حماية «التنوع البيولوجي»... شراكة بين «التقليدية» و«الحداثة»

المهندس عبد الحميد إسرافيل يعرض نباتات  نادرة تمت استعادتها («الشرق الأوسط»)
المهندس عبد الحميد إسرافيل يعرض نباتات نادرة تمت استعادتها («الشرق الأوسط»)
TT

حماية «التنوع البيولوجي»... شراكة بين «التقليدية» و«الحداثة»

المهندس عبد الحميد إسرافيل يعرض نباتات  نادرة تمت استعادتها («الشرق الأوسط»)
المهندس عبد الحميد إسرافيل يعرض نباتات نادرة تمت استعادتها («الشرق الأوسط»)

رغم ما وصل إليه العلم من تقنيات حديثة يمكن توظيفها في خدمة قضية «التنوع البيولوجي»، فإن جهات دولية معنية بالقضية أدركت أنه لا يمكنها تحقيق أي تقدم دون إدخال المجتمعات المحلية التقليدية في المنظومة؛ فقد أصبح ينظر لها بمثابة «الحارس الأمين للتنوع البيولوجي». وإذا كان التنوع البيولوجي يُعرف بأنه «التفاعل الناشئ بين الكائنات الحية في وسط بيئي ما؛ بدءاً من الكائنات الدقيقة وانتهاء بالكائنات الضخمة»، فإن وجود الإنسان هو الضمان لاستمرار هذا التفاعل، عبر ممارسات منضبطة، تعيها جيداً الأجيال القديمة من المجتمعات المحلية التي تعتمد على أنشطة الرعي والزراعة. وفي هذا السياق، ركز «مؤتمر التنوع البيولوجي» الذي استضافته مدينة شرم الشيخ المصرية بمشاركة 180 دولة، نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على ضرورة الحفاظ على الأنشطة التقليدية، واستخدام التقنيات الحديثة التي أتاحها العلم لاستعادة هذه الأنشطة. أحد النجاحات يعود لمحافظة مرسى مطروح المصرية، التي كانت حاضرة في فعاليات المؤتمر، من خلال عرض لبعض نباتات المجتمع المحلي التي كادت تنقرض، ونجح «مرفق البيئة العالمي»، بالتعاون مع جمعيات أهلية، في استعادتها باستخدام أساليب الزراعة الحديثة. يقول المهندس عبد الحميد إسرافيل، مدير عام «وحدة بحوث المراعي» بمرسى مطروح، التابعة لـ«مركز بحوث الصحراء»، إن «الأجيال القديمة أدركت الأهمية الكبيرة للمراعي الطبيعية، لكن الأجيال الجديدة عدّت أنها مورد لا ينضب، فأسرفوا في استخدامها، وأعطوا اهتماماً كبيراً لرعاية حيوانات المرعى وتجاهلوا المرعى ذاته، مما أفقد كثيراً من المراعي تنوعها الحيوي».
ويشرح: «نجحنا من خلال المشروع في استعادة بعض النباتات الرعوية الآخذة في الانقراض، والتي لها أيضاً استخدامات طبية، مثل أشجار الحلاب».
والحلاب من الأشجار التي تنمو في بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي مستساغة لحيوانات المراعي بسبب أغصانها الغضة ومعامل هضمها المرتفع، كما أن لها كثيراً من الاستخدامات الطبية، مثل علاج ضغط الدم المرتفع. ويوضح إسرافيل أن تلك المزايا أهّلت هذه الشجرة لتكون على قائمة المشروع الذي يهدف لاستعادة النباتات الآخذة في الانقراض، حيث تم جمع البذرة من الشجيرات القليلة التي لا تزال تنبت في بعض المناطق، وتم استخدامها في إنتاج شتلات يتم وضعها بالمراعي قبل سقوط الأمطار مباشرة.
ونفذ «مرفق البيئة العالمي» تجربة شبيهة في الأردن، استهدفت استعادة المراعي الطبيعية التي تغطي ما بين 80 و90 في المائة من مساحة أراضي الأردن.
وتسبب الرعي الجائر بالأردن في تغيير المراعي كمّاً ونوعاً، حيث أدى إلى نمو أقل للنباتات، وإلى صغر حجمها، وإلى تآكل الغطاء النباتي، كما حدث انخفاض في عدد النباتات المستساغة والمغذية. ووفق الكتاب الصادر عن «مرفق البيئة العالمي»، بالتزامن مع «مؤتمر التنوع البيولوجي»، فقد قدم «المرفق» الدعم لأكثر من 150 مشروعاً بالأردن، نحو نصفها يغطي مجال التنوع الحيوي. وكما هي الحال في المشروع المصري، ركز المشروع الأردني على الدور الذي تقوم به المجتمعات المحلية في حماية التنوع البيولوجي من خلال توعيتها ومساعدتها على استعادة بعض النباتات الآخذة في الانقراض.
ويضم الأردن أكثر من 2500 نوع من النباتات الطبيعية التي تمثل واحداً في المائة من إجمالي الأنواع عالمياً؛ منها 100 نوع متوطن، و375 نوعاً نادراً.
ورغم أن «مرفق البيئة العالمي» كرر هذا المشروع في 120 دولة، فإن تقرير أداء «المرفق» الصادر هذا العام يرى أن النجاحات التي تحققت لا تزال أقل من الممارسات التدميرية المستمرة، وهو ما يتطلب، وفق التقرير، مزيداً من الدعم بالوسائل الحديثة لمساعدة المجتمعات المحلية التقليدية على حماية التنوع البيولوجي.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا الوثوق بالصور العلمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

في أبريل (نيسان) 2026، لفتت أنظار الكثيرين صورةٌ للأرض وهي تتألق في الفضاء السحيق، مع امتداد لأفق القمر المليء بالفوهات في مقدمة المشهد. التقط رواد الفضاء هذه الصورة خلال مهمة «أرتيمس 2» التابعة لوكالة «ناسا». وبدت هذه الصورة واقعية وملهمة للكثيرين على الفور مثلها مثل الصورة الشهيرة «شروق الأرض» (Earthrise) التي التقطتها مهمة «أبولو 8»، كما كتبت د. نان لي(*).

أيُّ الصور حقيقية؟

ولكن، في ظل قدرة أي شخص تقريباً على اختلاق صورة مشابهة بصرياً في غضون ثوانٍ بمجرد كتابة وصف نصّي باستخدام الذكاء الاصطناعي، كيف يحدد الناس أي الصور هي الحقيقية؟

إن انتشار الصور العلمية المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي في المجال العام لا يمثل مجرد مشكلة تتعلق بالمعلومات المضللة؛ فبصفتي باحثةً تدرس التواصل العلمي البصري وثقة الجمهور، أرى أن هذا الانتشار يسهم أيضاً في أزمة ثقة في العلم في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت الأدوات التي لطالما اعتمد عليها العلماء لإرساء المصداقية البصرية تفقد فاعليتها.

الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تتغلغل في المجال العلمي

تُحدث أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل تغييراً في طرق إنشاء ومشاركة ونشر المواد البصرية العلمية.

إذ يستخدمها الباحثون لتوليد الرسوم التوضيحية، وإنشاء بيانات اصطناعية، وتعديل صور المختبرات، وإنتاج مواد تعليمية وتوعوية للجمهور.

طمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي والتحسين البصري... والتلفيق

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد العلماء على إيصال الأفكار المعقدة بطرق أكثر إبداعاً وكفاءة، فإن هذه الأدوات نفسها تطمس الحدود الفاصلة بين الرسم التوضيحي، والتحسين البصري، والتلفيق.

صورة «أبوللو8» التاريخية لـ«شروق الأرض» فوق القمر

سحب منشورات علمية بسبب الصور المولَّدة

في عام 2024، سُحبت ورقتان بحثيتان بعد نشر أشكال (رسوم بيانية أو صور) مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحتوي على هياكل مستحيلة بيولوجياً. وفي أبريل 2026، سحبت «مجلة نيو إنغلاند الطبية» (New England Journal of Medicine) ورقة بحثية بعد اكتشاف التلاعب بصورة سريرية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وهذه مجرد حالات وصلت إلى علم الجمهور العام، ومن المرجح أنها لا تمثل سوى قمة جبل الجليد؛ فقد حذر الباحثون من أن المواد البصرية المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تشكل تهديدات متزايدة في المجالات التي تعتمد بشكل كبير على الأدلة البصرية، مثل علم المواد.

أنظمة الكشف عن الصور المزيفة... لا تزال متأخرة

بدأت دور النشر الأكاديمية في تبني أدوات للكشف عن محتوى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن الأنظمة المصمَّمة لكشف الصور المزيفة تظل دائماً متأخرة عن الأنظمة المصمَّمة لإنشائها؛ فعديد من أدوات الكشف لا تستطيع تحديد سوى أنماط الصور التي تدربت على التعرف عليها. ومع ظهور نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي، يتعين على المطورين باستمرار الحصول على بيانات جديدة وإعادة تدريب أدوات الكشف لمواكبة هذه التطورات.

صور تشوه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق مع الحفاظ على مستوى من المصداقية

وتتمثل أكبر المخاوف في الصور التي تبدو واقعية، حيث تقوم بتشويه التفاصيل العلمية بشكل خفي ودقيق، مع الحفاظ على مستوى من المصداقية يكفي لاجتياز مرحلة المراجعة الأولية.

الثقة بالصور العلمية

تمتعت الصور العلمية بمكانة موثوقة على مدى عقود، ويعود ذلك جزئياً إلى صعوبة إنتاجها. كان إنتاج صور المجهر، والرسوم البيانية المناخية، وصور الفضاء يتطلب معدات باهظة الثمن، وموارد مؤسسية، وخبرات متخصصة. وقد افترض معظم الناس أن هذه الصور تمثل رصداً حقيقياً للواقع، نظراً لأن قلة قليلة فقط كانت قادرة على إنتاجها.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوِّض معايير الصور العلمية

تشير الأبحاث في مجال التواصل العلمي -بما في ذلك أبحاثي الخاصة- إلى أن الناس يحكمون على الصور العلمية بالاعتماد على بعض «الاختصارات الذهنية»؛ فهل تبدو الصورة متطورة تقنياً؟ وهل تصدر عن مؤسسة موثوقة؟ وهل تتوافق مع ما أؤمن به مسبقاً؟ واليوم، يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقويض هذه المعايير الثلاثة (أو الاختصارات الذهنية).

وفي الوقت الراهن، يمكن لأي شخص إنشاء صورة متقنة تبدو علمية بمجرد كتابة وصف نصي. كما أن الصور غالباً ما تنفصل عن مصدرها الأصلي عند تداولها عبر الإنترنت. وعندما تفقد الجودة البصرية والنسب إلى مؤسسة موثوقة قيمتهما كمؤشرات موثوقة للحكم على مصداقية الصور العلمية، يميل الناس إلى الاعتماد على شيء آخر: معتقداتهم المسبقة.

رفض الصور العلمية الحقيقية... بوصفها مولّدة

ونتيجة لذلك، أصبح من الممكن الآن رفض الصور العلمية الحقيقية التي تتحدى معتقدات الفرد القائمة بوصفها نتاجاً للذكاء الاصطناعي، في حين يتم قبول الصور الملفقة التي تؤيد تلك المعتقدات بسهولة كأدلة. وبهذه الطريقة، قد يعزز الذكاء الاصطناعي ما يُعرف بـ«التفكير المدفوع بالرغبة» (motivated reasoning)؛ أي ميل الناس إلى قبول ما يتفقون معه مسبقاً والتشكيك فيما لا يتفقون معه.

وتكتسب هذه التحولات أهمية بالغة لأن الصور لطالما كانت بمنزلة أدلة تدعم الادعاءات العلمية. فالجمهور غير المتخصص لا يعتمد على الصور لرؤية ما اكتشفه العلماء فحسب، بل أيضاً لتكوين رابط عاطفي واستشعار مصداقية العلم المعروض. وإذا توقف الجمهور تماماً عن الوثوق بالأدلة البصرية، فإن العلم سيفقد واحدة من أقوى أدواته للتواصل مع عامة الناس.

الشفافية: نعم... التقييد: لا

توفر أدوات الذكاء الاصطناعي مزايا حقيقية للباحثين عند عرض أعمالهم على جماهير متنوعة. وتكمن التحديات في استخدام هذه الأدوات في منع انتقال -ولو بشكل غير محسوس- مشكلة «نقص المصداقية» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى المحتوى العلمي الذي تهدف تلك الصور إلى تبيانه.

يتمثل أحد المسارات العملية للمضي قدماً في أن يتعامل الباحثون مع «مصدر الصورة» -أي أصلها وكيفية إنشائها- بنفس القدر من الجدية التي يطبقونها عند التعامل مع مصدر البيانات العلمية.

اعتاد العلماء الإفصاح عن مصادر التمويل، ومنهجيات الدراسة، وتضارب المصالح؛ وقد بات من الضروري الآن تطبيق معايير مماثلة على الصور العلمية. هل استُخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء هذه الصورة أو تعديلها؟ هل هي نتاج رصد مباشر، أم محاكاة، أم رسم توضيحي؟ ماذا تمثل الصورة بالضبط، وكيف تم التحقق منها؟ وهل يمكن لباحثين آخرين إعادة إنتاجها؟ وإليك مثال؛ فلقد انتشرت على نطاق واسع صورة علمية غير دقيقة للغاية لجرذ، كانت قد نُشرت في إحدى المجلات العلمية.

تمنح الشفافية الجمهورَ السياقَ اللازم لتقييم ما يشاهدونه، لكنها قد لا تحسم كل الخلافات حول كيفية إنتاج الصور. فالاستخدام المسؤول للصور العلمية المُنتجة بالذكاء الاصطناعي يتطلب الصدق، والالتزام بالمعايير المهنية، والتطوير الجماعي لمعايير قائمة على الأدلة عبر مختلف المجالات العلمية.

لماذا تظل الصور الأصلية ذات تأثير قوي؟

تحمل الصورة الأصلية التي التُقطت عام 1968 لمشهد «شروق الأرض» (Earthrise) خلال مهمة «أبوللو 8» تأثيراً عاطفياً كبيراً؛ وكذلك الحال بالنسبة لصور مهمة «أرتميس 2» لعام 2026.

«الأصالة» تُجسد العلاقة الموثقة بين الصورة والعالم الواقعي

وما يضفي عليها هذه الأهمية ليس مجرد جمالها، بل ارتباطها الملموس بالواقع العلمي. فعندما ينظر الناس إلى صور الكواكب هذه، يدركون أيضاً وجود رواد فضاء، وكاميرات حقيقية، وبعثات موثقة، وعمليات رصد قابلة للتحقق تقف وراء تلك الصور. وبهذا المعنى، تُعد «الأصالة» علاقة موثقة بين الصورة والعالم الواقعي.

في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد بوسع المؤسسات العلمية افتراض أن الجمهور سيثق تلقائياً بموادها البصرية؛ إذ باتت الثقة تعتمد الآن على الشفافية والتوثيق والتواصل الواضح بشأن كيفية إنتاج الأدلة البصرية.

ومن دون وجود مبادئ توجيهية ومعايير محددة، يواجه العلم خطر الانزلاق إلى عالم يصبح فيه الكل مشكوكاً في صحة صوره، وتفقد فيه أي صورة مصداقيتها الذاتية.

* أستاذة مشاركة في مجال التواصل العلمي بجامعة ويسكونسن-ماديسون، مجلة «فاست كومباني».


هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
TT

هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي
المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي

أصدرت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية هذا الأسبوع عدداً خاصاً من نشرتها المهنية تناول مجموعة من الموضوعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، شملت تطبيقاته في الصحة النفسية، وسلامة المرضى، وتأثيراته المتزايدة على الممارسة الصحية. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى اهتماماً بتقنية حديثة تفرض نفسها على مختلف القطاعات، لكن القراءة الأعمق تكشف عن دلالة أكثر أهمية؛ فحين تضع الجهة المسؤولة عن تنظيم وتأهيل واعتماد الممارسين الصحيين في المملكة الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها المعرفية والمهنية، فإن الرسالة لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل بمستقبل المهن الصحية نفسها.

*الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس صحي*

إن العالم يشهد اليوم تحولاً قد يكون الأوسع منذ دخول الحاسوب إلى المستشفيات قبل أكثر من ثلاثة عقود. وإذا كانت المهارات الرقمية قد أصبحت جزءاً أساسياً من العمل الصحي خلال العقدين الماضيين، فإن فهم الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس صحي خلال السنوات المقبلة.

فهم الخوارزمية مهارة الطبيب الجديدة

من استخدام الحاسوب إلى فهم الخوارزميات

عندما بدأت المؤسسات الصحية اعتماد السجلات الطبية الإلكترونية، كان التحدي الرئيسي يتمثل في تعليم الأطباء والعاملين الصحيين كيفية استخدام الحاسوب والأنظمة الرقمية. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة التحدي جذرياً. فالقضية لم تعد مرتبطة بإدخال البيانات أو استعراض المعلومات، بل بالتعامل مع أنظمة ذكية قادرة على التعلم من البيانات واكتشاف الأنماط الخفية وتقديم توصيات قد تؤثر بصورة مباشرة في القرار الطبي.

وفي عدد متزايد من المستشفيات حول العالم باتت الخوارزميات تساعد في قراءة صور الأشعة واكتشاف الأورام وتحليل تخطيط القلب والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة قبل حدوثها. وبعض الأنظمة الحديثة أصبحت قادرة على تلخيص مئات الصفحات من السجلات الطبية خلال ثوان معدودة، وهو عمل كان يتطلب ساعات طويلة من المراجعة البشرية.

وفي كثير من الأحيان تبدو هذه التوصيات دقيقة ومقنعة، لكن وراء كل نتيجة توجد خوارزمية تعتمد على بيانات وافتراضات واحتمالات إحصائية قد تحمل نقاط قوة كما قد تحمل نقاط ضعف أو تحيزات غير مرئية.

الصحة النفسية وسلامة المرضى

* الصحة النفسية. ويظهر ذلك بوضوح في مجال الصحة النفسية، وهو أحد المحاور التي تناولتها نشرة الهيئة. فخلال السنوات الأخيرة بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم للمساعدة في رصد مؤشرات الاكتئاب والقلق واضطرابات الصحة النفسية من خلال تحليل أنماط اللغة المستخدمة في المحادثات أو التغيرات في أسلوب الكتابة أو بعض السلوكيات الرقمية المتكررة. وقد أظهرت دراسات عالمية أن بعض الخوارزميات أصبحت قادرة على اكتشاف مؤشرات مبكرة لمشكلات نفسية قد لا يلاحظها المريض أو المحيطون به في مراحلها الأولى.

* سلامة المرضى. كما بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تلعب دوراً متزايداً في تعزيز سلامة المرضى، من خلال التنبيه إلى الجرعات الدوائية الخاطئة، واكتشاف التفاعلات الدوائية الخطرة، ورصد المؤشرات المبكرة لتدهور حالة المريض داخل المستشفى. وهي تطبيقات قد تسهم في تقليل الأخطاء الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية إذا استُخدمت بصورة صحيحة.

لكن هذه التطبيقات تطرح في الوقت نفسه أسئلة مهنية وأخلاقية معقدة. فهل ينبغي للطبيب أن يعتمد على توصية الخوارزمية وحدها؟ وكيف يمكن التحقق من دقة النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ النظام؟

إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي الطبي ليس أن يخطئ أحياناً، بل أن يثق المستخدم بنتائجه من دون أن يفهم كيف وصل إليها.

محو أمية الذكاء الاصطناعي

شهدت السنوات الأخيرة ظهور مفهوم جديد يعرف باسم «محو أمية الذكاء الاصطناعي»، وهو الحد الأدنى من المعرفة الذي يمكّن الممارس الصحي من فهم كيفية عمل الأنظمة الذكية وتقييم نتائجها بصورة نقدية ومسؤولة.

وفي القطاع الصحي تكتسب هذه القضية أهمية استثنائية؛ لأن القرارات الطبية لا تتعلق بالأرقام والبيانات فقط، بل بحياة البشر وصحتهم وكرامتهم.

ولهذا بدأت جامعات ومؤسسات صحية عالمية، من هارفارد وستانفورد إلى أكسفورد وكلية الأطباء الملكية البريطانية، بإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته ضمن برامج التعليم الطبي والتدريب المستمر؛ إدراكاً منها أن الجاهزية للذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من الكفاءة المهنية الحديثة.

* ستزيد الحاجة إلى أطباء يمتلكون مهارتين في وقت واحد: الفهم السريري العميق والفهم الواعي للتكنولوجيا*

الطبيب لا يختفي... بل يزداد أهمية

الطبيب لا يختفي

مع كل ثورة تقنية جديدة تظهر توقعات تتحدث عن اختفاء بعض المهن أو تقلص دورها. وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة كثيراً من العناوين التي تساءلت عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الأطباء.

لكن الواقع داخل المؤسسات الصحية الرائدة يشير إلى اتجاه مختلف. فالأنظمة الذكية قد تتفوق على الإنسان في سرعة معالجة البيانات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تستطيع فهم السياق الإنساني الكامل للمريض، ولا إدراك مخاوفه وظروفه الاجتماعية وأولوياته الشخصية، كما أنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية للقرار الطبي.

ولهذا يتفق عدد متزايد من الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي لن يقلل من أهمية الطبيب، بل سيزيد الحاجة إلى أطباء يمتلكون مهارتين في وقت واحد: الفهم السريري العميق والفهم الواعي للتكنولوجيا.

السعودية واستعداد مبكر للمستقبل

السعودية واستعداد مبكر للمستقبل

يأتي هذا الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي ضمن سياق أوسع من التحول الوطني الذي تشهده المملكة في إطار «رؤية السعودية 2030». فالسعودية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بصفته مشروعاً تقنياً منفصلاً، بل بصفته ركيزة أساسية في بناء اقتصاد المعرفة وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والحكومية.

ومن هنا تكتسب مبادرات الهيئة السعودية للتخصصات الصحية أهمية خاصة؛ لأنها تركز على العنصر الأكثر أهمية في أي نظام صحي ناجح: الإنسان. فنجاح التحول الرقمي لا يعتمد على امتلاك أحدث التقنيات فحسب، بل على وجود كوادر قادرة على استخدامها بصورة صحيحة وآمنة وفعالة.

الجاهزية للذكاء الاصطناعي

ربما يأتي يوم قريب يصبح فيه فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي جزءاً من متطلبات الممارسة المهنية، تماماً كما أصبحت مهارات الحاسوب جزءاً طبيعياً من العمل الصحي اليوم.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الطب، فهذه العملية بدأت بالفعل. السؤال الحقيقي هو: من سيقود هذا التغيير؟ هل سيكون الطبيب شريكاً واعياً يفهم الخوارزمية ويستخدمها لخدمة المريض؟ أم سيكون مستخدماً يكتفي بالاعتماد على نتائجها دون أن يدرك حدودها ومَواطن ضعفها؟

إن مستقبل الطب لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل الأطباء والممارسون الصحيون القادرون على توظيفها بحكمة ومسؤولية ورحمة.

في الماضي كان الطبيب يحمل السماعة الطبية، واليوم يحمل الحاسوب، أما في المستقبل فسيحمل فهماً عميقاً للخوارزميات أيضاً. والسؤال لم يعد: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب؟ بل هل نحن مستعدون للطب الذي سيدخله الذكاء الاصطناعي؟

وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي أرادت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية إيصالها عندما خصصت هذا العدد للذكاء الاصطناعي: أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الآلة، بل من الإنسان القادر على استخدامها لصالح الإنسان.


أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات
TT

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

أسلحة ليزر أميركية متطورة لاعتراض الصواريخ والمسيَّرات

استعرضت وزارة الدفاع الأميركية أمس (الثلاثاء) عدة أسلحة تعتمد على الليزر عالي الطاقة، وأسلحة أخرى بموجات الميكروويف عالية القدرة، أمام وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتُعد هذه المرة الأولى المعلنة التي يشاهد فيها وزير دفاع أميركي في منصبه شخصياً عملية إطلاق حية لسلاح يعمل بتقنية الطاقة الموجهة. وأقيم العرض في ميدان «وايت ساندز» لاختبار الصواريخ التابع للجيش الأميركي في ولاية نيو مكسيكو، كما كتب جاريد كيلر(*).

أسلحة الطاقة الموجهة

ووفقاً لمصادر مطلعة على العرض، شملت أسلحة الطاقة الموجهة المشاركة ما يلي: نظام الليزر عالي الطاقة متعدد الأغراض للجيش (AMP-HEL) القائم على نظام «LOCUST» لأسلحة الليزر بقدرة 20 كيلوواط من شركة AV؛ والنسخة «P5» من نظام الدفاع الجوي قصير المدى والمتحرك العامل بالطاقة الموجهة (DE-MSHORAD) بقدرة 50 كيلوواط من شركة nLight؛ ونظام الليزر عالي الطاقة للحماية من النيران غير المباشرة (IFPC-HEL) بقدرة 300 كيلوواط من شركة «لوكهيد مارتن» والمعروف باسم «فالكيري» (Valkyrie)؛ ونظام الحماية من النيران غير المباشرة العامل بموجات الميكروويف عالية القدرة (IFPC-HPM) القائم على نظام «ليونيداس» (Leonidas) من شركة «إيبيروس» (Epirus)؛ بالإضافة إلى نسخة تعمل بموجات الميكروويف عالية القدرة من صاروخ الاعتراض «كويوت» (Coyote) التابع لشركة «رايثيون»، والتي يُرجح أن تكون نظام «Block 3 Non-Kinetic» (BNK).

مبادرة نظام سلاح الليزر المشترك

وبينما صرح مسؤول رفيع المستوى في البنتاغون بان البرامج الحالية تدار من قبل فروع الخدمة العسكرية كلٌ على حدة، فإن مكتب «مايكل» ​​يضطلع «بدور أكثر نشاطاً لدفع تقنيات الطاقة الموجهة قدماً» من خلال مبادرة «نظام سلاح الليزر المشترك» (JLWS) الجديدة، التي أُطلقت العام الماضي تحت مظلة نظام الدفاع الصاروخي المحلي «القبة الذهبية لأميركا» (Golden Dome for America).

استخدام الطاقة الموجهة يتيح للجنود القتال متجاوزين قيود سعة الذخيرة التقليدية

وأشار المسؤول إلى أن العرض العملياتي الذي أُجري في «وايت ساندز»، أكد قدرة أنظمة الطاقة الموجهة - ولا سيما الليزر عالي الطاقة - على التصدي للتهديدات الكثيفة والمنتشرة على نطاق واسع، والقادمة من مصادر ومستويات طاقة متنوعة. وأضاف: «إن توسيع نطاق استخدام الطاقة الموجهة يتيح لمقاتلينا القتال متجاوزين قيود سعة الذخيرة التقليدية، إذ لن يعودوا مقيدين بعدد الرصاصات الموجودة في مخزن السلاح».

سلاح مضاد للصواريخ والمسيرات

وتأتي هذه التجربة في وقت يسعى فيه الجيش الأميركي بقوة لإيجاد بدائل للصواريخ والاعتراضات المكلفة، وذلك لمواجهة الانتشار السريع للطائرات المسيَّرة الرخيصة والمجهزة بأسلحة؛ وهو تهديد ملح لدرجة دفعت البنتاغون لاقتراح تمويل تاريخي بقيمة ملياري دولار لأبحاث وتطوير أسلحة الطاقة الموجهة ضمن طلب الميزانية للسنة المالية 2027.

نشر أسلحة الليزر بعد انخفاض تكاليف إنتاجها

ونظراً لانخفاض تكلفتها النسبية لكل عملية إطلاق وما تتمتع به من سعة ذخيرة «لا نهائية»، تبرز أسلحة الليزر - على وجه الخصوص - كحل جذاب بشكل متزايد لمعضلة الطائرات المسيَّرة. ويبدو أن هذه التكنولوجيا قد نضجت أخيراً لدرجة جعلت القادة العسكريين يؤمنون تماماً بإمكانية نشرها على نطاق واسع كقدرات عملية قابلة للتشغيل والدعم اللوجستي، بدلاً من الاكتفاء بسلسلة لا تنتهي من النماذج الأولية المتطورة والمكلفة.

نظام ليزري واعد

وستكون مبادرة «الليزر عالي الطاقة المستدام» (E-HEL) -وهي المحاولة الأكثر جدية للجيش حتى الآن لتحويل عقود من أبحاث وتطوير أسلحة الليزر إلى برنامج عسكري رسمي معتمد- الاختبار الحقيقي الأول للبنتاغون لمعرفة ما إذا كان الوضع سيختلف هذه المرة. يمضي نظام الليزر المعياري (بقدرة 30 كيلوواط) المخصص لمكافحة الطائرات المسيرة -والذي يُعد خليفةً لمشروع DE-MSHORAD- وفق جدول زمني طموح ومكثف للغاية؛ إذ كان من المتوقع تسليم النموذج الأولي الأول في الربع الثاني من السنة المالية 2026، مع تحديد موعد لتسليم وحدات الإنتاج بحلول نهاية السنة المالية 2027. وتخطط الجهة المعنية لـ«إنتاج ونشر سريع» لما يصل إلى 24 نظاماً من طراز E-HEL على مدار خمس سنوات، وهو طموح كان يُعد أمراً مستحيلاً بالنسبة لبرنامج يعتمد على تقنية الطاقة الموجهة قبل بضع سنوات فقطن بحيث بدأت البحرية الأميركية في استكشاف إمكانية استخدام هذا النظام على متن السفن.

نظام سلاح «لوكاست» الليزري

نظم ليزرات متنافسة

* يُعتبر نظام «لوكاست» LOCUST أكثر أنظمة الليزر خضوعاً لاختبارات ميدانية في الترسانة الأميركية؛ فقد نُشر لأول مرة في الخارج عام 2022 وجرى دمجه في مركبات المشاة (ISV) والمركبات التكتيكية الخفيفة المشتركة (JLTV) ضمن مبادرة AMP-HEL.

وكان هذا النظام مسؤولاً عن أول عملية تدمير لهدف بواسطة الليزر يعترف بها الجيش الأميركي عند الحدود الجنوبية مع المكسيك في شهر فبراير (شباط) الماضي -وإن كانت للأسف حالة «نيران صديقة». كما أسقط نظام LOCUST طائرات مسيرة متعددة أثناء تشغيله من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكانت شركة AV قد كشفت في أغسطس (آب) الماضي عن نسخة مطورة من نظام LOCUST خصيصاً للمنافسة في الفوز في مشروع مبادرة «الليزر عالي الطاقة المستدام E-HEL» نظراً لثبوت كفاءة دمجه في المركبات وعلى منصات الشحن (الأنظمة القابلة للنقل).

* يُعد إصدار P5 من نظام DE-MSHORAD، الذي طورته شركة nLight، سلفاً لسلاح الليزر HADES بقدرة 70 كيلوواط الذي كشفت عنه الشركة في شهر مايو (أيار). ويمثل نظام HADES - المصمم للإنتاج الكمي - مسعى الشركة القريب المدى للفوز بعقود لأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وذلك بالتزامن مع مواصلة عملها في مشروع البحرية الأميركية HELCAP (نظام ليزر عالي الطاقة للتصدي للصواريخ الجوالة المضادة للسفن) بقدرة 300 كيلوواط، وكذلك في إطار مبادرة البنتاغون HELSI (مبادرة توسيع نطاق الليزر عالي الطاقة) لتطوير ليزر من فئة «الميغاواط» القادر على التصدي للتهديدات الباليستية وتلك التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.

إنفاق عسكري بملايين الدولارات

يُعد العرض التوضيحي الذي جرى يوم أمس، أوضح تعبير حتى الآن عن طموحات الجيش الأميركي في مجال الطاقة الموجهة ضمن إطار منظومة «القبة الذهبية»، إذ يتضمن طلب ميزانية البنتاغون لعام 2027 تخصيص 452 مليون دولار لأعمال البحث والتطوير في مجال الطاقة الموجهة لصالح المنظومة «Golden Dome»، وهو مبلغ يفوق ثلاثة أضعاف ما تم إقراره في العام الماضي فقط. وعلى صعيد منفصل، يخطط كل من الجيش والبحرية لإنفاق 676 مليون دولار على مدى خمس سنوات -في إطار مبادرة JLWS- لتطوير سلاح ليزر بقدرة 150 كيلوواط يُثبّت داخل حاوية شحن، يكون قادراً على تدمير الصواريخ الجوالة القادمة.

* مجلة «فاست كومباني».