نثر الشعراء

أفادوا منه حين أخذوا عنه طواعيته وليونته واتصاله بتفاصيل الحياة

نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط
نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط
TT

نثر الشعراء

نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط
نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط

لطالما كانت العلاقة بين الشعر والنثر محلاً للمشاكلة والالتباس والتداخل بين الحدود والمفاهيم. صحيح أن كليهما يتخذ من اللغة مادته ونسيجه ومجاله الحيوي، ولكن الصحيح أيضاً أن لكل منهما أسلوبه وأدواته وطريقته في مقاربة المعاني. ومع أن قدامة بن جعفر قد ذهب بعيداً في تبسيط الفوارق بين التوأمين «اللدودين»، واعتبر أن الشعر هو الكلام الموزون المقفى، فإن نقاداً آخرين، وبينهم الجرجاني والقرطاجني، دحضوا هذا المفهوم الشكلي والضيق، مميزين بين الشعر والنظم، ورابطين الشعر بالتخييل والترميز والاختزال الموحي، مقابل النثر الذي تغلب عليه الإطالة والتفاسير ويخضع لضوابط العقل ومفاهيمه وأحكامه. واللافت في الأمر أن كل ما يورده «لسان العرب» من شروح لفعل «نثر» الثلاثي تقتصر على ربط النثر بالثرثرة الكلامية وبما تناثر من الأشياء، مقابل لغة الشعر التي تقوم على الصياغة الحاذقة والسبك المحكم. أما البحتري فيؤكد في بيته الشهير: «الشعر لمْحٌ تكفي إشارتهُ\ وليس بالهذْر طُوّلتْ خطبهْ»، على ربط الشعر بالتكثيف الموحي، مقابل الإطالة والإسهاب اللذين يطغيان على النصوص والخطب النثرية. إلا أن تفضيل العرب للشعر على النثر بوجه عام لا يعود لدواعٍ فنية وأسلوبية بحتة، بل لأنهم أناطوا بالأول وظائف ومهمات سياسية وعقائدية وتعبوية لم يكن النثر قادراً على تلبيتها أول الأمر.
إلا إن كانت المعادلة باتت بعد ذلك عرضة للتبدل والتغيير، ليس فقط بسبب الفرادة الإعجازية للنثر القرآني، أو قدرة الخطابة على احتلال موقعها المتقدم في التحريض الحماسي وتحريك العصبيات، بل بسبب وصول الكتابة النثرية إلى ذرى إبداعية شاهقة مع ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض التجارب الصوفية اللاحقة.
على أن افتراق النثر عن الشعر لا يظهر جلياً إلا في الموضوعات والمقاربات المتصلة بالفقه والفلسفة والتشريع والعلوم المختلفة، في حين أن الوضع يختلف مع النثر الأدبي والإبداعي تمام الاختلاف، بحيث تضيق الهوة بين جناحي اللغة إلى أبعد الحدود، ويصبحان وجهين متقاربين لجوهر جمالي واحد.
وحيث إن كليهما يشتغلان على مسرح لغوي مشترك، فلا غرابة أن يدخل الشعر في صُلب ما هو نثري، أو ما كان يُظن أنه نثري بالكامل، كالفلسفة على سبيل المثال، فتبدو نصوص نيتشه وباشلار الفلسفية، كما شذرات سيوران النثرية، مشبعة بالتخييل الاستعاري وقادرة على إدهاشنا بالقدر نفسه الذي يفعله الشعر الحقيقي والعظيم.
كما أن الشعر أفاد من النثر أعظم الإفادة حين أخذ عنه طواعيته وليونته واتصاله الوثيق بتفاصيل الحياة وجزئيات الواقع الملموسة. وإذا كان الشعر يمتاز عن النثر في بنائه الاختزالي وصوره الآسرة وجرسه الإيقاعي الباعث على النشوة وطرب النفس، فإن النثر بتخففه من ثقل القيود وأوزار الأوزان والقواعد التأليفية المرهقة، استطاع أن يفيد من الحرية القصوى الممنوحة له، وأن يستخدم كل ما يلزمه من مفردات المعاجم، وأن ينفذ إلى الجحور الصغيرة للأفكار والمعاني، دون أن يعترض طريقه أي عائق يُذكر. هكذا بدا في كل نثر حقيقي شيء من كهرباء الشعر وعصبه وتوتره، وفي كل شعر حقيقي بعض من رشاقة النثر وتلقائيته وانسيابه.
وهو ما عبر عنه أبو حيان بقوله «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه النثر، ونثر كأنه النظم». وبعده بقرون عدة أعلن غوته، كبير الشعراء الألمان، أن «ما يُحدث أعمق الانطباع، وما يؤثر على معنوياتنا بكثير من الفعالية في أي عمل شعري، هو ما يتبقى من الشعر بعد نقله إلى النثر».
ليس مصطلح «النص المفتوح» بهذا المعنى سوى تأكيد إضافي على تداخل الأنواع الأدبية وتكاملها، حيث يمكن للكاتب في آن واحد أن يحلق في فضاءات الشعر وعوالمه الباذخة، بقدر ما يمكنه أن يفيد من الإمكانات الشاسعة والمتنوعة للمسرحة والقص ووجوه السرد. كما أن مصطلح «قصيدة النثر» من جهة أخرى، هو التعبير الأمثل عن زواج الشعر والنثر، وعن الإمكانات الشعرية الهائلة التي يختزنها هذا الأخير بين تضاعيفه وفي نسيج تعابيره وسياقاته.
ولأن كل نص نثري أدبي يحمل في داخله «لوثة» الشعر وبذوره ومادته الخام، فإن النثر يبدو بمثابة الممر شبه الإجباري الذي يعبر منه الشعراء نحو الشعر، بما يجعل من كل شاعر حقيقي ناثراً شديد التميز، دون أن يكون العكس صحيحاً بالضرورة. وإلا لوجب أن يكون روائيون كبار من طراز نجيب محفوظ والطيب صالح وعبد الرحمن منيف، أو كتّاب ونقاد كبار من طراز الجرجاني وطه حسين وعبد الكبير الخطيبي وغيرهم، في طليعة شعراء العربية، وهو ما يدحضه بالقطع واقع الحال.
أما جماليات النثر العالية لدى الشعراء الكبار فنابعة من قدرتهم على استثمار حريتهم القصوى في قطف ثمار اللغة والتجول في حدائقها الشاسعة. وهم، متحررين من قيود الأوزان والقوافي ومتطلبات التأليف الشعري المرهقة، ينزهون مخيلاتهم في الأصقاع الشاسعة للمفردات، ويقلبون المفردات والصيغ التعبيرية على جميع وجوهها، دون أن عائق يذكر.
لم يكن بالأمر المستغرب تبعاً لذلك أن يرى الشاعر والناقد الشهير ت. س. إليوت بأن النثر هو المحك الحقيقي للشعراء. وهو إذ يعلن في كتابه النقدي «في الشعر والشعراء» بأنه «ليس من شاعر عظيم إذا لم يكن أستاذاً في النثر»، يستند في ذلك إلى كون الكثير من النظامين وشحيحي الموهبة يتلطون وراء التهويل اللفظي، أو الجَلجَلة الجوفاء للأوزان والقوافي. ويكفي أن نسحب من تحت نصوصهم بساط الجمل الرنانة، لكي نكتشف أحجامهم الحقيقية البائسة والضئيلة. ليس ثمة بالمقابل من مسافة تُذكر بين قصائد الشعراء الكبار وبين نصوصهم النثرية.
وإذا كانت الفروق بينهما متصلة بطبيعة النوع الأدبي ومستلزماته وشروطه، فإن المشترَك بين النوعين هو روح الشاعر ومعجمه اللفظي ورؤيته للعالم.
وقد لا تقل عند البعض فتنة النثر عن فتنة الشعر، لا بل تفوقها أحياناً نظراً لما يمتلكه الأول من ليونة وطواعية وغنى في المفردات وقدرة على المناورة التعبيرية. وهو ما نتلمس تجلياته بوضوح في نثر نزار قباني الذي يمتاز بالطلاوة والثراء الدلالي والتصويري والاستخدام البارع للحواس.
فمقالته «ما هو الشعر؟»، على سبيل المثال لا الحصر، تظهر بوضوح أن حديثه عن الشعر هو الشعر ذاته، كما يبدو من قوله «المطلوب من الشعر ألا يهدأ ولا يكبر، ولا ينام باكراً، ولا يطيع أبويه، ولا يتخلى عن دراجته وعلبة ألوانه وطائراته الورقية.
وألا يتنكر لصداقة الأزهار والضفادع، والحشرات الصغيرة التي كان يستضيفها في جيوب بنطلونه الصيفي القصير». أما نثر أدونيس فيحمل الكثير من خصائص شعره التي تجمع بين الصياغة المحكمة ذات العصب المتوتر والعاطفة المكبوحة، وبين العمق المعرفي والتمرد على السائد.
وفي كتاباته النثرية، كما في شعره، ثمة دائماً تلك العين الثالثة التي تحاول اكتناه الأشياء والأماكن والمدن التي سكنها، وثمة بحث دائب عما يظل أبداً في عهدة الشك والغموض واللايقين: «لئن طرتُ في الفراغ فلكي أستقصي الفضاء.
ولئن سبحت خارج الماء فلكي أكتشف البحار الخفية. غير أنني بقيت تائهاً. ربما لأنني لم أكن أبحث عن بيت، بل عن طريق. ولم أكن أسأل عن كرسي، بل عن أفق. وبقيت تائهاً. ألن يتسع لي صدرك أيها التيه؟».
من غير الجائز بالطبع أن نتحدث عن نثر الشعراء الكبار دون أن نتوقف عند «الأيقونات» النثرية الفريدة للشاعر اللبناني أنسي الحاج، بدءاً من النصوص الأولى التي نشرها في «النهار» وملاحقها، ووصولاً إلى كتاباته اللاحقة في الكثير من الصحف والمجلات. فنصوص صاحب «خواتم» النثرية، سواء كتبت على طريقة المقالة أو الشذرة المكثفة تجمع بين شفافية الماء وجموح اللهب.
وهي إذ تُستل من القيعان الأخيرة للروح، تعمل البساطة على رفعها باتجاه السطوح المرئية للصور والأشكال. فضلاً عن توأمته اللافتة بين الأضداد واحتفائه الدائم بالحب والأنوثة الكونية: «هناك خطيئة واحدة هي اللاحب.
هي ألا يرى الواحد ليله مفتوحاً كالوردة في أعماق امرأة. هي ألا يرى وجهه كالقمر في نهر. هي ألا يكون زمانه مربوطاً ومزهواً كالخلخال بمشية امرأة إلى مصيرهما.
هي ألا يكون له امرأة يضيع فيها اسمه، فيغدو اسمه يدها، عشبتها، ظلها، والفجوة الصغيرة التي تحْدثها في السرير عندما تنام». ولن نغفل في الآن ذاته نثر محمود درويش الذي يبدو الوجه الآخر لشعره، سواء من حيث اقتناصه الماكر للحظات الدهشة، أو صوره اللماحة والغنية بالمفارقات، أو من حيث جرْسه اللفظي المؤثر وتواشجاته النفسية والوجدانية التي تأخذ بنياط القلب.
ولعل كتابه السردي «ذاكرة للنسيان» الذي كتبه أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982 هو أحد أكثر أعماله النثرية اكتنازاً بالشعر واحتفاء بالمجاز وتعبيراً عن صراع الحياة والموت، حيث تتحول المرأة بوجهيها الشبقي والرومانسي إلى ما يشبه خشبة الخلاص، وسط الخراب التام والوحشة المحدقة والأسئلة التي لا إجابة عنها: «هل كنا معاً حقاً على صوف تلك الأرض؟ لم أقل إني أحبك، لأني لا أعرف إن كنت أحبك ما دمتُ أخبئ دمي تحت جلدك، وفي شعيرات السر المقدس أذرف عسل النحل الأحمق. ولم تقولي أحبكَ لأني لن أصدّق أن جميع النساء اللائي ولدن على جبل جلعاد وفي سومر وفي وادي الملوك، يجتمعن علي الليلة. كم امرأة فيك لتنوح أحلامي على ما تفقد الأمم من شتاء يستحقّ أن تكوني أمه وسيدته.
في كل امرأة جميلة هِبة من وصايا قدميك للأرض، وإرث لا ينقطع عن تزويد الغابات بهستيريا العشب». ولا حاجة بنا إلى التذكير بالجماليات الشاهقة لنثر محمد الماغوط الذي لا تكف ظلاله عن التوالد وبروقه عن الوميض.
وفي نصوصه الأدبية، كما في مقالاته الصحافية وأعماله المسرحية، ثمة فضحٌ دائب الإلحاح لواقع الأمة المتردي، وسخرية لاذعة من ورقة التوت التي يحاول الطغاة ستر عوراتهم بها، ودعوة شبه يائسة لاستعادة الكرامة أو اقتراف الحرية.
وإذا كنت أكتفي، أخيراً، بهذا القدر من أسماء الجيل الأول، فليس لأن ساحة النثر حكْر على هؤلاء، بل لأن المقام لا يتسع للحديث عن شعراء الأجيال اللاحقة، الذين يقف بعضهم جنباً إلى جنب مع الرواد المؤسسين، ويشكل بعضهم الآخر قيمة مضافة إلى حداثة الآباء بشقيها الشعري والنثري.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.