بريطانيا: انقسام حكومي وحزبي وتباين لدى الرأي العام

تيريزا ماي في مقر رئاسة الوزراء (أ.ب)
تيريزا ماي في مقر رئاسة الوزراء (أ.ب)
TT

بريطانيا: انقسام حكومي وحزبي وتباين لدى الرأي العام

تيريزا ماي في مقر رئاسة الوزراء (أ.ب)
تيريزا ماي في مقر رئاسة الوزراء (أ.ب)

مسودة من 600 صفحة تناولت أدق تفاصيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (أو بريكست) تمت صياغتها على أمل أن تحدد العلاقة بين لندن وبروكسل خلال الفترة الانتقالية ابتداء من 29 مارس (آذار) 2019 وحتى يتم الانفصال النهائي. لكن بعد 24 ساعة من مناقشتها من قبل حكومة تيريزا ماي المحافظة حتى الساعات الأخيرة من ليل الأربعاء ومن ثم في صباح اليوم التالي في البرلمان، بدأت آثارها تظهر في جسم المؤسسة البريطانية. في صباح الأمس، قبل جلسة عاصفة في البرلمان مع المعارضة العمالية، انهالت الاستقالات من الحكومة، تبعتها تهديدات من أعضاء حزب المحافظين الحاكم بسحب الثقة عن زعامة تيريزا ماي. الحالة عبرت عنها إحدى الصحف بعنوان يقول: خطة ماي للخروج: حكومة منقسمة... حزب منقسم... وشعب منقسم. أما وزير الشؤون الأوروبية الألماني ميشائيل روت فقد وصف حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأنها تراجيديا لم يكن حتى الكاتب المسرحي الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير ليقدر على تأليفها. وكتب روت على «تويتر» «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مأساة. حتى شكسبير لم يكن ليتصورها... أمر محزن جدا». وقال إنه رغم أن برلين لا تريد خروج بريطانيا من الاتحاد، إلا أن من مصلحة الطرفين أن تربطهما علاقات وثيقة بعد الانفصال. وكتب على «تويتر» «لا نرغب في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. على الإطلاق». وأضاف «هذا موقف يشكل خسارة للطرفين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. أمر مؤسف جدا. مع ذلك، نظرا للظروف، فإن خروجا «سلسا» وعلاقات وثيقة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يصبان في مصلحتنا المشتركة».
الجنيه الإسترليني، هو الآخر، لم يشذ عن القاعدة وحالة التدهور في المشهد البريطاني.
وبعد إعلان وزير بريكست دومينيك راب استقالته من الحكومة تراجع الجنيه الخميس، لتخسر العملة نحو 1 نقطة مئوية من قيمتها مقابل الدولار. وتدنت قيمة الجنيه إلى 1.2858 دولار مقابل 1.2992 دولار مساء الأربعاء، ليعود إلى المستوى الذي كان عليه الثلاثاء قبل إعلان مشروع الاتفاق حول بريكست ومصادقة الحكومة عليه مساء الأربعاء.
وحذرت تيريزا ماي نواب البرلمان من أنهم يواجهون احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق أو التخلي عن بريكست في حال لم يدعموا مشروع اتفاقها مع بروكسل. وقالت ماي في كلمتها أمام البرلمان «يمكننا اختيار الخروج من دون اتفاق، ومواجهة التخلي عن بريكست، أو يمكننا اختيار التكاتف ودعم أفضل اتفاق يمكن التفاوض حوله»، فيما علت هتافات التأييد عندما ذكرت احتمال التخلي عن بريكست.
لكن يبدو أن الأمور ازدادت تعقيداً مع استقالة راب الذي قال في رسالته التي نشر نصها في حسابه على «تويتر» «لا يمكنني أن أرى أن شروط الاتفاق تتماشى مع الوعود التي قطعناها للبلاد في بيان حزبنا». وأضاف أن الحكومة بحاجة «إلى وزير بريكست قادر على الدفاع عن قناعة عن الاتفاق (...) علي أن أستقيل».
وعلقت صحيفة «تايمز» البريطانية على نجاح رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في فرض اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على مجلس وزرائها البريطاني قائلة في عدد الخميس «لقد نجحت تيريزا ماي من خلال نقاشات حماسية على مدى خمس ساعات في إقناع مجلس وزرائها بتبني اتفاقية الخروج، إنها تزعم أن هذه هي أفضل نتيجة مفاوضات يمكن التوصل إليها وتعتقد «بعقلها وقلبها» أن هذا الاتفاق يتوافق مع المصالح الوطنية». تابعت الصحيفة: «ولكن ما لا شك فيه أن الاتفاق يظل دون الروابي المشرقة التي وُعِد بها الناخبون خلال الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي وكذلك دون ما وعدت به ماي في الماضي». وقالت الصحيفة إن ماي كانت تصر قبل أقل من عام على ألا يكون الاتفاق «اتفاق انفصال فقط بل في الوقت ذاته اتفاق على شراكة مستقبلية مع الاتحاد الأوروبي يعيد لبريطانيا العظمى سيطرتها على أموالها وحدودها وقوانينها». ورأت الصحيفة أن «الاتفاق لا يحقق بالطبع شيئا من ذلك، على أي حال، ليس على المدى القصير». ورغم تصديق الحكومة عليه فإن مشروع الاتفاق لا يحظى بإجماع. ويخشى أنصار بريكست ومعارضوه أن يجبر بريطانيا على الخضوع لقواعد الاتحاد الأوروبي لسنوات دون أن يكون لها أي رأي في الموضوع كونها ستكون قد أصبحت خارج الاتحاد.
ووصف جيريمي كوربن، زعيم حزب العمال المعارض الذي يسعى لانتخابات مبكرة، عملية المفاوضات برمتها بأنها «مخزية». وقال «هذه الحكومة أمضت سنتين في التفاوض على اتفاق سيء سيترك البلاد بين انسحاب ولا انسحاب إلى ما لا نهاية». ويأمل كوربن أن تهنز زعامة ماي ويخسر الحزب الحاكم التصويت والثقة مما قد يجبر الحكومة أن تدعو لانتخابات تشريعية مبكرة. وفي ظل الانقسام في جسم الحزب الحاكم فكل الدلائل تشير أن فرصة كوربن في الوصول إلى رئاسة الوزراء تصبح واقعا. واعتبر بوريس جونسون وزير الخارجية السابق أنه «بهذا الاتفاق سنبقى ضمن الاتحاد الجمركي وسنبقى عمليا في السوق المشتركة»، معتبرا أن ذلك يجعل من المملكة المتحدة «دولة تابعة» للاتحاد الأوروبي. أما نايجل فاراج من حزب «الاستقلال» المدافع عن بريكست بلا تنازلات فرأى أنه «أسوأ اتفاق في التاريخ»، مضيفا أنّ «على كل عضو في الحكومة مناصر فعلي لبريكست أن يستقيل وإلا فإنه سيبقى إلى الأبد غير جدير بالثقة». من جانبه انتقد النائب المحافظ بيتر بون، المؤيّد البارز لبريكست، رئيسة الوزراء. وقال مخاطبا ماي «أنت لا تحترمين ما صوّت عليه مؤيدو بريكست، واليوم ستخسرين دعم الكثير من النواب المحافظين وملايين الناخبين». واعتبرت لوسي هاريس التي أسّست تجمّع «ليفرز أوف لندن» المؤيّد لبريكست أن الاتفاق «يبيع البلاد تماما. سنتحول إلى دولة تابعة للاتحاد الأوروبي». لكن الأسوأ صدر من الحزب الإيرلندي الشمالي، الحزب الوحدوي الديمقراطي، حليف ماي الذي لا غنى عنه في الحكومة، الذي هدّد بفض الائتلاف. ولم تلق الترتيبات المتداولة أصداء إيجابية في أسكوتلندا حيث شكّكت حكومتها المؤيّدة للاستقلال بمشروع الاتفاق. وسالت رئيسة حكومة أسكوتلندا نيكولا ستورجن عن السبب الذي يسمح لإيرلندا الشمالية بالحصول على وضع خاص يبقيها في السوق الأوروبية الموحدة بينما لا تحصل أسكوتلندا على ذلك. وحذّر زعيم حزب المحافظين السابق ويليام هيغ مؤيدي بريكست من أنهم يمكن أن ينسفوا العملية برمّتها في حال لم يدعموا خطة ماي. ويؤيد عدد صغير ولكن متزايد من النواب المحافظين تنظيم استفتاء ثان مع خيار البقاء في الاتحاد الأوروبي، رغم أن ماي رفضت الفكرة. وفور إقرار الحكومة البريطانية مسودة الاتفاق اعتبر كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشال بارنييه أن بروكسل ولندن أنجزتا «تقدما حاسما» في مفاوضات بريكست ما يفتح المجال لإبرام الاتفاق وتحقيق «خروج منظّم» للمملكة المتحدة في 29 مارس المقبل. لكن المسؤول الأوروبي لفت إلى أنّه ما زال هناك «الكثير من العمل» للوصول إلى ذلك. وخرجت ماي من اجتماع حكومتها الذي استمر خمس ساعات وهزّ سعر الجنيه الإسترليني للإعلان عن أنّها حظيت بالدعم الكامل من وزرائها للمضي قدماً بخطتها بشأن بريكست. وحدد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الخامس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري موعدا لقمة لقادة دول الاتحاد الأوروبي للتوقيع على الاتفاق. وأضاف توسك، موجها حديثه لبريطانيا: «بقدر ما أشعر به من حزن لمغادرتكم، فإني سأبذل قصارى جهدي لجعل هذا الوداع أقل ألما لكم ولنا».
ومن دون وجود اتفاقية انتقالية، لن تكون قوانين الاتحاد الأوروبي سارية في بريطانيا بعد التاسع والعشرين من مارس القادم، وهو ما سيقود على الأرجح إلى حالة من الفوضى والمشكلات الاقتصادية للجانبين. وقال توسك إن ممثلين عن الدول الأعضاء المتبقية في الاتحاد سيعملون خلال الأيام القادمة على تحليل النصوص التوافقية، مضيفا أنه «إذا لم يجدّ أي أمر إضافي، فإن قادة الاتحاد الأوروبي سيلتقون في 25 نوفمبر لإتمام الاتفاق». ويأتي تحديد الموعد بعد إعلان ميشيل بارنييه، مفوض الاتحاد بشأن خروج بريطانيا، وجان - كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية، أمس تحقيق «تقدم حاسم» في الجهود الرامية إلى خروجٍ بريطاني منظم من الاتحاد في مارس المقبل.



الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
TT

الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)

لجأت الكونغو الديمقراطية، للمرة الثالثة، إلى تقديم دعوى ضد رواندا تتهمها فيها بدعم جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية على أراضيها، وسط مفاوضات جارية بين البلدين بشأن التطورات في شرق الكونغو.

تلك الخطوة، يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، ستصعّد الأمور بين البلدين، وتعقّد مسار التفاهمات خلال المفاوضات الجارية، مؤكداً أهمية العمل على مقاربة شاملة لحل الأزمة بحضور كل الدول المعنية.

تحرك كونغولي جديد

وقالت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية، الجمعة، إن البلاد رفعت دعوى ضد ​رواندا أمام محكمة العدل الدولية بشأن دورها في الصراع المستمر ‌منذ فترة طويلة في شرق البلاد، وفقاً لـ«رويترز».

وهذه هي المرة الثالثة التي تحاول فيها ​الكونغو الديمقراطية ⁠رفع دعوى ضد رواندا أمام محكمة العدل الدولية، التي تُعدّ أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة وتختص بالفصل في الصراعات بين الدول والنظر ⁠في الانتهاكات ​المزعومة للمعاهدات الدولية، وسبق أن سحبت السلطات في كينشاسا ​الدعوى الأولى في 2001 لإعطاء مساحة للدبلوماسية، ورفضت محكمة العدل الدولية الدعوى الثانية في 2006 لعدم اختصاصها بالنظر فيها ​آنذاك.

واتهمت حكومة الكونغو رواندا، في بيان الجمعة، بانتهاك الاتفاقات الدولية، ومنها تلك المتعلقة بالإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتعذيب، وإرسال قوات ​ودعم وتوجيه جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية غير ​مشروعة على أراضيها في أعقاب جرائم الإبادة الجماعية التي وقعت ⁠في رواندا عام 1994، مطالبة محكمة العدل الدولية بأن تأمر رواندا بوقف ​الانتهاكات المزعومة ومنح تعويضات للبلاد ولضحاياها.

ولم يصدر أي رد حتى الآن من حكومة رواندا، التي سبق أن نفت باستمرار المزاعم بأنها تدعم جماعات متمردة ناشطة ​في الكونغو.

ووفق «رويترز»، أكدت محكمة العدل الدولية، المعروفة أيضاً باسم «المحكمة ‌العالمية»، ⁠أنها تلقت طلباً من الكونغو برفع دعوى قضائية، وسبق أن انحاز خبراء الأمم المتحدة والحكومات الغربية إلى الكونغو الديمقراطية في إثبات مسؤولية رواندا عن تقديم الدعم إلى حركة «23 مارس» المتمردة، وهي جماعة مسلحة رئيسية في شرق ​البلاد.

وتعود جذور هذا ​الصراع المستمر منذ ⁠عقود إلى الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 وفرار فلول القوات المرتبطة بالإبادة عبر الحدود إلى ​شرق الكونغو.

تشيسيكيدي خلال ترؤسه اجتماعاً للحكومة في منتصف يونيو الحالي (صفحة الرئاسة الكونغولية على «إكس»)

ويرى المحلل في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن لجوء جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى محكمة العدل الدولية تصعيد جديد رغم أن هذا المسار لن يكتمل مجدداً، خصوصاً أنه يقتضي موافقة الطرف الآخر، وهي رواندا، في القبول بالإجراءات والقرارات التي تُتخذ من قِبل المحكمة.

ويعتقد تورشين أن استمرارية التصعيد في الكونغو وفي المنظمات الدولية ستترتب عليها بلا شك العديد من التبعات على مسار السلام، وتصعيد كل من «الجبهة الوطنية لتحرير رواندا»، وكذلك حركة «23 مارس» العمليات في البلدين، خصوصاً أن رواندا لم توقف دعمها للحركة المتمردة في الكونغو، وفي الاتجاه الآخر لا تزال «الجبهة الوطنية لتحرير رواندا» حاضرة ومدعومة من الحكومة الكونغولية.

مستقبل المفاوضات

ويأتي الموقف الكونغولي غداة استضافة لندن، الخميس، مفاوضات العاصمتين الجارتين كيغالي وكينشاسا، برعاية أميركية-قطرية-أفريقية بعد نحو شهرين من الجمود في تطبيق مسار السلام الذي رعته واشنطن والدوحة العام الماضي، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأوضاع الإنسانية مع انتشار فيروس إيبولا في شرق الكونغو الديمقراطية.

وعقدت لجنة الإشراف على اتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية، وجمهورية رواندا، اجتماعها السادس في لندن، بمشاركة ممثلين عن البلدين، إلى جانب دولة قطر والولايات المتحدة، وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

وأعربت اللجنة، حسب بيان لـ«الخارجية القطرية» مساء الخميس، عن قلقها البالغ إزاء تصاعد القتال، وتأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدنيين، ومسار السلام، وتفاقم الوضع الإنساني في شرق الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك استمرار تفشي فيروس إيبولا.

وجاء الاجتماع بعد شهرَين من الاجتماع الخامس في واشنطن، الذي تلاه تصاعد عمليات القتال، وعقد اجتماع اللجنة بعد نحو أسابيع قليلة من فرض واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو المدعمين من رواندا.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات تفاوض في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، بالإضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا، عن تقدم بعد.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد تورشين أن الوصول إلى تفاهمات من شأنها أن تُفضي إلى تحقيق سلام حقيقي هو أمر في غاية الصعوبة في الوقت الحاضر رغم عودة مباحثات السلام مجدداً خصوصاً أنها لم تحقق الكثير من النجاحات بعد، مما سيجعل الوضع شائكاً للغاية، ومسألة التوصل إلى اتفاق سلام ستكون بعيدة المنال حالياً.

وشدد تورشين على «أن السلام في منطقة البحيرات العظمى بحاجة إلى مقاربة شاملة يتم إشراك دول المنطقة كافّة فيها، وهي المنطقة التي تشهد تداخلاً قبلياً وإثنياً، ونعني بذلك رواندا، والكونغو، وبوروندي، وأوغندا»، مؤكداً وجوب حضور كل هذه الدول في هذا الأمر لمعالجة هذه المسائل بشكل جاد، وتحقيق السلام أو الأمن الإقليمي في إطار المحافظة على مصالح تلك المجموعات الموجودة.

Your Premium trial has ended


حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
TT

حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتبريد المدن في ظل الحرّ الشديد

مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)
مياه نافورة تروكاديرو قرب برج إيفل في باريس تحولت إلى مسبح (رويترز)

من المظلات وأجهزة رشّ المياه في الشوارع إلى النباتات المتسلقة، يؤكد خبراء أن ثمة حلولاً بسيطة وسريعة ومنخفضة التكلفة لمكافحة موجات الحر في المدن، إلى جانب زراعة الأشجار ومشاريع التجديد العمراني الكبرى.

يقول المخطط المُدني الفرنسي والمتخصص في التكيف مع التغير المناخي كليمان غايار، إن التحدي الذي تواجهه المدن يكمن في «جعل المساحات العامة أكثر راحة وسهولة للاستخدام خلال موجات الحر»، معتبراً أنّ ذلك يتطلب زيادة المساحات المظلَّلة.

ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية: «إما أن تسمح طبيعة التربة بذلك، وفي هذه الحالة ينبغي إعطاء الأولوية لزراعة الأشجار، وإما أن يمكن تركيب أشرعة تظليل عن طريق تثبيتها على الواجهات القائمة».

كثيرون لجأوا إلى النوم في الحدائق العامة بباريس هرباً من القيظ (رويترز)

وقد أعيد إحياء هذه الحلول التي تعود إلى القرن التاسع عشر بعد تطويرها، وانتشرت في مدينة تولوز بجنوب غربي فرنسا، حيث تفيد البلدية بأنها ساعدت على خفض الحرارة «بما يتراوح بين درجة واحدة وخمس درجات».

إلا أن هذه الأشرعة لا تخلو من السلبيات، من بينها خطر اقتلاعها خلال العواصف، وإعاقة وصول فرق الإطفاء إلى الواجهات، فضلاً عن احتمال الحد من التبريد الليلي إذا لم تكن منفذة للهواء.

يتجه بعض المدن إلى ابتكار حلول هجينة. ففي مدينة كوير (جنوب شرقي فرنسا) أطلقت البلدية مشروع «مدينة منخفضة الحرارة صيفاً»، متخذةً مجموعة من التدابير من بينها مظلات بسيطة للحد من الإشعاع الشمسي، ومظلة شمسية كهروضوئية مُصممة لتوليد الكهرباء لصالح مركز ثقافي.

ويتيح استخدام النباتات المتسلقة، مثل نبات الجنجل أو اللبلاب الخماسي الأوراق، توفير الظل على مساحات واسعة، سواء على الواجهات أو على الأسلاك ممتدة بين المباني.

وتقول لوينا تروفي، مديرة المشاريع في مركز الدراسات والخبرات بشأن المخاطر والبيئة والتنقل والتخطيط (سيريما): «إن عدداً متزايداً من المجموعات المحلية بات يختار نباتات مثل القفزات، لما توفره من ظل سريع، نظراً إلى كونها نباتاً سريع النمو».

وتُشكل إدارة الموارد المائية أيضاً أداة أساسية في هذا المجال.

امرأة تحمي رأسها من الشمس بواسطة مروحة يدوية خارج قصر باكنغهام في لندن (إ.ب.أ)

في ليون (جنوب شرقي فرنسا)، يهدف مشروع «أشجار المطر» إلى تعزيز تسرب مياه الأمطار في أماكن سقوطها، من أجل إنشاء نقاط تبريد.

مقاعد مبردة

ولبلوغ هذا الهدف، توسّع المدينة الحفر المحيطة بالأشجار الموجودة، كما أًعيد تصميم شبكة الطرق لتجميع مياه الأمطار وتوجيهها نحو الأشجار عبر خنادق امتصاص ومجارٍ نباتية، بدلاً من تصريفها في شبكة الصرف الصحي.

يقول المندوب العام لجمعية المدن والأقاليم المستدامة الفرنسية سيباستيان ماير: «إن أولى المشكلات في هذا التكيف هي المياه، فمن دونها لا توجد نباتات. ولا يزال يتعيّن إحراز تقدم في التعامل مع مياه الأمطار بوصفها مورداً مهماً وليست مخلّفات، إذ تسهم في الحفاظ على المساحات الخضراء وتبريد المدن عبر عملية النتح التبخري».

ومن بين الحلول الأخرى أنظمة الرذاذ والمقاعد المبردة، التي تحافظ على برودتها عن طريق سحب الهواء من باطن الأرض، مثل الهواء الموجود في المحاجر ثم إعادة توزيعه.

وأظهرت تجربة أُجريت في باريس أن رشّ الشوارع بالماء يمكن أن يسهم بشكل ملحوظ في خفض حرارة الأسطح، لا سيما عندما يتم ذلك في نهاية اليوم لزيادة أثر التبخر.

ويقول غايار: «سنستخدم هذه الطريقة في الشوارع الضيقة، فكلما ضاق الشارع، كان أكثر راحةً خلال النهار، ولكن يصعب تصريف الحرارة ليلاً».

ويؤكد غايار أن الباحات الداخلية تبرز ضمن الحلول «منخفضة التقنية».

ويشير إلى أن «هذه الأفنية المظللة تعمل كمصائد للهواء البارد. فكلما ضاق الفناء، زادت برودته نهاراً، إذ تنخفض الحرارة فيه بما يصل إلى 9 درجات مئوية عن الخارج»، مع العلم أن التوسع العمراني قد قلّل انتشارها.

يتبرّدون بالماء قرب الكولوسيوم في روما (رويترز)

وتواجه هذه الحلول بدورها حدوداً واضحة في ظل موجات حرّ متزايدة التكرار والطول والشدة، مما يعرّض الأشجار أيضاً لحالة من الإجهاد المائي.

يدعو بعض الخبراء إلى اتباع مقاربة تشمل المساحات العامة والخاصة على السواء.

ويقول سيباستيان ماير: «بعد اعتماد استراتيجيات للتكيّف في المساحات العام التي تمثّل نحو 20 في المائة من مساحة المدن، تشكل المرحلة التالية نهجاً تشاركياً يشمل 80 في المائة، أي الشركات المالكة للعقارات، ومؤسسات الإسكان الاجتماعي، وجمعيات مالكي الوحدات السكنية، والهيئات الدينية».

Your Premium trial has ended


سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي
TT

سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي

في ذروة الحرب الباردة، قادت معادلة الردع النووي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إلى سباق تسلّح غير مسبوق، انتهى بتكديس آلاف الرؤوس النووية القادرة على تدمير الحضارة البشرية مرات عدة. ورغم إدراك الطرفين خطورة هذا المسار، فإن انعدام الثقة المتبادل حال دون إحراز تقدم فعلي وحاسم نحو خفض الترسانات لعقود طويلة؛ فكل دولة كانت تخشى أن يستغل الطرف الآخر أي اتفاق للحد من الأسلحة لتحقيق تفوق استراتيجي في «ملعب النفوذ».

لكن المشهد بدأ يتغير خلال ثمانينات القرن الماضي، عندما ساعد التقدم العلمي في تطوير أدوات تحقق ومراقبة فعالة؛ من الأقمار الاصطناعية إلى أجهزة الرصد والكاميرات الدقيقة. وبفضل هذه التقنيات، أصبح بالإمكان التأكد من التزام الأطراف بالاتفاقات الموقعة، ما فتح الباب أمام مرحلة من الحد من التسلح أسهمت في تخفيف التوترات الدولية وإنهاء الحرب الباردة. وقد اختصر المثل الروسي الشهير «ثق، ولكن تحقق»، فلسفة تلك المرحلة التي جمعت بين التعاون والحذر.

حاملة الطائرات الصينية «لياونينغ» (رويترز)

* السباق الجديد والمعضلة المتجددة

اليوم، يجد العالم نفسه أمام سباق تسلّح جديد يختلف في أدواته عن سباقات القرن العشرين، لكنه لا يقل خطورة عنها؛ فبدلاً من الرؤوس النووية والصواريخ العابرة للقارات، يتمحور التنافس حول الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والحوسبة المتقدمة. ولا شك في أن الولايات المتحدة والصين هما أبرز اللاعبين في هذا المجال؛ إذ تسعيان إلى تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على اختراق الأنظمة الرقمية، واكتشاف الثغرات الأمنية، وتشغيل جيل جديد من الأسلحة التي تكاد لا تحتاج إلى «جنود» بالمعنى التقليدي.

إلا أن المشكلة التي تواجه القوى الكبرى اليوم تشبه إلى حد بعيد، معضلة الحرب الباردة؛ فواشنطن وبكين لا ترغبان في وقوع كارثة ناتجة عن الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، لكن كل طرف يخشى أن يؤدي إبطاء التطوير أو فرض قيود صارمة، إلى منح منافسه تفوقاً حاسماً. وهكذا؛ يتحول انعدام الثقة مجدداً إلى محرك رئيسي لسباق التسلح.

وقد بدأ عدد من قادة شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى التعبير عن مخاوف مشابهة؛ فهناك إدراك متزايد لأن التطور السريع لهذه التكنولوجيا مرشح لأن يسبق قدرة الحكومات والمؤسسات على تنظيمها وضبط أخطارها. لكن الدعوات إلى إبطاء التطوير أو فرض ضوابط دولية تصطدم بالسؤال نفسه الذي واجه العالم خلال الحرب الباردة: كيف يمكن التأكد من أن الجميع يلتزم بالقواعد؟

تكمن المشكلة في أن «أقمار الذكاء الاصطناعي» وأدوات التحقق الخاصة بهذا العصر، لم تُطوَّر بعد بالشكل الكافي، مع العلم بأن مجموعة صغيرة من الشركات تعمل على ابتكار تقنيات تحقق جديدة تهدف إلى مراقبة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون المساس بالأسرار التجارية، أو خصوصية المستخدمين. ويعتمد بعض هذه الحلول على بيئات حوسبة آمنة مدمجة في الرقائق الإلكترونية، تسمح بالتحقق من طبيعة العمليات الجارية من دون كشف تفاصيلها.

ويأمل المطورون في أن تتيح هذه التقنيات مستقبلاً، مراقبة الالتزام بأي اتفاق دولي محتمل ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي المتقدم. لكن الطريق لا يزال طويلاً؛ إذ إن التحدي لا يقتصر على تطوير أدوات التحقق، بل يشمل أيضاً تحديد ما الذي يجب التحقق منه أساساً؛ فقياس قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحقق من سلوكها أكثر تعقيداً بكثير من عدّ الصواريخ، أو مراقبة تخصيب اليورانيوم.

صواريخ كورية جنوبية في معرض عسكري بالعاصمة سيول (رويترز)

* من المستفيد من التسلّح؟

في خضم هذه التطورات، يبرز سؤال مهم: من المستفيد من سباق التسلح الجديد؟

يشير التاريخ إلى أن المستفيدين الأوائل هم شركات الصناعات الدفاعية والتكنولوجية؛ فكلما ارتفعت حدة التوترات الدولية، «ازدهرت» العقود الحكومية المخصصة لتطوير الأسلحة والأنظمة الدفاعية، وارتفعت معها أرباح الشركات العاملة في هذا القطاع. وفي الوقت نفسه، تعزّز الدول المصدّرة للسلاح نفوذها السياسي والاقتصادي عبر صفقات التسلح التي تتحول غالباً إلى أدوات لبناء التحالفات وترسيخ المصالح الاستراتيجية.

من جهة أخرى، تؤدي الاستثمارات العسكرية الضخمة إلى دفع عجلة الابتكار التكنولوجي؛ فالعديد من التقنيات التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، انطلقت في الأصل من مشاريع دفاعية وعسكرية؛ ومنها شبكة الإنترنت نفسها. غير أن لهذا الواقع وجهاً آخر يتمثل في التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الباهظة؛ فالأموال التي تُنفق على التسلح تُقتطع غالباً من قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، ما يثير تساؤلات متزايدة حول أولويات الإنفاق العام في غالبية الدول.

لكن الأخطر من ذلك أن سباقات التسلح تولّد تلقاءً دينامية ذاتية يصعب وقفها؛ فكل دولة تزيد إنفاقها العسكري دفاعاً عن نفسها، تدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ الخطوة نفسها، وهذا يؤدي حتماً إلى دوامة متواصلة من التسلح وانعدام الثقة. وهكذا؛ يصبح الهدف المعلن هو تعزيز الأمن، بينما تكون النتيجة في كثير من الأحيان زيادة الشعور بالتهديد وعدم الاستقرار.

الحرب السيبرانية صارت جزءاً من المشهد (رويترز)

* هل يمكن الحد من انتشار الأسلحة؟

في هذا السياق، يبرز سؤال آخر: هل انتهت بالفعل جهود الحد من انتشار الأسلحة؟

الجواب لا؛ فما زالت هناك منظومة دولية للحد من التسلح وعدم الانتشار؛ تشمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأنظمة الرقابة على صادرات التكنولوجيا الحساسة. غير أن هذه المنظومة تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة.

فخلال السنوات الأخيرة، تراجعت فاعلية كثير من الاتفاقات التي شكلت ركائز الاستقرار الاستراتيجي بين القوى الكبرى، كما عاد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين ليتصدر المشهد الدولي. وفي الوقت نفسه، ظهر الذكاء الاصطناعي العسكري والحرب السيبرانية والصواريخ فرط الصوتية والأسلحة الفضائية، وهي تقنيات لا تزال القواعد الناظمة لها محدودة أو غير مكتملة.

هنا تكمن المشكلة الأساسية؛ فآليات الحد من التسلح التي نجحت نسبياً في إدارة أخطار القرن العشرين، صُممت لعالم مختلف كانت فيه الأسلحة أكثر «وضوحاً» وأسهل من حيث التصنيف والمراقبة. أما اليوم، فإن العالم يواجه سباق تسلح متعدد الأبعاد تتداخل فيه التكنولوجيا المدنية مع التطبيقات العسكرية بصورة غير مسبوقة.

لذلك، فإن السيطرة على سباق التسلح القائم على الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، تتطلب استراتيجية عالمية جديدة تجمع بين الحظر القانوني لبعض التطبيقات الخطيرة، وفرض ضوابط على الصادرات، وتطوير أنظمة تحقق متقدمة، وتعزيز الحوار بين القوى الكبرى. لكن تنفيذ هذه الإجراءات لن يكون سهلاً، لأن معظم التقنيات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي ذات استخدام مزدوج، ويمكن توظيفها في المجالات المدنية والعسكرية على حد سواء.

جندي ألماني خلال تدريب على تقنيات تشغيل الطائرات المسيّرة (رويترز)

في النهاية، لا يبدو أن البشرية تواجه مجرد عودة لسباق التسلح التقليدي؛ بل تواجه انتقالاً إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. وإذا كان القرن العشرون قد نجح في بناء قواعد للحد من أخطار السلاح النووي، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في ابتكار قواعد جديدة قادرة على مواكبة عصر الذكاء الاصطناعي قبل أن تتجاوز التكنولوجيا قدرة الدول على السيطرة عليها.

... مشهد يمكن تخيّله: علماء في مختبر سري للأسلحة البيولوجية أنشأته دولة قادرة، يبتكرون فيروساً قاتلاً، وعُتاة القرار السياسي - العسكري يأمرون باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيهه نحو «أهداف محدّدة»... ماذا لو حصل ذلك؟