معركة تكسير العظام تنتظر «كفرناحوم» في سباق الأفلام الأجنبية

«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز... فيلم نادين لبكي ما زال في المقدمة

نادين لبكي
نادين لبكي
TT

معركة تكسير العظام تنتظر «كفرناحوم» في سباق الأفلام الأجنبية

نادين لبكي
نادين لبكي

بعد أن دخل نطاق الأفلام الخمسة المتسابقة للاستحواذ على جائزة «غولدن غلوبس» كأفضل فيلم أجنبي في السابع من الشهر المقبل، اجتاز «كفرناحوم» مرحلة صعبة أولى بدخوله قائمة الترشيحات لجائزة الـ«أوسكار» في الشهر الثاني من العام المقبل. ليست القائمة النهائية، بل قائمة رسمية تحتوي على تسعة أفلام سيتم اختيار خمسة منها نتيجة تصويت أعضاء الأكاديمية.
بدورها، هي مرحلة صعبة أخرى، فخلاصة الأفلام الأجنبية التي تم ترشيحها لـ«أوسكار» السنة المقبلة والتي قاربت على الثمانين فيلماً، هي تلك الأفلام التسعة التي نالت أعلى قدر من الأصوات في لجنة هذه المسابقة. وهي لجنة تضم عشرات الأعضاء شاهدوا كل تلك الأفلام وصوّتوا لصالح ما رأوه الأكثر جدارة. وهم يحوّلون ما توصلوا إليه (أي هذه الأفلام التسعة) إلى كل الأعضاء المنتمين إلى هذا الجسد العريق.
هنا سيدخل «كفرناحوم» والأفلام الثمانية الأخرى معه معركة كسر عظم إذا أخذنا في الحسبان أهمية وجودة الأفلام المنافسة وهي:
> «طيور الممر» لكرستينا غاليغو وسيرو غويرا (كولومبيا).
> «المذنب» لغوستاف مولر (دنمارك).
> «لا تنظر بعيداً مطلقاً» لفلوريان ڤون دونرزمارك (ألمانيا).
> «نشالو المحال» لهيروزاكو كوري - إيدا (اليابان).
> «روما» لألفونسو كوارون (مكسيك).
> «آيكا» لسيرغي دفورتسفوي (كازاخستان).
> «حرب باردة» لبافل بافليكوفسكي (بولندا).
> «محترق» لتشانغ دونغ - لي (كوريا الجنوبية).
- أفلام عائلية
كل واحد من هذه الأفلام يمسك ناصية موضوع مختلف فنياً جدير بدخوله الترشيحات المذكورة إن لم يكن كسب الجائزة المرموقة. «طيور الممر» هو عن كيف غيّـرت الحياة العصرية أحوال قبيلة من هنود كولومبيا ودمّرت أجمل وأعرق ما كان لديهم من عادات وتقاليد وذلك منذ أن بدأ بعضهم التعامل مع تجارة المخدرات سعياً للربح.
«المذنب» حول امرأة تطلب النجدة من شرطي سابق تم تخفيض وظيفته إلى عامل سنترال في الدائرة. لن نرى المرأة لكننا سنعرف مشكلتها وسنراقب بطل الفيلم وهو يحاول إنقاذها. تشويق فعال قلّما نجد نوعه من الأفلام داخل ترشيحات الـ«أوسكار».
بدوره يسرد «لا تنظر بعيداً مطلقاً» حالة رجل يعاني من ذكريات صباه حين نشأ أيام النازية، ثم تحت سطوة النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية التي هرب منها إلى الجزء الغربي من دون التخلي عن تلك الذكريات الصعبة.
«حرب باردة» يختلف رغم عودته إلى هواجس الأمس أيضاً. إنه حول قصّة حب بين مؤلف موسيقي والمغنية الشابة التي يبحث حولها. لا «مولد نجمة» هنا، بل قصة حب شائكة على خلفية الحياة البولندية في الخمسينات واختلاف التطلعات الفردية حيال ذلك الوضع ومشتقاته.
مزيد من العقد النفسية والعاطفية نجدها في «محترق»، حيث يلاحق بطل الفيلم رجلاً يهوى حرق البيوت، باعترافه، وخلال ذلك يجد نفسه وسط شخصيات كل منها أكثر غموضاً من سواها.
«أيكا» يلخص حجم العائلة إلى امرأة وطفلها. طُردت من عملها، ما زاد من أعباء حياتها، وعملها الجديد منهِك، ووضعها يدفعها إلى البحث عن طوق نجاة غير متاح.
أما «نشالو المحال» فهو عن عائلة تتبنى فتاة تشردت وتدرِّبها على المهنة التي تجيدها وهي السرقة من المحال التجارية التي تدخلها. يوعز المخرج كوري - إيدا بأن معظم أفراد العائلة ربما كانوا، مثل الطفلة التي تبنوها، ليسوا من نسل الأب والأم ذاتيهما.
«روما» هو الوحيد الذي يتناول حياة عائلية كاملة. مثل معظم ما سبق أحداثه مدفونة في الماضي، لكن المختلف في أن المخرج ألفونسو كوارون يسرد فيه مذكراته وبطريقة لا يجعل من نفسه (في أحداث تقع في العاصمة المكسيكية في السبعينات) البطل، بل يمنح ذلك الدور لخادمة المنزل (كليو) ياليتزا أبارثيو، ومن خلالها حياة تلك الخادمة الشخصية كما وضعها في عائلة منحتها الرعاية والعناية وتعاملت مع الفاصل الطبقي بأفضل ما تستطيع.
فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» يدور حول العائلة أيضاً. لكنها ليست عائلة متحابة ومتآلفة كما الحال في «نشالو المحال» و«روما»، بل عائلة متقاتلة وغير متجانسة تعيش في وباء التخلف والجهل الاجتماعي والفقر الذي انصاعت إليه وتعاملت معه طويلاً. بعض الفقر يولِّد التحدي ويثمر عن خوض معتركات الحياة بنجاح، لكنّ هذا الفقر يبدو هنا -وبغياب طرح موضوعي للوضع المعيش- مقصوداً لذاته، وشخصياته هي المسؤولة عنه كونها شخصيات سلبية تماماً بدءاً بالأم التي لا تتوقف عن استخدام لسانها في الشتائم المقذعة الموجهة إلى كل فرد في عائلةٍ تمادت إنجاباً رغم وضعها المعيشي.
- الواقع والحقيقة
من مطلع الفيلم تحدد المخرجة نادين لبكي موقفها مما سنراه. صبي في الثانية عشرة من عمره يقاضي، بحضور محامية تؤديها نادين لبكي بنفسها، عائلته في المحكمة. لماذا؟ يسأل القاضي فيكون الجواب لأنها أنجبته في هذه البيئة. هو في المحكمة ليس فقط لرفع قضية ضد والديه (نشاهدهما في المحكمة بدوريهما لاحقاً) بل متهَماً بجريمة تحاول المحامية إقناع القاضي بعدم مسؤوليته عنها.
التمهيد هو حياكة لمكان وزمان وقضية وملامح طائفية. بعده ننطلق في سلسلة من المشاهد الاستعادية (فلاشباك) نطّلع فيها على تلك الحياة البائسة التي يعيشها الصبي زين داخل عائلته و-لاحقاً- خارجها بعدما قرر أن يتخلى عنها ويمضي بعيداً شاقّاً طريقاً صعباً على الكبار في وضعه فما البال بولد غير بالغ بعد!
الأفلام التي تتعايش والأوضاع الصعبة للعائلات كثيرة رأيناها في السينما الإيطالية واللاتينية وبعض العربية، بالإضافة إلى عدد من أفلام الأخوين البلجيكيين لوك وجان - بيير داردين. وهي تنقسم إلى وضعين: إما العمل على معاينة الظروف الاجتماعية والسياسية التي تحيط بتلك العائلات وتفرض عليها معايشاتها وسبل تلك المعايشات، وإما استخراج شخصيات إيجابية منها تنتصر، بحدود أو بأخرى، على تلك الظروف وتستمد طاقتها لتحدي الأوضاع من عنادها في سبيل حياة أفضل.
فيلم نادين لبكي ليس لديه أي وظيفة في أيٍّ من هذين الشأنين. دراما لحياة مدقعة لا يمكن الوثوق بوقائعها تنضوي على طفل يتصرف سنوات أكبر من قدرته على التفكير والتصرف، تضعه المخرجة في أزمة جديدة بعد تركه البيت وهجرته الداخلية إلى مأوى آخر في مخيمٍ ما. هناك يلتقي عاملة أفريقية لديها طفل رضيع تمنح الولد بيتاً ثم تترك طفلها تحت رعايته ليوم لا تعود في نهايته. الآن على الولد أن يسعى للعناية بالطفل، والمخرجة ترسم صورة عاطفية وإعلامية بديعة لهذا الوضع قبل أن يقبل الولد بيع الطفل لمن سيبيعه بدوره لعائلة محرومة.
كل الشخصيات القابعة في أسفل السلم هي سلبية (وكلها مسلمة). لا أحد من بينها، بدايةً من العائلة التي تتحدث في ما بينها بأكثر من لهجة تبعاً لتباين لهجات الممثلين، وصولاً إلى بعض نساء الحي الجديد الذي انتقل إليه «زين»، مروراً بالرجل الذي يريد شراء الطفل وبيعه، وبآخرين مترامين هنا وهناك، هم كتلة من الشخصيات السلبية. الفيلم الجيد هو ما يوظف الوضع للبحث فيه. الفيلم الآخر هو الذي يتكل على الوضع لعرضه فقط.
- براعات فنية
العنوان مأخوذ عما ورد على لسان المسيح في أنجيل ماتيو عندما قال: «وأنت يا كابرنوم، هل سترتقي إلى الجنة؟ لا، سوف تنحدر إلى الجحيم» (الكلمة المستخدمة لوصف الجحيم هي Hades وتعني ما هو تحت الأرض حيث تعيش الأرواح المغضوب عليها). لا يوجد تماثل فعلي للعنوان في ما نراه، بل استخدام ذكي له كاستخدام الحبكة بأسرها لطرح عمل يبدو للغربيين (بعضهم على الأقل) على غير ما يتبدّى للبنانيين أساساً. فما نراه هو توفير حكاية واقعية السمات لكنها غير حقيقية. ولدى المخرجة منطلقات مختلفة. فالعائلة المسلمة مصدر المشكلات التي تحيط نفسها بها. المحامية، كونها من ديانة وطبقة اجتماعية مختلفتين، هي طوق نجاة يتجسد في الطريقة التي حلّت بها كل الإشكالات بما فيها إعادة الطفل الرضيع إلى أمّه وربح قضية الولد ضد والديه اللذين ما زالا يتساءلان عما فعلاه حياله لكي يرفع ضدهما تلك الدعوة.
في كيانه يقترح «كفرناحوم» وجود مجتمعين واحد صحيح والآخر خطأ. وعلى عكس أفلام فيتوريو دي سيكا الواقعية، ليست الظروف السياسية والحروب وتلك المعيشية هي السبب في ولادة المشكلات، بل الشخصيات ذاتها. كل ذلك يأتي بطريقة تهيمن فيها المخرجة على مشاعر المتلقي الأقل خبرة، وتصوير الطوائف على نحو شامل يشبه تكبير صورة الحي العشوائي (غير المسمّى) إلى مساحة تبدو كما لو كانت بيروت بأسرها.
براعات لبكي الفنية مشهودة هنا كما في فيلميها السابقين «سكر بنات» (2007)، و«هلأ لوين؟» (2011). لديها القدرة على سرد الوضع الذي تختاره لأي موضوع تطرحه وتجعله ضرورياً للمتابعة. لا يحدها في ذلك أي عائق تعبيري أو درامي، وكل شيء تعالجه تضع فيه شغفها بالسينما كأداة تعبير وبشروط بصرية بحد ذاتها جيدة.
فيلمها الأول «سكر بنات» (أو «كاراميل» كما اشتهر أيضاً) كوميديا اجتماعية منسوجة بحب شديد لشخصياتها، وبعيد عن أن يحكم لها أو عليها. كل ما يبغيه تقديم شرائحه من الشخصيات من دون أن يحمّلها أعباء ستدفع بها إلى التميّز. يرمي أيضاً إلى توفير العالم الصغير - الكبير لهذه الشخصيات ولألفتها والاحتفاء بضرورة الحب وانتصاره إذا ما استطاع أن ينفذ من الشباك والأقفاص التي عادةً ما يجد نفسه محاطاً بها. لكنها الشخصيات القريبة من بيئتها (في معظم الحالات). تعيش أوضاعاً مرتاحة وكل ما لديها من هموم هو عاطفي متجانس مع وضع يخلو من المعاناة في أي نطاق آخر.
كان عملاً حساساً ومبهجاً وأنثوياً رقيقاً ويجمع خيوطه من دون جهد على تعددها.
أيضاً هو فيلم يحمل نهاية رمزية رائعة تحلّق كالحمامة البيضاء التي ينتهي عليها: مشهد عند نهاية الفيلم تكثّف فيه المخرجة شعور البهجة إلى آفاق ربما لم يحملها فيلم لبناني من قبل: الفتاة المسلمة تُزفُّ إلى من تحب. إنها واحدة من بين أربع فتيات، ثلاث منهن مسيحيات، يعملن في صالون حلاقة نسائي. وفي العرس يرقص لها الجميع، مسيحيين ومسلمين. وتلتقط الكاميرا مشهداً لحمامة بيضاء ترتفع عالياً في السماء وتطير. ترتفع كالآمال التي لا تزال ترفرف في صدور الشعب اللبناني بأن يأتي يوم تُزال فيه الحواجز النفسية والعاطفية والطائفية ويتم لجيل جديد شق طريق حياة أفضل غير مُتاح اليوم.
- يستحق؟ لا يستحق؟
ذلك الفيلم الأول ما زال الأفضل. بعده جاء «هلأ لوين؟» الذي تقع أحداثه في قرية مختلطة في إحدى السنوات المبكرة للحرب الأهلية. لا نرى تلك الحرب (نسمع عنها فقط)، والهم هنا هو كم كان الوضع سيختلف لو أن المرأة -وليس الرجل- هي من أدارت شؤون البلاد سياسياً واجتماعياً؟
ما حدث هو أنه، و‫بعد النجاح المستطرد لها، أصبحت نادين لبكي قوّة سينمائية لبنانية ضاربة. مخرجة موهوبة برهنت على حسّـها السينمائي اللافت في «سكر بنات» الذي كان، كهذا الفيلم الثاني لها، نسائيَّ الهمّ والتركيبة والأحداث. ‬
لكن «هلأ لوين؟» يختلف في كل شيء آخر. في حين أن «سكّـر بنات» كان عملاً يحمل نبرات فنية واضحة وهدوءاً في التحليل والمعالجة على حد سواء، جاء هذا الفيلم كخضم من الأحداث الممتزجة، فهو يُـضحك ويُسلّي ويتحدّث في الوقت ذاته عن موضوع جاد، وهذه ليست المشكلة. المشكلة هي أن هناك تمازجاً يُنتج عملاً جيّداً، وآخر لا يُنتج. والواقع هنا هو أن هذا التمازج يعمل على افتراضية قبوله كما هو ويفتقر إلى المقومات الفنية والأسلوبية الشاملة بحيث لا يبدو كما لو أن مشاهده الكوميدية وفكرته الفانتازية ورموزه الواقعية ضُـمَّ بعضها إلى بعض على نحو لاصق في سياق هو نصف ناجح في أفضل الأحوال.
هذا ما جعل الموسيقى والغناء والحكاية الفانتازية التي تدور على خلفية واقعية والمواقف المرحة والنتائج الحزينة أكثر مما يحتمله الفيلم. فكرة كبيرة تحوي في عناصرها كل ما يمكن أن ينتج عملاً ترفيهياً جماهيرياً، إنما على حساب بلاغة فنية سبق للمخرجة أن حققتها من قبل. يدور حول سكّان قرية لبنانية هم مزيج من المسلمين والمسيحيين. هناك وئام حذر بين الطرفين وحرب أهلية خارج حدود القرية. لكن هناك مناوشات. هذا إلى أن يخرج شاب مسيحي من القرية إلى حيث تقع الحرب التي لا نراها، ويعود جثّة هامدة. تحسّـباً للفتنة، تقوم الأم الثكلى بإخفاء جثّة ابنها لكنّ سر الجثّة ينكشف بعد حين وتقف القرية على حدود حرب طائفية.
الحل هو أن تقوم نساء القرية اللواتي برهنّ من مطلع الفيلم على أنهن رأس الحكمة وأنقى من الرجال تفكيراً، بإقامة حفلة عشاء كبيرة يتم فيها حشو الحلوى بحشيشة الكيف. إلى هذا الحد هو ما زال فيلماً كوميدياً، فلا مانع من السخرية ومعالجة وضع حساس بالهزل مكان الجد، لكن وضع الذات مكان الواقع ليس السبيل لطرحٍ جيد أو جاد. والذات هنا ليست ممثَّلة بالدور الرئيس الذي قامت به لبكي أمام الكاميرا أيضاً فقط، بل في وضع تصوّر يحتم على الواقع الرضوخ للفكرة التي تعتنقها المخرجة حول الحرب ومعالجتها التي لا تخلو من السذاجة.
أبعد من أن يقال في «كفرناحوم» إنه ساذج. هو فعل مدروس على صعيدَي المضمون والشكل وبالطريقة التي تتسلل بها إلى إثارة المشاهد الغربي على النحو الذي يمنح الفيلم غطاءه الإعلامي المناسب.
هل نتمنّـى لها الـ«غولدن غلوبس» والـ«أوسكار»؟ عاطفياً، ولكونها لبنانية، ما سيرفع من شأن البلد الذي يحتاج إلى ثورة ثقافية تحميه من جهل سياسييه، «نعم» كبيرة. «كفرناحوم» ربما كان عملاً غير منصف للواقع مع تغييب ظروفه الحقيقية، لكنه فيلم لبناني (وبالتالي عربي) لامرأة ذات موهبة فعلية، وطموح عالٍ يستحق النجاح.
هو أيضاً فيلم يحتاج إليه لبنان بأسره ليبني بعض ما يحتاج إليه من دعاية إيجابية تشي بأنه ليس بأكمله بلد يتخبط في مشكلاته ويتعثر في علاقاته الخارجية وأوضاعه. صحيح أن الصورة التي في الفيلم تكشف عن وضع لا يخدم الوطن، لكنّ بلوغ جائزة بمستوى الـ«غولدن غلوبس» أو الـ«أوسكار» يضع السينما اللبنانية بأسرها على آفاق لم تحققها من قبل.
ما سبق، بالتالي، نقد سينمائي يتضمن، بالضرورة، الإشارة إلى المضمون أيضاً. رأيٌ في حسنات العمل وفي سلبياته وليس نقداً لأسبابه ودواعيه. الخيط، ربما، يبدو نحيفاً لكنه ليس غائباً عن ملاحظة نقاد آخرين (عرب وغربيين) وجدوا فيه أكثر مما ذهب هذا البحث إليه من وقائع وحالات.
ما يجب أن نتطلع إليه هو أن «روما» و«حرب باردة» و«لا تلتفت بعيداً مطلقاً» و«طيور الممر» هي أفلام تحتوي على شخصيات إيجابية التكوين والاندفاع حتى في ظروف لا تقل صعوبة. والثلاثة الأولى هي أجود تنفيذاً وأقل سعياً للهيمنة على المشاعر بحدّة المشاهد المعروضة، لذلك تبلغ المستوى الذي تطمح إليه بسهولة وعفوية أعلى.


مقالات ذات صلة

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يوميات الشرق أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

«هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، لا بوصفها قدرة حسية فحسب، بل كوسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق حقق الفيلم إيرادات كبيرة بالسينما المصرية (الشركة المنتجة)

«برشامة» ينطلق بالصالات الخليجية مراهناً على المواقف الصارخة

ينطلق الفيلم المصري «برشامة» للعرض في دور السينما الخليجية، الخميس، بعدما حقق إيرادات في مصر اقتربت من 130 مليون جنيه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من كواليس تصوير فيلم «السادة الأفاضل»

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

بينما كان يستعد مهرجان «جمعية الفيلم المصرية» لإقامة دورته الـ52 صدرت قرارات الإغلاق المبكر التي بدأ تنفيذها بهدف توفير الطاقة، إثر تداعيات الحرب على إيران.

انتصار دردير (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».