ستراسبورغ... مدينة السياسة والجمال

من أكبر مسجد في فرنسا إلى قصور وكاتدرائيات من القرون الوسطى

منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»
منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»
TT

ستراسبورغ... مدينة السياسة والجمال

منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»
منظر من «كولمار» التي يسميها البعض بـ«فينيسيا الفرنسية»

منذ قرون سحيقة، عُرفت ستراسبورغ بفنون التجارة والصناعة والطباعة والكتب والنشر، وإليها لجأ الألماني يوهان غوتنبرغ مخترع الطباعة الحديثة بالأحرف المتحركة الذي عمل كذلك في صناعة الأحجار الكريمة.
يسمونها «مدينة الطرق» أثراها التاريخ واختلطت فيها الثقافات وجمّلتها الطبيعة، تلك هي مدينة ستراسبورغ الفرنسية عاصمة إقليم الألزاس، وثالث مدن الاتحاد الأوروبي.
تقع ستراسبورغ في أقصى شمال شرقي فرنسا مع الحدود الألمانية. هذا البعد الجغرافي كان ولا يزال عاملاً أساسياً في حياة المدينة وجنسية حكامها وسكانها وعمرانها وموروثاتها، وبالطبع لغاتها.
سياحياً، توفر ستراسبورغ لزوارها كل ما يحتاجون إليه مهما اختلفت أذواقهم. فهي جزيرة تحدّها جبال، وتحيطها قنوات، وتختلط فيها الثقافات. طقسها متنوّع ويختلف اختلافا بيّناً، بين الحرارة صيفاً والبرودة شتاءً. وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإنها تضجّ بالمزارات القديمة، حيث صُنع التاريخ قبل قرون، وأخرى أوروبية حديثة حيث يكتب التاريخ سطوره حالياً. الوصول إليها والتنقل فيها سهل، حيث تربطها مسارات وطرق خاصة بالمشاة والدراجات، إضافة إلى توفرها على محطة رئيسية فخمة ساهمت في تصميمها المعمارية البريطانية العراقية الأصل، زها حديد. كثر فيها خطوط الترام والعبّارات المائية المكشوفة أو المسقوفة، وهي تدور حول المدينة بجولات سياحية ممتعة ومريحة، إضافة إلى الـ«توك توك».
ورغم أنها تزخر بالمتنزهات وبالهدوء والرومانسية، فإنها لا تخلو من النوادي والملاهي لعشاق الصخب والسهر والحفلات، هذا عدا الكثير من المتاحف والقصور والقلاع وصالات الفنون والمعارض، كما أنها مدينة تسوّق ومطاعم من الدرجة الأولى. بهذا الطبق الدسم والمتنوع، تحتفي المدينة بسياحها من مختلف دول العالم.
- قبضة السياسة وأثر الحروب
عندما يتحدث المؤرخون عن تاريخ ستراسبورغ لا ينقطع الحديث عن حروب مكّنت المنتصر من فرض سيطرته على المدينة ولغتها وثقافتها لحقب كانت تطول أو تقصر إلى أن تنشب حرب وتلحق هزيمة تجيء بمنتصر وحاكم وعهد جديد. تجمع المصادر على قدم ستراسبورغ التي يقولون إنها قد ظهرت كقرية سلتية غزتها قوات القيصر الروماني يوليوس قيصر وأطلقوا عليها اسم Argentoratum، من ثمّ أطلق عليها الفرانكس (قبائل جرمانية غربية نزحت من شمال أوروبا) اسمها الحالي. كما تشير بعض المصادر إلى أن أسقف ستراسبورغ ظل دائماً صاحب نفوذ وسيطرة حتى عند اختلافه مع الوطنيين وتحالفه مع الحكام.
تتميّز المدينة بصورة خاصة جداً؛ كونها بقيت حتى مطلع تاريخها الحديث، تتقلب ما بين حكم ألماني يعقبه حكم فرنسي في صراعات دامية.
ظلت المدينة تحت سيطرة روما إبّان الإمبراطورية الرومانية وفيينا إبان إمبراطورية الهابسبورغ، ثم باريس خلال حكم الملك لويس الرابع عشر والثورة الفرنسية وما أعقبها من حروب فرنسية وسيطرة نابليون بونابرت، ثم أمست ألمانية بعد الحرب الفرنسية البروسية (الألمانية) 1870 - 1871 التي انتهت بنصر ألماني. كجزء من التسوية ضمت ألمانيا إقليم الألزاس ومدينته الكبرى ستراسبورغ.
ما بين سيطرة هذا أو ذاك، كانت أحوال ستراسبورغ ومسيرتها تتغير حسب ما يوليه لها الحاكم من اهتمام وكيفية تخطيطه للاستفادة من موقعها معبراً حدودياً ومائياً يقع على نهر إيل، رافد نهر الراين بالغ الأهمية، ولا سيما من الناحية التجارية، ناهيك عن جبالها التي كانت خطوطاً دفاعية. بلا شك، فقد أثّرت تلك التغييرات السياسية في نفسية شعوب المنطقة وحركة نزوحهم، كما أكسبتهم خبرات مختلفة؛ فأمسوا مهرة في كثير من أمور المعيشة، وبخاصة الصناعة والطباعة والزراعة والرّي، كما برعوا أيضاً في الصيد.
> مدينة التصالح
في عام 1949، وقّعت الدول الأوروبية في ستراسبورغ النظام الأساسي لمجلس أوروبا كبلورة لفكرة الوحدة الأوروبية والمصالحة.
وفي هذا السياق، اختيرت ستراسبورغ مقراً للمجلس الأوروبي ولمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية والبرلمان الأوروبي؛ مما زاد من أهميتها وثرائها.
وفي عام 1988 أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) قلب المدينة منطقة ستراسبورغ الكبرى بأكملها إلى قائمتها للتراث العالمي.
- أهم معالمها السياحية
> كاتدرائية سيدة ستراسبورغ
لم تسلم ستراسبورغ من النزاعات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، وإن اعتنقت كغيرها من المدن الفرنسية، الكاثوليكية مع فصل قاطع بين الدين والدولة؛ ما يجعل كاتدرائيتها العريقة من أهم معالم المدينة سياحياً.
بدأ تشييد الكاتدرائية في عام 1015 من الحجر الرملي الأحمر المأخوذ من جبال الفوج، (هي مجموعة من الجبال المنخفضة في شرق فرنسا، بالقرب من الحدود مع ألمانيا). لعبت أيضاً دوراً أساسياً في مصير المدينة؛ إذ كانت بمثابة خطوط دفاعية بين ألمانيا وفرنسا ومصدر نزاع لثرائها بالمعادن وحقول الماشية والقوة المائية للمحركات الكهربية ومصانع الخشب والفحم والزجاج.
تتميز الكاتدرائية التي بُنيت على مدى أربعة قرون، بالنمط القوطي الذي يحرص حرصاً بالغاً على التفاصيل والتماثيل وكثافة النحت. طولها 455 قدماً؛ مما جعلها أطول مبنى أوروبي لما بعد منتصف القرن الـ19.
مجّد الأديب الفرنسي فيكتور هوغو إبداعها المعماري ووصفها بأنها «أعجوبة عملاقة» في حين قال عنها الأديب الألماني يوهان وولفغانغ فون غوته، إنها «شاهقة وأنيقة مثل شجرة».
للكاتدرائية برج واحد فقط، للوصول إليها على السائح أن يصعد 350 عتبة في سلم حلزوني ضيق. رغم التعب سيتمكن من الاستمتاع بغروب الشمس ومنظر بانورامي للمدينة من أعلى سطحها المنبسط.
تغلق الكاتدرائية أبوابها قبل منتصف النهار ليدخلها لأقل من ساعة من يحملون بطاقات لمشاهدة ساعتها الفلكية الشهيرة، التي أضحت أُتوماتيكية تتحرك مصدرة أصواتاً في مشهد ديني درامي.
الآن تعتبر الكاتدرائية قلب المدينة ومركزها وتشهد جادتها الكثير من المناسبات والفعاليات والأسواق المفتوحة
> فرنسا الصغيرة
خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت منطقة فرنسا الصغيرة عبارة عن أبنية عسكرية ذات طابع دفاعي وثكنات للجنود، بما في ذلك مستشفى لعلاج مرض السيفلس أو الزهري الذي انتشر بكثرة فترة الحروب المتتالية. تضمّ المنطقة أيضاً، أحياء شعبية سكنها عمّال المصانع والدباغون والمزارعون والصيادون.
احتفظت المدينة، رغم تنوع الصناعات وحاجاتها لمصانع أوسع، بمبانيها الخشبية القديمة التي يغلب عليها المعمار الألماني والأبنية منخفضة العلو من طابقين أو ثلاثة المطلية بألوان مختلفة تزينها قطع وألواح من الخشب المتقاطعة والمنفردة.
أكثر ما يميز هذا الجزء من المدينة أزقتها، وجسورها التي تربط بينها وتجعلها منطقة سياحية من الدرجة الأولى خاصة لعشّاق المشي.
وكما قام صينيون بنسخ وتقليد حرفي لمدينة هالشتات النمساوية ومساكنها الصغيرة المتراصة فوق تلة الجبل على ضفة البحيرة توجد في Hoben - ro Cheongpyeong - Myeon في كوريا الجنوبية منطقة مقتبسة عن فرنسا الصغيرة بكل معالمها وأجوائها، وإن أضافوا إليها بعض النماذج من برج إيفل.
> قصر روهان
قصر على النمط الباروكي شُيد للأسقف أرماند غاستون دي روهان، الذي، وفقاً لرواية مؤرخين، كان ابناً غير شرعي للإمبراطور لويس الرابع عشر. وقد عُرفت العائلة بكونها عائلة أرستقراطية ثرية قدمت للكنيسة عدداً من الكرادلة الذين سكنوا القصر. تجدر الإشارة إلى أنه القصر نفسه الذي استضاف لويس الرابع عشر، ونابليون بونابرت، وماري أنطوانيت، ولا يزال يستقبل كبار زوار ستراسبورغ من الملوك والحكام.
يتكون من طوابق ثلاثة تحولت أجزاء منها إلى متاحف تعرض أسلوب الحياة بالمنطقة وفنونها، منها متحف عن تاريخ إقليم الألزاس ونماذج لكيفية المعيشة والسكن وأساليب العمل اليومي، إلى جانب متحف لكبار الفنانين الفرنسيين والفنون الجميلة، ومتحف آثار يضمّ أثاثات ومجوهرات وفنون زخرفية.
وعلى الرغم من أن التجوال حول ستراسبورغ وفي طرقاتها يُعتبر متعة لا تضاهى، فإن المتاحف والمعارض وصالات الفنون تستحق الزيارة، ولا سيما متحف الفنون الحديثة والمعاصرة. يضم أكثر من ألف لوحة ورسمة، ومنحوتة وتمثال وغرافيك، وتصميم وعرض لوسائط متعددة، وصور فوتوغرافية.
تختلف معروضاته من حيث فترتها الزمنية؛ إذ يعود بعضها إلى الفترة الانطباعية، بينما هناك لوحات للفنان مونييه إلى جانب أعمال حديثة عن نيويورك وزخمها. المشهد يؤكد روعة طرق العرض وكيفية توزيع اللوحات على الجدران والإضاءة والتماثيل. وتوجد للمتحف محطة ترام باسمه كما يضم مكتبة ومتجراً ومقهى. ويستحق المتحف الزيارة؛ لما يحتويه من فنون وديكورات رائعة.
> الحي الأوروبي
تشارك ستراسبورغ كل من بروكسل ولكسمبورغ استضافة أهم المقار التشريعية والسياسية التابعة للاتحاد الأوروبي؛ مما زاد من ألق المدينة وأهميتها، وأدخل عليها تحديثات عصرية والكثير من الحيوية.
بدورها، تضيف المباني الأوروبية ذات المعمار الحديث والجدران الزجاجية، الكثير على المدينة. ورغم أن الحي الأوروبي يبعد عن وسط المدينة، فإن الوصول إليه سهل.
ولمن لا يرغب في زيارة ميدانية والاكتفاء بمجرد رؤية المقار الأوروبية من الخارج، يمكنه الاكتفاء بالجولات السياحية الدائرية على متن العبارات التي تلف في النهر حول المدينة ويقدم مرشدوها بعض المعلومات.
> لمسجد الكبير
في عام 2012، افتتح في ستراسبورغ أكبر مسجد في فرنسا بقبة ترتفع 20 متراً. يعمل المسجد منارةً إسلاميةً حديثةً وجميلةً تنظم دروساً دينية ومحاضرات، كما يوفر خدمات اجتماعية ورمضانية. كونها مدينة سياحية أولاً، وثانياً كونها تحضن فعاليات كثيرة واجتماعات أوروبية، فإن فنادقها كثيراً ما تكون فنادق محجوزة؛ مماّ يتطلب تأكيد حجز فندقي مبكراً، كما يستحسن معرفة إن كان إلغاء الحجز مكلفاً. وفي المدينة الكثير من الفنادق التي تتفنن في جذب النزلاء باستخدامها مباني تاريخية وأخرى لاستحداثها طرق ديكور وأثاثاً حديثاً، والاستعانة بفنانين تطلق لهم الخيار في تزيين الغرف بإبداعاتهم ولوحاتهم.
> التسوق والمطاعم
لصغر حجم المدينة وسهولة الانتقال فيها وتنوع منتجاتها يحلو التسوق فيها، سواء للتبضع أو لمجرد النزهة والاطّلاع على آخر الصيحات، ولا سيما أن محالها الصغيرة أنيقة وفاخرة. ويوجد فيها فرع من المتجر الفرنسي المعروف غاليري لا فاييت.
أما فيما يتعلق بالمطاعم، فحدّث من دون حرج. منها الشهير والشعبي والتقليدي، وتلك التي تنتشر في مختلف الميادين وحول الكاتدرائية.
- جغرافياً
تبعد ستراسبورغ 500 كيلومتر من العاصمة باريس، وتلك مسافة يقطعها القطار الفرنسي السريع «تي جي في» خلال ساعتين وعشرين دقيقة. ولا تتجاوز المسافة بينها ومدينة شتوتغارت سوى 170 كيلومتراً و230 كيلومتراً من لوكسمبورغ و220 من فرانكفورت، وكذلك من زيوريخ.
ذلك القرب والمهارة في ربطها بطرق سريعة بتلك المدن وغيرها، إضافة إلى خدمات السكك الحديدية الأوروبية المميزة والجوية، جعل الوصول إليها سهلاً وجذّاباً.


مقالات ذات صلة

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة 3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة،

عادل عبد الرحمن (لندن)
يوميات الشرق تتمتع المدينة بتاريخ عريق يعود إلى أكثر من 2000 عام (غيتي)

ليتشي الإيطالية… «فلورنسا الجنوب» من دون زحام السياح

«أفضل طريقة لاكتشاف ليتشي هي أن تتجول فيها بينما ترفع رأسك إلى الأعلى»... كانت هذه النصيحة الأولى التي تتلقاها بعد وصولك إلى ثاني أكبر مدن إقليم بوليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.