المستقبل لا يزال صناعة غير عربية

رؤية المهدي المنجرة للحداثة والثقافة والحروب «الكونية» المقبلة

المستقبل لا يزال صناعة غير عربية
TT

المستقبل لا يزال صناعة غير عربية

المستقبل لا يزال صناعة غير عربية

جاءت مبادرة الكاتبة والأكاديمية المغربية زهور كرام في استذكار عالِم المستقبليات؛ المهدي المنجرة، لتسلط الضوء على مفكر مغربي حظي طوال سنوات حياته المهنية بتقدير واعتراف كبيرين على المستوى العالمي، فهو إضافة إلى احتلاله موقع نائب المدير العام لمنظمة اليونيسكو، والتدريس في كثير من المؤسسات الأكاديمية العريقة مثل «مدرسة لندن للاقتصاد والأعمال» SLE، التي سبق له أن حصل على شهادة الدكتوراه منها خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي، مُنح جوائز وأوسمة عالية من كثير من الدول والمؤسسات، مثل «وسام الشمس المشرقة» باليابان عام 1986، و«جائزة السلام» عن معهد ألبرت آينشتاين الدولي عام 1990، و«وسام ضابط» للفنون والآداب بفرنسا عام 1976... وغيرها.
صدر هذا الكتاب حديثا عن «دار دلمون الجديدة» في دمشق، وقد قسمت الدكتورة كرام بحثها إلى 4 أقسام؛ ضمنها الملاحق التي تسلط الضوء فيها على مسيرة الراحل المنجرة العلمية، وعلى بعض مواقفه من القضايا ذات الشأن الخطير على الوضع العربي.
ويعد المهدي المنجرة واحداً من مؤسسي علم المستقبليات والمنظرين له، فقد ساهم فيه بصياغة منهجية علمية تتضمن مجموعة من المفاهيم والتعريفات والمسلّمات وتتبنى حقولا معرفية كثيرة لمنح المتخصص في هذا الحقل القدرة لا على توقع ما يخبئه المستقبل؛ بل المساهمة في رسم الخطوط العريضة لصياغته.
وبالطبع، هذا لا يعني أن توقعات عالم المستقبليات ستتحقق بالكامل، فهو ليس عرافا أو رائيا، بل هو ينطلق من الحاضر بتفكيكه ليستكشف ما سيؤول إليه المجتمع خلال فترة زمنية محدودة. فالمنجرة توقع في أواخر الثمانينات من القرن الماضي حدوث ما عرف لاحقا بـ«الربيع العربي» ومنذ بداية التسعينات توقع ازدهارا هائلا لصناعة الأسلحة في العالم، خصوصا في الولايات المتحدة بعد زيادة التوظيف المالي الكبير لها، كذلك فهو قد توقع انهيار «قيمة القيم» على الصعيد العالمي منذ ذلك الوقت ووقوع حروب كثيرة في القرن الحادي والعشرين داخل بلدان العالم الثالث.
تعرّف الدكتورة كرام طريقة بحث المنجرة بأنها تعتمد «على تحليل الواقع بمنهجية واضحة تعتمد الجرأة في التناول والعلمية في التفكيك والإحصائيات في القياس والتجارب في المقارنة مع الانطلاق من أهداف محددة نحو استشراف مستقبل حاضر هذا الواقع».
ووفق هذه المنهجية، يرى المفكر المنجرة أنه «لا يمكن الانطلاق برؤية واضحة تجاه المستقبل، كما لا يمكن التحكم في المستقبل باعتباره موضوعا للتفكير إذا لم يكن الماضي حاضراً في التفكير في إطار رؤية تحليلية واضحة وموضوعية ممنهجة».
غير أن الماضي الذي نعرفه عبر معطيات محددة يتطلب تأويلا متواصلا، وهذا ما يجعل المهدي المنجرة يتبنى مفهوما موجودا في الدراسات المستقبلية، وهو ما يسمى «مستقبل الماضي». من هنا يفسر فشل مشروعات اقتصادية كثيرة في الدول العربية، مثل موضوعي القطاعين العام والخاص، ونقل الأفكار حولها من دون اعتماد دراسة البيئة التي تتطور فيها الأفكار.
كم تذكرني هذه الفكرة بما جرى في العراق عام 1964 حين قامت الحكومة آنذاك بتأميم المشروعات الخاصة التي تعد على أصابع اليد آنذاك لتئد بذلك أي نمو للقطاع الخاص، وهذا بالطبع تقليدا لما جرى في بلدان أخرى، ولأغراض محض شعبوية.
يعطي المنجرة مثالا آخر على الكيفية التي يقام بها كثير من المشروعات في العالم العربي على أساس مبدأ الارتجال، فيقول في إحدى دراساته إن «إنجاز المشاريع الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا وأميركا يتم وفق دراسات البيئة المحتضنة لأفكار المشروع وتحليل حاجات السوق وتبني رؤية الاستشارة المعتمدة على معطيات واقعية...». لذلك فهو يرفض تلك القناعة السائدة لدى كثير من أبناء العالم الثالث بأن الحداثة تعني تقليد الغرب، فهو يعدّ النموذج الياباني الذي حافظ على ثقافته وفي الوقت نفسه حقق تطورا علميا وصناعيا هائلا، خير مثال يمكن للبلدان النامية أن تحتذيه. وهو ضمن هذا السياق يرى أنه لم تتحقق أي نقلة نوعية في حياة أي مجتمع تخلى عن لغته وتبنى لغة أجنبية أخرى محلها في مجال العلوم والتكنولوجيا.
تسلط الدكتورة كرام في كتابها «الفكر التنويري في الرؤية المستقبلية عند المهدي المنجرة» الضوء على موضوع «الثقافة» الذي كرس له المفكر المغربي الراحل مساحة واسعة في رؤيته الشمولية، فهي بالنسبة إليه ليست مجرد أفكار وشعارات، لذلك فهو «ينتقد العلاقات الحضارية بين المجتمعات عندما لا تعتمد على التواصل الثقافي المبني على احترام الخصوصيات، فالثقافة لا تُستنسَخ ولا يمكن نقلها بشكل أعمى، وبالتالي، فإن ما يحقق فاعليتها الحضارية هو احترام خصوصيات كل ثقافة على حدة».
يقول المنجرة ضمن هذا السياق: «في نظري أن تشكل الثقافات أساس وعماد السلام والبذرة الوراثية للسلام، فليس ثمة من ثقافة تولد أصلا عدوانية أو لتصارع ثقافة أخرى. وقد علّمنا التاريخ بأن ثقافة ما حين تأخذ مقاليد السلطة تسعى إلى فرض نظام قيمها على ما عداها».
مع ذلك، فهو يراهن على التفاعل السلمي بين الثقافات، فهو يرى أن «الثقافات لا تُستنسخ ولا يمكنها أن تتواصل في ما بينها ولا تغني بعضها البعض إلا إذا اعتبرنا هذه القاعدة أساسية».
لذلك هو يقترح مفهوماً آخر لهذا التلاقح الثقافي أطلق عليه مفهوم «نسبية الكونية». وبالنسبة له، فإن «الكونية هي تلك التي تكون نتاج تداخل وتفاعل للاختلافات، تلك التي ترتكز (لوغاريتماتها) على العدالة والإنصاف المطبّق بدون تمييز عرقي أو عقائدي أو جنسي أو اجتماعي. أؤمن بكونية الجمال والحب كما نحس به فرديا، وأؤمن بكونية الإبداع والخلق حين نطلق لها العنان... الكونية هي نتيجة لتفاعل بين الثقافات بانحيازها للاختلافات لأن الاختلاف هو الذي يطور القيم الثقافية».
يكرس المهدي المنجرة جهده المعرفي كذلك للتحولات التي طرأت على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، فهو قد تنبأ بظهور ما سماها «الإمبريالية الجديدة»، وتوقع أنها ستخوض ما سماها «الحروب الحضارية» في كثير من البلدان. وإذا كانت الإمبريالية في القرن التاسع عشر استخدمت القوة والعنف لفرض سيطرتها على بلدان آسيا وأفريقيا، فإن الامبريالية الجديدة ستستخدم «اللغم الدلالاتي (السيميائي)» لكسب قطاع مهم من مثقفي ومفكري هذه البلدان المستهدفة. وما يعنيه المنجرة هو صياغة المفاهيم بالشكل الذي يسهل قبولها لدى الطرف المستهدَف.
ولعل من أهم المفاهيم التي تحقق هذا المنظور الاستعماري الجديد مفهوم العولمة الذي «تصدى له المنجرة بتفكيك وتحليل حمولاته الدلالية، غير مهتم بالخطابات الإغرائية التي تجعل من العولمة مفهوماً مغرياً».
مع ذلك، فإنه توقع خمود العولمة بعد عقود قليلة، وهذا ما نراه اليوم في أوروبا والولايات المتحدة بتصاعد الروح القومية وتصاعد قوى سياسية تعاكس تيار «العولمة».
هذا الكتاب ملهم ومحفز للمؤسسات الأكاديمية وصناع القرار في العالم العربي لتأسيس معاهد معنية لا بالتنبؤ بالمستقبل فحسب؛ بل المساهمة في صياغته، بدلا من أن نبقى معتمدين في التنبؤ به على المنجمين الذين أصبحوا اليوم من أبرز نجوم الشاشة الصغيرة وأكثرهم جذبا لملايين المشاهدين في العالم العربي.


مقالات ذات صلة

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

ثقافة وفنون القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

منذ مطلع يناير 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة

خالد الغنامي
ثقافة وفنون الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني».

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

صدرت في برلين أنطولوجيا ثنائية اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا / Grenzlandschaften» عن دار EBverlag الألمانية للنشر العلمي.

إبراهيم اليوسف (برلين)
كتب «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي»، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية.

حمزة عليوي
كتب محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً...

رشا أحمد (القاهرة)

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي
TT

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي

منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة. الفكرة بسيطة في ظاهرها، قراءة الرواية على امتداد عام كامل، فصل تقريباً في اليوم، لكنها عميقة في دلالتها. ليست تحدياً ثقافياً ولا نشاطاً ترفيهياً، بل إعلان عن نفور من استهلاك النصوص بدل معاشرتها. على منصات مثل «Good reads» ظهر هذا التلاقي بوضوح؛ قرّاء من أعمار وخلفيات مختلفة، لا يجمعهم ذوق أدبي واحد ولا مشروع نقدي، بل إحساس مشترك بأن روايةً بهذا الحجم لا ينبغي اقتحامها، وسلقها كسلق البيض.

اللافت في هذا النشاط الاجتماعي أنه لا يقوم على فكرة الإنجاز. لا أحد يتباهى بأنه أنهى الرواية، ولا أحد يُحاسَب إن تأخر. القراءة هنا لا تُقاس بعدد الصفحات بل بمدى الحضور. النقاشات التي ترافقها ليست تحليلات أكاديمية ولا محاولات لفهم ما أراد تولستوي أن يقول، بل تسجيل صادق لما تفعله الشخصيات والأحداث بالقارئ. الملل يُذكر كما تُذكر الدهشة، والارتباك لا يُخفى، بل يُعترف به بوصفه جزءاً من التجربة. بهذا المعنى تتحول القراءة إلى فعل إنساني مشترك، لا إلى استعراض ثقافي. النص لا يُستهلك، بل يُحمَل مع الآخرين، وهذا وحده يمنحه حياة جديدة.

القراءة البطيئة تعيد الاعتبار لفكرة الزمان في علاقتنا بالكتب. القارئ لا ينعزل ساعات طويلة ليغرق في الرواية، بل يقرأ جزءاً صغيراً ويعود إلى حياته، ثم يعود في اليوم التالي، كأن الرواية تدخل في النسيج اليومي، لا باعتبارها حدثاً استثنائياً بل بوصفها رفيقاً. هذا الامتداد الزماني يخلق علاقة مختلفة بالنص، علاقة أقل انفعالاً وأكثر رسوخاً. الشخصيات لا تُنسى بسرعة، لأنها ستعيش مع القارئ سنةً كاملةً، تتغير صورته عنها كما تتغير صورة الناس في الحياة الواقعية. هنا تتجلى قيمة هذا النشاط الاجتماعي، ليس لأنه أعاد قراءة عمل كلاسيكي، بل لأنه أعاد تعريف معنى القراءة نفسها في زمن فقد الصبر على العمق.

لكن هذا التجمع لا يمكن فهمه بمعزل عن راهنية «الحرب والسلام». الرواية تعود اليوم لأنها تمسّ جرحاً لم يلتئم. تولستوي لا يكتب عن حرب بعينها، بل عن بنية الحرب بوصفها حالةً إنسانيةً تتكرر بأشكال مختلفة. ما يفعله في الرواية هو نزع الهالة عن الحرب، وعن خطابها، وعن أبطالها. لا نجد عنده تمجيداً للمعارك ولا احتفاءً بالانتصارات، بل ثمة تفكيك صبور للوهم الذي يجعل البشر يعتقدون أن العنف يمكن أن يكون عقلانياً أو ضرورياً أو نبيلاً.

في عالمنا المعاصر، حيث تُقدَّم الحروب مرة أخرى بوصفها حتميات، وحيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية، تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو يصرّ على أن التاريخ لا يُدار من أعلى، ولا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل يتشكل من ملايين التفاصيل الصغيرة، من قرارات فردية، من خوف، من تردد، من سوء فهم. هذا التفكيك لوهم السيطرة هو ما يجعل قراءة الرواية مؤلمة، لأنها تحرمنا من العزاء السهل الذي توفره السرديات الكبرى.

من اللافت للنظر أن هذه الراهنية لم تبقَ حبيسة المجال الأدبي أو الأخلاقي، بل امتدت حتى إلى التفكير الاستراتيجي نفسه. ففي كتاب «القيادة العليا»، وهو من المراجع الأساسية في الاستراتيجيا الحديثة، يناقش إليوت كوهين، تولستوي، ضمن نقاشه لفكرة القيادة في زمن الحرب، جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل ونستون تشرشل وأبراهام لنكولن. إدراج تولستوي هنا ليس مجاملة أدبية، بل اعتراف بأن نقده لأساطير الحرب ما زال حاضراً في صميم التفكير المعاصر. وبهذا تغدو «الحرب والسلام» نصاً فكرياً يتحدى التصورات الكلاسيكية عن السلطة والقرار والمسؤولية، لا رواية أخلاقية فحسب.

في عالمنا المعاصر حيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى

أما السلام، فلا يقدّمه تولستوي بوصفه حالة مستقرة يمكن الوصول إليها بقرار سياسي أو نهاية معركة. السلام عنده هش، داخلي، ومشروط بإعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الآخرين. الشخصيات التي تنجو من الحرب لا تعود كما كانت، بل تحمل أثرها في داخلها، وتظل تبحث عن معنى لحياتها بعد أن انكشفت لها هشاشة كل المبررات. بهذا المعنى تصبح الرواية عن ما بعد الحرب بقدر ما هي عن الحرب نفسها، عن الفراغ الأخلاقي الذي يتركه العنف، وعن صعوبة العيش بعد سقوط الأوهام.

من هنا نفهم لماذا وجدت القراءة البطيئة صداها الآن. ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تعبير عن حاجة جماعية إلى نص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يسمح بالتفكير الطويل. القارئ الذي يشارك في هذا التجمع لا يبحث عن موقف سياسي ولا عن رسالة أخلاقية مباشرة، بل عن مساحة يتعلّم فيها كيف يحتمل التعقيد، وكيف يعيش السؤال دون استعجال الخاتمة. هذا ما يمنح النشاط الاجتماعي قيمةً فلسفيةً، لأنه يدرّب على الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى قبول أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة.

في هذا التلاقي بين تجمع القرّاء وراهنية تولستوي، تستعيد الرواية دورها الأعمق. ليست وثيقة من الماضي ولا نصاً يُعاد تدويره، بل تجربة تُعاش في الحاضر. القراءة البطيئة ليست طريقة لقراءة رواية طويلة فحسب، بل موقف من العالم، ومن الزمان، ومن الوهم القائل إن كل شيء يمكن اختصاره. وربما في هذا البطء، وفي هذا الاجتماع الصامت حول كتاب واحد، يكمن شكل هادئ من المقاومة، مقاومة لسطحية العصر، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكّر بعمق، ومع الآخرين، في عالم لا يكفّ عن دفعه إلى الاستهلاك والنسيان السريع.

* كاتب سعودي


صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. تزين هذه الجداريات مجلس هذا القصير المكوّن من 3 إيوانات معقودة، وحمّامه الكبير مؤلف من 3 غرف، وتتكوّن من لوحات كبيرة تجمع بين مواضيع متعدّدة. يحضر اسم صاحب البناء في كتابة كوفية كشفت عنها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في مايو (أيار) 2012. تعلو هذه الكتابة لوحة كبيرة، اتّضحت معالمها بعدما نجحت هذه البعثة في إظهار تفاصيل منها، ظلّت مخفيّة منذ أن خرجت جداريات هذا الموقع من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي.

ظهر اسم صاحب القصير في كتابة كوفية خُطّت في 3 أسطر، فوق نافذة في أعلى الحائط الجنوبي من الإيوان الغربي. تآكلت هذه الكتابة مع الزمن للأسف، ولم تسلم منها إلا الكلمات الأولى: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد». تحت النافذة، يحضر صاحب القصير كما يبدو في لوحة كبيرة تحتّل القسم الأوسط من الجدار، وتمثّل مشهداً جماعياً يجمع بين 5 أشخاص. عُرفت هذه اللوحة من خلال رسم توثيقي، نُشر عام 1907 في كتاب قدّم فيه العالم التشيكي ألوييس موزيل قراءة تعريفية أولى بجداريات قصير عمرة. وظهرت صور لتفاصيل من هذه اللوحة في كتاب صدر عام 1975، بعد أن تولت بعثة إسبانية مهمّة تثبيت وتنظيف جداريات الموقع. وفي 2007، أصدر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مجلّداً حمل نتيجة الأبحاث التي أجراها في هذا الموقع، وضمّ هذا المجلد صوراً ورسوماً توثيقية لهذه اللوحة، رافقتها قراءة تفصيلية لعناصرها. قيل طويلاً إن هذه الجدارية تمثّل مشهداً جماعياً نسائياً، غير أن أعمال الترميم كشفت عن تفاصيل ظلّت مخفية من قبل، واتّضح أن الشخصية التي تحتلّ المركز الرئيسي تمثّل رجلاً ملتحياً، وهو صاحب القصير، كما تشير الكتابة التي تعلو اللوحة.

يظهر بطل الصورة في صدر التأليف تحت خيمة تزيّنها شبكة من المكعبات الحمراء، ممدّداً فوق كنبة طويلة على شكل سرير، مرتدياً عباءة طويلة زرقاء، يلفّها في الوسط رداء أحمر زُيّنت قماشته بشبكة من الوحدات الهندسية الرباعية المتساوية الأضلاع. سقط الجزء الأيمن من الرأس، ونجا الجزء الأيسر، وما بقي منه يكشف عن عمامة بيضاء تعلوه وتغطّي شعره. يظهر الوجه في وضعيّة المواجهة، محدّقاً بعين ثاقبة نحو الأمام. العين محدّدة بوضوح، وكذلك الأنف، والفم ظاهر بين الشارب العريض واللحية المتدلية، مع شق يفصل بين شفتين عريضتين.

يمدّ هذا الأمير ساقيه الملتصقتين فوق كنبة ديوانه، ويرفع صدره نحو الأعلى، متكئاً بذراعه اليسرى على أريكة كبيرة، رافعاً بيده اليمنى قضيباً نحيلاً. يحوطه من جهة اليمين فتى أمرد يرفع في اتجاهه مروحة مكوّنة من قضيب طويل تعلوه حزمة من ريش الطاووس، ومن الجهة المقابلة، رجل ملتحٍ يعتمر خوذة رمادية، يقف من خلفه في وضعيّة الحارس، قابضاً بيده اليمنى على عصاً قصيرة. في مقدّمة الصورة، عند طرف الأريكة الكبيرة، يظهر شابان أمردان معمّمان، يجلس كلّ منهما أرضاً على أريكة فضفاضة، رافعاً ذراعيه في اتجاه الأمير. يرتدي الفتى الجالس في المقدّمة عباءة حمراء، يلفّها رداء بلون أصفر فاتح، ويرتدي الشاب الجالس من خلفه عباءة مماثلة يلفّها رداء أزرق.

تتمثّل خلفيّة الصورة بفضاء أزرق مجرّد. يستقرّ السرير العريض وسط هذا الفضاء، فوق مساحة مستطيلة تمثّل أرض هذه القاعة، وتزيّن هذه المساحة شبكة من الوحدات الزخرفية، تعتمد شكل زهرة محوّرة تحدّها 4 بتلات متساوية. في المقابل، تؤلّف هذه الشبكة الزخرفية بساطاً مسّطحاً، تعلوه في الوسط طاولة صغيرة من الخشب، تزينها نقوش عاجية بيضاء. تشكّل الخيمة هرماً يرتفع في أعلى الصورة، ويظهر عند جهتي هذا الهرم طاووسان، يدير كل منهما رأسه نحو الخلف في اتجاه الآخر. يحتل كلٌّ من هذين الطاووسين زاوية في القسم الأعلى من التأليف، ويستقرّان في الفضاء فوق خلفيّة مجرّدة، حيث تعلو كلاً منهما عبارة باللغة اليونانية، ضاع جزء من أحرفها، وما بقي من هاتين العبارتين يشير على الأرجح إلى «النعمة» و«النصر». تحت هذه الصورة الجماعية، لوحة تحمل كتابة أخرى بالخط الكوفي، تمتدّ كذلك على 3 أسطر. تآكلت هذه الكتابة كحال الكتابة التي تعلو النافذة، وبقي منها مطلعها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله (...) الله».

يحضر اسم «الوليد بن يزيد» في أعلى الجدار، فوق هذه الصورة، وهو الخليفة الأموي الحادي عشر، وقد حكم فترة قصيرة من عام 743 إلى عام 744. نقع على كتابة أخرى تشير إلى صاحب القصير، وموقعها في الرواق الأوسط، وهو الرواق الذي وُصف بقاعة العرش. سطّرت هذه الكتابة على قوس قبّة هذا العرش، وما تبقّى منها لا يسمح بقراءتها كاملة بشكل جليّ، إلا أنه يشير إلى تضمّنها كما يبدو دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش: «اللهـ(م) ا(غفر) لولي (عـ)ـهد المسلمين والمـ(ـسلـ)ـمات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». من جهة أخرى، نقع في الإيوان الشمالي على كتابة أخرى، نجحت البعثة الإيطالية في فكّ بعض منها، ونصّها «اللهم بارك على الأمير كما باركت على داود وإبراهيم وآل ملته (...) أعطيه (...)».

تسمّي هذه الكتابات صاحب البناء بـ«الوليد بن يزيد»، وتصفه بـ«الأمير» وبـ«ولي عهد المسلمين والمسلمات»، وليس بالخليفة، مما يعني أنه شيّد هذا المجمع يوم كان أميراً، وخلال ولايته للعهد، في عهد خلافة عمّه الملك هشام بن عبد الملك التي استمرت من 724 إلى 743. يحضر هذا الأمير وسط ديوانه في لوحة تزيّن الإيوان الغربي، ويحضر جالساً على عرشه في لوحة أخرى تزيّن الإيوان الأوسط، وتحتاج هذه الصورة إلى وصف متأنٍّ مستقلّ، يبرز معانيها المثيرة ودلالاتها المتعدّدة.


سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي