مساعد وزير الخزانة الأميركية: نريد منع «حزب الله» من استخدام المصارف اللبنانية

قال إن الحكومة لا تعرف ماذا يجري في مطار بيروت والمرافئ

مارشال بيلينغسلي
مارشال بيلينغسلي
TT

مساعد وزير الخزانة الأميركية: نريد منع «حزب الله» من استخدام المصارف اللبنانية

مارشال بيلينغسلي
مارشال بيلينغسلي

أعلن مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي، أمس، أنه زار لبنان لبحث «قضايا محددة» تتعلق بمنع «حزب الله» من النفاذ إلى القطاع المصرفي اللبناني، معتبرا هذا الأمر «أولوية أميركية»، ومشددا على أن مساعي بلاده بدأت تثمر في منع الحزب من استعمال المصارف اللبنانية إلى حد كبير، وفي تقليل حجم الأموال التي تصل إليه من إيران لاستعمالها في تمويل «أنشطته الإرهابية».
ورفع المسؤول الأميركي النبرة عاليا حيال «حزب الله» واصفا إياه بـ«السرطان الإيراني الذي يفتك بالديمقراطية اللبنانية». ونفى في لقاء على طاولة مستديرة شاركت فيها «الشرق الأوسط»، في السفارة الأميركية في بيروت، أمس، استهداف الولايات للقطاع المصرفي أو نيتها تخفيف الدعم للجيش اللبناني. وقال: «دعمنا للجيش اللبناني وللقطاع المالي في لبنان هو دعم ثابت. الجنرال فوتيل كان هنا من أجل دعم العلاقات العسكرية وأنا هنا من أجل متابعة البحث في تقوية العلاقات وفي تعزيز قدرة الحكومة اللبنانية والمصارف على مكافحة غسل الأموال».
ورفض الخوض فيما ستقوم به الولايات المتحدة في حال تولي «حزب الله» وزارة الصحة. وقال: «فلننتظر تشكيل الحكومة أولا. نحن نشعر أن الحكومة هي أولوية ونشجع تأليفها في أسرع وقت ممكن وعندما تتألف الحكومة فسوف نرى أي الوزارات سوف يتولاها الحزب، ولا أريد التنبؤ بأفعالنا لكني سأقول إنه إذا حاول (حزب الله) أن يستغل وزارته، وهو سيفعل ذلك، من أجل الحصول على أموال أو دعم أنشطة تخدم أعماله الإرهابية فعندها سنكون أمام مشكلة حقيقية».
ونفى بشدة «الادعاءات حول أن حضوره إلى لبنان هو لمنع تشكيل الحكومة». وقال: تشكيل الحكومة قرار سيادي لبناني يتخذه القادة اللبنانيون المنتخبون. نحن نعتقد أن تشكيل الحكومة حاجة ملحة لأن هناك مشكلات اقتصادية ضاغطة ويجب أن تعالج، وأن يتم اتخاذ إجراءات ضرورية لكبح الفساد من أجل تعبيد الطريق أمام تدفق الاستثمارات وتخفيض الدين العام وهذا كله غير ممكن في غياب حكومة. وأضاف: «في التسعة أشهر الماضية استمر (حزب الله) في جلب أموال من خارج النظام المصرفي واستعملها لتمويل أنشطته المخلة والمضرة بمصالح لبنانيين وهذا ما يجب أن يتم التصدي له، وهذا التصدي يجب أن يكون من خلال منع وجود حسابات مصرفية لا يعرف أصحابها، ونعتقد أن من الضروري سن تشريعات تمنع وجود حسابات مجهولة في المصارف وأن تتمكن الحكومة من التصدي لهذه النشاطات. وقد ناقشت مع المسؤولين اللبنانيين ومختصين ضرورة إيجاد هذه التشريعات». وتابع: «نحن نعلم أن هناك نشاطات لـ(حزب الله) خارج القطاع المصرفي وهناك عمل كثير يجب القيام به لكبح هذه النشاطات وعلينا أن نعي أن هذه المشكلة حقيقية تواجه الحكومة، حيث إن هذه الأموال تمر خارج النظام المالي وهذا ما يُفقدها العائدات الضريبية التي يجب أن تُستعمل من أجل مصلحة الشعب اللبناني. صراحة لا أعتقد أن الحكومة اللبنانية تعرف ماذا يجري في بعض مرافقها، في المطار وفي المرافئ، وهذه مسائل مهمة جدا يجب علينا التصدي لها. وعما إذا كان هذا يعني أن أميركا تطالب برفع السرية المصرفية في لبنان قال إن الأمر أبعد من ذلك وكل ما نريده ألا يكون هناك شيء اسمه حسابات سرية لا نعرف من يستفيد منها وهذا الأمر لا يضر بالسرية المصرفية المعتمدة».
وعن طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع حلفاء «حزب الله» قال: نحن نعرف أن التركيبة اللبنانية معقدة لكن هناك معايير ومفاهيم عامة يجب أن تعتمد والقصة الخيالية عن أن «حزب الله» يقوم بشيء آخر غير الإرهاب يجب أن نتخلى عنها. نحن لا مصلحة لنا بتاتا في حصول انهيار مالي في لبنان. لكن في الوقت نفسه نحض الأطراف في لبنان على إبلاغ الحزب بضرورة البقاء بعيدا عن القطاع المصرفي، لأنهم إن لم يفعلوا ذلك فسوف يتسببون في مشكلات كبيرة للمصارف اللبنانية وللاقتصاد اللبناني. فإذا واجهت المصارف مشكلة بسبب هذا فإن الحزب هو المسؤول عنها.
ورفض «التنبؤ» بعقوبات قد تفرض على المصارف اللبنانية، لكنه قال: «أنا هنا من أجل بحث قضايا محددة للحرص على معالجتها من قبل السلطات اللبنانية ومصرف لبنان. لدينا ثقة كبيرة بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ونائبه الأول محمد غزيري. وبسبب متانة هذه العلاقة نحن قادرون على التعاطي مع القضايا قبل أن تتحول إلى أزمات. وعندما نطلب من القادة اللبنانيون القيام بخطوات قاسية، فإننا نعي أيضا أنهم يعيشون هنا تحت ضغط الخطر المباشر الجسدي والمعنوي من قبل إرهاب (حزب الله) الذي يهدد المصارف».
وعن التقارير الأجنبية التي تتحدث عن انهيار اقتصادي في لبنان، قال بيلينغسلي: «الاقتصاد اللبناني ليس منهارا، هناك تحديات نعمل على مواجهتها، فمثلا انخفاض معدل الائتمان هو مصدر قلق كبير ولكن عندما يتم تشكيل الحكومة سنرى كثيرا من الثقة التي عبرت عنها السوق وسيتم إحراز تقدم كبير في اثنين من القضايا المالية الرئيسية وأنا متفائل جدا».
ورفض المسؤول الأميركي بشدة «خرافة» وجود جناح عسكري وآخر سياسي لـ«حزب الله»، مؤكدا أن كل النشاطات الإرهابية التي يقوم بها الحزب مصرح بها من قبل قيادته العليا، ومن نصر الله تحديدا. وقال: «لقد أبلغنا الأوروبيون هذا، وقد سررنا للغاية مؤخرا بانضمام عدة دول خليجية إلينا في وضع قيادة (مجلس شورى حزب الله) على لوائح الإرهاب (...) ونحن لن نتوقف حتى نمنع عنه تماما أي تمويل عبر المؤسسات المالية اللبنانية». وشدد بقوة على أن الولايات المتحدة «لا تستهدف المصارف الشيعية أو اللبنانيين الشيعة، بل (حزب الله) فقط»، مؤكدا أن «حزب الله» منظمة إرهابية أسستها إيران لخلق المشكلات.



المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
TT

المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، مشددة على أن المسؤولية القانونية لن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل ستمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر، وموّلت وسهّلت التنفيذ.

وقالت إشراق المقطري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الجهات الوطنية المختصة تعمل على توثيق انتهاكات الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، وجمع الأدلة المتعلقة بجرائمها ضد المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية في البلاد.

أكد القاضية إشراق المقطري أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة (سبأ)

وأوضحت أن اليمن يحتاج إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية، مشيرة إلى أن خريطة الإصلاح التشريعي ترتكز على 3 مسارات: تحديث التشريعات السيادية والمؤسسية، وتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ومواكبة التحول الرقمي وحماية الحقوق.

تشوهات الانقلاب

وقالت إشراق المقطري إن انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية وحربها على الدولة أحدثا تشوهات عميقة في البنية الدستورية والمؤسسية؛ تمثلت في تعطيل مؤسسات الدولة، وتقويض استقلال القضاء، وفرض أجهزة موازية، ونهب الموارد العامة، وإصدار قرارات خارج إطار الدستور والقانون، إلى جانب انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وأضافت أن إعادة الاعتبار لسيادة القانون تبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتوحيد القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، وتمكين الحكومة الشرعية من ممارسة اختصاصاتها على كامل التراب الوطني.

وتابعت: «لا يمكن قيام دولة قانون في ظل ميليشيات طائفية مسلحة تفرض إرادتها بالقوة، وتتعامل مع مؤسسات الدولة ومواردها بوصفها أدوات لخدمة مشروعها».

كشفت الوزيرة أن الانقلاب الحوثي أحدث تشوهات عميقة في البنية الدستورية والمؤسسية (سبأ)

المسؤولية تطول القيادات

وعدّت الوزيرة الهجمات التي تنفذها الميليشيات الحوثية ضد المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية جرائم يعاقب عليها القانون اليمني، وانتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما عندما تستهدف المدنيين والأعيان المدنية، أو تُنفذ بصورة عشوائية أو غير مناسبة.

وشددت على أن المسؤولية «لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر وموّلت وسهّلت التنفيذ».

وأكدت أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، كما لن تمحو حقوق الضحايا أو تحول دون ملاحقة المسؤولين عنها ومساءلتهم.

توثيق جرائم الحوثيين

وعن توثيق الانتهاكات، أفادت إشراق المقطري بأن الجهات الوطنية المختصة تجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم التي ارتكبتها الميليشيات الحوثية، موضحة أن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، بوصفها جهة وطنية مستقلة ومختصة ومعتمدة لدى مجلس حقوق الإنسان، تضطلع بدور أساسي في التحقيق والتوثيق وفق المعايير القانونية الدولية.

وأضافت أن وزارة الشؤون القانونية تعمل، في حدود اختصاصها وبالتنسيق مع الجهات المعنية، على تعزيز الأساس القانوني لهذه الجهود، بما يحفظ حق الدولة والضحايا في المساءلة، ويتيح الاستفادة مستقبلاً من الملفات الموثقة أمام القضاء الوطني والهيئات والآليات الدولية المختصة.

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

إجراءات فاقدة المشروعية

ورفضت إشراق المقطري وصف الوضع القائم قانوناً بوجود «سلطتين»، موضحة أن السلطة الشرعية هي السلطة الدستورية التي تُمثل الدولة اليمنية، وتحظى بالاعتراف الوطني والدولي، في حين أن الميليشيات الحوثية جماعة انقلابية متمردة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، ولا تكتسب من ذلك أي شرعية دستورية أو قانونية.

وبناءً على ذلك، قالت إن الميليشيات لا تملك صلاحية التشريع أو تعديل النظام القانوني للدولة، وإن الإجراءات التي أصدرتها في المسائل السيادية، أو التي مسّت مؤسسات الدولة والحقوق والحريات والأموال العامة، فاقدة السند الدستوري والمشروعية.

وأشارت إشراق المقطري إلى أنه عند استعادة مؤسسات الدولة في صنعاء ستخضع جميع تلك الإجراءات لمراجعة قانونية منظمة، مع مراعاة حماية حقوق المواطنين حسني النية، واستقرار معاملاتهم المدنية والإدارية اليومية، من دون إضفاء أي شرعية على الانقلاب أو آثاره.

مراجعة تشريعية شاملة

ووفق الوزيرة، فإن اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية التي لم تعد بعض القوانين النافذة قادرة على استيعابها.

وأوضحت أن وزارة الشؤون القانونية بدأت بالفعل ممارسة صلاحياتها في هذا الجانب، من خلال مراجعة القوانين التي تحتاج إلى تحديث أو تعديل، وإعداد قائمة بالتشريعات ذات الأولوية.

وذكرت أن لجاناً فنية تشريعية في الوزارة تعمل حالياً على هذه القوانين، وفقاً للأولويات الوطنية واحتياجات مؤسسات الدولة والمجتمع.

وزيرة الشؤون القانونية بمعية رئيس الوزراء في مناسبة أخيرة بالعاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

3 مسارات للإصلاح

وبشأن خريطة الإصلاح التشريعي، قالت إشراق المقطري إنها ترتكز على 3 مسارات، تشمل تحديث التشريعات السيادية والمؤسسية، وتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ومواكبة التحول الرقمي وحماية الحقوق.

وأوضحت أن الأولويات تشمل تنظيم حماية البيانات والمعلومات الشخصية، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وصياغة التشريعات المنظمة لقطاع النفط، وزراعة الأعضاء البشرية، وصندوق دعم مرضى السرطان، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب مراجعة قوانين الصحافة والإعلام والاستثمار.

وأضافت: «نعتمد في ذلك على تحديد الحاجة التشريعية الفعلية، ومدى قدرة القانون على حماية المصلحة العامة، ومواكبة احتياجات الدولة والاقتصاد والمجتمع».

حماية المال العام

ووصفت الوزيرة القانون بأنه الأساس الذي يمنح الإصلاحات الاقتصادية مشروعيتها واستدامتها، مؤكدة أنه لا يمكن حماية المال العام أو مكافحة الفساد من دون رقابة فاعلة ومساءلة حقيقية.

ولفتت إلى أن الدولة تمتلك جانباً مهماً من الأطر القانونية المنظمة للرقابة والمناقصات والمحاسبة، لكن الإشكالية الأساسية تكمن في ضعف التنفيذ، وتداخل الاختصاصات، وبطء إجراءات المساءلة.

وأفادت بأنه ضمن توجه الحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، تمارس وزارة الشؤون القانونية حالياً مهامها الأصيلة في المراجعة القانونية للعقود الجديدة التي تعتزم مؤسسات الدولة إبرامها، للتحقق من سلامتها، وحماية حقوق الدولة والمال العام، ومنع ترتيب التزامات مالية أو قانونية غير واضحة أو مخالفة للتشريعات النافذة.

قالت وزيرة الشؤون القانونية إن ملف العدالة الانتقالية سيكون في مقدمة التحديات المقبلة (سبأ)

العدالة لا تعني الإفلات من العقاب

وشددت إشراق المقطري على أن اليمن بحاجة ملحّة إلى مشروع وطني شامل للعدالة الانتقالية، يضع الضحايا وحقوقهم في صميم أي عملية سياسية، ويشمل كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر ورد الاعتبار والإصلاح المؤسسي وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وأكدت أن المصالحة لا تعني طمس الجرائم أو المساواة بين الدولة وميليشيات انقلابية حملت السلاح ضدها، كما لا يجوز أن تتحول التسوية السياسية إلى غطاء لمنح الحصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، على حد تعبيرها.

وقالت: «السلام المستدام لا يقوم على النسيان أو الإفلات من المساءلة، وإنما على الإنصاف وحفظ حقوق الضحايا وبناء دولة تحمي مواطنيها بالقانون».

ملفات ما بعد الحرب

وتوقعت الوزيرة أن تتمثل أصعب الملفات في معالجة آثار القرارات التي أصدرتها الميليشيات الحوثية في مناطق سيطرتها، ونزع السلاح وحصره في مؤسسات الدولة، واستعادة الأموال والأصول العامة، وتسوية أوضاع الموظفين والعسكريين، ومعالجة قضايا الملكية والمصادرات والنازحين والمفقودين والمحتجزين.

واختتمت بتأكيد أن ملف العدالة الانتقالية سيكون في مقدمة هذه التحديات؛ لأن نجاح أي تسوية سيُقاس بقدرتها على استعادة الدولة ومؤسساتها، وحماية الحقوق، ومنع الإفلات من المساءلة، وليس مجرد وقف العمليات العسكرية.


نازحو عدن ينتقلون من التلقي إلى المشاركة المجتمعية

اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
TT

نازحو عدن ينتقلون من التلقي إلى المشاركة المجتمعية

اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)

في أحد مواقع النزوح بمدينة عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، لم يعد دور السكان يقتصر على انتظار المساعدات أو تلقي الخدمات؛ إذ بات بعضهم يشارك بصورة مباشرة في تحديد احتياجات مجتمعه ونقلها إلى السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، في تجربة تسعى إلى تحويل النازحين «من متلقين للاستجابة» إلى «شركاء في تنظيمها».

ومن داخل مخيم «الشروق»، يقود سميح، الذي نزح من منزله عام 2015، لجنة مجتمعية تمثل السكان وتعمل حلقة وصل بينهم وبين إدارة الموقع والجهات الإنسانية والسلطات المحلية.

ويقول سميح إن نقص الخدمات يمثل التحدي الأكبر أمام سكان المخيم، مشيراً إلى أن وجود لجنة منتخبة من المجتمع يساعد على إيصال الاحتياجات بصورة أعلى تنظيماً إلى الجهات المعنية.

ويضيف: «أنسق مع مختلف الشركاء ومدير المخيم، وأساعد في تيسير تنفيذ الأنشطة».

وتأتي تجربة سميح ضمن نموذج أوسع لتشكيل لجان مجتمعية في مواقع النزوح؛ بهدف إشراك السكان في تحديد أولوياتهم والإسهام في القرارات المرتبطة بالخدمات التي يحتاجون إليها.

نازحون يعيشون في مواقع تفتقر إلى الخدمات الأساسية في عدن (إعلام محلي)

وتُختار اللجان من داخل المجتمعات النازحة في عدن؛ إذ يرشح السكان أشخاصاً يثقون بهم ويعرفون طبيعة المشكلات التي تواجههم، قبل اختيار ممثليهم في عملية تهدف إلى نقل مطالب السكان إلى مقدمي الخدمات والسلطات.

وترى الجهات الإنسانية العاملة في إدارة وتنسيق مواقع النزوح أن إشراك السكان في هذه العملية يساعد على تحسين التواصل، وفهم الاحتياجات بصورة أدق، وتعزيز المساءلة تجاه الخدمات المقدمة.

وتعكس مسيرة سميح هذا التحول؛ فقد بدأ بالمشاركة في الأنشطة المجتمعية، قبل أن يختاره سكان منطقته رئيساً لـ«اللجنة».

ويقول عن دوافعه لتولي هذه المسؤولية: «لأنني أحب خدمة مجتمعي ودعم النازحين. وبصفتي شخصاً عانى من النزوح، فأنا أتفهم معاناتهم».

ولا تقتصر مهمة «اللجنة» على نقل الاحتياجات، بل تشمل أيضاً العمل على ضمان مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأضعف في النقاشات المتعلقة بالخدمات والقرارات التي تمس بحياتهم اليومية.

ويقول سميح: «نشركهم في اجتماعات دورية، ونضمن مشاركتهم الفعالة في تحديد احتياجات المنطقة».

ويرى أن هذا النهج جعل سكان الموقع أكبر حضوراً في القرارات المتعلقة بحياتهم اليومية، بدلاً من أن تقتصر «الاستجابة الإنسانية» على قرارات تتخذها جهات خارج المجتمع.

التدريب يعزز المهارات

وتتصل تجربة اللجان المجتمعية بجهود أوسع لتحسين إدارة مواقع النزوح في عدن، من خلال تعزيز التواصل بين النازحين والمجتمع المضيف والسلطات والمنظمات الإنسانية.

وفي مايو (أيار) الماضي، شارك سميح، إلى جانب ممثلين آخرين عن المجتمعات المحلية، في تدريب بشأن إدارة وتنسيق المخيمات، تناول مبادئ التواصل والتنسيق والمشاركة المجتمعية وحل المشكلات.

ويقول إن التدريب منحه مهارات جديدة وفهماً أوسع لطبيعة العمل الإنساني، مضيفاً: «تلقيت تدريباً على بناء القدرات واكتسبت معرفة واسعة في مجال العمل الإنساني».

تجربة اللجان المجتمعية في عدن ساعدت على تحديد احتياجات السكان (إعلام محلي)

وتعمل منظمة «أكتد»، من خلال مشروع ممول من «الاتحاد الأوروبي»، على تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في مواقع النزوح، وإنشاء لجان تمثل السكان، وتحسين قنوات التواصل معهم بهدف نقل احتياجاتهم إلى مقدمي الخدمات والسلطات.

ووفق بيانات المنظمة، فقد استفاد أكثر من 89 ألف شخص في 101 موقع نزوح من أنشطة المشروع، التي شملت تنسيق المواقع، وإشراك المجتمعات المحلية، والإحالة، وتحسين البنية التحتية وأعمال الصيانة.

كما تضمنت الأنشطة تدريب 434 من أصحاب المصلحة في إدارة وتنسيق مراكز الإيواء، والتعامل مع أكثر من 6700 شكوى وحالة تقييم، في مسعى لتعزيز المساءلة وتحسين وصول النازحين إلى الخدمات.

من متلقين إلى شركاء

تكتسب هذه الجهود أهمية في ظل استمرار أزمة النزوح بوصفها من أكبر التحديات الإنسانية في اليمن، حيث يعيش ملايين الأشخاص بعيداً عن منازلهم، فيما تفتقر مواقع نزوح كثيرة إلى الخدمات الأساسية.

وكان سميح واحداً من هؤلاء الذين أجبرهم النزاع على ترك منازلهم عام 2015، قبل أن يصل إلى عدن برفقة أسرته المؤلفة من 8 أفراد ويبدأ حياة جديدة في ظروف النزوح.

عائلة يمنية شردها الحوثيون تعيش تحت إحدى الصخور الضخمة (إعلام محلي)

لكن السنوات التي قضاها في موقع النزوح دفعته إلى الانتقال من البحث عن الخدمات لنفسه وأسرته إلى تمثيل سكان الموقع والتواصل نيابة عنهم مع الجهات الإنسانية والسلطات المحلية.

ويقول إن التدريب والخبرة اللذين اكتسبهما ساعداه، إلى جانب أعضاء «اللجنة»، على التعامل مع المشكلات الداخلية وإدارة جانب من شؤون المخيم.

ويأمل استمرار التنسيق بين اللجان المجتمعية والسلطات والمنظمات الإنسانية، بما يضمن وصول الخدمات إلى الأسر النازحة ويمنح السكان دوراً أكبر في تحديد أولوياتهم والتعامل مع المشكلات التي تواجههم.


حصيلة دامية لانتهاكات الحوثيين بحق اليمنيين

أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)
أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)
TT

حصيلة دامية لانتهاكات الحوثيين بحق اليمنيين

أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)
أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وثقت تقارير حقوقية يمنية مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين منذ انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة، إلى جانب آلاف الانتهاكات المرتبطة بالمساجد والأوقاف وحرية المعتقد، في حصيلة تعكس اتساع نطاق الانتهاكات التي تقول منظمات حقوقية إنها طالت المدنيين والمنشآت الدينية خلال أكثر من عقد من الحرب.

وقالت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» إنها وثقت نحو 58 ألفاً و904 جرائم قتل وإصابة ارتكبتها الجماعة الحوثية خلال الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) 2015 وحتى النصف الأول من عام 2026.

وبحسب الشبكة، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 15 ألفاً و478 مدنياً، بينهم 1216 امرأة و943 طفلاً، وإصابة 35 ألفاً و654 مدنياً، بينهم 6348 امرأة و4283 طفلاً.

حشد حوثي في صنعاء دعا له زعيم الجماعة لتأييد التصعيد العسكري (أ.ف.ب)

وتكشف الحصيلة، وفقاً للتقرير، جانباً من الخسائر البشرية التي تكبدها المدنيون خلال سنوات الحرب، فيما لا تزال الألغام التي زرعتها الجماعة في مناطق سكنية وزراعية وطرق رئيسية تشكل خطراً مستمراً على السكان، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية.

ووثقت الشبكة 1637 حالة وفاة جراء الألغام، بينهم 213 طفلاً و198 امرأة، إضافة إلى إصابة 6135 مدنياً، بينهم 741 طفلاً و362 امرأة.

مخاطر ممتدة

أشارت الشبكة الحقوقية إلى أن أكثر من 798 شخصاً، بينهم نحو 397 طفلاً، تعرضوا لإعاقات دائمة نتيجة هذه الألغام، الأمر الذي يضاعف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية على الأسر ويعقد عودة السكان إلى مناطقهم وممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

عنصر من فرق نزع الألغام التي زرعها الحوثيون في اليمن (الشرق الأوسط)

وتقول الشبكة إن انتشار الألغام في القرى والمزارع والمناطق السكنية والطرق يجعل آثار الحرب ممتدة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية، إذ يظل المدنيون معرضين للخطر حتى في المناطق التي لم تعد تشهد مواجهات مباشرة.

ودعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الفاعلة إلى اتخاذ إجراءات «عاجلة وملموسة»، وعدم الاكتفاء بالإدانة أو التعبير عن القلق، والضغط على الحوثيين للالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان حماية المدنيين وعدم استخدام المناطق السكنية والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية.

المساجد تحت قبضة الجماعة

في تقرير حقوقي آخر، وثقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» 4651 جريمة وانتهاكاً قالت إنها ارتكبتها الجماعة الحوثية في 14 محافظة، خلال الفترة من يناير 2014 حتى 21 أغسطس (آب) 2026.

وتركز التقرير، الذي صدر بالتزامن مع اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين أو المعتقد، على ما وصفه بانتهاكات طالت الأئمة وخطباء المساجد والأقليات الدينية، وقال إنها تعكس سياسة منظمة للسيطرة على المساجد والمنابر والأوقاف وإقصاء المخالفين وفرض خطاب مذهبي يتضمن التحريض والتعبئة العسكرية.

ووفق المؤسسة، شملت الحصيلة مقتل 311 شخصاً وإصابة 231 آخرين، فضلاً عن اختطاف واحتجاز 679 شخصاً، بينهم 143 تعرضوا للتعذيب، توفي 13 منهم.

من آثار الهجمات الحوثية على مدينة المخا اليمنية (أ.ف.ب)

كما وثقت فرض 938 إماماً وخطيباً موالياً للجماعة بالقوة، وتحويل 491 مسجداً إلى ثكنات عسكرية، واستخدام 114 مسجداً غرفاً للعمليات، إلى جانب 902 واقعة اعتداء وتدنيس وتحويل مذهبي.

وشملت الانتهاكات، بحسب التقرير، مصادرة 832 مكتبة مسجد والاستيلاء على 151 مرفقاً وسكناً ووقفاً دينياً، فضلاً عن حالتي سب وتشهير مباشرتين، مع استمرار التضييق على البهائيين.

وتتهم المؤسسة الحقوقية الحوثيين بتحويل المساجد، التي يفترض أن تكون أماكن للعبادة، إلى أدوات للسيطرة الاجتماعية والتعبئة والتحريض والعسكرة، في سياق أوسع من إعادة تشكيل المجال الديني في المناطق الخاضعة للجماعة.

وحذرت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية من أن بعض هذه الانتهاكات قد ترقى، بحسب ظروف كل واقعة، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مطالبة بالإفراج الفوري عن المختطفين والكشف عن مصير المخفيين ووقف عسكرة المساجد وفرض الخطباء.

كما دعت إلى إعادة الأوقاف والمكتبات التي قالت إنها صودرت، وإنشاء آلية دولية لجمع الأدلة ومحاسبة المسؤولين، بما يمنع الإفلات من العقاب.