عطر واحد لا يكفي لاختزال تاريخ «سالفاتوري فيراغامو» وإرثه

فنجان قهوة مع لوتشيانو بيرتيليني الرئيس التنفيذي للدار

منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة  -  لوتشيانو بيرتيليني
منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة - لوتشيانو بيرتيليني
TT

عطر واحد لا يكفي لاختزال تاريخ «سالفاتوري فيراغامو» وإرثه

منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة  -  لوتشيانو بيرتيليني
منطقة توسكاني كانت النقطة التي انطلق منها العطارون السبعة - لوتشيانو بيرتيليني

جرت العادة أن تطرح شركات العطور، وبيوت الأزياء، عطرا واحدا في كل موسم، بل منها ما يتعمد عدم تقديم أي جديد إلا بعد سنوات للإبقاء على العطر السابق أطول فترة ممكنة. دار «سالفاتوري فيراغامو» في المقابل كسرت هذه القاعدة وقدمت في فلورنسا مجموعة مكونة من 11 عطرا. السبب برأي رئيسها التنفيذي، لوتشيانو بيرتيليني «أننا أردنا أن يحكي كل عطر قصة بلون مختلف». باللون كان يقصد تاريخ الدار مع الأحذية التي كان المؤسس أول من أدخل عليها خامات غريبة وألوانا متنوعة حتى قبل أن تروج هذه الموجة في السنوات الأخيرة بين مصممين شباب. لكنه لم يُخف أيضا أهمية العطور لأي بيت أزياء من الناحية التجارية، الأمر الذي يجعلها مجالا لا يمكن تجاهله «فأي علامة لها قصة أو إرث، تريد أن تسلط الضوء عليهما، وبحكم تاريخنا الطويل، فإننا لا نفتقد إلى قصص رائعة توارثناها عبر الأجيال وتُخول لنا أن ننسج مزيدا منها. من هذا المنظور كان دخولنا صناعة العطور بقوة خطوة طبيعية».
لا يختلف اثنان على أن صناعة العطور أصبحت ميدانا واسعا ومهما، من شأنه أن يدر على بيوت الأزياء المصنعة لها أرباحا لا يستهان بها، فضلا عن وضع اسمها في الواجهة. فمن لا يستطيع شراء قطعة إكسسوارات أو أزياء بآلاف الجنيهات، فبمقدوره شراء قنينة عطر تمنحه السعادة وشعورا بالانتماء إلى نادي النخبة. المشكلة التي تعاني منها صناعة العطور في السنوات الأخيرة أن عملية إنتاجها أصبحت تحكمها توجهات الموضة الموسمية؛ الأمر الذي يستدعي السرعة وأحيانا التكرار. وهذا ما يريد لوتشيانو تجنبه، مؤكدا أن استراتيجية الدار «أن نبقى أوفياء للتقاليد والأصل، وأن نركز على مفهوم (صنع في إيطاليا) حتى نحافظ على الاستمرارية وعلى جودة الخلاصات والتفاصيل الدقيقة».
رغم العدد؛ 11 عطرا، فإن ما يشفع للمجموعة أن ارتكازها على توسكاني ربط بينها. ويشرح لوتشيانو أنها بوصفها منطقة، تعد رمزا من الرموز الإيطالية في العالم أجمع، إضافة إلى أنها كانت ولا تزال مصدر إلهام لدار «سالفاتوري فيراغامو» بحكم أن فلورنسا هي المدينة التي اختارها السيد فيراغامو عندما أسس شركته في بداية القرن الماضي. لم يكن دافعه أنها تتوفر على حرفيين مهرة في هذا المجال فحسب؛ بل لشعوره حينها أن بيئتها التي تعبق بالجمال والفن والتاريخ، يمكن أن تكون مصدر إلهام له، تمنح ابتكاراته مزيدا من الحيوية والديناميكية. كان قراره صائبا، لأن تأثيرها الفني كان واضحا على أعماله؛ فأغلب الأحذية التي ابتكرها، إن لم نقل كلها، كانت مطبوعة بالفنية والعملية، كما يؤكد متحف الدار الواقع في فلورنسا. وكان من الطبيعي أن يلفت حينذاك اهتمام نجمات ونجوم هوليوود. كان قادرا على تشريح القدم من جهة؛ وعلى ابتكار تصاميم أنيقة، وأحيانا ثورية بخاماتها وأشكالها، من جهة ثانية.
مع الوقت، أصبحت توسكاني تُمثل بالنسبة لدار فيراغامو ما تُمثله مدينة غراس الفرنسية لدار «شانيل». فهي مضمارها الذي تجول وتصول فيه بثقة.
وهذا ما أكده لوتشيانو بقوله إن توجيهات الدار للعطارين السبعة كانت واضحة؛ تتلخص في أن يضعوا توسكاني نصب أعينهم وهم يختارون المكونات ويمزجونها بعضها ببعض.
لم يكن العدد، أو الكم، الهدف؛ بقدر ما كان تلميع صورة الدار وتسليط الضوء عليها «ووضعها في مكانها الصحيح بالنظر إلى إرثها العريق وتاريخها الطويل في صناعة الترف». باستثناء عطر «ريناشيمانتو»، لم يكن باقي العطور الستة جديداً. فبعد أن طُرحت في السابق على أنها ماء عطور خفيفة، أعيد ابتكارها وصياغتها هذه المرة بإدخال مكونات جديدة أضفت عليها جرعة قوية من الفخامة. طبعا ساعد على هذا أن كل العطارين يتمتعون بخبرة ورغبة في التميز.
ويلفت كل واحد منهم، عند الحديث معهم، إلى أن عطورهم ليست عن الرائحة أو الخلاصات فحسب؛ بل أيضا عن أسمائها وألوانها. فبما أن الهدف كان ربطها بالدار أولا والمنطقة ثانيا، فقد عدّوا أن الألوان والمكونات المحلية لا تنفصل عن هذه المنظومة. من هذا المنظور، كان من البديهي أن يتميز كل واحد منها بلون خاص، يتباين بين الوردي والأخضر والبرتقالي والبنفسجي... وغيرها من الألوان التي لا يضاهيها تنوعاً سوى أسمائها ذات الدلالات الإيطالية القوية، من «فانديميا» أي الحصاد، و«كونفيفيو» أي الوليمة، و«لاكورتي» المحكمة، إلى «كاليمالا»، و«تيستا دي مورو» أي البني الداكن، وباقي الأسماء التي ترتبط بشكل أو بآخر بالثقافة الإيطالية عموما والتوسكانية خصوصا، مثل «بونتا ألا»، و«فيولا إيسانزيالي»، و«لاكوميديا»، و«بيانكو دي كارارا»، و«تيرا روسا»، وأخيرا وليس آخرا «ريناشيمانتو» أي النهضة.
ويعد هذا الأخير العطر الوحيد الجديد في المجموعة؛ أبدعه العطار الأميركي الشاب أليكس لي، الذي صرح بأن أول ما قفز إلى ذهنه عندما استمتع إلى اقتراحات وتوجيهات الدار؛ اللون الأخضر. لم تفارقه صورته، فكلما أغمض عينيه للتفكير، ألح عليه أكثر، وهو ما تجلى في العطر والقارورة بعد عدة أشهر. وأشار العطار الشاب إلى أن طريقته في ابتكار أي عطر تبدأ دائما برسم صورته في خياله؛ قبل أن يبدأ في ترجمته على أرض الواقع بالبحث ثم مزج المكونات. ويتابع: «من الأشياء التي تعلمتها خلال دراستي، أنه من الضروري أن يتضمن أي عطر عنصرين مهمين؛ الأول: أن يكون فريدا من نوعه، بحيث يمكن التعرف عليه من النظرة الأولى، والثاني أن يُخلف أثرا لا يُنسى. لهذا كان هدفي أن أضمن توفر هذين العنصرين في عطر يفرض نفسه على الذوق العالمي بقوته وشكله وأيضا بتفرده». الأدوات التي اعتمد عليها للوصول إلى هدفه كانت باقة من المكونات الفلورنسية مثل زهرة مسك الروم والقزحية والزنبق، إلى جانب المندرين الإيطالي والفلفل الأخضر والريحان مع رشة خفيفة من خشب الصندل والفيتفير. يعترف بأن البداية كانت سهلة لأنه شعر بأن الجمع بين زهرة مسك الروم والقزحية أساسي لمنح العطر شخصيته. المشكلة كانت في بقية المكونات. فكيف له أن يمزج الأخشاب بالورود ويُزاوج بينها بتناغم؟ لم يكن الأمر سهلا واستغرق منه عدة أشهر قبل أن يتوصل إلى الوصفة الأخيرة التي جعلته يرضى عنها. مثل باقي العطارين المشاركين في هذا المشروع، أنيطت بأليكس لي مهمة ابتكار عطر واحد، صب فيه كل ما يتمتع به من خيال وقدرات كيميائية. باقي العطارين استلهموا إما من تراب توسكاني، أو رائحة الرخام والمرمر؛ بل وحتى من رائحة المسارح الكبيرة التي تحتضن حفلات الأوبرا والكوميديا. لم يكن الأمر سهلا؛ لكنه كان «تحديا لذيذا» بحسب اعترافهم.
في المقابل، كان العطار فابريس بيليغرين، من شركة «فيرمنيش» الفرنسية الوحيد الذي أنيطت به مسؤولية ابتكار 5 عطور مرة واحدة. كان فخورا ومعتدا بنفسه وهو يشرح الخطوات التي اتبعها في جعل كل واحد يختلف عن الثاني. يقول إنه استلهم اثنان منها، «فانديميا» و«كونفيفيو»، من موسم حصاد العنب في توسكاني، بينما اعتمد في عطر «لاكورتي» على نوعين من الياسمين وحليب اللوز والفانيلا، بينما جعل عطر «كاليمالا» غنيا بالأخشاب الثمينة، و«تيستا دي مورو» بخلاصات البخور والزعفران والباتشولي وخشب الصندل. كلها عناصر من شأنها أن تدغدغ الحواس وتجذب زبائن من كل أنحاء العالم، وإن كانت الدار تُعول على أسواق الشرق الأوسط والصين والولايات المتحدة، بالنظر إلى عشقها للعطور.
وما يُحسب للمجموعة أنها، رغم العدد وباعتراف الدار بأنها تريد من ورائها تلميع صورتها وضمان البقاء في الصدارة، تتبع تقليدا جديدا بات مرادفا لصناعة العطور المتخصصة، يتلخص في احترام التقاليد والاعتماد على إرث قديم مقارنة بشركات عالمية تعتمد على الحملات الترويجية الضخمة. ما توصلت إليه الدار أنها عندما تنسج قصة متكاملة؛ شكلا ومضمونا، فإنها تنجح في إثارة الانتباه ولا تحتاج إلى مؤثرات أو وجوه شهيرة لتسويقها.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.