موسكو ونيودلهي تتحديان العقوبات الأميركية بـ«أضخم صفقة سلاح»

صواريخ الكرملين تعزز التمدد الروسي في مواجهة الحصار والعقوبات

بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)
بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)
TT

موسكو ونيودلهي تتحديان العقوبات الأميركية بـ«أضخم صفقة سلاح»

بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)
بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)

حملت نتائج زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند وتوقيع صفقات سلاح وصفت في موسكو بأنها «الأضخم»، بعدا جديدا في إطار المواجهة القائمة بين روسيا والغرب، وعلى خلفية تزايد الضغوط الأميركية على موسكو عبر رزم العقوبات المتتالية التي اتسع نطاقها أخيرا، ليشمل شركاء روسيا العسكريين. وعكس الإعلان عن إبرام عقد لتصدير خمس كتائب صاروخية متطورة من طراز «إس400» بقيمة زادت على 5.4 مليار دولار تحديا من الجانبين الروسي والهندي لواشنطن التي فرضت أخيرا عقوبات على شركات صينية بسبب قيامها بشراء تقنيات عسكرية من روسيا. وأعلنت شركة «روس أوبورون إكسبورت» المسؤولة عن صادرات السلاح الروسي أن الصفقة التي اشتملت فضلا عن صواريخ «إس400» على فرقاطات ومعدات عسكرية أخرى، تعد الأضخم في تاريخ الشركة. وقال الرئيس التنفيذي للشركة إن «روسيا بدأت منذ اليوم (أمس) بتنفيذ عقد تصدير منظومة «إس - 400» إلى الهند»، مضيفا أن البلدين «يعملان على إعداد عقود أخرى ضخمة في مجال التسلح». وجاء التوقيع خلال زيارة رسمية لبوتين إلى الهند، التي تجاهلت التهديدات الأميركية بفرض عقوبات اقتصادية عليها في حال وسعت تعاونها العسكري مع موسكو.
وكانت الولايات المتحدة سعت إلى وضع قيود أمام البلدان الراغبة في شراء منظومات الصواريخ الروسية، في إطار قانون «مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات»، الذي طاول الصين أخيرا. وحذرت الهند من أن هذه الصفقة ستعرّضها إلى عقوبات اقتصادية. واعتمد الكونغرس الأميركي في عام 2017 قانونا لمعاقبة روسيا على سلوكها في أوكرانيا وتدخلها المفترض في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وهذا النص يفرض عقوبات اقتصادية على أي كيان أو دولة تبرم عقود تسلح مع شركات روسية. لكن الهند كانت أعلنت قبل زيارة بوتين أن «العقوبات الأميركية المحتملة لن تردعها عن القيام بتوقيع صفقات لمشتريات ضرورية من روسيا»، وفقا لوصف وزيرة الدفاع الهندية نيرمالا سيثارامان التي وصفت القانون بأنه «أميركي وليس قانونا للأمم المتحدة».
وصرّح الزعيم الهندوسي القومي ناريندرا مودي أن «الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا. اليوم أخذنا قرارات ستعزز علاقاتنا على المدى البعيد». وكانت الهند وقعت مع روسيا اتفاق إطار لشراء المنظومة الصاروخية في العام 2016. وخاض البلدان مفاوضات مطولة منذ ذلك الحين توجت بتوقيع الاتفاق الحالي. ولم تخف الأوساط الروسية ارتياحا واسعا بسبب انضمام الهند إلى «نادي إس400» وفق تعبير معلق عسكري أشار إلى البلدان التي سبقتها إلى إبرام عقود لشراء «إس400» من روسيا وهي الصين وكازاخستان وبيلاروسيا وتركيا، بالإضافة إلى نحو عشرة بلدان أخرى تجري حاليا مفاوضات مع موسكو لشراء هذه المنظومة التي تعد الأكثر تطورا في روسيا. وأشار دبلوماسي روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط» إلى أن التطور عكس «نجاح موسكو في تعزيز علاقاتها مع حلفاء مهمين في إطار منظمة «شنغهاي» والمجموعات الإقليمية الأخرى التي تضم بالإضافة إلى روسيا كلا من الهند والصين، مشيرا إلى أنه «يبرز مرة أخرى أن العالم لم يعد يقبل هيمنة دولة بعينها» في إشارة إلى الولايات المتحدة. وزاد أن تمكن موسكو من تعزيز تعاونها مع شركاء مهمين مثل الهند والصين وبلدان أخرى، يشكل «رسالة واضحة إلى الغرب الذي سعى إلى عزل روسيا عبر سياسات الحصار والعقوبات، وإشارة إلى أن عودة روسيا القوية إلى الساحة الدولية باتت واقعا، لا يمكن تجاهله». وبرغم الفارق الواسع بين مبيعات روسيا والولايات المتحدة من السلاح والمعدات العسكرية في الأسواق العالمية (رزمة المبيعات الروسية لا تزيد عن 15 مليار دولار سنويا في مقابل نحو 60 مليار دولار لواشنطن) لكن الصفقات التي وقعتها موسكو أخيرا أثارت حفيظة واشنطن بقوة، خصوصا أن جزءا منها استهدف بشكل مباشر حلف شمال الأطلسي وأثار سجالات ساخنة، مثل صفقة «إس400» إلى تركيا التي أعلن البلدان أنهما لا ينويان التراجع عنها.
ورأى معلقون عسكريون أن الصفقة مع تركيا التي ينتظر أن يبدأ تنفيذها مطلع العام المقبل، على أن تستكمل روسيا تصدير أربع كتائب من المنظومات الصاروخية بنهاية العام، تشكل محاولة واضحة لاختراق حلف الأطلسي، والشروع بوضع ملامح جديدة للتعاون العسكري والتحالفات في الملفات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. علما بأن هذا «الخرق» ليس الأول من نوعه من جانب موسكو للحلف الغربي، إذ سبق أن باعت روسيا إلى اليونان نظام «إس300» الذي تم نشره في قبرص اليونانية، لكن تلك التجربة لم تكن مفيدة لموسكو لأن معطيات عسكرية تشير إلى أن نسخة من «إس300» وصلت إلى الإسرائيليين من اليونان، وأن تل أبيب تمكنت بفضل ذلك من وضع تعديلات وبرامج لمواجهة الصاروخ المتطور. واكتسب ذلك أهمية إضافية أخيرا بعد الإعلان عن تسليم دمشق «إس300» وتباينت تعليقات الخبراء العسكريين الروس بين أطراف رأت أنها ستشكل رادعا للإسرائيليين وأخرى لمحت إلى أنه لن يكون فعالا لردع تل أبيب. في الحالين، عكس القرار الروسي بتسليم المنظومة إلى دمشق توجها لتوسيع انتشار الصواريخ الروسية الصنع في منطقة الشرق الأوسط، علما بأن هذه المنظومة تدخل في نظم التسليح في نحو عشرين بلدا حاليا. واللافت أن كلا من النظامين «إس300» و«إس400» لم يخض حروبا حقيقية، برغم مئات التجارب التي أجريت عليهما في ميادين التدريب. وفي حين يتميز نظام «إس300» الذي سيحل في سوريا مكان النظام القديم «إس200» بأنه قادر على مواجهة هجمات صاروخية باليستية ولديه أنظمة رادار متطورة، جعلته يشكل منذ سنوات طويلة العمود الفقري لمظلة الدفاع الجوي على الأراضي الروسية، فإن نظام «إس400» يشكل نظاما متكاملا كونه مزودا بنظم لإدارة وتوجيه المنظومات الدفاعية المتوسطة والقصيرة من طرازات «إس300» و«تور إم 1» و«بانتسير» ما يجعله يشكل مظلة دفاع جوية شاملة، فضلا عن قدرته على تدمير الطائرات والصواريخ المجنحة والباليستية، بما في ذلك متوسطة المدى. كما يمكن استخدامه ضد الأهداف البرية على مدى المنظومة 400 كيلومتر، والصواريخ المهاجمة بسرعة 4.8 كيلومتر في الثانية على ارتفاعات تتراوح بين عدة أمتار إلى 30 كيلومترا.

- إس 300 وإس 400 في العالم

* إس 300
يعد النظام الأكثر انتشارا لحماية المنشآت الروسية ويتم حاليا استبداله تدريجيا بـ«إس400». حاليا موجود في روسيا 125 كتيبة منه، منتشرة على طول المناطق الحدودية من أقصى الشرق إلى كاليننغراد. وفي الاورال والوسط وحول موسكو وسان بطرسبورغ.
يدخل إس300 رسميا في تسليح نحو عشرين بلدا: أذربيجان والجزائر وأرمينيا وبيلاروسيا وبلغاريا وفنزويلا وفيتنام وإيران وكازاخستان والصين وسلوفاكيا وأوكرانيا وكوريا الشمالية وقبرص اليونانية (إسرائيل حصلت على نسخة منها من اليونان وطورت مضادات لمواجهتها) وكرواتيا (تخلت عنها) وكوريا الجنوبية (المعطيات متباينة وثمة مراكز عسكرية روسية تؤكد أن النسخة الموجودة عند كوريا الجنوبية هي نسخة كورية لـ«إس300» تم تعديلها لتوافق معايير الأطلسي) ومنغوليا. فضلا عن سوريا في المرحلة الراهنة. في سوريا أيضا نشرت روسيا في 2017 إس300 خاصة بحماية منشآتها في طرطوس.

* إس 400
- 23 كتيبة حتى الآن في روسيا موزعة في أقصى الشرق عند حدود اليابان وأقصى الغرب في كاليننغراد وفي محيط موسكو وبطرسبورغ وفي القرم.
- الصين تم تنفيذ عقد قيمته 3 مليارات دولار وقع في 2016. وبدء التسليم منتصف العام الجاري.
- الهند خمس منصات قيمة العقد 5 مليارات دولار.
- بيلاروسيا منذ 2016 تعمل على استبدال إس300 بالنسخة المطورة.
تجري روسيا حاليا مفاوضات مباشرة أو تحضيرا لمفاوضات مع البلدان التالية:
- تركيا: العقد موقع ويبدأ التسليم مطلع العام المقبل.
- كازاخستان: العقد موقع.
- أرمينيا أعلنت رغبتها باستبدال إس300.
مفاوضات مع السعودية والمغرب والعراق كلها بدأت خلال العام الأخير. اهتمام من جانب الإمارات والبحرين. والمجمع الصناعي العسكري الروسي قال إن المفاوضات بدأت.
- في سوريا منصتا إطلاق واحدة في حميميم والأخرى في البحر وفقا لتأكيد مصدر عسكري.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟