الرواية تقضم صناعة العرب الأصيلة

الشعراء تحولوا إلى مقدمي جلسات للروائيين في أحسن حالاتهم

حسب الشيخ جعفر - عبد الخالق الركابي
حسب الشيخ جعفر - عبد الخالق الركابي
TT

الرواية تقضم صناعة العرب الأصيلة

حسب الشيخ جعفر - عبد الخالق الركابي
حسب الشيخ جعفر - عبد الخالق الركابي

لم يكن يخطر ببال الشعراء في يوم من الأيام أن يكون الروائيون نجوماً أكثر لمعاناً منهم، ولم يمر ببالهم أنْ يعرف الناس الروائيين أكثر منهم، كما أنهم لن يصدقوا أبدا أنْ يأخذ الناس صوراً مع الروائيين و«بموبايلات» الشعراء.
حدث كل هذا وأكثر، ويبدو أنه يحدث دائماً في هذه الأيام وخصوصاً في معارض الكتب، حيث يتبختر الروائيون بمشيتهم في المعرض، وكأنهم «نجوم سينما» فيما يتهامس الشعراء مع بعضهم وكأنهم يسرقون شيئا، وهم يندبون حظهم على دواوينهم الكاسدة، وبضاعتهم المزجاة، ويبدو أن عكاظ الشعر التي يفخر بها الشعراء تحولت إلى «عكاظ الرواية» حتى إن عدداً ليس قليلا من الشعراء بدأ بكتابة الرواية طمعاً بالصور مع الناس، أو طلباً لنجومية بأثرٍ رجعي، والغريب أني سألت الشاعر الكبير «حسب الشيخ جعفر» قبل 6 أشهر من زيارتي له مع عددٍ من الأدباء والكتاب في بيته، ماذا تكتب هذه الأيام أستاذنا؟ فقال: إني أكتب رواية، فاستغربنا جميعا، وقلت له: لماذا؟ فذكر لي مثلا يردده الأدباء «الروس» ما معناه «بأن أي شاعرٍ لن يكون شاعراً إلا إذا كتب رواية» ولهذا ــ والحديث لحسب الشيخ جعفر ــ أكتب رواية جديدة هذه الأيام ــ وبالتأكيد حسب الشيخ جعفر لا يحتاج إلى كتابة رواية لكي يعرف فهو أحد أكبر قاماتنا الشعرية.
لذلك فالحديث عن أن الرواية ملحمة القرن العشرين هو حديث مسند، لأنَه زحف إلى الحادي والعشرين، وفرش أجنحته عليه، وإذا كانت العرب أمة شعرية بامتياز، ها هي تستسلم اليوم لتفسح المجال للرواية في التجول في طرقاتها، وتحويل شخصياتها من شخصيات من لحم ودم إلى شخصيات ورقية.
الشعر هو ابن البادية أو الصحراء كما يقولون، والرواية هي بنت المدينة والمدنية، فهل دخلنا نحن العرب إلى عوالم المدنية؟ لندخل عصر الرواية نافضين أيدينا عن الشعر صناعتنا الوطنية الوحيدة؟
كل ذلك الحديث ليس ساخراً ولا ممتعضاً، إنما هي بعض مما شاهدتُه في بعض معارض الكتب العربية التي زرتها، فوجدتُ أن الرواية تتصدر قائمة المبيعات بالنسبة للكتب، وأن أصدقائي الروائيين هم نجوم المعارض، وهم حاضرون طيلة أيامها، يوقعون كتبهم باستمرار، والبعض منهم نفدت كامل النسخ منها، وعدد آخر من الكتب كلها علامات وظواهر جديدة في الثقافة العراقية، على الأقل تلك الثقافة التي تتسم بالشعرية، وإن الشعراء فيها هم رواد منتجها الثقافي، وإنهم لا يسمحون للحداثة أن تمر إلا من خلال عيونهم، وإذا بكل عنفوان الشعراء الذي نعرف، يتحولون إلى مقدمي جلسات للروائيين في أحسن حالاتهم، أو يأخذون صوراً لهم مع معجبيهم دون أنْ يشعر بهم أحد.
هل نحن إزاء منعطف جديد في الثقافة العراقية؟ هل إن الرواية أكثر مساحة من الشعر أو القصيدة لتحمل أوجاع العراقيين؟ أم إن أسئلة الأمة التي كان يحلم بها العراقيون لا تُصاغ إلا بالزمن السردي؟ هل الجدل العراقي والحراك السياسي والتحولات الدينية وجدت حاضنتها في الرواية؟ هل 2003 ذلك التاريخ الخطير في عمر العراق صار علامة فارقة لكسر الخطوط أمام أصوات أقلام الساردين؟ هل للجوائز التي حصل عليها بعض الأصدقاء كالبوكر وغيرها سبب في أن يلتفت العالم لنا من خلال الرواية دون غيرها؟ أم إن الرواية حائط سهل يغري بتسلقه كل ذي رجلين كما يقول «سامي مهدي» عن قصيدة النثر؟
هل تحولت الرواية في العراق إلى فن العادة، بحيث أصبحت الكتابة الروائية هي الطريق الأسهل للكتابة والطباعة والنشر وحتى للظهور إعلامياً.
ثم، هل نحن فعلا أمة تحكي كثيراً؟ فجلُ ما نحتاجه هو أنْ نضم أفكارنا ونسلسل أحاديثنا بكتب ونبيعها، أم إن الشعر فعلا تنازل عن كرسيه «البابوي» أو سُلب منه وأُعطي للسرد؟ علما أن العرب التي يُضرب المثل بها في الشعر، كان لها نتاجٌ عظيمٌ في النثر، ولكنه اندثر لأسباب دينية وسياسية ــ على ما يبدو ــ حيث يروي الجاحظ عن الفضل الرقاشي قوله «ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يُحفظ من المنثور عُشره ولا ضاع من الموزون عُشره» ولكن على ما يبدو لم يبق من النثر العربي القديم إلا ما وافق توجهات وأفكار الدعوة الجديدة وما خالفها فإن الاندثار مصيرها، وهذا يعني أيضا أننا أمة تسرد وتحكي وتتحدث أكثر مما تكتب الشعر وتنشده، وعليه فالنثر ابن بار للعقل، فيما الشعر ولد مشاكس خارج من القلب، وهاربٌ من المنطق متجهاً صوب البراري.
وهذا الأمر يقودنا إلى أن الرواية تحظى باهتمام كبير ليس من الوسط الثقافي فحسب، بل من الوسط السياسي أيضا، فحديثاً نتذكر كيف أن «صدام حسين» كلف عددا من الروائيين لتدوين المعارك التي دارت بين العراق وإيران، ومن ثم كلف كل روائي من هؤلاء الروائيين الذين انتدبوا أن يرافق قائدا من قادة الجيش العراقي، ليروي له الأحداث ومن ثم يقوم الروائي بكتابتها سرداً فيه من الفن والتشويق ما فيه، وبالفعل صدرت أواخر حكم النظام السابق سلسلة من الروايات بهذا الشأن ولكتاب معروفين ومهمين.
وما هذا التكليف إلا شعور بأهمية الرواية، والحديث عن أن الشعر ينتعش في الأزمنة الديكتاتورية ليس صحيحا دائماً، فها هي الرواية تشعر المسؤولين في الحكومة العراقية السابقة بأهميتها، لنرى فيما بعد أن «صدام حسين» نفسه يقوم بكتابة الرواية ليطبع ثلاث روايات «زبيبة والملك، ورجال ومدينة، واخرج منها يا ملعون» وبعد نزول الأعمال إلى السوق كُتب على غلاف الروايات رواية لكاتبها.
ومن ثم تغير النظام، وتشكلت مجموعة من الهيئات، منها هيئة الشهداء وهيئة السجناء، وقد أقدمت هاتان الهيئتان على تشجيع الروائيين والكتاب على كتابة أعمال روائية تدين مرحلة نظام صدام حسين، وتعري فترة حكمه، أو أنْ يكتب السجناء مذكراتهم في تلك المرحلة، ولكن بطريقة روائية، وهذا يدلل على أهمية الرواية سياسيا فضلا عن مستوياتها الفنية.
ولكني مطمئن تماما على مستقبل الشعر وأنه الجنس الأكثر إغراء بين الفنون والقوى الناعمة ذلك أن الروائي عبد الخالق الركابي الفائز بجائزة سلطان العويس عن منجزه الروائي وهي من أهم الجوائز العربية أقول ما زال الركابي ينشر بين أسبوع وآخر على صفحته بالفيسبوك قصائد شعرية من كتاباته، وما يزال أحمد سعداوي عازما على طباعة ديوانه الشعري وهي أولى كتاباته التي كنا شهدناها معاً، وما زال بعض الروائيين حين يعشقون يرسلون نصوصا شعرية من أصدقائهم الشعراء.
لذلك فللنص الشعري للقصيدة سحر خاص وإغراء لا يشبهه شيء فهو كما يقول أدونيس:
أغرقتني وملكـت المـــوج والغرقا يا مالئي دهشة، يا مالئي قلقا
أغري بك الليل، يغويني ويأخذني أخذ العزيز وأغري باسمك الأفقا



آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر
TT

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

في قاعة «وير هاوس» بمانشستر، شمال إنجلترا، يقيم الفنان الصيني آي ويوي معرضاً فريداً من نوعه، من جهة ضخامته وتنوعه، مواد وتقنيات وأساليب وموضوعات وحكايات. أما لماذا مانشستر؟ فلأنها المدينة التي شهدت ولادة الثورة الصناعية التي بدأت بصناعات النسيج، ولذلك سُميت بـ«مدينة القطن».

وما علاقة كل هذا بمعرض فني؟ كما هي حكاية كل عمل ينفذه الفنان الصيني الذي عُرف بميله إلى الضخامة والكثرة والتكرار، فقد بدأت الفكرة من قيامه بشراء أطنان من الأزرار من مصنع إنجليزي كان قد أعلن عن إفلاسه. ما الذي سيفعله بتلك الكمية من الأزرار؟ هل سينشرها على الأرض مثلما فعل ببذور عباد الشمس التي صنعها من الخزف ونثرها في الباحة الداخلية لمتحف «تيت مودرن» قبل سنوات؟ كانت الفكرة مغرية لولا أنه فكر في مفارقة تاريخية مصدرها رغبته في المقارنة بين واقعين: مانشستر في عصرها الصناعي الذهبي وواقعها الحالي بعد أن أغلقت مصانعها، والصين -وهي وطن الفنان- في ماضيها الكئيب وعصرها المزدهر؛ حيث تحولت إلى معمل العالم.

تلك توطئة، انتقل الفنان بعدها بذاكرته التاريخية -وهو مولع بالحكايات- إلى الحملة التي قامت بها القوى المهيمنة على اقتصاد العالم، من أجل إجبار الصين على فتح موانئها بعد أن أغلقتها عام 1900. ببساطة، قام بتصنيع أعلام بحجم المنازل مخيطة بالأزرار. تُمثل تلك الأعلام تحالف الدول الثماني التي غزت الصين. نسج الفنان سرديات التصنيع والاستعمار والعنف التاريخي في صورة معقدة للتاريخ الحديث.

لقد انطوى التاريخ على كثير من السخرية والعبث. كانت التكلفة باهظة. اندحرت إمبراطوريات حين مزق بعضها البعض الآخر فيما بعد. تبدو الأعلام ثقيلة، يشعر المشاهد بثقلها، ويكون لزاماً عليه أن يفكر في التاريخ وضغطه المستمر. وعلى الرغم من خلافه مع النظام الشيوعي الحاكم في الصين، فإن آي ويوي لا يُخفي فخره ببلاده التي خرجت منتصرة بطريقة ناعمة.

ويستغرق السفر بالقطار من لندن إلى مانشستر أكثر من ساعتين بقليل، ولكن عشرات السنين يمكن أن تمر إذا ما استعان المسافر بذاكرته واخترق الزمن عمودياً. لقد كان للكدح الإنساني وجهان، وجه مضيء وآخر مظلم. ومثلما كانت الصناعة التي بدأت في مانشستر نقطة تحول خطير في التاريخ البشري؛ حيث بدأ العصر الصناعي الذي أنهى تدريجياً تقاليد العمل اليدوي، فإنها أخفت تحت أقنعتها المتعددة أشباح الموت والعنف والاستغلال والجشع والمعاناة.

أول ما يراه المرء في معرض آي ويوي الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، ثريا زجاجية سوداء مصنوعة من هياكل عظمية، وجدار مغطى بصورٍ لأقوى القنابل التي اختُرعت واستُعملت في الحروب، من أجل أن تصنع الإمبراطوريات المتعاقبة مجدها الزائل. الاستعمار الذي وهبته المواصلات الحديثة قوة دفع بخاري.

«تاريخ القنابل» هو العمل الذي يُغطي الجدار القصير للقاعة المستطيلة بالكامل، وقد جُمع بواسطة متطوعين في مانشستر وحرفيين في الصين. من بعيد، يبدو العرض الأنيق للقنابل الفضية اللامعة على خلفية سوداء داكنة، وكأنه مأخوذ من «كتالوج تسوق» لبضائع تتميز بقسوة جمالها.

وإذا ما كان الفنان قد حرص على السماح لزوار معرضه بالاقتراب الشديد من المعروضات، فلأنه كان يرغب في أن يفاجئهم بأن ما يرونه ليس صوراً؛ بل هو تركيب مصنوعٌ من مكعبات اللعب التي يلهو بها الأطفال. 3.5 مليون مكعب، يبلغ طول كل منها نحو نصف سنتيمتر، بألوان الأبيض والأسود والرمادي والفضي. استدرج الفنان البراءة إلى الأرض الحرام، تلك المساحة الفاصلة بين الجيوش والتي لا يعود منها أحد.

لا يتعلق قصد الفنان بالبشاعة كما ذهب بعض النقاد. استعمال ألعاب الأطفال لبناء عرضٍ للأسلحة كان القصد منه -من وجهة نظري- شد الانتباه إلى تلك المعادلة التي انطوت على إسعاد الأطفال وقتلهم في الوقت نفسه.

لا ينطوي فن آي ويوي على أي رغبة في التحذير. كل الحكايات التي يرويها تاريخية. لقد حدث كل شيء ولا يمكننا أن نغير شيئاً.

وآي ويوي (1957 بكين) هو الأشد شهرة بين الفنانين المعاصرين في العالم، وهو -كما أتوقع- الأكثر ثراء. وإذا ما كان الفنان الذي استدعى اعتقاله في بلاده عام 2011 بتهمة التهرب الضريبي تضامناً عالمياً غير مسبوق، فإن أسلوبه المكرر في تكبير الأشياء يحظى بمباركة المؤسسات المالية الداعمة، على الرغم من أن هناك أصواتاً نقدية قللت من قيمة ذلك الأسلوب الذي اعتبرته محاولة للمزايدة السطحية على موضوعات إنسانية حرجة، وفي مقدمتها الهجرة غير الشرعية.

يظهر على الجدار الخلفي للمعرض قارب مطاطي عملاق، طوله مائة متر، مليء بشخصياتٍ ترتدي سترات نجاة. هل تظن أنه بإمكانك تجاهل أزمة المهاجرين؟ لا يمكنك فعل ذلك هنا؛ لأن آي قد حوَّل المآسي اليومية العادية إلى نصب تذكاري. أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع مئات اللاجئين، والتقى بأناس يتوقون إلى الأمان وحياة جديدة، وأنتج كمّاً هائلاً من الأعمال حول هذا الموضوع. هذا العمل هو تتويجٌ لذلك المشروع.

هل هو عمل فني جميل؟ ليس تماماً، غير أنه يُوصل رسالة، أنا غير متأكد من أنها ستؤثر في القرار السياسي لدول اللجوء. ولكن المشكلة الأكثر تعقيداً تكمن في أنه لا جديد في الفكرة. سبق للفنان أن اشترى آلاف الأحذية من محال الألبسة المستعملة، وصنع منها عملاً فنياً يؤرخ للَّحظة التي تسبق الذهاب إلى القوارب المطاطية ومن ثم إلى البحر. كما أن قوارب المهاجرين المطاطية قد تم استعمالها من قِبل عشرات الفنانين المعاصرين.

يحق لآي ويوي ما لا يحق لسواه. ذلك منطق غير سوي.

ولكن آي ويوي وهو المولع بالتاريخ الصيني لا يزال يدهشنا حين يكتفي بصينيته. فالعمل الأكثر إبهاراً من الناحية البصرية في المعرض هو قاعة عائلة وانغ، وهو معبد حقيقي وُجد على وشك الانهيار في ريف جيانغشي، وأُعيد تجميعه هنا قطعة قطعة. إنه نافذة شاهقة على الماضي، على قيم ضائعة، على زمن ما قبل التصنيع والرأسمالية الجامحة، حين كانت الصين ضعيفة وعرضة للهجوم. تحت أعمدة المعبد توجد صناديق تحوي صفحات من التاريخ الصيني، روايات خفية يصعب الوصول إليها.

في وسط المعبد تستقر ثلاثة بيوت دُمى على طبقة من نشارة الخشب البُنِّية. جميعها مصنوعة من شاي «بو إر»، أوراق داكنة مضغوطة تزداد قيمتها مع مرور الوقت وتخميرها. إنها رموز للثقافة الصينية، للتكاتف والتضامن والقيم الطاوية، ولكنها أيضاً رمز للثروة وتراكمها.

«شرب فنجان من الشاي» مصطلح بوليسي شيوعي، هو عبارة عن تسمية مجازية لعملية اقتياد الناس للاستجواب من قبل الشرطة الصينية. إنه أفضل عمل هنا بلا منازع، مليء بدلالات متضاربة وجذابة من الماضي والحاضر، مُجمَّعة في شيء جميل، عطري ورمزي بقوة. مادة بسيطة تحولت إلى شيء قوي بتأثيره، وعاصف في استعادته للتاريخ، لما ينطوي عليه من توظيف للكنوز التراثية في فضح عملية القمع السياسي.

ويلجأ آي ويوي في هذا المعرض -لأول مرة- إلى استعارة أعمال فنية عالمية ذات جمالية عالية، ليوظفها في خدمة أفكاره التي تتوزع بين السخرية والتوضيح المبسط، كما لو أنه يريد أن يؤكد المقولة التي تفيد بأن التاريخ يمكن أن يتكرر؛ لكن بصيغة كوميدية أو عبثية أو فارغة من المحتوى.

يأخذ الفنان لوحة الفرنسي جاك لويس ديفيد الشهيرة التي تصور نابليون ممتطياً حصانه، ويستبدل بالحصان حماراً وحشياً، ويعلقها رأساً على عقب، من أجل بناء علاقة رمزية سلبية.

في عمل آخر، يضع قوارب المهاجرين على موجة الرسام الياباني هوكوساي التي تعود إلى عام 1832. في العملين اللذين لم يحظيا بإعجاب النقاد، يبدو آي ويوي مخلصاً لفكرته. كل ما يحدث اليوم يمكن فهمه بالعودة إلى الماضي.

يُسلِّط الفنان والناشط العالمي الشهير آي ويوي الضوء على تاريخ العالم خلال المائتي عام الماضية، من خلال هذا المعرض الجديد الضخم، كما أنه يستفيد من كون المدينة التي تحتضن معرضه كانت قلب الثورة الصناعية، لينقب في تفاصيل العلاقة الشائكة والملتبسة بين بريطانيا والصين. ذلك ما لا يمكن توقعه من فنان. ليست وظيفة الفنان أن يكون مؤرخاً أو ناقداً أو محللاً سياسياً، ولكن تلك الاعتراضات المحقة لن يكون في إمكانها أن تهدم أسطورة الفنان القائمة على الإبهار. فمن خلال لجوئه إلى استعمال تقنيات ومواد مختلفة (الخزف، والتركيب، والقطن، والخشب، والزجاج، والبرونز، والصور القديمة، وحتى الأزرار ومكعبات اللعب) عاد بنا إلى بداهة منسية. كل مادة تحمل قصة من قصص الإبداع والاستهلاك البشري. ترسم هذه المواد مجتمعة صورة للعولمة التي نعيشها في عالمنا الرقمي.

آي ويوي من أشهر الفنانين المعاصرين في العالم وهو على الأرجح الأكثر ثراء


هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً

هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً
TT

هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً

هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً

تهيمن الأجواء الكابوسية على المجموعة القصصية «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، للروائية والقاصة المصرية هناء متولي، فدائماً هناك حضور للأحلام والكوابيس والرؤى، لكن الكابوسية لا تقف عند ذلك فحسب، بل تبدو كأسوار تؤطر عوالم البطلات، وشعورهن بالتيه والضياع والتمزق، الذي يصل ببعضهن أحياناً للانتحار، ما يحيل العالم برمته إلى كابوس مفزع لامرأة وحيدة منبتة التواصل مع من حولها. يبرز ذلك بدءاً من القصة الأولى في المجموعة «سبب مفاجئ للنوم الطويل»، التي تجد فيها البطلة وحيدة وسط ميدان التحرير بالقاهرة، وقد اختفى كل البشر، ولا تجد أحداً تتواصل معه، فهذا الشعور الكابوسي بالتيه يأخذ أشكالاً مختلفة على مدار بقية قصص المجموعة، ومنها قصة «رسائل الموتى» الحافلة أيضاً بالكابوسية، سواء في طابعها الحلمي، أو عموميتها الوجودية.

المجموعة الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، معنية بالتجريب الفني، واللعب مع اللغة والعالم، وتتجلى ذروة هذا اللعب والتجريب في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، إذ إنها تجعل من الكاتب المصري الراحل محمد البساطي شخصية سردية وبطلاً داخل القصة، وصراعه مع ثلاث نساء «فردوس، وسعدية، وليلى»، وهن بطلات أعماله الروائية: «فردوس» و«بيوت وراء الأشجار» و«ليال أخرى»، فالبطلات صرن شخصيات حقيقية، واصطدن الكاتب إلى غرفة فندق، ويحاكمنه على ما رسمه لهن من حيوات ومصائر في رواياته، ويأمرنه بتغيير نهاياتها، وتحويل مصائرهن من فلاحات منحرفات إلى مصائر أخرى. سعدية تريد أن تصبح فنانة مشهورة، وليلى ترغب في أن تسافر خارج البلاد، وفردوس تتمنى أن تصبح ثرية ومشهورة، تكفيراً عن ذنبه فيما صنعه لهن من مصائر، ويحاول هو الإفلات من ذلك، بحبسهن في رواية جديدة عنوانها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة».

الكاتبة، في هذه القصة، كما في المجموعة كلها، تنطلق من دافع نسوي واضح، إذ تحاول تفخيخ السردية الذكورية عن النساء، عبر انتقاء ثلاث شخصيات نسائية، مخلوقات من خيال رجل، وتمنح كل منهن صوتاً لتحاكم ذلك الخيال وصاحبه، ومحاولة تغيير مصائرهن المشيدة من جانبه، وأن تملك كل منهن مصيرها وتصنعه بنفسها، رغماً عن الكاتب، الذي أصبح هو الآخر - بدوره - شخصية ورقية حبيسة داخل قصة الكاتبة المرأة، وقد انتزعت منه سلطة الحكي، وأزاحته إلى موقع المحكي عنه، المصوغ من قبل مؤلفة العمل، وهو نفس الموقع الثقافي الذي عانت منه النساء الثلاثة.

تتكئ القصص كثيراً، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تقنيات المسرح، مستعيرة منه كثيراً من مفرداته وآلياته، وذلك في أكثر من قصة، وربما كان أكثرها وضوحاً في قصة «دموع الكراميل»، التي يحضر فيها البناء المسرحي منذ بدايتها وبشكل معلن، تقول مخاطبة القراء الضمنيين: «قبل أن تقرأوا تخيَّلوا أنَّكم أمام خشبة المسرح، الأحداث تدور هنا والآن وليس هناك وآنذاك»، ثم تبدأ بتقديم شخصيات النص، وعقب ذلك تقسم القصة بنائياً إلى خمسة مشاهد، تبدأ بمشهد امرأة تتلقى العزاء في وفاة زوجها، ثم تعود المشاهد الأربعة عبر تقنية الاسترجاع إلى تفاصيل موته على يد زوجته، عقاباً له على استهزائه الدائم بها، وخصوصاً سخريته منها أمام أصدقائه من أنها فشلت في الإنجاب. وكان واضحاً في هذه القصة جعل الشخوص كلهم بلا أسماء، بل مجرد صفات ووظائف، وكذا تعمية المكان والزمان، بل مجرد ديكور منزل على النمط الأوروبي، وهذه دوال على أن بنية الحكاية ذات طبيعة تكرارية، عابرة للثقافات والبلاد والأزمنة، وما تعنيه المرأة بشكل عام من صلف ذكوري، قد يدفعها لانتقام عنيف لم تفكر فيه يوماً. كما يتكرر هذا اللجوء إلى التقنيات المسرحية في قصة «الخامسة مساء»، ويكون الفضاء المسرحي/ السردي أيضاً منزل الزوجية.

تعتمد كثير من قصص المجموعة على تقنية الرسائل، خاصة بين الأحياء والموتى، ففي قصة «رسائل الموتى» تنتظر أم رسائل من طفلها الذي مات، وتظل تسأل عن رسائل أرسلها لها، حتى تأتيها إشاراته، وفي قصة أخرى ترسل امرأة رسائل لشقيقتها المتوفاة عن متاعبها مع الحمل والولادة، واكتئاب ما بعد الولادة، حتى وصل بها الحال إلى قتل طفلتها الرضيعة بعد أربعين يوماً من ولادتها، حتى لا تقدم للعالم امرأة أخرى تعاني ما عانته هي مع الحياة. وفي قصة «فتار الباي بولار» تكتب البطلة الميتة رسائل عن معاناتها مع مرض «الاضطراب الوجداني ثنائي القطب» أثناء حياتها، وما دفعها للموت، دون تحديد مرسل إليه بعينه، فليس مهماً من المقصود بالرسالة، وربما يكون العالم كله، فالأهم هو مضمونها المراد الإبلاغ عنه والتعريف به.

تدور كل قصص المجموعة، تقريباً، حول نساء وحيدات، يعانين الخذلان من الحبيب أو الزوج، حتى لو كان إنساناً آلياً مبرمجاً بالذكاء الاصطناعي، كما فعلت بطلات إحدى القصص لتتفادى خيانة الرجل، لكن هذا الذكر الآلي خانها أيضاً مع جارتها. وتظل الأنثى تعاني، حتى لو تحولت في حيوات أخرى إلى ضفدع أو عصفور، كما في قصة «أرواح قلقة لفتاة شفافة»، حيث تسعى البطلة مع كل حياة افتراضية جديدة إلى أن تتحول إلى كائن مختلف، لكنها في الآخر تظل أنثى، لذا تظل فريسة للقهر. ولا فارق أيضاً إذا كانت مثقفة أو كاتبة، فهو نفس ما عانته بطلة قصة «أقراص المنوم الخمسة» التي راحت ضحية رهان مع كاتب رجل. الثيمة الأخرى المهيمنة على المجموعة هي الأمومة المجهضة بطرائق شتى، سواء عبر عدم قدرة بعض البطلات طبياً على الحمل والإنجاب، أو إجهاضهن أثناء الحمل، أو في مرات أخرى عبر قتل الطفل عقب ولادته، لأنه يعاني أمراضاً غير قابلة للعلاج، فضلاً عن حضور الموت بشكل كثيف، فبطلات المجموعة غالباً في حالة موت مادي، أو رمزي، مما يجعل الموت مصيراً نهائياً تواجهنه المجموعة، بعد فشل كل محاولاتهن لمجابهة العالم ومقاومة قسوته.

يعانين الخذلان من الحبيب أو الزوج، حتى لو كان إنساناً آلياً مبرمجاً بالذكاء الاصطناعي


إنصاف ما أهمله التاريخ المصري

إنصاف ما أهمله التاريخ المصري
TT

إنصاف ما أهمله التاريخ المصري

إنصاف ما أهمله التاريخ المصري

صدر حديثاً، عن «الدار المصرية اللبنانية» في القاهرة، كتاب «بكوات وباشوات» للباحثة والصحافية المصرية سهير عبد الحميد، ويسعى الكتاب إلى إنصاف شخصيات كثيرة حملت لقبي «باشا» أو «بك»، عاشت في الحقبة الملكية في أثناء حكم أبناء أسرة محمد علي باشا، هذه الحقبة التي جرى وصمها عقب ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، إذ تؤكد المؤلفة في المقدمة أن الثورة «ألقت على أكثر من مائة وثلاثين عاماً -هي عمر تلك الأسرة- وصمة عار، تمثلت في لقب العهد البائد»، وأن وصمة العار هذه امتدت إلى «كل الطبقة الأرستقراطية التي حمل أصحابها ألقاب البكوات والباشوات، لتصبح ألقاباً سيئة السمعة»، خصوصاً مع الصورة التي كرّستها السينما عن أثرياء تلك العصور.

يقع الكتاب في نحو أربعمائة صفحة، محاولاً توثيق حياة «شخوص أهملها التاريخ عرضاً أو عمداً، جهلاً أو كسلاً»، ويتناول منجزات إحدى وعشرين شخصية ممن حملوا تلك الألقاب، مخصصاً لكل شخصية فصلاً يتناول حياته ومنجزاته العلمية أو الاقتصادية أو الثقافية، مصحوبة بصور له، أو لما تركه من آثار، وأولى تلك الشخصيات «محمود باشا الفلكي» (1815-1885) الذي أعاد بعث علم الفلك في مصر، وأول من اكتشف آثار الإسكندرية، وحدد تاريخ بناء الهرم الأكبر، كما أصبحت خريطته للقطر المصري مرجعاً مهماً للجغرافيين.

ويتوقف الكتاب كذلك عند سيرة «أحمد باشا كمال» (1851-1923) شيخ الآثاريين الذي أنهى احتكار الأجانب لعلم المصريات، وصاحب أول كتاب بالعربية عن تاريخ مصر القديم، والذي وضع قاموساً في اللغة المصرية القديمة، وأورد ما يقابل حروفها في الفرنسية والعربية. و«محمد بك عثمان جلال» (1828-1889) الذي سبق أحمد شوقي في أدب الأطفال، وسبق يعقوب صنوع في مسرح العامية. واللواء «إبراهيم باشا رفعت» (1857-1935) صاحب أول موسوعة مصوّرة عن الحج. و«نجيب باشا محفوظ» (1882-1972) مؤسس طب النساء والتوليد في مصر. و«صالح مجدي بك» (1826-1881) رئيس قلم الترجمة، الذي أسهم في تعريب كتب العلوم، واشترك مع علي باشا مبارك في ترجمة القوانين الفرنسية.

وسهير عبد الحميد، هي مديرة تحرير جريدة «الأهرام» المصرية. بدأت مشوارها البحثي في التاريخ بمنهج تمثّل في الكشف عن الجوانب المنسية في التاريخ المصري، واعتمدت في التوثيق التاريخي ثنائية الكتابة عن تاريخ الحجر والبشر، وصدر لها في هذا الإطار 7 مؤلفات سابقة، هي: «قصور مصر» عام 2020، و«إسكندرية من تاني» عام 2021، و«على عتبة المقام» في 2022، و«سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية» عام 2022، و«سلسال الباشا: الأسرار المخفية لأمراء وأميرات الأسرة العلوية» عام 2023، و«ناحوم أفندي: أسرار الحاخام الأخير ليهود مصر» عام 2024، و«يهود الظاهر» عام 2025.