تطبيقات هاتفية ترصد أماكن أصحابها لمساعدة المعلنين والشركات

تعرف أسرار الليل وتتلصص على مسار خطوات النهار

التطبيقات تحدد مسار الحركة
التطبيقات تحدد مسار الحركة
TT

تطبيقات هاتفية ترصد أماكن أصحابها لمساعدة المعلنين والشركات

التطبيقات تحدد مسار الحركة
التطبيقات تحدد مسار الحركة

يقول الخبراء الأميركيون إن عشرات الشركات ترصد أماكن أصحاب الهواتف الذكية بهدف مساعدة المعلنين؛ بل وحتى مساعدة المؤسسات المالية. وتدعي أن هذا الرصد لا يتم بشكل شخصي موجه، أي إنه لا يتم التدقيق في الهوية؛ بل في أنماط السلوك.
تأملوا في جانب معهود من استخدام الهاتف الذكي لإحدى مدرّسات الرياضيات وهي ليزا ماغرين (46 عاماً) التي تقوم برحلة يومية منتظمة، تصطحب خلالها هاتفها الذكي معها؛ إذ جمع تطبيق موجود على هاتفها المعلومات حول مواقع وجودها، وتم بيعها لاحقاً دون معرفتها.
وقد كشفت قاعدة بيانات تضم أكثر من مليون هاتف في منطقة نيويورك اطلع عليها خبراء أميركيون، عن أن التطبيق سجل أماكن وجود السيدة كل نحو ثانيتين. صحيح أن هوية ماغرين لم تكن معلنة في هذه السجلات، ولكن الخبراء استطاعوا ربطها بسهولة بنقطة ظاهرة على الخريطة. وتظهر الخريطة على الهاتف عادة ملايين النقاط التي تشير إلى الطرق السريعة والأزقة وممرات الدراجات الهوائية، وكل واحدة منها تتبع مسار مستخدم هاتف جوال مجهول الهوية.

- تعقب ورصد
تعلم ماغرين ما يعلمه معظم الناس، وهو أن التطبيقات يمكنها تعقب تحركات الأشخاص. ولكن مع انتشار الهواتف الذكية وزيادة دقة التكنولوجيا، تتوسع تقنية التلصص على عادات الناس اليومية وتنمو لتصبح أكثر تطفلاً.
تسافر ليزا ماغرين يومياً وبشكل منتظم من منزلها إلى المدرسة التي تعمل فيها، وتم تسجيل موقعها أكثر من 800 مرة أثناء وجودها في صفها. كما تضمنت سجلاتها زيارة إلى عيادة الطبيب. وفي مراجعة أجراها الخبراء لبيانات سُجلت على مدار 4 أشهر، تم تسجيل موقع ماغرين أكثر من 8600 مرة، بمعدل مرة كل 21 دقيقة.
ووجد الخبراء أن 75 شركة على الأقل تلقت بيانات مواقع دقيقة من تطبيقات يشغل مستخدموها «خدمات الأماكن location services فيها لتلقي الأخبار المحلية والأحوال الجوية، وغيرها من المعلومات. يدعي كثير من هذه الشركات أنه يتعقب نحو 200 مليون جهاز جوال في الولايات المتحدة، أي نحو نصف عدد الأجهزة التي كانت تستخدم العام الماضي. إلا إن قاعدة البيانات التي اطلع عليها الخبراء، وهي عبارة عن عينة من المعلومات التي جمعت عام 2017 من قبل شركة واحدة، كشفت تنقلات الناس بتفصيل مذهل ودقيق في مسافة لا تتعدى بضعة أمتار، وفي بعض الأحيان، جرى تحديث بياناتها أكثر من 14 ألف مرة في اليوم.
تبيع هذه الشركات وتستخدم أو تحلل البيانات لتقدمها إلى المعلنين ومنافذ تجارة التجزئة وحتى المؤسسات المالية مثل «صناديق التحوط» التي تسعى إلى الاطلاع على سلوك المستهلكين. تزداد سخونة هذه السوق مع ارتفاع مبيعات الإعلانات التي تستهدف المكان الجغرافي إلى 21 مليارا هذا العام. دخلت شركة «آي بي إم» هذا المجال بشرائها تطبيقات «ذا ويذر تشانل»، وأعادت شبكة «فورسكوير» الاجتماعية تأسيس نفسها بوصفها شركة لتسويق بيانات الأماكن، ومن أبرز المستثمرين في مجال الشركات الناشئة العاملة في تجارة الأماكن «غولدمان ساكس» و«بيتر ثيل»، الشريك المؤسس في «باي بال».

- أنماط السلوك
تقول الشركات إن مصالحها تكمن في الأنماط التي تكشفها البيانات عن المستهلكين وليس في الهويات. ولفتت إلى أن المعلومات التي تجمعها التطبيقات ليس مرتبطة باسم شخص أو رقم هاتفه، بل بهوية مميزة. ولكن الشركات التي تستطيع الوصول إلى البيانات الخام؛ كالموظفين والزبائن، فيمكنها دائماً أن تحدد هوية شخص دون موافقته. يمكنها أيضاً أن تراقب شخصاً تعرفه، من خلال تحديد موقع هاتف شخص ثانٍ يمضي وقته باستمرار في عنوان منزل الهدف؛ أو، يمكنها العمل بشكل معكوس، من خلال ربط اسم بنقطة مجهولة الهوية، والاطلاع على الأماكن التي يمضي فيها الهاتف الليالي واستخدام السجلات العامة ومعرفة من يعيش هناك.
تقول الشركات المختصة بالأماكن إنه حين يشغل المستخدمون «خدمات تحديد الموقع»، تصبح بياناتهم سهلة الاستهداف. ولكن الخبراء وجدوا أن الشروحات التي يتلقاها الناس عندما يتم حثهم على منح الإذن بتحديد أماكنهم ناقصة أو مضللة. وقد يَعد تطبيق ما المستخدمين بأن منح الإذن بالوصول إلى موقعهم قد يساعدهم في الحصول على معلومات حول حالة السير، ولكنه لا يعلمهم بأن هذه البيانات ستُشارك وتُباع. هذا الاعتراف يتم غالباً إخفاؤه في سياسة خصوصية فضفاضة.
وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية أوريغون رون وايدن حديثا، وهو الذي قدم اقتراح قانون للحد من جمع وبيع هذه البيانات التي لا تخضع لتنظيم أي قوانين في الولايات المتحدة: «تكشف معلومات الموقع بعضاً من أكثر المعلومات حميمية عن حياة الإنسان، كزيارات الطبيب والاجتماعات المهنية، وحتى هوية الشريك الحميم». ويضيف: «لا يمكننا أن نبقي المستهلكين غافلين عن كيفية بيع ومشاركة بياناتهم، وتركهم عاجزين عن القيام بأي شيء حيالها».

- أجهزة مراقبة متحركة
بدأ قطاع تحديد الأماكن عبر الهاتف كوسيلة لإضفاء طابع شخصي على التطبيقات والإعلانات المستهدفة للشركات القريبة، ولكن الأمر تطور ليتحول إلى عملية جمع بيانات وآلة للتحليل.
يسعى تجار التجزئة إلى الشركات التي تتعقب الزبائن للحصول على معلومات عنهم، ومعلومات عن التجار المنافسين لهم. تقول إيلينا غرينستاين، المسؤولة التنفيذية في شركة تحديد الأماكن «غراوند تروث»: «نسعى لفهم طبيعة الشخص من خلال الأماكن التي زارها والأماكن التي سيزورها، بهدف التأثير على ما سيقوم به في المستقبل».
تستطيع الشركات المالية استخدام هذه المعلومات لاتخاذ قرارات تتعلق بالاستثمار. وتعد منشآت العناية الصحية من أكثر المجالات الجذابة للتعقب، ولكنها في الوقت نفسه تشكل مصدراً للمتاعب. وقد أظهرت تحليلات الخبراء أن السجون والمدارس والقواعد العسكرية ومصانع الطاقة النووية، وحتى أمكان حدوث الجرائم، كانت في باقات البيانات التي حصلت عليها تطبيقات الرصد.
وكشفت شركة «مايتي سيغنال» للتحليلات في تقريرها لعام 2018 أن أكثر من ألف تطبيق شعبي تحتوي على برمجيات لمشاركة موقع الهاتف مع الشركات. وتبين أيضاً أن نظام «آندرويد» من «غوغل» يضم نحو 1200 تطبيق تحمل برمجيات مماثلة، مقابل 200 تطبيق في نظام «آي أو إس» iOS من «آبل».
أما الشركة الأكثر إنتاجاً فكانت «ريفيل موبايل» ومقرها كارولاينا الشمالية. تملك هذه الشركة برمجية لجمع بيانات الموقع في 500 تطبيق، غالبيتها مختصة بنشر الأخبار المحلية. وقال متحدث باسم «ريفيل» إن شعبية هذا الرمز أظهرت أنه ساعد مطوري التطبيقات في تحقيق مكاسب الإعلانات وحصول المستهلكين على خدمات مجانية.
ولتقييم ممارسات مشاركة المواقع، دقق الخبراء في 20 تطبيقاً رجح باحثون من قلب هذا المجال أن معظمها يشارك بياناته. وفي النتائج، تبين أن 17 منها يرسل البيانات نفسها لنحو 70 شركة. ويعد «ويذر باغ» WeatherBug لأخبار الطقس على «آي أو إس» iOS، أحد هذه التطبيقات، وقد شارك البيانات نفسها مع 40 شركة تقريباً.

- جني الأرباح
إن هذه التطبيقات تشكل عصب الاقتصاد الجديد المبني على بيانات الموقع. ويستطيع مطورو التطبيقات جني المال من خلال بيع البيانات بشكل مباشر، أو من خلال مشاركتها عبر الإعلانات التي تفرض بدلاً مالياً في المقابل. وكشفت رسائل عرض تابعة لمطوري التطبيقات أن شركات بيانات الموقع تدفع بين نصف سنت وسنتين للمستخدم في الشهر.
وتعد الإعلانات المستهدفة الاستخدام الأكثر شيوعاً للبيانات حتى اليوم. تتحكم شركتا «غوغل» و«فيسبوك»، اللتان تسيطران على سوق الإعلانات المتنقلة، بالإعلانات التي تعتمد على الموقع أيضاً. تجمع الشركتان البيانات من تطبيقيهما، وتزعمان أنهما لا تبيعان البيانات؛ بل تحتفظان بها لهما لإضفاء طابع شخصي على خدماتهما، وللإعلانات التي تستهدف الترويج عبر الإنترنت، ومعرفة ما إذا كانت الإعلانات تساهم في زيادة مبيعات المتاجر التقليدية. وكشفت «غوغل»، التي تتلقى معلومات مواقع محددة من تطبيقات تستخدم الخدمات الإعلانية، أنها عدلت تلك البيانات للتقليل من دقتها.
أما الشركات الصغيرة، فتتنافس على ما تبقى من السوق وتعمل في بيع البيانات والتحليلات للمؤسسات المالية. عدّت شركة «أوبيماس» للأبحاث السوقية أن هذا القسم من الصناعة صغير ولكنه يشهد نمواً، ومن المتوقع أن تصل قيمته إلى 250 مليونا في السنة بحلول 2020.
قد تفرض مصلحة «آبل» و«غوغل» التجارية عليهما الحفاظ على رضى المطورين، ولكن كلتيهما اتخذت الخطوات اللازمة للحد من جمع بيانات الموقع. فوفقاً لآخر تحديثات «آندرويد»، تعمل التطبيقات غير المستخدمة على جمع البيانات «مرات قليلة في الساعة الواحدة»، بدل جمعها بشكل متواصل.
أما «آبل»، فأبدت صرامة أكبر، وفرضت على التطبيقات تبرير تفاصيل جمع البيانات في رسائل تعرضها للمستخدم. ولكن تعليمات «آبل» لكتابة هذه الرسائل لا تذكر تسويق أو بيع البيانات، بل أموراً أخرى كالحصول على «أوقات التنقل المقدرة». وكشف متحدث باسم الشركة عن أن «آبل» تسمح للمطورين باستخدام البيانات لتقديم الخدمة المتصلة مباشرة بالتطبيق، أو لخدمات الإعلانات التي تلبي شروط «آبل» فقط.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

خاص النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

يفرض تسارع الذكاء الاصطناعي ضغطاً على البنية التحتية، حيث يصبح تخزين البيانات وكفاءته واستدامته عاملاً حاسماً في القدرة على التوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

«غوغل» تطلق استيراد الذاكرة في «جيميناي»، لنقل السياق والتفضيلات بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز تجربة شخصية مستمرة للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للحوسبة الكمومية فك أعقد تشفير للبيانات في ثوان، ويسعى "كروم" لتغيير جذري ضد ذلك

كيف تعيد «غوغل» و«ميتا» صياغة مستقبلنا الرقمي؟

في وقت يتسارع فيه الزمن التقني نحو آفاق غير مسبوقة، لم تعد كبرى شركات التقنية تكتفي بتقديم خدمات تقليدية، بل باتت تخوض صراعاً مزدوجاً: الأول «دفاعي»

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا  زر "تثبيت النتيجة المباشر" في الجزيرة الديناميكية لتطبيق غوغل على هاتف "آيفون 17 برو ماكس"

دليلك لمتابعة المباريات الرياضية على الأجهزة الجوالة

لطالما جذبت بطولات كرة السلة الجامعية وبداية موسم البيسبول، عشاق الرياضة إلى شاشات التلفاز في هذا الوقت من العام.

جيه دي بيرسدورفر ( نيويورك)
تكنولوجيا نظام متطور للإضاءة الخارجية

نظام متطور للإضاءة الخارجية

ختر لوناً، أي لون، أو ألواناً متعددة أو أنماطاً وتأثيرات متعددة، ومن ثم ستحصل على مظهر جديد تماماً لأنظمة الإضاءة الخارجية «إنبرايتن - Enbrighten»

غريغ إيلمان (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يؤدي تزايد أهمية البنية التحتية إلى تحول أقل وضوحاً، لكنه أكثر عمقاً. فبينما يتركّز جزء كبير من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة بشكل متزايد إلى كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.

في إحاطة إعلامية خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، قدّم مسؤولون في شركة «سي غيت تكنولوجي» (Seagate Technology) هذا التحول بوصفه تغيراً هيكلياً، لا مجرد تحديث تقني. فالتحدي لم يعد يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها، بل بات يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. يقول ديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة إن «ما نعلنه اليوم ليس مجرد إنجاز على مستوى المنتج، بل يعكس كيف يجب أن تتطور البنية التحتية لمواكبة التسارع غير المسبوق في نمو البيانات عالمياً».

ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي»

يصعب المبالغة في حجم هذا النمو. فحسب موسلي، انتقل حجم البيانات العالمية من نحو زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقع إضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعدّ محركاً رئيسياً لهذا التوسع، فإنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تسهم خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية في تشكيل منظومة بيانات أكثر تعقيداً واتساعاً.

هذا التداخل يعيد صياغة طريقة تقييم البنية التحتية. ويضيف موسلي أن «القصة لم تعد تتعلق بتقنية واحدة، بل بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال». بمعنى آخر، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إنتاج البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لمواكبة هذا النمو.

ما بعد الحوسبة

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرّعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات.

ويشير موسلي إلى أنه «عندما يتحدث الناس عن بنية الذكاء الاصطناعي، يركّزون على الحوسبة التي لا يمكن أن تعمل دون بيانات. ماذا يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة».

هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع. وفي بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات معادلةً اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تكلفة التخزين لكل تيرابايت واستهلاك الطاقة وكثافة السعة لكل رفّ، كلها أصبحت عوامل حاسمة. وكما أفاد موسلي: «الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات».

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي)

من النمو إلى التراكم

جزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. ويصرح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة بأن «الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها». عملياً، يعني ذلك أن البيانات تُنسخ وتُوزَّع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. ونتيجة لذلك؛ لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويظهر هذا الواقع في توسّع مراكز البيانات عالمياً. فهناك اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط تحل محله اليوم مراكز «عملاقة» تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

ويذكر تيه أنه «لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم». لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم والضغط المتزايد على البنية التحتية.

التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطِّلة.هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة.

من جانبه، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها ويتابع: «تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحتاج إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين».

ولهذا؛ طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، التي تستخدم تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. ويشرح موريس بأن «الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب». الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قِبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي

تحويل الابتكار منتجاً فعلياً يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. وحول ذلك يقول موريس إن «نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل»، مشيراً إلى التقدم في المواد والفوتونيات وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق؛ ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج... بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)

اقتصاديات الحجم

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدِث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً؛ ما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.

وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: «لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية»، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيّرت، حيث إنه «في السابق كانت البيانات تُعدّ تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت».

السؤال الحاسم

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: «كان التخزين مثل الهواء أو الماء أساسي، لكنه غير مرئي... إلى أن يغيب». اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن «السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام».

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.


«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
TT

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

تسعى «غوغل» إلى معالجة إحدى أبرز العقبات في عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، وهي «مشكلة البدء من الصفر». فمع تنقُّل المستخدمين بين أكثر من مساعد ذكي، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة إدخال تفضيلاتهم، وشرح سياقهم الشخصي مراراً، وإعادة بناء سجل محادثاتهم من جديد. ومن خلال مجموعة ميزات جديدة في تطبيق «جيميناي»، تحاول الشركة تقليل هذا الاحتكاك عبر تمكين المستخدم من نقل «ذاكرته الرقمية» بين المنصات.

تعتمد عملية الاستيراد على توليد ملخص من التطبيق الآخر ثم إدخاله إلى «جيميناي»، ليتم تحليله وحفظه (غوغل)

استمرارية التجربة الرقمية

في تحديث بدأ طرحه في العالم العربي، تقدم «غوغل» ميزة «استيراد الذاكرة» (Memory Import) التي تتيح نقل عناصر أساسية من السياق الشخصي -مثل الاهتمامات والعلاقات والتفضيلات- من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى مباشرة إلى «جيميناي».

الفكرة بسيطة، وهي أنه بدلاً من تدريب مساعد جديد من الصفر، يمكن للمستخدم أن ينقل معه طبقة جاهزة من الفهم تعكس طريقة تفاعله السابقة.

ورغم التعقيد التقني الكامن وراء هذه العملية، فإن تنفيذها جاء بشكل مبسَّط. من خلال إعدادات «جيميناي»، يمكن اختيار خيار الاستيراد؛ حيث يتم توليد «طلب» (Prompt) جاهز، ثم يقوم المستخدم بنسخ هذا الطلب إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آخر، والذي بدوره يُنتج ملخصاً لتفضيلات المستخدم وسياقه. بعد ذلك، يتم لصق هذا الملخص داخل «جيميناي» الذي يقوم بتحليله وتخزينه ضمن ملف المستخدم. ومن ثمَّ، يصبح «جيميناي» قادراً على استخدام هذه البيانات لتخصيص ردوده، وكأنه يواصل رحلة المستخدم الرقمية بدلاً من البدء من جديد.

تمكِّن الميزة المستخدمين من تجنُّب البدء من الصفر عبر نقل فهم مسبق لطبيعة تفاعلاتهم واهتماماتهم (غيتي)

«الذكاء الشخصي»

تندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى «غوغل»، نحو ما تسميه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence)، وهو نموذج يسعى إلى تقديم مساعد ذكي أكثر وعياً بالسياق. فبدلاً من التعامل مع كل طلب بشكل منفصل، يهدف «جيميناي» إلى تقديم إجابات مبنيَّة على فهم أعمق لتاريخ المستخدم وعاداته واهتماماته.

ولا يقتصر الأمر على استيراد الذاكرة فقط. فمع موافقة المستخدم، يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات عبر منظومة «غوغل» الأوسع، بما في ذلك «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث، إضافة إلى المحادثات السابقة داخل التطبيق نفسه. وهذا يتيح مستوى أكثر تطوراً من التفاعل؛ حيث لا تعتمد الإجابة فقط على السؤال الحالي؛ بل على صورة أوسع تتشكل مع الوقت حول المستخدم.

تشتت سجل المحادثات

كما تعالج «غوغل» مشكلة أخرى برزت مع انتشار استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متعددة، وهي تشتت سجل المحادثات؛ إذ بات بإمكان المستخدمين الآن تحميل أرشيف محادثاتهم من منصات أخرى بصيغة ملف مضغوط (ZIP) واستيراده إلى «جيميناي». وبذلك يمكنهم البحث داخل محادثاتهم السابقة، واستكمالها دون فقدان السياق.

تعكس هذه الميزة تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى المساعدات الذكية. فهي لم تعد مجرد أدوات منفصلة؛ بل بدأت تأخذ شكل «رفيق رقمي» طويل الأمد؛ حيث تلعب الاستمرارية وتراكم السياق دوراً محورياً في قيمتها. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى سجل المحادثات كأرشيف فقط؛ بل كجزء من «ذكاء» النظام نفسه.

بالنسبة للمستخدم، تكمن الفائدة المباشرة في الكفاءة. فالمهام التي كانت تتطلب شرحاً متكرراً، مثل التخطيط للسفر، أو إدارة المشاريع، أو تطوير أفكار إبداعية، يمكن الآن استئنافها بسهولة من حيث توقفت. أما بالنسبة لـ«غوغل»، فالدلالة الاستراتيجية واضحة، فتقليل تكلفة الانتقال بين المنصات يجعل من الأسهل على المستخدم اعتماد «جيميناي» مساعداً أساسياً، حتى لو كانت تجربته السابقة في مكان آخر.

يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات خدمات «غوغل» مثل «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث لتحسين الاستجابات (غوغل)

الخصوصية والمنافسة الجديدة

في المقابل، تظل مسألة الخصوصية والتحكم في البيانات حاضرة. تؤكد «غوغل» أن هذه الميزات تعمل بموافقة المستخدم؛ خصوصاً عند الربط مع خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل». كما أن عملية الاستيراد نفسها تتطلب خطوات واضحة من المستخدم. ومع ذلك، فإن تعمُّق تكامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية سيبقى موضع نقاش مستمر.

يأتي إطلاق هذه الميزات أولاً عبر «الويب» في العالم العربي، على أن تصل إلى الأجهزة المحمولة خلال الأيام المقبلة، ما يعكس توجهاً نحو تقديم حلول مخصَّصة للأسواق الإقليمية؛ خصوصاً فيما يتعلق باللغة والسياق الثقافي.

بصورة أوسع، يشير هذا التحديث إلى تحول في طبيعة المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التميز يقتصر على قوة النماذج أو عدد الميزات؛ بل بات يرتبط بمدى قدرة المساعد على فهم المستخدم والاستمرار معه عبر الزمن. وفي هذا السياق، تصبح «الذاكرة» عاملاً حاسماً.

فمن خلال تمكين المستخدمين من نقل سياقهم معهم، لا تضيف «غوغل» مجرد ميزة جديدة؛ بل تعيد تعريف نقطة البداية في التفاعل، لتتحول من صفحة بيضاء إلى محادثة مستمرة.


«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
TT

«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)

بدأ تطبيق «إنستغرام» اختبار نسخة جديدة للاشتراك المدفوع في العديد من الدول، مع مزايا إضافية تركز بشكل رئيسي على خاصية «ستوريز»، وفق ما قالت ناطقة باسم الشركة الأم «ميتا» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، مؤكدة معلومات أوردها موقع «تِك كرانش».

كذلك، سيحصل المستخدمون الذين يدفعون على مزيد من التحكم في الحسابات المسموح لها بمشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو التي يشاركونها في منشورات «ستوريز» التي عادة ما تختفي بعد 24 ساعة على الشبكة الاجتماعية.

وقالت الناطقة باسم الشركة إنه يتم اختبار هذه النسخة في «عدد قليل من البلدان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب «تِك كرانش» تشمل هذه البلدان اليابان والمكسيك والفلبين حيث تبلغ أسعار الاشتراك نحو دولارين شهرياً.

وأطلقت «ميتا» إصدارات مدفوعة خالية من الإعلانات من «فيسبوك» و«إنستغرام» في بريطانيا العام الماضي للامتثال للتشريعات في البلاد.

وتعرض منصتا «سناب تشات» و«إكس» نسخة مميزة مدفوعة منذ سنوات.