موسكو ونيودلهي تتحديان العقوبات الأميركية بـ«أضخم صفقة سلاح»

صواريخ الكرملين تعزز التمدد الروسي في مواجهة الحصار والعقوبات

بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)
بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)
TT

موسكو ونيودلهي تتحديان العقوبات الأميركية بـ«أضخم صفقة سلاح»

بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)
بوتين خلال القمة مع الزعيم القومي الهندي مودي الذي اكد خلال التوقيع على صفقات اسلحة أن الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا (ا.ب)

حملت نتائج زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند وتوقيع صفقات سلاح وصفت في موسكو بأنها «الأضخم»، بعدا جديدا في إطار المواجهة القائمة بين روسيا والغرب، وعلى خلفية تزايد الضغوط الأميركية على موسكو عبر رزم العقوبات المتتالية التي اتسع نطاقها أخيرا، ليشمل شركاء روسيا العسكريين. وعكس الإعلان عن إبرام عقد لتصدير خمس كتائب صاروخية متطورة من طراز «إس400» بقيمة زادت على 5.4 مليار دولار تحديا من الجانبين الروسي والهندي لواشنطن التي فرضت أخيرا عقوبات على شركات صينية بسبب قيامها بشراء تقنيات عسكرية من روسيا. وأعلنت شركة «روس أوبورون إكسبورت» المسؤولة عن صادرات السلاح الروسي أن الصفقة التي اشتملت فضلا عن صواريخ «إس400» على فرقاطات ومعدات عسكرية أخرى، تعد الأضخم في تاريخ الشركة. وقال الرئيس التنفيذي للشركة إن «روسيا بدأت منذ اليوم (أمس) بتنفيذ عقد تصدير منظومة «إس - 400» إلى الهند»، مضيفا أن البلدين «يعملان على إعداد عقود أخرى ضخمة في مجال التسلح». وجاء التوقيع خلال زيارة رسمية لبوتين إلى الهند، التي تجاهلت التهديدات الأميركية بفرض عقوبات اقتصادية عليها في حال وسعت تعاونها العسكري مع موسكو.
وكانت الولايات المتحدة سعت إلى وضع قيود أمام البلدان الراغبة في شراء منظومات الصواريخ الروسية، في إطار قانون «مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات»، الذي طاول الصين أخيرا. وحذرت الهند من أن هذه الصفقة ستعرّضها إلى عقوبات اقتصادية. واعتمد الكونغرس الأميركي في عام 2017 قانونا لمعاقبة روسيا على سلوكها في أوكرانيا وتدخلها المفترض في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وهذا النص يفرض عقوبات اقتصادية على أي كيان أو دولة تبرم عقود تسلح مع شركات روسية. لكن الهند كانت أعلنت قبل زيارة بوتين أن «العقوبات الأميركية المحتملة لن تردعها عن القيام بتوقيع صفقات لمشتريات ضرورية من روسيا»، وفقا لوصف وزيرة الدفاع الهندية نيرمالا سيثارامان التي وصفت القانون بأنه «أميركي وليس قانونا للأمم المتحدة».
وصرّح الزعيم الهندوسي القومي ناريندرا مودي أن «الهند تعطي الأولوية الأكبر لعلاقاتها مع روسيا. اليوم أخذنا قرارات ستعزز علاقاتنا على المدى البعيد». وكانت الهند وقعت مع روسيا اتفاق إطار لشراء المنظومة الصاروخية في العام 2016. وخاض البلدان مفاوضات مطولة منذ ذلك الحين توجت بتوقيع الاتفاق الحالي. ولم تخف الأوساط الروسية ارتياحا واسعا بسبب انضمام الهند إلى «نادي إس400» وفق تعبير معلق عسكري أشار إلى البلدان التي سبقتها إلى إبرام عقود لشراء «إس400» من روسيا وهي الصين وكازاخستان وبيلاروسيا وتركيا، بالإضافة إلى نحو عشرة بلدان أخرى تجري حاليا مفاوضات مع موسكو لشراء هذه المنظومة التي تعد الأكثر تطورا في روسيا. وأشار دبلوماسي روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط» إلى أن التطور عكس «نجاح موسكو في تعزيز علاقاتها مع حلفاء مهمين في إطار منظمة «شنغهاي» والمجموعات الإقليمية الأخرى التي تضم بالإضافة إلى روسيا كلا من الهند والصين، مشيرا إلى أنه «يبرز مرة أخرى أن العالم لم يعد يقبل هيمنة دولة بعينها» في إشارة إلى الولايات المتحدة. وزاد أن تمكن موسكو من تعزيز تعاونها مع شركاء مهمين مثل الهند والصين وبلدان أخرى، يشكل «رسالة واضحة إلى الغرب الذي سعى إلى عزل روسيا عبر سياسات الحصار والعقوبات، وإشارة إلى أن عودة روسيا القوية إلى الساحة الدولية باتت واقعا، لا يمكن تجاهله». وبرغم الفارق الواسع بين مبيعات روسيا والولايات المتحدة من السلاح والمعدات العسكرية في الأسواق العالمية (رزمة المبيعات الروسية لا تزيد عن 15 مليار دولار سنويا في مقابل نحو 60 مليار دولار لواشنطن) لكن الصفقات التي وقعتها موسكو أخيرا أثارت حفيظة واشنطن بقوة، خصوصا أن جزءا منها استهدف بشكل مباشر حلف شمال الأطلسي وأثار سجالات ساخنة، مثل صفقة «إس400» إلى تركيا التي أعلن البلدان أنهما لا ينويان التراجع عنها.
ورأى معلقون عسكريون أن الصفقة مع تركيا التي ينتظر أن يبدأ تنفيذها مطلع العام المقبل، على أن تستكمل روسيا تصدير أربع كتائب من المنظومات الصاروخية بنهاية العام، تشكل محاولة واضحة لاختراق حلف الأطلسي، والشروع بوضع ملامح جديدة للتعاون العسكري والتحالفات في الملفات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. علما بأن هذا «الخرق» ليس الأول من نوعه من جانب موسكو للحلف الغربي، إذ سبق أن باعت روسيا إلى اليونان نظام «إس300» الذي تم نشره في قبرص اليونانية، لكن تلك التجربة لم تكن مفيدة لموسكو لأن معطيات عسكرية تشير إلى أن نسخة من «إس300» وصلت إلى الإسرائيليين من اليونان، وأن تل أبيب تمكنت بفضل ذلك من وضع تعديلات وبرامج لمواجهة الصاروخ المتطور. واكتسب ذلك أهمية إضافية أخيرا بعد الإعلان عن تسليم دمشق «إس300» وتباينت تعليقات الخبراء العسكريين الروس بين أطراف رأت أنها ستشكل رادعا للإسرائيليين وأخرى لمحت إلى أنه لن يكون فعالا لردع تل أبيب. في الحالين، عكس القرار الروسي بتسليم المنظومة إلى دمشق توجها لتوسيع انتشار الصواريخ الروسية الصنع في منطقة الشرق الأوسط، علما بأن هذه المنظومة تدخل في نظم التسليح في نحو عشرين بلدا حاليا. واللافت أن كلا من النظامين «إس300» و«إس400» لم يخض حروبا حقيقية، برغم مئات التجارب التي أجريت عليهما في ميادين التدريب. وفي حين يتميز نظام «إس300» الذي سيحل في سوريا مكان النظام القديم «إس200» بأنه قادر على مواجهة هجمات صاروخية باليستية ولديه أنظمة رادار متطورة، جعلته يشكل منذ سنوات طويلة العمود الفقري لمظلة الدفاع الجوي على الأراضي الروسية، فإن نظام «إس400» يشكل نظاما متكاملا كونه مزودا بنظم لإدارة وتوجيه المنظومات الدفاعية المتوسطة والقصيرة من طرازات «إس300» و«تور إم 1» و«بانتسير» ما يجعله يشكل مظلة دفاع جوية شاملة، فضلا عن قدرته على تدمير الطائرات والصواريخ المجنحة والباليستية، بما في ذلك متوسطة المدى. كما يمكن استخدامه ضد الأهداف البرية على مدى المنظومة 400 كيلومتر، والصواريخ المهاجمة بسرعة 4.8 كيلومتر في الثانية على ارتفاعات تتراوح بين عدة أمتار إلى 30 كيلومترا.

- إس 300 وإس 400 في العالم

* إس 300
يعد النظام الأكثر انتشارا لحماية المنشآت الروسية ويتم حاليا استبداله تدريجيا بـ«إس400». حاليا موجود في روسيا 125 كتيبة منه، منتشرة على طول المناطق الحدودية من أقصى الشرق إلى كاليننغراد. وفي الاورال والوسط وحول موسكو وسان بطرسبورغ.
يدخل إس300 رسميا في تسليح نحو عشرين بلدا: أذربيجان والجزائر وأرمينيا وبيلاروسيا وبلغاريا وفنزويلا وفيتنام وإيران وكازاخستان والصين وسلوفاكيا وأوكرانيا وكوريا الشمالية وقبرص اليونانية (إسرائيل حصلت على نسخة منها من اليونان وطورت مضادات لمواجهتها) وكرواتيا (تخلت عنها) وكوريا الجنوبية (المعطيات متباينة وثمة مراكز عسكرية روسية تؤكد أن النسخة الموجودة عند كوريا الجنوبية هي نسخة كورية لـ«إس300» تم تعديلها لتوافق معايير الأطلسي) ومنغوليا. فضلا عن سوريا في المرحلة الراهنة. في سوريا أيضا نشرت روسيا في 2017 إس300 خاصة بحماية منشآتها في طرطوس.

* إس 400
- 23 كتيبة حتى الآن في روسيا موزعة في أقصى الشرق عند حدود اليابان وأقصى الغرب في كاليننغراد وفي محيط موسكو وبطرسبورغ وفي القرم.
- الصين تم تنفيذ عقد قيمته 3 مليارات دولار وقع في 2016. وبدء التسليم منتصف العام الجاري.
- الهند خمس منصات قيمة العقد 5 مليارات دولار.
- بيلاروسيا منذ 2016 تعمل على استبدال إس300 بالنسخة المطورة.
تجري روسيا حاليا مفاوضات مباشرة أو تحضيرا لمفاوضات مع البلدان التالية:
- تركيا: العقد موقع ويبدأ التسليم مطلع العام المقبل.
- كازاخستان: العقد موقع.
- أرمينيا أعلنت رغبتها باستبدال إس300.
مفاوضات مع السعودية والمغرب والعراق كلها بدأت خلال العام الأخير. اهتمام من جانب الإمارات والبحرين. والمجمع الصناعي العسكري الروسي قال إن المفاوضات بدأت.
- في سوريا منصتا إطلاق واحدة في حميميم والأخرى في البحر وفقا لتأكيد مصدر عسكري.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».