منبج... نقطة تماس بين أميركا وروسيا وتركيا في شمال سوريا

«الشرق الأوسط» تستطلع موقع التفجير الانتحاري وخطوط الانتشار بين قوات دول كبرى

سوق الخضار الرئيسي في مدينة منبج (الشرق الأوسط)
سوق الخضار الرئيسي في مدينة منبج (الشرق الأوسط)
TT

منبج... نقطة تماس بين أميركا وروسيا وتركيا في شمال سوريا

سوق الخضار الرئيسي في مدينة منبج (الشرق الأوسط)
سوق الخضار الرئيسي في مدينة منبج (الشرق الأوسط)

على رصيف مستشفى الأمل وسط مدينة منبج التابعة لريف حلب الشرقي، أجهش رجل أربعيني بالبكاء بحرقة وحزن شديدين، بعدما آلت ابنته الصغيرة سحر ووالدتها إلى أشلاء. وضعوها في صندوق مخصّص للموتى، حيث إنهما لقيا مصرعيهما بالتفجير الانتحاري الذي وقع الأربعاء الماضي أمام مطعم قصر الأمراء وسط مدينة منبج راح ضحيته 15 قتيلاً، كان من بينهم أربعة أميركيين.
سحر كانت تبلغ من العمر 13 ربيعاً طالبة بالمعهد المتوسط. وبعد انتهاء دوامها الصباحي، ذهبت والدتها لتصحبها إلى المنزل خشية من الأوضاع الأمنية المتردية في مسقط رأسها منذ أشهر، لكن الموت كان أسرع من طريق العودة، فيما لم يتبقَ للأب المفجوع سوى الذكريات.
وبصوت مصحوب بالحزن وعيون تذرف الدموع، قال حسين والد سحر الذي خط الشيب شعره وذقنه: «يا ريت لو كنت معهم لحظة الانفجار وارتحت من هذا العذاب. ماذا بقي لي من أعزّ الناس على قلبي، ذكريات مثقلة والقليل من الصور التي سأبقى طوال حياتي أعيش بعذاب فراقها».
فالهجوم الذي وقع في مركز مدينة منبج بوضح النهار، كان الأكبر من حيث عدد القتلى الذين تعرضت له القوات الأميركية العاملة في سوريا منذ انتشارها هناك عام 2015، في مدينة تسيطر عليها «قوات مجلس منبج العسكري»، المتحالفة مع «وحدات حماية الشعب» الكردية والمنضوية في صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
ويقول عبد الجيل (47 سنة) وهو سائق سيارة أجرة عمومي، الذي كان موجودا قرب مطعم قصر الأمراء لحظة وقوع الانفجار: «عادة تقوم دوريات أميركية بتفقّد أوضاع المدينة بعد تصاعد التهديدات التركية قبل أشهر، كانوا يتودّدون للسكان المحليين عبر شراء أطعمة ومشروبات محلّية، ولحظة دخولهم للمطعم قام الانتحاري بتفجير نفسه».
والهجوم تبنّاه تنظيم داعش بعد نحو شهر من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراره في 19 ديسمبر (كانون الأول) بسحب قوات بلاده البالغ قوامها ألفي جندي من سوريا معلنا هزيمة التنظيم هناك.
وذكر الطبيب أحمد (40 سنة) الذي يعمل في مشفى الأمل الخاص وسط منبج، أنّ الحصيلة النهاية كانت مقتل 15 شخصاً، «كان من بينهم مقتل 4 أميركيين، جنديان ومترجم مدني ومتعاقد، إلى جانب مقتل عنصرين من مجلس منبج العسكري المرافقين لهم، فيما راح ضحيتها 9 مدنيين».
ويروي أنّه لحظة الانفجار كان متواجداً بالمشفى، وأضاف: «شعرت بأنّ نوافذ المشفى والأبواب ستتعرض للخلع من شدة الصوت، بعد لحظات بدأت تصل الجثث والمصابون، واستنفر الطاقم الطبي واستدعي كلّ الأطباء»، وبحسب الطبيب المناوب وصل يومذاك إلى المستشفى أكثر من 15 جريحاً، مشيرا إلى أنّ: «من بينها كانت هناك 5 حالات حرجة، إحداها فارقت الحياة عند منتصف الليل، لترتفع الحصيلة إلى 15 ضحية».
وتضم مدينة منبج ومحيطها قواعد ومقرات عسكرية لقوات التحالف لا سيما الأميركية، ونادراً ما تُستهدف بتفجيرات من هذا النوع، منذ طرد تنظيم داعش سنة 2016. والعملية الانتحارية فتحت باب التساؤل لدى المراقبين والمتابعين، ما إذا كانت واشنطن ستنفّذ قرارها بسحب قواتها من سوريا بحجة أنّ تنظيم داعش قد تمت هزيمته.
بينما نقل عبد الجبار (30 سنة) والذي يمتلك متجراً لبيع الألبان والاجبان، إنه ومنذ وقوع التفجير الانتحاري أغلق محله، لكنه عاد وفتحت من جديد وأعرب عن قلقه قائلاً: «حركة السوق ضعيفة وتكاد تنعدم البيع والشراء، وعلامات الخوف والقلق ارتسمت على وجوه الجميع».
وفي الآونة الأخيرة صعّدت تركيا من تهديداتها للقيام بهجمات على منبج لطرد القوات المتحالفة مع «وحدات حماية الشعب» الكردية منها، وكانت قد حشدت نحو 8 آلاف مسلح من الفصائل السورية الموالية لها على طول خط نهر الساجور، مهددة بالدخول إلى منبج خلال أيّام معدودة.
وأكد إبراهيم (57 سنة) والذي يمتلك متجراً للذهب وتحويل الأموال، أن غالبية سكان المدينة ليسوا مع دخول فصائل درع الفرات والجيش التركي، وقال: «ينقل أصدقاء من هناك لي صورة الفوضى التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة درع الفرات، حروب وسرقة وخطف وسطوا بقوة السلاح، أما منبج تديرها قوة عسكرية منضبطة وجهاز أمني وإدارة مدنية تحظى بقبول من أبناء المدينة».

خوف ورعب
حركة غير اعتيادية في ساحة منبج المركزية وتحديداً أمام شارع مطعم قصر الأمراء. السادس عشر من يناير (كانون الثاني) الجاري يوم غيّر معادلة الحياة في المدينة التي قد تشعل شرارة حرب عالمية ثالثة مصغرة. وارتسمت علامات الاستفهام والقلق على وجوه سكان المدينة، بعد وقوع عملية انتحارية راح ضحيتها مدنيون أبرياء وجنود أميركيون، مخلفة حالة من الفزع في قلوب الأهالي، وزادت حالة الحيرة والترقب بعد التقلبات الميدانية التي تعيشها المدينة ومنطقة شرقي الفرات.
وفي المطعم الذي تعرض للانفجار قبل أيّام، يقف عامل على سلم يقوم بتلبين الجدران التي تهاوت من شدة التفجير، فيما انشغل معلم الديكور بتنظيف سقفه الذي احترق معظمه، بينما كان عمال المطعم منشغلون بإزالة الركام والدمار، وكان يقف على مقربة منهم صالح اليوسف (32 سنة) صاحب مطعم قصر الأمراء يتابع أعمال الصيانة والإصلاح يشرف على العمال.
يروي صالح كيف أنه نجا بأعجوبة من العملية الانتحارية وموت محقق، وأنّ الدورية الأميركية كانت تأتي في الأسبوع مرتين لسوق المدينة، وكانوا يتبضعون يومي الأحد والأربعاء من السوق لشراء حاجاتها بعد الانتهاء من مهمتها، وقال: «أثناء عودتهم قصدوا مطعمي لتناول وجبة الغداء، وعندما وصل الأميركان ذهبت إلى المطبخ لتفقد طلبتهم، ووقع الانفجار وسقطت على الأرض من شدة الانفجار، وأغمي عليه وأسعفوني إلى المستشفى».
ونشر نشطاء وصفحات التواصل الاجتماعي الجمعة الماضي، مقطع فيديو أظهر لحظة وقوع التفجير الانتحاري والذي أودى بحياة جنود أميركيين و9 مدنيين ومقاتلين من قوات «مجلس منبج العسكري»، ولم يتم التأكد من هوية منفذ العملية وجنسه ما إذا كانت سيدة أو رجل، وتشرف قوات التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية على سير التحقيقات.
ولم يخف صالح أنّ الحادثة تسببت بنشر حالة من الخوف والرعب بين الناس: «منذ 8 سنوات ونحن نعيش بين الموت، شاهدنا الموت بقصف الطيران الحربي والعبوات الناسفة والصواريخ وقذائف الهاون، لكنها المرة الأولى التي أتعرض فيها لحادثة انفجار حزام ناسف»، مؤكداً أنّ الحياة ستستمر.
وأضاف: «كما تشاهد، نعيد ترميم المطعم ما جنينياه خلال عشرات السنوات دمر في لحظة، لكن نشكر الله ونحمده».
وكانت تعد منبج نقطة جغرافية مهمة في شمال سوريا، إذ استخدمها تنظيم داعش سابقاً لاستقبال وإرسال عناصره من وإلى سوريا، وخاصة أولئك القادمين من أوروبا وباقي أنحاء العالم، إلا أن «قوات سوريا الديمقراطية التي دعمها طيران التحالف الدولي تمكنت من طردها منذ عام 2016».
أما حسن (47 سنة) والذي كان منشغلاً بإصلاح واجهة ستوديو التصوير الذي يمتلكه، ويقع بجوار المطعم الذي تعرض للانفجار، يروي التفاصيل الأولى للحادثة، ليقول: «لحظة وقوع الانفجار كنت داخل المحل، تطايرت الشظايا بسرعة مثل الرصاص، وتعرضت النوافذ والأبواب للكسر من شدة الضغط، ركضت إلى المكان ولكني وجدت الجثث ملقاة في كل مكان»، ووصف اللحظات التي عاشها كأنه يوم الحشر، يضيف: «كأنها القيامة، فالجثث كانت متقطعة ولم يتبق منها سوى الأشلاء، كنت أركض فوق الموتى لأسعف الجرحى والمصابين على قيد الحياة، حملت أطفالاً بعمر الربيع كانوا يتنفسون أنفاسهم الأخيرة».
وسادت حالة من الخوف والترقب عند أصحاب المحال والأهالي الذين كانوا يتبضعون بالسوق المركزي لمنبج، ونقل الأهالي أنّ حركة المتسوقين وتنقلهم اقتصرت على شراء حاجات أساسية بعد تدهور الأوضاع الأمنية فيها.
يقول الصيدلي محمود (49 سنة) المتحدر من مدينة منبج، إنّ «الخيط الأبيض من الأسود بات ظاهراً للجميع، فالذين قاموا بالعملية ليسوا بشرا. من يستهدف المدنيين العزل ليس إنسانا، لأنه تسبب بمقتل 9 أبرياء لا ذنب لهم»، في إشارة إلى العملية الانتحارية التي تنباها تنظيم داعش المتطرف.
وأشار إلى أنّ سكان منبج والسوريين عموماً لم ينعموا بالاستقرار والأمان، وتابع حديثه ليقول: «بعد طرد (داعش) شهدت منبج ازدهاراً تجارياً وانتعاشا اقتصاديا، لكن منذ أشهر تحولت من جديد لساحة صراع تتنافس عليها جميع الجهات العسكرية المتصارعة»، ونقل أنّ سكان المدينة يخشون من عودة النظام ويعزو السبب إلى: «الكثير لم يخدم الجيش الإلزامي، وهناك نشطاء مطلوبون وهناك من عمل مع الجيش الحر و(داعش)، وحالياً مع الإدارة الذاتية. ففي حال عادت الأجهزة الأمنية هؤلاء بالدرجة الأولى يخافون من عودته».
وتعد مدينة منبج خطا اقتصاديا ساخناً تربط مدينة حلب البوابة التجارية لسوريا بطرفي نهر الفرات الشرقي والغربي منه، وممراً تجارياً يربط شمال سوريا بشرقه. وفي سوق المدينة، ينتشر عناصر من قوات الأمن الداخلي وشرطة المرور ينظمون السير رغم ضعف الحركة المرورية بعد الانفجار.
ويرى شوقي محمد الخبير في اقتصاديات الطاقة والنفط، أنّ الحالة السورية عموما ومنبج خصوصا، باتت معقّدة ولم يعد بالإمكان التكهّن بمجريات الأحداث، ويعزو السبب إلى «تقاطع مصالح اللاعبين الدوليين والإقليميين وتعارضها بالوقت نفسه على الساحة السورية».
ويرى أنّ التفوّق النوعي للعنصر الأميركي اليوم يجعل من الإدارة الأميركية الأكثر قدرة بالتحكم في سير الأحداث والضغط على باقي الأطراف، ويضيف: «لا أعتقد أن واشنطن ستنفذ قرار الانسحاب كما تشتهيه بعض الأطراف، ومردّ ذلك أنّ تهديد تنظيم داعش لا يزال قائما من جهة، والتهديد الإيراني وتوغله في الجغرافيا السورية من جهة ثانية».
وتقع منبج عند ملتقى ثلاث مناطق نفوذ منفصلة للروس والأتراك والأميركيين. وانسحاب القوات الأميركية قد يؤدي إلى مواجهة محتملة بين «وحدات حماية الشعب» الكردية مع تركيا، ويفتح الطريق أمام اتساع نطاق النفوذ الروسي والإيراني في المناطق التي ستغادرها القوات الأميركية.
فإعلان ترمب بسحب قوات بلاده من سوريا، جاء لتبيان حقيقة واقعية من وجهة النظر الأميركية، مفادها أن تواجد قواتها صمّام الأمان لهذه المنطقة بحسب الخبير شوقي محمد، الذي أضاف: «هي رسالة قوية للحكومة السورية وحلفائها إيران وروسيا، بأن انسحابها يعني دخول القوات التركية والجيش الحر إلى منبج، ورسالة بالوقت نفسه للجانب التركي بأنّ وجودها يعني عدم قدرة الجيش السوري السيطرة على المنطقة، وبالتالي عدم تمدّد النفوذ الإيراني لحدودها الجنوبية».

مجلس حكم
تتبع منبج مدينة حلب شمال سوريا، وتبعد عنها نحو 80 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي، كما تبعد 30 كيلومتراً فقط عن الحدود التركيّة. خرجت عن سيطرة النظام الحاكم في شهر يوليو (تموز) 2012، بعد أن حررتها فصائل من الجيش السوري الحر آنذاك، لتخضع صيف 2014 لسيطرة عناصر تنظيم داعش؛ لكن «قوات سوريا الديمقراطية» و«مجلس منبج العسكري» وبدعم من التحالف الدولي، تمكنوا من انتزاع منبج في 15 أغسطس (آب) 2016، وطرد عناصر التنظيم، بعد معارك عنيفة استمرت لأكثر من شهرين.
ومنذ بداية 2017 يتولى المجلس التنفيذي لمنبج وريفها إدارة المدينة، ويتشكل من 13 هيئة ولجنة خدمية، منها الصحة والتعليم وقوات الأمن الداخلي وهيئة العدالة وغيرها، وشكلت الإدارة جهازاً للشرطة وللمرور، يتلقى التدريب والدعم العسكري من التحالف الدولي.
ولدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» قال محمد خير الشيخو، الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي إنّ منبج جزء من سوريا تنتظر حلا شاملا، وقال: «الحلّ الوحيد هو جلوس السوريون على طاولة الحوار، لوضع حدّ للنزاع الدائر في بلدهم منذ 8 سنوات عجاف، لأنّنا نؤمن بالحوار السوري - السوري».
وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في تصريحات صحافية نشرت قبل يومين، إنّه أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اتصال هاتفي «استعداد تركيا لتولي الأمن في منبج السورية»، والتي شهدت مقتل أربعة أميركيين في تفجير وقع الأسبوع الماضي.
وفي رده على إعلان إنشاء منطقة آمنة، يقول محمد خير: «تركيا طالبت مراراً بمنطقة آمنة، والسؤال آمنة من أي طرف، تركيا تعتدي على الأراضي السورية وتحتل مناطق بريف حلب الشمالي وتصعّد من تهديداتها»، ونقل أنّ ميثاق مجلس سوريا الديمقراطية والمجلس التنفيذي يعمل تحت جناحيه، يتعهد بالحفاظ على علاقات حسن الجوار، منوها: «منذ سيطرة (قوات سوريا الديمقراطية) على الشريط الحدودي لم يهدّد أي طرف الأمن القومي التركي، ولم تطلق رصاصة واحدة على الجانب التركي».
وأكد رئيس المجلس التنفيذي أنّ التحالف الدولي والولايات المتحدة تدعمان المجلس خدميا عبر مشاريع إعادة استقرار المناطق المحرّرة من قبضة تنظيم داعش، وقال: «حتى اليوم لم تتوقف البرامج المخططة، ولا يزال الأميركان متواجدين على مستوى الموظفين والعاملين في هذه البرامج»، لكن الخطط المستقبلية والتي كانت عادة ما تتم مناقشتها مع بداية كلّ عام جديد، لافتا إلى أنّه: «لم يتم طرح أي مشروع أو تخصيص موازنة لتنفيذ برامج، ولم يبلغونا رسميا بجدول زمني لانسحابهم من منبج».
وكشف رئيس المجلس التنفيذي عن وجود حوارات مع محافظة حلب التابعة للحكومة السورية لعودة دائرة السجل المدني إلى مدينة منبج، وقال: «الكثير فقدوا هوياتهم جراء الحرب، أو عمرهم صار بسنّ الحصول على بطاقة شخصية ورقم وطني، حتى تاريخية لم نصدر أي بطاقة شخصية، على عكس مناطق ثانية والتي أصدرت هويات ووثائق رسمية»، مرحّباً بعودة مؤسسات الدولة الخدمية والتي باتت ضرورية لتقديم التسهيلات لسكان مدينة منبج، على حدّ تعبير محمد خير الشيخو.
وتشدّد قوات الأمن الداخلي من إجراءاتها الأمنية خشية وقوع المزيد من العمليات الانتحارية. وفي مدخل منبج الشرقي يطلب عناصر من الأسايش (شرطة كردية) يلبسون زيا موحدا الهويات الشخصية وتتأكد من أصحابها، كما تسيّر قوات النجدة دوريات داخل المدينة وفي مخارجها الرئيسية، إلا أنّ ذلك كله لا يهدئ من نفوس السكان القلقين بعد الانفجار حيث تسبب بنشر حالة من الخوف والرعب.
ونقلت ساجدة البالغة من العمر أربعين عاماً وكانت تلبس ثوباً أسود وغطاء رأس ملونا، أنّ الأوضاع الأمنية في مدينتها تدهورت منذ تصعيد تركيا تهديداتها بشن عملية عسكرية.
وقالت: «بعد سواد (داعش) شهدت منبج حالة من الهدوء والاستقرار، كّنا بألف خير. فمنذ أشهر وفي كل مساء لا نعلم من هي الجهة العسكرية التي ستدخل المدينة باليوم التالي، والله أعلم». تقع مدينة منبج على الطريق الدولي السريع، حيث يربط مدينة حلب بالمحافظات الشرقية الرقة ودير الزور والحسكة، وتتقاسم السيطرة عليها ثلاث جهات عسكرية متصارعة:
القوات النظامية المدعومة من روسيا تسيطر على ريفها الجنوبي أبرزها بلدات الخفسة ومسكنة، فيما تسيطر فصائل «درع الفرات» بدعم من الجيش التركي على غرب نهر الساجور، بينما تسيطر قوات «مجلس منبج العسكري» على مركز المدينة وريفها الشرقي والشمالي المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
ودعت قوات مجلس منبج العسكري الشهر الماضي القوات الموالية لدمشق لحماية منبج من هجوم تركي بعد تصعيد تهديداتها، وردت القوات الحكومية المدعومة من روسيا بنشر قواتها خارج المدينة، وتسيّر روسيا والقوات النظامية دوريات مشتركة على الحدود الفاصلة بين مناطق التماس الخاضعة لطرفي الصراع هناك، ويتقاسم «مجلس منبج العسكري» شرق نهر الساجور، فيما تسيطر «قوات درع الفرات» والجيش التركي على غرب النهر.
وعن عدد عناصر القوات الحكومية، قال علي أبو نجم نائب القائد العام لـ«مجلس منبج العسكري»، إن «عددهم لا يتجاوز 300 عنصر، ومعظمهم على خط التماس مع فصائل (درع الفرات) على الحدود الإدارية الفاصلة بين منبج وجرابلس - الباب، ومنطقة العريمة فقط». وأكد أنه خلال الاجتماعات الرسمية مع التحالف الدولي وأميركا: «لم تذكر جدولا زمنيا لانسحابها من منبج وشرق نهر الفرات، ولا تزال قوات التحالف تسير دوريات على طول خط التماس شرق نهر الساجور، في حين تسير روسيا والقوات النظامية دورياتها في مدينة العريمة حتى نقطة التقاء الساجور مع العريمة».
وذكر أن مجلسي الباب ومنبج المتحالفين مع قوات سوريا الديمقراطية، وبالتنسيق مع قوات النظام، «نشروا 5 نقاط مراقبة داخل العريمة، حتى المثلث الفاصل بين الجيش التركي وروسيا وأميركا»، منوهاً بأن القوات النظامية وروسيا كانت متواجدة سابقاً في العريمة، لكنها انسحبت قبل 6 أشهر: «اتصلنا مع الروس عبر قاعدة حميميم وطلبنا منهم بشكل رسمي عودة نقاط المراقبة ودخول الجيش السوري لحماية الحدود الفاصلة من التهديدات التركية».
وفي بدايات عام 2017، تشكل مجلس منبج العسكري من أبناء المدينة من العرب والأكراد وتلقى استشارات وتدريبات عسكرية من التحالف الدولي، وأعلن المجلس في بيان رسمي نشر على حسابه أمس أنه سيواصل العمل لـ«إحباط كل المؤامرات التي تستهدف إعادة الفوضى وضرب الأمن والاستقرار». ويبلغ عدد سكان منبج حسب الأرقام الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء عام 2004، ما يقارب 100 ألف نسمة، إلا أن هذا العدد تضاعف مرات عدة بعد نزوح السكان من المناطق المجاورة إليها مثل حلب وكوباني (عين العرب) وعفرين وغيرها من المدن السورية التي شهدت دماراً واسعاً.
ونقل صالح اليوسف صاحب مطعم «قصر الأمراء»، أنّ الانتحاري أو الانتحارية الذي استهدف الدورية الأميركية: «إذا كانت أميركا خصمه لماذا لم يذهب إلى مكان أو نقطة عسكرية واستهدفهم، لماذا نفذ العملية وسط شارع مزدحم راح ضحيته المدنيون وسقط 9 أغلبهم نساء وأطفال»، وفتح المطعم: «رسالة للجهة التي نفذت العملية والتي وقفت خلفها، لن تثنينا هذه العمليات، سنواصل الحياة بهمة وسواعد هؤلاء الذين يساعدونا في إعادة افتتاح المطعم».



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».