قصة المشاركة المجهولة لـ2.5 مليون مسلم في الحرب العالمية الأولى

أئمة شاركوا في الحرب لأداء الصلاة... وطباخون متخصصون أعدّوا للجنود الطعام الحلال

لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)
لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)
TT

قصة المشاركة المجهولة لـ2.5 مليون مسلم في الحرب العالمية الأولى

لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)
لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)

مع إحياء العالم وأوروبا ذكرى مرور مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى، يلتفت المؤرخون والمهتمون بسجلات أولى الحروب العالمية إلى جانب مضيء لكنه قلّما حظي بالاهتمام والرصد الكافي حول الدور الذي لعبه نحو مليوني ونصف المليون مسلم قطعوا المسافة من بلادهم التي تغلب عليها الأجواء الدافئة إلى قلب صقيع أوروبا للمشاركة في معارك الحرب العالمية الأولى.
ورصدت وسائل إعلام بريطانية عدة من بينها صحيفة «الغارديان» البريطانية، أجواء «المشاركة المجهولة والمظلومة» لملايين المسلمين ضمن صفوف قوات دول التحالف، فتسرد في تقريرها كيف تكيّف مسلمو الحرب العالمية الأولى بموجبات دينهم ومتطلبات عاداتهم مع أجواء القتال وسط الجيوش الزاحفة من كل بلدان العالم.
يوضح التقرير أن مسلمي الحرب العالمية الأولى دخلوا الخنادق ومعهم أئمة كان واجبهم تقدم المصلين من الجنود والعمال المسلمين خمس مرات يومياً، وتلقين القتلى منهم الشهادتين قبل الوفاة، وجاء إدماج الجنود المسلمين وفقاً لسلسلة من القواعد التي تم وضعها بمراعاة دينهم الحنيف، وبالتوازن مع متطلبات وقت الحرب، فوفقاً للبيان الصادر عن القيادة العليا للقوات الفرنسية والخاص بتنظيم مسألة صلاة المسلمين في أوقات المواجهات القتالية، «إن كان القتال على أشدّه، وإن كان الفرد المسلم لا يملك لحظة هدوء لأداء الصلاة، فيمكنه الاكتفاء بتحريك رأسه وجذعه». ويضيف البيان: «أما في حالات توفر لحظات الهدوء، فيمكن للمسلم أداء صلاته كاملة».
ويشير التقرير الصحافي إلى صور أخرى من حياة المسلمين من قوات التحالف في ميادين قتال الحرب العالمية الأولى. فقد كان يتم إعداد الوجبات «الحلال» للمسلمين، على يد طباخين متخصصين جاءوا إلى ميدان القتال تحديداً من أجل هذه المهمة، وعندما كان مخزون العقاقير والمستلزمات الطبية ينفد، كانت تتم الاستعانة بالجنود والعمال المسلمين الذين زادوا فوق إسهامهم بإسهام جديد، فكانوا لا يبخلون بخبرات اكتسبوها وصحبتهم من بلاد الشرق في مجال الطب البديل والعلاج بالأعشاب، ويتقدمون بالمساعدة للجميع أياً كانت عقيدتهم. ويحكي كيف قام بعض الجنود المسلمين بتلقين رفاقهم في القتال أغانيهم الشعبية، عندما كانت تحين لحظة مواتية بين موجات القتال.

مقابر المسلمين
لكن تضحيات الجنود المسلمين تفوق كل ما سبق، ففي مقابر «نوتردام دي لوريت» العسكرية، والتي تضم مقابر 40 ألف جندي فرنسي سقطوا على الجبهة الغربية خلال الحرب، تبرز مقابر الجنود المسلمين بشواهدها التي تحمل نقوشاً إسلامية ووضعيتها في اتجاه الشرق نحو مدينة مكة. فقد تم تصميم هذه الشواهد بأيدي الرسام الفرنسي إيتينيه دينيت، الذي اعتنق الإسلام عام 1908.
وكانت «نوتردام دي لويت» قد استقبلت زواراً مسلمين أغلبهم من بريطانيا جاءوا قبل موعد إحياء الذكرى السنوية لتوقيع هدنة كومبين وإنهاء الحرب العالمية الأولى، لتقديم الاحترام والدعاء أمام شواهد قبور الجنود المسلمين والمنحدرين من دول شمال أفريقيا. وتعد تلك الزيارة جزءاً من ثمار المشروع الفارق للمؤسسة المعروفة باسم «الأبطال المنسيين 14 - 19»، والتي وثّقت ولأول مرة إسهامات وبطولات الأفراد المسلمين الذين قاتلوا وعملوا لصالح قوات التحالف خلال الحرب العالمية الأولى. ويشير رقم «19» في اسم المؤسسة إلى النزاع الذي تسبب فيه الوجود العسكري الفرنسي في سوريا عام 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
وكان الباحثون قد أنفقوا ست سنوات في فحص ودراسة أرشيف المستندات العسكرية، والدبلوماسية، بخلاف عدد من المستندات الشخصية، ومن بينها مذكرات وخطابات. وشملت عملية البحث العملاقة هذه 19 دولة، وانتهت إلى الاطلاع على أكثر من 850 ألف مستند باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والفارسية، والأوردو، والروسية، والألمانية، والعربية. ويضاف إلى هذا كله تفحص المئات من الصور الفوتوغرافية. وتأكد إثر هذا المجهود الضخم أن نحو 2.5 مليون مسلم قد خدموا بين صفوف قوات التحالف سواء كجنود أو كعمال، وذلك في أول مرة يتم تحديد هذا الرقم.

وثائق منسية
قامت هذه المؤسسة على أيدي البلجيكي لوك فيرير (55 عاماً)، الذي عثر على مذكرات جده الأكبر في علية المنزل، والتي كانت تحكي عن وقائع الحرب العالمية الأولى، وأشار خلالها إلى من سمّاهم «المحمديين» الذين قابلهم داخل خنادق الحرب. ومأخوذاً بما اكتشفه، انتقل فيرير إلى كتب التاريخ بحثاً عن أي معلومات إضافية، ولكنه وجد أقل القليل. فبدأ في إعداد بحثه الخاص، والذي كانت مرحلته الأولى من سجلات الحرب الفرنسية والبلجيكية، ليكتشف أن هناك قصة كبيرة لم يتم سردها من قبل، حتى إنه أصبح منهمكاً بهذه القصة وهذا البحث إلى حد تخلّيه عن وظيفته بقطاع هندسة الطيران، وأنشأ مؤسسته الجديدة عام 2012، وكرس حياته لتوثيق دور المسلمين الذين انخرطوا في الحرب.
وانتهى بحث فيرير إلى اكتشاف أن مسلمي الحرب العالمية الأولى جاءوا من دول أفريقيا، والهند، ودول الشرق الأوسط والشرق الأقصى، ومن روسيا، وحتى من أميركا، وإن كانت خلفياتهم المتنوعة لافتة للانتباه، إلا أن الأمر الذي كان له صدى حقيقي لدى فيرير وفريقه، هي قصص قتال وموت هؤلاء المسلمين جنباً إلى جنب مع نظرائهم من المسيحيين واليهود الأوروبيين، ويرى هذا الفريق أن التعرف على مثل هذا التاريخ قد يساعد في تجاوز الكثير من أزمات أوروبا في الوقت الحاضر.
فتشير المستندات التي تم اكتشافها خلال عملية البحث إلى مواقف اضطر خلالها الأئمة المسلمون، والقساوسة المسيحيون، والحاخامات اليهود، إلى تعلم مراسم الدفن والصلوات الخاصة بديانة بعضهم البعض، حتى يمكنهم دفن قتلى الحرب وسط أجواء الصراع العسكري. وتكشف تقارير اقتسام الجنود المسلمين طعامهم مع المدنيين الجوعى. فيما أعرب ضباط فرنسيون وبلجيكيون وكنديون عن دهشتهم إزاء معاملتهم الإنسانية لأسرى الحرب من الألمان. وعند سؤالهم عن السر وراء هذا السلوك، اقتبس الجنود المسلمين من القرآن وتعاليم الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حول أصول التعامل مع مقاتلي العدو في ساحات القتال.
وينقل تقرير «الغارديان» تعليق فيرير، وهو ليس مسلماً: «إن أفكار اليمين المتطرف والعداء للإسلام تتصاعد عبر دول أوروبا. ومشروعنا يقوم على جعل الشعوب عبر القارة تدرك أن بيننا تاريخاً مشتركاً. وهذا لا علاقة له بالسياسة أو الأدبيات الاستعمارية. فنحن وببساطة نقدم الحقائق، لأن هذه القصة تحتاج أوروبا بأسرها إلى التعرف عليها». ويضيف: «يتم تصوير المسلمين على أنهم العدو القابع بالداخل، وأنهم وافدون جدد لم يقدموا أي إسهام قيّم إلى أوروبا، ولكن يمكننا توضيح أنهم ضحّوا بحياتهم من أجل أوروبا الحرة، وساعدوا في جعلها ما هي عليه الآن، وأن لهم الحق في الوجود هنا».
ومن ضمن المهام الرئيسية لمؤسسة فيرير، نشر اكتشافاتها بين الشباب الأوروبي، بهدف أن يساعد ذلك الأجيال المستقبلية على فهم الجاليات المسلمة التي تعيش بينهم بشكل أفضل. كما أن هذه المهام تتضمن تنظيم جولات في ميادين القتال، التي تمت تسميتها «تجربة المسلمين في الحرب العالمية الأولى»، والتي يتم تنظيمها بالتعاون مع شركة «أنجيليا» السياحية، وهي شركة متخصصة في تنظيم رحالات لأطفال المدارس البريطانية إلى المواقع التاريخية لساحات القتال.
وبالإضافة إلى زيارة ما كانت مواقع للخنادق خلال فترات الحرب، والنصب التذكارية، ومقابر ضحايا الحرب وقتلاها، وسماع القصص الإنسانية التي تجسدها هذه المواقع، فإن الجولة تتضمن أيضاً زيارة مسجد «البدر» في مدينة «أميان» الواقعة شمال فرنسا، لسماع مقدمة حول أبحاث المؤسسة، يليها تقديم وجبة تقليدية من وجبات دول شمال أفريقيا، كما تتم دعوة غير المسلمين من المشاركين في الجولة إلى متابعة صلاة العشاء بالمسجد.
ويقول يوسف تشامبرز، من أمانة «الإرث الإسلامي» التي تتعاون مع مؤسسة فيرير في بريطانيا: «نعمل على تأسيس جسور، وليس هناك سبيل أفضل لذلك من المشاركة في الطعام والتعارف». ويضيف موضحاً: «عملنا يستهدف جميع المجتمعات والأعمار، ولكن تحديداً الفئات الأصغر سناً. نريد أن يعلم الناس حول هذا التاريخ، لأننا نريد أن يدرك كل بريطاني وأوروبي أن المسلمين كانوا من أبطال الحرب العالمية الأولى أيضاً».

المجهولون
وقد نجح عمل المؤسسة في جذب أنظار خبراء الحرب العالمية الأولى، ما مهّد إلى مثول فيرير أمام أساتذة التاريخ بجامعة هارفارد، وتقديمه تقريراً حول مجهود مؤسسته لمنظمة الأمم المتحدة. وأصدر هذا العام كتابه «الذين سقطوا مجهولين The Un known Fallen» والذي يتضمن مقتطفات من المستندات والصور التي تم التوصل إليها خلال رحلة البحث.
ولعل أكثر ما يمكن أن يأسر قلوب الساعين وراء الحقيقة سماع ما توصل إليه فيرير من خطابات كتبها مسلمو الحرب العالمية الأولى إلى أسرهم، حيث شاركوهم مخاوفهم ويقينهم، وتحديداً الخطاب الذي كتبه جندي جزائري كان مركزه بالخنادق حول «نوتردام دي لوريت»، والذي بعثه عام 1916، كاتباً فيه: «أقسم بالله وبكل ما نعتبره مقدساً، أنني لن أتوقف عن الصلاة، ولن أهجر ديني، حتى وإن هاجمتني محن أكثر سوءاً مما وجدت فيه نفسي».
ويبدو أن عمل فيرير ومؤسسته قد بدأ بالفعل في تحقيق الأثر المرجوّ، إذ ينقل تقرير «الغارديان» عن طيبة شوكات (25 عاماً) من شرق لندن، رأيها: «عندما تستمع إلى هذه الشهادات الشخصية، تدرك ما مر به هؤلاء الرجال. تجربة الجنود الأوروبيين خلال الحرب العالمية الأولى تم توثيقها باستفاضة من جانب الشعراء وغيرهم من الكتاب، ولكننا لا نعلم شيئاً عن حياة المسلمين وغيرهم من الجنود الذين وفدوا من الدول المستعمرة في حينها. وذلك يجب أن يتغير».

مسلمو الحرب العالمية الأولى بالأرقام:
الجنود المسلمون:
400 ألف هندي (الجيش الهندي البريطاني).
200 ألف جزائري.
100 ألف تونسي.
40 ألف مغربي.
100 ألف من غرب أفريقيا.
5 آلاف صومالي وليبي (الجيش الفرنسي).
5 آلاف أميركي مسلم.
1,3 مليون روسي مسلم.
العمال المسلمون:
100 ألف مصري.
35 ألف صيني مسلم.
130 ألفاً من شمال أفريقيا.
200 ألف من أفريقيا جنوب الصحراء.
40 ألف هندي.


مقالات ذات صلة

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

أوروبا جنود روس يقفون على أهبة الاستعداد للمشاركة ببروفة العرض العسكري بمناسبة يوم النصر في موسكو (أ.ب)

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

قطعت روسيا خدمات الإنترنت عبر الهاتف الجوال عن كثير من المشتركين في موسكو، اليوم (الثلاثاء)، قبل العرض العسكري السنوي المقرَّر في التاسع من مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال شريف اليوم السبت في منشور على منصة «اكس»، «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى. ومع توقع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة، تستعد باكستان بعدها لتوقيع إلكتروني فوري لاتفاق السلام، تليه محادثات تقنية الأسبوع المقبل».

وأضاف «نشكر للولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية التزامهما المستمر خلال المفاوضات، ونعرب عن تقديرنا العميق لإخواننا في المنطقة على دعمهم. ونحن على ثقة بأن اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكل أساسا متينا لسلام دائم».

وبعد أسابيع من المراوحة في المفاوضات حول بنود مذكرة التفاهم، اعتبرت واشنطن وطهران في الايام الاخيرة أن التوصل الى توافق بات وشيكا جدا.

لكن الولايات المتحدة أعلنت أنها أسقطت في وقت مبكر السبت مسيرات ايرانية كانت تستهدف سفنا تجارية في مضيق هرمز.

من جهته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن وزير الخارجية عباس عراقجي قوله إنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة».

وتبذل باكستان جهوداً حثيثة منذ أشهر سعيا لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران، وخصوصا بعد إعلان وقف لاطلاق النار بينهما في ابريل (نيسان).

وكانت إسلام آباد استضافت مباحثات تاريخية بين البلدين لكنها لم تفض الى نتيجة ملموسة.


هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً