذا العام. وحقيقة أن عدد الأفلام المتسابقة لا يزيد عن سبعة عشر، كما تقدم، إيحاء آخر بأن المهرجان واجه صعاباً في سبيل البحث عن أعمال مناسبة تلائم تاريخه.
على ذلك، لا يجب أن نعتبر هذه التكهنات حقيقة. هي إيحاءات نتداولها حباً بالمهرجان ورغبة منا في أن نبدأ السنة الجديدة بمفاجآت سينمائية رائعة.


مقالات ذات صلة

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».